Indexed OCR Text
Pages 1041-1060
١٠٤١ سورة الفرقان: الآية (٤٤) - من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع))، انتهى محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور. وإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن يكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمره به معبوده جل وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف جميع ما يستحقه عليه خالقه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح. وإذا علمت هذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله - جل وعلا - بينه في غير هذا الموضع في قوله: ﴿أَفَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِه ◌ِشَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الجاثية: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَبِهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ ... الآية [فاطر: ٨]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: استفهام إنكار فيه معنى النفي. والمعنى أن من أضله الله فاتخذ إلهه هواه، لا تكون أنت عليه وکیلاً؛ أي حفيظاً تهديه، وتصرف عنه الضلال الذي قدره الله عليه؛ لأن الهدى بيد الله وحده لا بيدك، والذي عليك إنما هو البلاغ، وقد بلغت. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ ... الآية [القصص: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصِّ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ الآية [النحل: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنقِذُ مَن فِ النَّارِ ١٩ [الزمر]، وقوله تعالى: ﴿أَفَنْتَ تُكْرُهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ... الآية [يونس: ٩٩ - ١٠٠]، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفاً: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَدُ فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَّهِمْ حَسَرَّتٍ﴾ ... الآية [فاطر: ٨]، وقوله تعالى في آية الجائية المذكورة آنفاً أيضاً: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الجائية: ٢٣]، والآيات بمثل ذلك كثيرة، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْفَجّ بَلّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( ((أم)) في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة ٤٤ بين معنى بل الإضرابية، واستفهام الإنكار معاً، والإضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي: والمعنى بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؛ أي لا تعتقد ذلك ولا تظنه، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه: أي لا يدركونه بعقولهم إن هم إلا كالأنعام أي ما هم إلا كالأنعام، التي هي الإبل والبقر والغنم في عدم سماع الحق، وإدراكه، بل هم أضل من الأنعام؛ أي أبعد عن فهم الحق، وإدراكه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَّ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟ ١٠٤٢ - سورة الفرقان: الآية (٤٧) قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، اهـ منه. وإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلِّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ اَلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَآءً مُّمْ بُكْمَّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٣٩)﴾ [البقرة]. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنََّمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ١٤٧ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل لهم النهار نشوراً، أما جعله لهم الليل لباساً، فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطي جميع من في الأرض بظلامه، صار لباساً لهم، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه، وربما انتفعوا بلباس الليل كهروب الأسير المسلم من الكفار في ظلام الليل، واستتاره به حتى ينجو منهم، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل كما قال أبو الطيب المتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب وزارك فيه ذو الدلال المحجب وقاك ردى الأعداء تسري إليهم وأما جعله لهم النوم سباتاً فأكثر المفسرين على أن المراد بالسبات: الراحة، من تعب العمل بالنهار؛ لأن النوم يقطع العمل النهاري، فينقطع به التعب، وتحصل الاستراحة، كما هو معروف. وقال الجوهري في صحاحه: السبات: النوم وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَانًا ﴾﴾ [النبأ]، وقال الزمخشري في الكشاف: والسبات: الموت، والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّكُمْ بِلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟. قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد، وهو مرنق، اهـ محل الغرض منه. وإيضاح كلامه أن النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم إيضاحه، وعليه فقوله: ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ أي حياة بعد الموت، وعليه فالموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ وإطلاق الموت على النوم معروف في القرآن العظيم كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَوَفَِّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَحْتُمْ بِلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقوله: سورة الفرقان: الآيات (٤٨ - ٥٠). ١٠٤٣ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ فهي دليل على ما ذكره الزمخشري؛ لأن كلا من البعث والنشور، يطلق على الحياة بعد الموت، وكقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَّ اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَِّى لَمْ تَّمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَنَّىَّ﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال الجوهري في صحاحه: والمسبوت الميت والمغشي عليه، اهـ. والذين قالوا: إن السبات في الآية الراحة بسبب النوم من تعب العمل بالنهار، قالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ أنهم ينشرون فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسبابهم، والظاهر أن هذا التفسير فيه حذف مضاف، أو هو من النعت بالمصدر، وهذا التفسير يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَرَ مَعَاشًا ﴾﴾ [النبأ] وقوله تعالى في القصص: ﴿وَمِن زَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسَكُواْ فِيهِ وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار في السعي للمعاش. وإذا علمت هذا فاعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا ﴿ وَجَعَلْنَا الَّلَ لَِاسًا ﴿٣ وَجَعَلْنَا النََّرَ مَعَاشًا [النبأ] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَ يْتُمْ إِن ◌َجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلَيْلِ تَسْكُنُونَ فِيَةِ أَفَلاَ تُصِرُونَ (٣) وَمِن زَّحْمَتِهِ، (ب)﴾ [القصص]. جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسَكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَاَ ءَايَةَ الَّتِلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَاَلْحِسَابَّ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٢]. وقد أوضحنا هذا في الكلام على هذه الآية. وكقوله تعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْثَىِ ﴿﴿ وَلَنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾﴾ [الليل] وقوله تعالى: ﴿وَالنََّارِ إِذَا جَّهَا ﴿ وَأَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا ﴾﴾ [الشمس] إلى غير ذلك من الآيات. وفي الآيات المذكورة بيان أن الليل والنهار آيتان من آياته ونعمتان من نعمه - جلّ وعلا -. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُثْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾. قد قدمنا الآية الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] على قراءة من قرأ بشراً بالباء. وآية الأعراف وآية الفرقان المذكورتان تدلان على أن المطر رحمة من الله لخلقه. وقد بين ذلك في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَثَلِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ [الروم: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ... الآية [الشورى: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ٥٠ ١٠٤٤ - سورة الفرقان: الآيات (٥١ - ٥٢) التحقيق أن الضمير في قوله: ولقد صرفناه، راجع إلى ماء المطر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ كما روي عن ان عباس وابن مسعود، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد، خلافاً لمن قال: إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي عن عطاء الخراساني وصدر به القرطبي، وصدر الزمخشري بما يقرب منه. وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في: صرفناه، عائد إلى ماء المطر. فاعلم أن المعنى ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطراً كثيراً في بعض السنين على بعض البلاد، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر. وقوله: ليذكروا؛ أي صرفناه بينهم، لأجل أن يتذكروا: أي يتذكر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر، نعمة الله عليهم، فيشكروا له، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء، فيبادروا بالتوبة إلى الله - جل وعلا -، ليرحمهم ويسقيهم. وقوله: ﴿فَأَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]؛ أي كفراً لنعمة من أنزل عليهم المطر، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له - جل وعلا - في سورة الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (49)﴾ [الواقعة] فقوله: رزقكم: أي المطر، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]، وقوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي بقولكم: مطرنا بنوء كذا، ويزيد هذا إيضاحاً الحديث الثابت في صحيح مسلم، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى، وهو أنه ◌ّه قال لأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب)). وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ يدخل فيه من قال مطرنا بنوء كذا. ومن قال مطرنا بالبخار، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل، وأن المطر منه كما تقدم إيضاحه، فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا ﴾﴾﴾. المعنى: لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيراً يتولى مشقة إنذارها عنك؛ أي ولكننا اصطفيناك، وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس، تعظيماً لشأنك، ورفعاً من منزلتك، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِينَ﴾ [الأحزاب: ١]. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه عليه بالرسالة لجميع الناس، جاء موضحاً، في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ ١٠٤٥ سورة الفرقان: الآية (٥٣). جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وقوله: ﴿وَأُوِْىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ... الآية [هود: ١٧]. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ()﴾ وقوله: ﴿فَلَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾ ذكره أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ ... الآية [الأحزاب: ١]. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. [الإنسان: ٢٤] وقوله: ﴿وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (٣)﴾ [القلم]. وقوله في هذه الآية الكريمة: وجاهدهم به؛ أي بالقرآن كما روي عن ابن عباس. والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾، من المعلوم أنه وَ لّ لا يطيع الكافرين ولكنه يأمر، وينهى ليشرع لأمته على لسانه كما أوضحناه في سورة بني إسرائيل. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزًَّا وَحِجْرًّا تَحْجُورًا ﴾﴾، اعلم أن لفظة مرج تطلق في اللغة إطلاقين: الأول: مرج بمعنى أرسل وخلى، من قولهم: مرج دابته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعی فیه الدواب، كما قال حسان بن ثابت قته : خلال مروجها نعم وشاء وكانت لا يزال بها أنيس وعلى هذا فالمعنى أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر. والإطلاق الثاني: مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾ [ق: ٥] أي مختلط . فعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح :-. في جميعها . وقوله: ﴿هَذَا عَذَّبٌ فُرَاتٌ﴾ يعني به ماء الآبار، والأنهار والعيون في أقطار الدنيا . وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ﴾؛ أي البحر الملح، كالبحر المحيط، وغيره من البحار التي هي ملح أجاج، وعلى هذا التفسير فلا إشكال. وأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط، فالمعنى أنه يوجد في بعض المواضع اختلاط الماء الملح والماء العذب في مجرى واحد، ولا يختلط أحدهما ١٠٤٦ سورة الفرقان: الآية (٥٤) بالآخر، بل يكون بينهما حاجز من قدرة الله تعالى، وهذا محقق الوجود في بعض البلاد، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس، وقد زرت مدينة سانلويس عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقات أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذباً فراتاً، وبالأخرى ملحاً أجاجاً، والجميع في مجرى واحد، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه - جل وعلا - ما أعظمه، وما أكمل قدرته. وهذا الذي ذكره - جل وعلا - في هذه الآية جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِعٌ شَرَابُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ [الرحمن] أي لا [فاطر: ١٢] وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ ﴿ يَهُمَا بَرْزَجُ لَّا يَغِيَانِ يبغي أحدهما على الآخر فيمتزج به، وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان وسورة الرحمن، قد بين تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما، وذلك في قوله - جل وعلا -: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَعِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [النمل]. وهذا الحاجز هو الييس من الأرض، الفاصل بين الماء العذب، والماء الملح على التفسير الأول. وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا ﴿وَحِجْرًا فَحْجُورًا﴾، والظاهر أن قوله هنا: حجراً أي منعاً، وحراماً قدرياً، وأن محجوراً توكيد له أي منعاً شديداً للاختلاط بينهما، وقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ صفة مشبهة من قولهم: عذب الماء بالضم فهو عذب وقوله فرات صفة مشبهة أيضاً، من فرت الماء بالضم، فهو فرات، إذا كان شديد العذوبة. وقوله: وهذا ملح، صفة مشبهة أيضاً من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح. قال الجوهري في صحاحه: ولا يقال مالح إلا في لغة ردية، اهـ. وقد أجاز ذلك بعضهم واستدل له بقول القائل: ولو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً وقوله: أجاج: صفة مشبهة أيضاً من قولهم: أج الماء يؤج أجوجاً فهو أجاج؛ أي ملح مر، فالوصف بكونه أجاجاً يدل على زيادة المرارة على كونه ملحاً، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا . 30 قال الزمخشري في الكشاف في تفسير هذه الآية الكريمة: فقسم البشر قسمين، ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ (9)﴾ [القيامة]، ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين ذكر وأنثى، انتهى منه. ١٠٤٧ سورة الفرقان: الآية (٥٤) وهذا التفسير الذي فسر به الآية يدل له ما استدل عليه به وهو قوله تعالى: ﴿أَلَـ (٣٩) ﴿ ثُّ كَنَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿َ جَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُعْنَى [القيامة] وهو دليل على أن آية الفرقان هذه بينتها آية القيامة المذكورة، وفي هذه الآية الكريمة أقوال أخر غير ما ذكره الزمخشري. منها ما ذكر ابن كثير قال: فجعله نسباً وصهراً، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب ثم يتزوج فيصهر صهراً، وانظر بقية الأقوال في الآية في تفسير القرطبي والدر المنثور للسيوطي. مسألة: استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن بنت الرجل من الزنى، لا يحرم عليه نكاحها. قال ابن العربي المالكي في هذه الآية: والنسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى، على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقاً مطلقاً، ولم يكن نسباً. محققاً، ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمُّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بنته من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا، وأصح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسب شرعاً فلا صهر شرعاً، فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم من الحلال، لا يحرم من الحرام؛ لأن الله امتن بالنسب، والصهر على عباده ورفع قدرهما، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما، ولا يساويهما. انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه. وقال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى، أو أخته أو بنت ابنه من زنى: فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم: عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في النساء مجوداً، انتهى منه. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلاً فيما يظهر أن الزنى لا يحرم به حلال، فبنته من الزنى ليست بنتاً له شرعاً، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَدِكُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فالإجماع على أنها لا ترث، ولا تدخل في آيات المواريث، دليل صريح على أنها أجنبية منه، وليست بنتاً شرعاً، ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي له أن يتزوجها بحال. وذلك لأمرين: الأول: أن كونها مخلوقة من مائه، يجعلها شبيهة شبهاً صورياً بابنته شرعاً وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزعه عن تزويجها . الأمر الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيء سبب وجوده معصيته لخالقه - جل وعلا -، فالندم على فعل الذنب الذي هو ركن من أركان التوبة، لا يلائم التلذذ بما هو ناشئ عن نفس الذنب، وما ذكره عن الشافعي من أنه يقول: إن البنت من الزنى لا تحرم، هو مراد الزمخشري بقوله : ١٠٤٨ سورة الفرقان: الآيات (٥٥ - ٥٧) وإن شافعياً قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم تنبيه : اعلم أنما ذكره صاحب الدر المنثور عن قتادة مما يقتضي أنه استنبط من قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أن الصهر كالنسب في التحريم، وأن كل واحد منهما تحرم به سبع نساء، لم يظهر لي وجهه، ومما يزيده عدم ظهور ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول، كما تقدم إيضاحه مراراً، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُهُمُّ﴾. تقدم إيضاحِه في سورة الحج وغيرها . قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾. الظهير في اللغة: المعين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ (٧) ﴾ [القصص]. فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ( ومعنى قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ على أظهر الأقوال، وكان الكافر معيناً للشيطان، وحزبه من الكفرة على عداوة الله ورسله، فالكافر من حزب الشيطان يقاتل في سبيله أولياء الله، الذين يقاتلون في سبيل الله، فالكافر يعين الشيطان وحزبه في سعيهم؛ لأن تكون كلمة الله ليست هي العليا، وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الطّغُوتِّ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِّ﴾ الآية [النساء: ٧٦]، ومعلوم أن الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، المقاتلين في سبيل الله، أنه على ربه ظهير. وقوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُوْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (٨) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ هَّ ﴾ [يس] على قول من قال: إن الجند المحضرون هم الكفار، يقاتلون عن آلهتهم ويدافعون عنها، ومن قاتل عن الأصنام مدافعاً عن عبادتها، فهو على ربه ظهير، وكونه ظهيراً على ربه أي معيناً للشيطان، وحزبه على عداوة الله ورسله، ككونه عدواً له المذكور في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ [البقرة]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِينَ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ (1)﴾ [فصلت] ومعلوم بالضرورة أن جميع الخلق لو تعاونوا على عداوة الله لا يمكن أن يضروه بشيء وإنما يضرون بذلك أنفسهم: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾﴾ [فاطر]. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا مُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الأعراف وأول سورة الكهف. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّهِ﴾ ... الآية [هود: ٢٩]. ١٠٤٩ سورة الفرقان: الآيات (٥٨ - ٦١) : قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ﴾. قد قدمنا الآية التي فيها تفصيل ذلك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًا؟ ﴾﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن؛ أي قال لهم ذلك رسول الله والر والمسلمون، تجاهلوا الرحمن، وقالوا: وما الرحمن؛ وأنكروا السجود له تعالى، وزادهم ذلك نفوراً عن الإيمان والسجود للرحمن، وما ذكره هنا من أنهم أمروا بالسجود له وحده - جل وعلا - جاء مذكوراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿فَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواُْ (4)﴾ [النجم] وقد وبخهم تعالى على عدم امتثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ (4)﴾ [الإنشقاق]. وقوله تعالى: (٤) [المرسلات] وتجاهلهم للرحمن هنا أجابهم عنه تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ. لَهُ أَزَكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ ﴾ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ أَ خَقَ الْإِنسَنَ ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾ [الرحمن]. . وقوله تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقد قدمنا طرفاً من هذا الكلام على هذه الآية؛ وقد قدمنا أيضاً أنهم يعلمون أن الرحمن هو الله، وأن تجاهلهم له تجاهل عارف، وأدلة ذلك. وقوله هنا: وزادهم نفوراً، جاء معناه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْمَانِ لِيَدِّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُقُورًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿بَل لَّجُواْ فِى عُرٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجَا وَقَمَرًّا شُغِيرًاً قد قدمنا كلام أهل العلم في معنى تبارك في أول هذه السورة الكريمة، والبروج في اللغة: القصور العالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآية، فقال بعضهم: هي الكواكب ١٠٥٠ - سورة الفرقان: الآيات (٥٥ - ٥٧) العظام. قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة، ثم قال: وقيل هي قصور في السماء للحرس. ويروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضاً، والقول الأول أظهر اللهم إلا تكون الكواكب العظام، هي قصور للحرس فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَّةَ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ [الملك: ٥]، اهـ. محل الغرض من كلام ابن كثير. وقال الزمخشري في الكشاف: البروج منازل الكواكب السبعة السيارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، سميت البروج التي هي القصور العالية؛ لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، واشتقاق البرج من التبرج لظهوره، اهـ منه. وما ذكره - جل وعلا - هنا من أنه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وهو الشمس، وقمراً منيراً، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَِّ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ [البروج] وقوله تعالى: وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (٣)﴾ [النبأ] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَوَأْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا (﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (٨)﴾ [نوح] وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: وجعل فيها ((سراجاً)) بكسر السين وفتح الراء بعدها ألف على الإفراد، وقرأه حمزة والكسائي: ((سرجاً)) بضم السين، والراء جمع سراج، فعلى قراءة الجمهور بإفراد السراج، فالمراد به الشمس، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجمع، فالمراد بالسرج الشمس، والكواكب العظام. وقد قدمنا في سورة الحجر أن ظاهر القرآن أن القمر في السماء المبنية لا السماء التي هي مطلق ما علاك؛ لأن الله بين في سورة الحجر، أن السماء التي جعل فيها البروج هي المحفوظة، والمحفوظة هي المبنية في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٣)﴾ [الذاريات] وقوله: ﴿وَبَنَّيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (13)﴾ [النبأ] وليست مطلق ما علاك، والبيان المذكور في سورة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِنَّظِرِينَ ﴿ وَحَفِظْنَهَا﴾ ... الآية [الحجر: ١٦، ١٧]، فآية الحجر هذه دالة على أن ((ذات البروج)) هي المبنية، المحفوظة لا مطلق ما علاك. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه - جل وعلا - في آية الفرقان هذه، بين أن القمر في السماء التي جعل فيها البروج؛ لأنه قال هنا: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجَا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجَا وَقَمَرًّا مُنِيْرًا (﴾﴾ وذلك دليل على أنها ليست مطلق ما علاك، وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، مما جاء به محمد وَالله. فإن قيل: يوجد في كلام بعض السلف، أن القمر في فضاء بعيد من السماء، وأن علم الهيئة دل على ذلك، وأن الأرصاد الحديثة بينت ذلك. ١٠٥١ سورة الفرقان: الآية (٦٣) - قلنا: ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدي القرآن العظيم؛ لأن الصحابة مؤ لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه وَّة، وقالوا له: يا نبي الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدراً؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وهذا الباب الذي أرشد القرآن العظيم إلى سده لما فتحه الكفرة كانت نتيجة فتحه الكفر، والإلحاد وتكذيب الله ورسوله من غير فائدة دنيوية، والذي أرشد الله إليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه، وعجائبه في السماوات والأرض ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى، واستحقاقه للعبادة وحده، وهذا المقصد الأساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار. وعلى كل حال فلا يجوز لأحد ترك ظاهر القرآن العظيم إلا لدليل مقنع يجب الرجوع إليه كما هو معلوم في محله. ولا شك أن الذين يحاولون الصعود إلى القمر بآلاتهم ويزعمون أنهم نزلوا على سطحه سينتهي أمرهم إلى ظهور حقارتهم، وضعفهم، وعجزهم، وذلهم أمام قدرة خالق السماوات والأرض - جل وعلا -. وقد قدمنا في سورة الحجر أن ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُم مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا فَيَتَّقُواْ فِى الْأَسْبَبِ أَ جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾﴾ [الحجر]. فإن قيل: الآيات التي استدللت بها على أن القمر في السماء المحفوظة فيها احتمثال على أسلوب عربي معروف، يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده دون المعنى. . وإيضاحه أن يقال في قوله: ﴿جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُرُوًا﴾ هي السماء المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، وهذا أسلوب عربي معروف وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنقَّصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١] أي ولا ينقص من عمر معمر آخر. قلنا: نعم هذا محتمل، ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل يجب الرجوع إليه، والعدول عن ظاهر القرآن العظيم لا يجوز إلا لدليل يجب الرجوع إليه، وظاهر القرآن أولى بالاتباع والتصديق من أقوال الكفرة ومقلديهم، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًّاً إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا (﴾ [الإسراء]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ﴾ الآية [مريم: ٤٧]. ١٠٥٢. سورة الفرقان: الآيات (٦٤ - ٦٧) قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَسِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا (﴾﴾، ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن عباده الصالحين، يبيتون لربهم سجداً وقياماً يعبدون الله، ويصلون له، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِثُ مَانَآءَ الَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحَةَ رَبِّهٍ﴾ [الزمر: ٩] وقوله تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفَا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَّلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿٨ كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ اَلَّلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿ وَبِالْأَسْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾﴾ [الذاريات]. وقوله تعالى: ﴿يَبِتُونَ﴾ قال الزجاج: بات الرجل ببيت: إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير: يزاولنا عن نفسه ونزاوله فبتنا قياماً عند رأس جوادنا انتهى بواسطة نقل القرطبي. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمٌ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥ الأظهر أن معنى قوله: كان غراماً؛ أي كان لازماً دائماً غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا أي لازم له، مولع به. وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ﴾ [الزخرف]. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ No ٣٧]. وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]. وقوله: ﴿لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] وقوله: ﴿وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ غَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وقوله: ﴿كَمَا نَضْحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٥٦] إلى غير ذلك من الآيات. وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: الهلاك، قاله القرطبي. وقول الأعشى: سط جزيلاً فإنه لا يبال إن يعاقب يكن غراماً وإن يعـ يعني يكن عذابه دائماً لازماً. وكذلك قول بشر بن أبي حازم: ويوم النسار ويوم الجفا ركانا عذاباً وكان غراماً وذلك هو الأظهر أيضاً في قول الآخر: وما أكلة إن نلتها بغنيمة . ولا جوعة إن جعتها بغرام قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًاً (®]﴾. قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ((ولم يقتروا)) بضم الياء المثناة التحتية وكسر التاء مضارع أقتر الرباعي، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: ((ولم يقتروا)) بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كضرب، وقرأه عاصم وحمزة، ١٠٥٣ سورة الفرقان: الآيات (٦٤ - ٦٧) والكسائي، ((ولم يقتروا)) بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإقتار على قراءة نافع وابن عامر، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم، والإسراف في قوله تعالى: ((لم يسرفوا))، مجاوزة الحد في النفقة. واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم، فلا يجاوزون الحد بالإسراف في الإنفاق، ولا يقترون أي لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم. وقال بعض أهل العلم: الإسراف في الآية: الإنفاق في الحرام والباطل، والإقتار منع الحق الواجب، وهذا المعنى وإن كان حقاً فالأظهر في الآية هو القول الأول. قال ابن كثير ◌َُّهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ ... الآية: أي ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا، ولا هذا، انتهى محل الغرض منه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر. قواماً؛ أي عدلاً وسطاً سالماً من عيب الإسراف والقتر. وأظهر أوجه الإعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي، قال: وقواماً خبر كان واسمها مقدر فيها أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواماً، ثم قال: قاله الفراء، وباقي أوجه الإعراب في الآية ليس بوجيه عندي كقول من قال: إن لفظة ((بين)) هي اسم كان، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني، وقول من قال: إن ((بين)» هي خبر کان، وقواماً حال مؤكدة له، ومن قال إنهما خبران كل ذلك ليس بوجيه عندي، والأظهر الأول، والظاهر أن التوسط في الإنفاق الذي مدحهم به شامل لإنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه الخير. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، فمن ذلك أن الله أوصى نبيه وَل﴿ بالعمل بمقتضاه في قول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ ؛ أي ممسكة عن الإنفاق إمساكاً كلياً، يؤدي معنى قوله هنا ((ولم يقتروا)). وقوله: ﴿وَلَا نَبَسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، يؤدي معنى قوله هنا: ((لم يسرفوا)). وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيًّا (﴾﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَّكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ [البقرة: ٢١٩]. على أصح التفسيرين. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. ١٠٥٤. سورة الفرقان: الآيات (٦٤ - ٦٧) مسألة: هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ ... الآية والآيات التي ذكرناها معها، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد. وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما . الأول منهما: اكتساب المال. والثاني منهما: صرفه في مصارفه، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلا بوجود الآخر، فلو كان الإنسان أحسن الناس نظراً في أوجه اكتساب المال إلا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه، فإن جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة، وكذلك إذا كان الإنسان أحسن الناس نظراً في صرف المال في مصارفه المنتجة إلا أنه أخرق جاهل بأوجه اكتسابه. فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه، والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد فى الصرف. وإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين، وأن الآيات المذكورة دلت على أحدهما فاعلم أن الآخر منهما وهو اكتساب المال أرشدت إليه آيات أخر دلت على فتح الله الأبواب إلى اكتساب المال بالأوجه اللائقة، كالتجارات وغيرها، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرَْىٌّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، والمراد بفضل الله في الآيات المذكورة ربح التجارة، وكقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ... الآية [الكهف: ١٩]. أنواع الشركات، وأسماءها، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز عند الأئمة الأربعة، وأوضحنا ما اتفقوا على منعه، وما اتفقوا على جوازه، وما اختلفوا فيه، وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب المال بالأوجه الشرعية اللائقة. وإذا علمت مما ذكرنا أن جميع مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين هما اكتساب المال وصرفه في مصارفه، فاعلم أن كل واحد من هذين الأصلين، لا بد له من أمرين ضروريين له: الأول منهما: معرفة حكم الله فيه؛ لأن الله - جل وعلا - لم يبح اكتساب المال بجميع الطرق التي يكتسب بها المال، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرَّوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولم يبح الله - جل وعلا - صرف المال في كل شيء، بل أباح بعض الصرف وحرم بعضه، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّْتَةُ حَّةٍّ﴾ سورة الفرقان: الآيات (٦٤ - ٦٧ ) ١٠٥٥ الآية: [البقرة: ٢٦١]. وقال تعالى في الصرف الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية [الأنفال: ٣٦]، فمعرفة حكم الله في اكتساب المال وفي صرفه في مصارفه أمر ضروري لا بد منه؛ لأن من لم يعلم ذلك قد یکتسب المال من وجه حرام، والمال المكتسب من وجه حرام، لا خير فيه البتة، وقد يصرف المال في وجه حرام، وصرفه في ذلك حسرة على صاحبه. الأمر الثاني: هو معرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال، فقد يعلم الإنسان مثلاً أن التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعاً، ولكنه لا يعلم أوجه التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال من ذلك الوجه الشرعي، وكم من متصرف يريد الربح، فيعود عليه تصرفه بالخسران، لعدم معرفته بالأوجه التي يحصل بها الربح. وكذلك قد يعلم الإنسان أن الصرف في الشيء الفلاني مباح، وفيه مصلحة، ولكنه لا يهتدي إلى معرفة الصرف المذكور، كما هو مشاهد في المشاريع الكثيرة النفع إن صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة، فإن جواز الصرف فيها معلوم، وإيقاع الصرف على وجه المصلحة، لا يعلمه كل الناس، وبهذا تعلم أن أصول الاقتصاد الكبار أربعة : الأول: معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال، واجتناب الاكتساب به، إِن كان محرماً شرعاً. الثاني: حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات والأرض، وما لا یبیحه. الثالث: معرفة حكم الله في الأوجه التي يصرف فيها المال، واجتناب المحرم منها . الرابع: حسن النظر في أوجه الصرف، واجتناب ما لا يفيد منها، فكل من بنى اقتصاده على هذه الأسس الأربعة كان اقتصاده كفيلاً بمصلحته، وكان مرضياً لله - جل وعلا -، ومن أخل بواحد من هذه الأسس الأربعة كان بخلاف ذلك؛ لأن من جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله - جل وعلا - فلا خير في ماله، ولا بركة كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرَبَوْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى اُلْخَبِيثُ وَالَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ... الآية [المائدة: ١٠٠]. وقد تكلمنا على مسائل الربا في آية الربا في سورة البقرة وتكلمنا على أنواع الشركات وأسمائها، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ... الآية [الكهف: ١٩]. ولا شك أنه يلزم المسلمين في أقطار الدنيا التعاون على اقتصاد يجيزه خالق السماوات والأرض، على لسان رسوله مَ ﴿، ويكون كفيلاً بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه الشرعية، وصرفه في مصارفه المنتجة الجائزة شرعاً؛ لأن الاقتصاد الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحه الشرع الكريم؛ لأن الذين نظموا طرقه ليسوا بمسلمين، ١٠٥٦ سورة الفرقان: الآيتان (٧٢ - ٧٣) فمعاملات البنوك والشركات لا تجد شيئاً منها يجوز شرعاً؛ لأنها إما مشتملة على زيادات ربوية، أو على غرر، لا تجوز معه المعاملة كأنواع التأمين المتعارفة عند الشركات اليوم في أقطار الدنيا، فإنك لا تكاد تجد شيئاً منها سالماً من الغرر، وتحريم بيع الغرر ثابت عن النبي ◌َّار، ومن المعلوم أن من يدعي إباحة أنواع التأمين المعروفة عند الشركات، من المعاصرين أنه مخطئ في ذلك، ولأنه لا ليل معه، بل الأدلة الصحيحة على خلاف ما يقول، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَرُواْ كِرَامًا﴾، أي إذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كراماً مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم، وهو كل كلام لا خير فيه كما تقدم. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحه - جل وعلا - بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ ﴾﴾ [القصص]، وقد قدمنا الآيات الدالة على معاملة عباد الرحمن للجاهلين، في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾ ... الآية [مريم: ٤٧]. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا قال الزمخشري: لم يخروا عليها ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً، هو نفي للسلام لا للقاء. والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها، حرصاً على استماعها وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية مبصرون بعيون راعية. انتهى محل الغرض منه. ولا يخفى أن لهذه الآية الكريمة دلالتين: دلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، فقد دلت بمنطوقها على أن من صفات عباد الرحمن، أَنَّهُمْ إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها، لم يكبوا عليها في حال كونهم صماً عن سماع ما فيها من الحق، وعمياناً عن إيصاره، بل هم يكبون عليها سامعين ما فيها من الحق مبصرين له. وهذا المعنى دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ... الآية [الأنفال: ٢]. ومعلوم أن من تليت عليه آيات هذا القرآن، فزادته إيماناً أنه لم يخر عليها أصم أعمى. وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنَ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَنَّأْ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (g)﴾ [التوبة] وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَّقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ كَتَهُمْ ثُمَّ تَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت الآية المذكورة أيضاً بمفهومها أن الكفرة المخالفين لعباد الرحمن ١٠٥٧ سورة الفرقان: الآيات (٧٥ - ٧٧ ) ـ الموصوفين في هذه الآيات، إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صماً وعمياناً؛ أي لا يسمعون ما فيها من الحق، ولا يبصرونه، حتى كأنهم لم يسمعوها أصلاً. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة بمفهومها جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ مَثُنَا وَلَّى مُسْتَكْرًا كَأَنْ لَّمْ بَسْمَعْهَا كَنَّ فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [لقمان] وقوله تعالى في الجاثية: ﴿وَلٌّ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَئِمِ ﴿ يَتْمَعُ مَيَتِ اللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُّ بُصِرُ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعَهِّ فَبِّرُهُ بِعَذَابٍ أَليم وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَئِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾﴾ [الجاثية]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَّأْ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونُ (9) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]؛ إلى غير ذلك من الآيات. والظاهر أن معنى خرور الكفار على الآيات، في حال كونهم صماً وعمياناً، هو إكبابهم على إنكارها، والتكذيب بها، خلافاً لما ذكره الزمخشري في الكشاف، والصم. في الآية، جمع أصم: والعميان؛ جمع أعمى. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أُوَبِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، الظاهر أن المراد بالغرفة في هذه الآية الكريمة جنسها الصادق بغرف كثيرة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ اُلْغُرُفَاتِ هَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفُ مَّيْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحِمَا اٌلْأَنْهَرٌ﴾ ... الآية [الزمر: ٢٠]، وقد أوضحنا هذا في أول سورة الحج وفي غيرها، قوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةٌ وَسَلَئِمًا﴾، قد قدمنا الآياتِ الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحِيَُّهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠]ِ قوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٣)﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]. قبوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ يَكُتْ رَقِ لَوْلَا يُعَاؤُكُمَّ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ ◌ِزَامًا ﴾﴾، العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يقولون: ما عبأت بفلان أي ما باليت به، ولا اكترثت به؛ أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر يستوجب الاكتراث والمبالاة به، وأصله من العبء وهو الثقل، ومنه قول أبي زيد يصف أسداً: كأن بنحره وبمنكبيه عبيراً بات يعبؤه عروس وقوله: یعبؤه؛ أي يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به. وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة، يدور على أربعة أقوال. واعلم أولاً أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله: ﴿لَوَلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، هل هو ١٠٥٨ - سورة الفرقان: الآيات (٧٥ - ٧٧) مضاف إلى فاعله، أو إلى مفعوله، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية، داعون: لا مدعوون؛ أي ((ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم))؛ أي عبادتكم له. وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية، مدعون، لا داعون؛ أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده، وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. واعلم أيضا أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافاً إلى فاعله، والرابع: مبني على كونه مضافاً إلى مفعوله. أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافاً إلى فاعله: فالأول منها أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده - جل وعلا -، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ ... الآية. والثاني منها أن المعنى لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب؛ أي ولو كنتم ترجعون إلى شرككم، إذا كشف الضر عنكم. والثالث أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي؛ أي ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، ولا يخفى بعد هذا القول، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه، ولا حاجة إليه. أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله، فهو ظاهر أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله. وإذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أن كل واحد منها قد دل عليه قرآن، وسنبين هنا - إن شاء الله تعالى - دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها . أما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله، وأن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإيمان به، وتوحيده، وعبادته على ألسنة رسله، فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّاءٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧] وقوله تعالى في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِسَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله في أول سورة الملك: ﴿ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَبَلًا﴾ [الملك: ٢]. فهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض، وجميع ما على الأرض والموت والحياة، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله، ويبتليهم، أي أن يختبرهم أيهم أحسن عملاً. وهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات]. ١٠٥٩ سورة الفرقان: الآيات (٧٥ - ٧٧) - وفي هذه الآيات إيضاح؛ لأن معنى قوله: لولا دعاؤكم: أي دعاؤه إياكم على ألسنة رسله، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملاً، وعلى هذا فلا إشكال في قوله: ((فقد كذبتم)): أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم؛ أي وقد دعاكم فكذبتم، وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه. فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه. وأما القول بأن معنى: ((لولا دعاؤكم)) أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِىِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وقوله تعالى: ﴿جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَتُّواْ أَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمٌّ دَعَواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُّرُ فِىِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧]، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه. وأما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد دل على معناه قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ [النساء: ١٩٧]. والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلاً، وهو أن المعنى: ((لولا دعاؤكم)): أي عبادتكم له وحده، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعطيه الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها . واعلم أن لفظة ((ما)، في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُأْ بِكُمْ رَبِّ﴾ قال بعض أهل العلم: هي استفهامية، وقال بعضهم: هي نافية، وكلاهما له وجه من النظر. واعلم أن قول من قال: لولا دعاؤكم؛ أي دعاؤكم إياي لأغفر لكم، وأعطيكم ما سألتم راجع إلى القول الأول؛ لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم. وقوله: فقد كذبتم؛ أي بما جاءكم به رسول الله وَلته . وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أن معنى قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سوف يكون العذاب ملازماً لهم غير مفارق، كما تقدم إيضاحه. وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه لهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أنه ما وقع من العذاب يوم بدر؛ لأنهم قتل منهم سبعون وأسر سبعون، والذين قتلوا منهم أصابهم عذاب القتل، واتصل به عذاب البرزخ والآخرة، فهو ملازم لا يفارقهم بحال، وكون اللزام المذكور في هذه الآية: العذاب الواقع يوم بدر. نقله ابن كثير عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم، ثم قال: وقال الحسن البصري: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؛ أي يوم القيامة، ولا منافاة بينهما، انتهى من ابن كثير، ونقله صاحب الدر المنثور عن أكثر المذكورين وغيرهم. ٠٠ ١٠٦٠ سورة الشعراء: الآيات (٣ - ٨) وقال جماعة من أهل العلم: إن يوم بدر ذكره الله تعالى في آيات من كتابه، قالوا: هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ﴾ [السجدة: ٢١] أي يوم بدر ﴿دُونَ اٌلْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]، أي يوم القيامة، وأنه هو المراد بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُنُ لِزَامًا﴾، وأنه هو المراد بالبطش والانتقام، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ اُلْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾﴾ [الدخان] وأنه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ ءَمَنتُم بِلَّهِ وَمَآ أَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ اُلْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهو يوم بدر، وأنه هو الذي فيه النصر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٢٣]، وكون المراد بهذه الآيات المذكورة يوم بدر ثبت بعضه في الصحيح، عن ابن مسعود، وهو المراد بقول الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر: وقد أتى منوهاً في الذكر. وأنه البطش والانتقام لأنه العذاب واللزام والحق والنصر سجيس الدهر وأنه الفرقان بين الكفر ومعنی سجیس الدهر؛ أي مدته. وأظهر الأقوال في الآية عندي، هو القول بأن المصدر فيها مضاف إلى مفعوله لجريانه على اللغة الفصيحة من غير إشكال ولا تقدير، وممن قال به قتادة، والعلم عند الله تعالى. براس الرحمن الرحيم سورة الشعراء قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف] وفي آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (@)﴾ [الحجر]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الْأَرْضِ كَمّ أَثْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾. أشار - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة إلى أن كثرة ما أنبت في الأرض، من كل زوج كريم؛ أي صنف حسن من أصناف النبات، فيه آية دالة علی كمال قدرته.