Indexed OCR Text

Pages 1021-1040

١٠٢١
سورة الفرقان: الآية (١٦).
وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظة ((خير»
في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية:
عن قولهم أخير منه وأشر
وغالباً أغناهم خير وشر
· كما قدمناه موضحاً في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ... الآية [النحل: ٣٠].
والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل
والمفضل عليه فيما فيه التفضيل، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه،
ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة،
وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال، والجواب عن هذا الإشكال من وجهين:
الأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مراداً بها مطلق
الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مراراً وأكثرنا من شواهده العربية في
سورة النور وغيرها .
الثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون
غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن
ثابت بصـ
ـته:
أتهجوه ولست له بكفء فشرّكما لخيركما الفداء
وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ
أَحَبُّ إِلَىَ﴾ ... الآية [يوسف: ٣٣].
قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ... الآية،
و((خير)) هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان
فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة كقوله:
فشركما لخيركما الفداء
وكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ. اهـ الغرض من
كلام أبي حيان.
وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى،
والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ العائد محذوف؛
أي وعدها المتقون، والآية تدل على أن الوعد الصادق بالجنة، يحصل بسبب التقوى.
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله

١٠٢٢
سورة الفرقان: الآيتان (١٧ - ١٨)
تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا مَا يَشَآءُونَ﴾
العائد أيضاً محذوف كالذي قبله؛ أي ما يشاءونه، وحذف العائد المنصوب بالفعل أو
الوصف كثير، كما قال في الخلاصة:
في عائد متصل إن انتصب
والحذف عندهم كثير منجلي
كمن نرجو يهب
بفعل أو وصف
وهذه الآية الكريمة، تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاؤونه من أنواع النعيم.
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:
﴿َّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ [النحل: ٣١] والآيات
المذكورة تدل على أن حصول كل ما يشاؤه الإنسان لا يكون إلا في الجنة، وقوله: ﴿ كَانَتْ
لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا﴾ المصير مكان الصيرورة، وقد مدح الله جزاءهم ومحله كقوله تعالى:
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] لأن حسن المكان وجودته من أنواع النعيم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَانَ عَى رَيِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ فيه وجهان معروفان:
أحدهما أن معنى كونه مسئولاً أن المؤمنين كانوا يسألونه، وكانت الملائكة أيضاً
تسأله لهم، أما سؤال المسلمين له فقد ذكره تعالى بقوله عنهم: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى
رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ (19)﴾ [آل عمران] وسؤال الملائكة لهم إياه
ذكره تعالى أيضاً في قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدٍّ الَّتِى وَعَدَتَّهُمْ﴾ ... الآية [غافر: ٨]،
وقال بعض العلماء: مسئولاً: أي واجباً لأن ما وعد الله به فهو واجب الوقوع؛ لأنه لا
يخلف الميعاد، وهو - جل وعلا - يوجب على نفسه بوعده الصادق ما شاء لا معقب
لحكمه ويستأنس لهذا القول بلفظة ((على)) في قوله: ﴿ كَانَ عَلَى رَيِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ كقوله
تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وقال بعض أهل العلم: إن
المسلمين يوم القيامة يقولون: قد فعلنا في دار الدنيا كل ما أمرتنا به فأنجز لنا ما
وعدتنا، والقولان الأولان أقرب من هذا، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ،َأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى
هَكُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَطْبَغِى لَنَا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ
وَلَكِن مَّتَعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا (®)﴾. قرأ هذا الحرف عامة
السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: ((نحشرهم))، بالنون الدالة على العظمة، وقرأ
ابن كثير، وحفص، عن عاصم: ((يحشرهم)) بالياء المثناة التحتية، وقرأ عامة السبعة غير
ابن عامر، ((فيقول)) بالياء المثناة التحتية، وقرأ ابن عامر ((فنقول)) بنون العظمة.
فتحصل أن ابن كثير وحفصاً يقرآن بالياء التحتية فيهما، وأن ابن عامر يقرأ بالنون
فيهما، وأن باقي السبعة يقرؤون: ((نحشرهم)) بالنون، ((فيقول)) بالياء، وقد ذكر - جل
وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه يحشر الكفار يوم القيامة، وما كانوا يعبدون من دونه؛

سورة الفرقان: الآيتان (١٧ - ١٨).
١٠٢٣
أي يجمعهم جميعاً فيقول للمعبودين: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فزينتم لهم أن يعبدوكم
من دوني، أم هم ضلوا السبيل؛ أي كفروا وأشركوا بعبادتهم إياكم من دوني من تلقاء
أنفسهم من غير أن تأمروهم بذلك ولا أن تزينوه لهم، وأن المعبودين يقولون: سبحانك
أي تنزيهاً لك عن الشركاء وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ
من دونك من أولياء: أي ليس للخلائق كلهم، أن يعبدوا أحداً سواك لا نحن ولا هم،
فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من غير أمرنا، ونحن برآء
منهم، ومن عبادتهم. ثم قال: ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ﴾ أي طال عليهم العمر، حتى
نسوا الذكر أي نسوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك،
لا شريك لك، وكانوا قوماً بوراً، قال ابن عباس: أي هلكى، وقال الحسن البصري
ومالك عن الزهري؛ أي لا خير فيهم، اهـ. الغرض من كلام ابن كثير.
.وقال أبو حيان في البحر: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَّا أَن تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾؛ أي ما
كان يصح لنا ولا يستقيم إلى آخر كلامه.
وإذا عرفت ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له،
فاعلم أن العلماء اختلفوا في المعبودين. فقال بعضهم: المراد بهم الملائكة وعيسى
وعزير. قالوا: هذا القول يشهد له القرآن؛ لأن فيه سؤال عيسى والملائكة عن عبادة من
عبدهم، كما قال في الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَتِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُمُ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنَتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ
[سبأ] وقال في عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى
أَبْنَ مَرْيَمَ ءَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَخِذُونِ وَأَتِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِّ أَنْ أَقُولَ
مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
اٌلْغُيُوبِ (1)﴾ [المائدة] وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين
في آية الفرقان هذه؛ ولذلك اختار غير واحد من العلماء أن المبعودين الذين يسألهم الله
في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء، دون الأصنام.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الأظهر عندي شمول المبعودين المذكورين
للأصنام، مع الملائكة وعيسى وعزير؛ لأن ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان:
الأولى: أنه عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل في قوله:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية. فلفظة ما تدل على شمول غير
العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته.
القرينة الثانية: هي دلالة آيات من كتاب الله، على أن المعبودين غافلون عن عبادة
من عبدهم؛ أي لا يعلمون بها لكونهم غير عقلاء كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَقَالَ
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ
شُرِّكَاؤُهُم مَّا كُمْ إِنَّنَا تَقْبُدُونَ ◌َـ

١٠٢٤
سورة الفرقان: الآيتان (١٧ - ١٨)
(٨)﴾ [يونس]،وإنما كانوا غافلين عنها لأنهم جماد لا يعقلون، وإطلاق اللفظ المختص
بالعقلاء عليهم، نظراً إلى أن المشركين نزلوهم منزلة العقلاء كما أوضحناه في غير هذا
الموضع، وكقوله تعالى في الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُو
إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيِهِمْ غَضِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
([الأحقاف] فقد دل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَفِلُونَ﴾ على أنهم لا يعقلون، ومع
ذلك قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَآءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾﴾ [الأحقاف] وكقوله تعالى
في العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَمَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَلَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ... الآية [العنكبوت: ٢٥]. فصرح
بأنهم أوثان، ثم ذكر أنهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضاً، وكقوله تعالى: ﴿كَلَّ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًّا ﴾﴾ [مريم] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حَّ نَسُواْ الذِّكْرَ﴾ الظاهر أن معنى نسوا تركوا،
والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد، وقيل ذكر الله بشكر نعمه،
والأصح أن قوله بوراً معناه هلكى، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى
الجماعة، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا: ﴿وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا﴾ وقوله في سورة الفتح:
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَرَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] ومن إطلاقه على المفرد قول
عبد الله بن الزبعرى السهمي ر اته.
يا رسول المليك إن لساني
راتق ما فتقت إذ أنا بور
ويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم من أهل
اليمن، ومنه قول الشاعر:
فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم
وكافوا به فالكفر بور لصانعه
واعلم أن ما ذكره الزمخشري في هذه الآية، وأطنب فيه من أن الله لا يضل
أحداً؛ مذهب المعتزلة، وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب الله وسنة
نبيه *، فإياك أن تغتر به، وما ذكر عن الحسن البصري، ومالك، عن الزهري من أن
معنى بوراً لا خير فيهم له وجه في اللغة العربية، ولكن التحقيق أنه ليس معنى الآية،
وأن معنى ((بوراً»: هلكى كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوَكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية أن المعبودين كذبوا العابدين وذلك في قوله
عنهم: ﴿قَالُوْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ تَتَخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ .
..... وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تكذيب المعبودين للعابدين، جاء في آيات
أخر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَنُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَنُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا أَلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ

١٠٢٥
سورة الفرقان: الآيتان (١٩ - ٢٠).
ـنحل] وقوله: ﴿فَيَلْنَا بَيْتَهُمْ وَقَالَ
مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ
شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨)﴾ [مريم] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِّنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيًا﴾.
قال ابن كثير: ومن يظلم منكم أي يشرك بالله، وذكره القرطبي عن ابن .
عباس ﴿يًّا. وهذا التفسير تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ
اُلَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ
فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ◌ّ فسر الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ
إِيَمْنَهُم ◌ِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فقال: أي بشرك كما قدمناه موضحاً.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض، وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنْ يَبْنِنَأُ﴾ ... الآية [الأنـ
وقال القرطبي في تفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِيَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ومعنى هذا أن كل
واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير
ممتحن بالغني عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد
منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: ((أتصيرون))؛ أي على الحق، وأصحاب
البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل
آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة الأشراف الناس من الكفار في عصره
وكذلك العلماء، وحكام العدل ألا ترى إلى قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اٌلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى،
والصبر أن يحبس كلاهما نفسه؛ هذا عن البطر، وذلك عن الضجر، انتهى محل
الغرض من كلام القرطبي.
وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض؛ فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّاً
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ ... الآية [الأنعام: ٥٣]. فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين، حيث
احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم،
ورثاثة حالهم، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم
أنهم قالوا فيهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١] وقال: ﴿أَمُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] إلى غير ذلك من الآيات، وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم
لهم في الدنيا كما قال تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ اَلْنَّةً لَا
خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ

١٠٢٦
سورة الفرقان: الآية (٢١)
الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَزُونَ (٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ
هَلْ تُوِّبَ اُلْكُفَارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (®)﴾ [المطففين]
اُلْكُفَارِ يَضْحَكُونَ جَ عَلَى الْأَرَابِكِ يَظُرُونَ (9)
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ أَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]
وقوله تعالى: أتصبرون، أي على الحق أم لا تصبرون. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَئِكَةُ أَوْ نَى رَبََّا لَقَدِ
اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا ﴾ـ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين لا يرجون لقاء الله قالوا: ﴿لَوْلًاً
أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾، و((لولا)) في هذه الآية للتحضيضِ
والمعنى أنهم طلبوا بحث وشدة أن تنزل عليهم الملائكة أو يرون ربهم، وهذا
التعنت الذي ذكره الله عنهم هنا من طلبهم إنزال الملائكة عليهم أو رؤيتهم ربهم، ذكره
في غيرِ هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] وقولهم:
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَبِكَةُ﴾ قيل: فتوحي إلينا كما أوحت إليك، وهذا القول يدل له قوله
تعالى: ﴿قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْثَى مِثْلَ مَّا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقيل: لولا أنزل
علينا الملائكة فنراهم عياناً، وهذا يدل له قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾؛
أي معاينة على القول بذلك، وقد قدمنا الأقوال في ذلك في سورة بني إسرائيل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((لا يرجون)). قال بعض العلماء: لا يرجون
أي لا يخافون لقاءنا لعدم إيمانهم بالبعث، والرجاء يطلق على الخوف كما يطلق على
﴾ [نوح] قال:
الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
أي لا تخافون لله عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
وخالفها في بيت نوب عواسل
فقوله لم يرج لسعها؛ أي لم يخف لسعها، وقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء
على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا: لا يأملون، وعزاه
القرطبي لابن شجرة وقال: ومنه قول الشاعر:
أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحساب
أي أتأمل أمة، إلخ. والذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله؛ لأنه لا يصدق
بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه؛ لأنه لا يؤمن بالثواب.
وقوله - جل وعلا -: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي أضمروا التكبر عن الحق
في قلوبهم، واعتقدوه عناداً وكفراً، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ
إِلَّا كِبّرٌ مَّاهُم بِالِغِيةٍ﴾ [غافر: ٥٦] وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾؛ أي تجاوزوا .
الحد في الظلم والطغيان. يقال: عتا علينا فلان؛ أي تجاوز الحد في ظلمنا، ووصفه
تعالى عتوهم المذكور بالكبر، يدل على أنه بالغ في إفراطه، وأنهم بلغوا غاية

١٠٢٧
سورة الفرقان: الآية (٢٢).
الاستكبار، وأقصى العتو، وهذه الآية الكريمة تدل على أن تكذيب الرسل بعد دلالة
المعجزات، ووضوح الحق، وعنادهم والتعنت عليهم بطلب إنزال الملائكة أو رؤية الله،
استكبار عن الحق عظيم وعتو كبير يستحق صاحبه النكال، والتقريع، ولذا شدد الله
النكير على من تعنت ذلك التعنت واستكبر عن قبول الحق، كما في قوله تعالى:
تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُبْلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ [البقرة: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ
أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اُللَّهَ
جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن
ثُؤْمِنَ لَكَ حََّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الضَّحِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (®﴾ [البقرة] واستدلال
المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ
بالله من أكبر الضلال، وأعظم الباطل، وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية:
إن الله لا یری؛ قول باطل، وكلام فاسد.
والحق الذي لا شك فيه أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما تواترت
به الأحاديث عن الصادق المصدوق وب لت، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقاً ومفهوماً.
كما أوضحناه في غير هذا الموضع.
وقد قدمنا في هذه السورة وفي سورة بني إسرائيل الآيات الدالة على أن الله لو
فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا
٢٣
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار الذين طلبوا إنزال الملائكة
عليهم أنهم يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم؛ أي لا تسرهم رؤيتهم ولا تكون لهم في
ذلك الوقت بشارة بخير، ورؤيتهم للملائكة تكون عند احتضارهم، وتكون يوم القيامة،
ولا بشرى لهم في رؤيتهم في كلا الوقتين.
أما رؤيتهم الملائكة عند حضور الموت فقد دلت آيات من كتاب الله أنهم لا
بشارة لهم فيها لما يلاقون من العذاب من الملائكة عند الموت، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ
تَرَىّ إِذْ يَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الَِّمُونَ فِى غَمَّرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَبْدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ
أَنفُسَِكُمِّ الْيَوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ اُلْحَقِّ وَّكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ◌َا
[محمد] وأما رؤيتهم الملائكة يوم القيامة فلا بشرى لهم فيها أيضاً، ويدل لذلك قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ يدل بدليل

١٠٢٨
سورة الفرقان: الآية (٢٢)
خطابه؛ أي مفهوم مخالفته، أن غير المجرمين يوم يرون الملائكة تكون لهم البشرى،
وهذا المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ أُسْتَقَدِمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ
تُوعَدُونَ ﴿٣) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ ﴿ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيمٍ (٣)﴾ [فصلت].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ أظهر القولين فيه عندي
أنه من كلام الكفار يوم يرون الملائكة، لا من كلام الملائكة. وإيضاحه أن الكفار
الذين اقترحوا إنزال الملائكة إذا رأوا الملائكة توقعوا العذاب من قبلهم، فيقولون حينئذٍ
للملائكة: حجراً محجوراً؛ أي حراماً محرماً عليكم أن تمسونا بسوء؛ أي لأننا لم
نرتكب ذنباً نستوجب به العذاب، كما أوضحه تعالى بقوله عنهم: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَكَةُ
٢٨)
ظَالِىّ أَنْفُسِهِمّ فَأَلْقَواْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّ بَلَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[النحل] فقولهم: ما كنا نعمل من سوء: أي لم نستوجب عذاباً فتعذيبنا حرام محرم،
وقد كذبهم الله في دعواهم هذه بقوله: ﴿بَىَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعادة
العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أنهم يقولون هذا الكلام؛ أي حجراً محجوراً عند لقاء
عدو موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك.
وقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني: حجراً محجوراً، في باب المصادر غير
المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ الله، وعمرك الله، ونحو ذلك،
وقوله: حجراً محجوراً، أصله من حجره بمعنى منعه، والحجر الحرام؛ لأنه ممنوع
ومنه قوله: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةِ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾؛ أي حرام ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ
بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] ومنه قول المتلمس:
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها
حجر حرام ألا تلك الدهاريس
فقوله حرام تأكيد لقوله حجر لأن معناه حرام. وقول الآخر:
ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً وأصبحت من أدنى حموتها حما
وقول الآخر:
قالت وفيها حيرة وذعر
عوذ بربي منكم وحجر
وقوله: محجوراً توكيد لمعنى الحجر. قال الزمخشري: كقول العرب: ذيل ذائل.
والذيل: الهوان، وموت مائت، وأما على القول بأن حجراً محجوراً من قول الملائكة،
فمعناه: أنهم يقولون للكفار حجراً محجوراً؛ أي حراماً محرماً أن تكون للكفار اليوم بشرى،
أو أن يغفر لهم، أو يدخلون الجنة. وهذا القول اختاره ابن جرير، وابن كثير وغير واحد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اُلْمَلَتِكَةَ﴾ قال الزمخشري: يوم
منصوب بأحد شيئين، إما بما دل عليه ((لا بشرى))؛ أي يوم يرون الملائكة يمنعون

١٠٢٩
سورة الفرقان: الآيتان (٢٣ - ٢٤)
البشرى، أو يعدمونها، ويومئذٍ للتكرير، وإما بإضمار ((اذكر))؛ أي اذكر يوم يرون
الملائكة، ثم قال: لا بشرى يومئذٍ للمجرمين.
كل ﴾. قد قدمنا
قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا
الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة بني إسرائيل
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ... الآية
[الإسراء: ١٩]. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]. وغير ذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٣)﴾، استنبط بعض
العلماء من هذه الآية الكريمة أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ينتهي في نصف نهار،
ووجه ذلك أن قوله: مقيلاً؛ أي مكان قيلولة وهي الاستراحة في نصف النهار، قالوا:
وهذا الذي فهم من هذه الآية الكريمة، جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِتَبَهُ
بَيَمِينِةِ، ﴿﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿ وَيَقَلِبُ إِلَى أَهْلِمِ مَسْرُورًا ﴾﴾ [الانشقاق].
ويفهم من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ
مُسْتَقَرًا﴾ ... الآية أن أصحاب النار ليسوا كذلك وأن حسابهم غير يسير.
وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى قريباً من هذه الآية: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِدٍ
اَلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا ﴾﴾ فقوله: على الكافرين يدل على أنه على
المؤمنين غير عسير، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ ... الآية [الأنبياء:
١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ
يَسِيرٍ ﴾ [المدثر] وقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ ﴾﴾ [القمر]
وإذا علمت مما ذكرنا ما جاء من الآيات فيه بيان لقوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ
مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (﴾ فهذه أقوال بعض المفسرين في المعنى الذي ذكرنا في الآية.
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في
قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا
على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وذلك مثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ
بِيَمِنِةِ، ﴿ فَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيْرًا ﴿ وَقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ﴾ [الانشقاق) وأخرج
ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
والحاكم وصححه عن ابن مسعود. قال: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل
هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَفَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٣)﴾ وقرأ: (ثم
إن مقيلهم لإلى الجحيم) وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة.
فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، وأبو نعيم في

١٠٣٠
سورة الفرقان: الآيتان (٢٣ - ٢٤)
الحلية، عن إبراهيم النخعي: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة، نصف
النهار. فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فذلك قوله: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ
٢٤٦
يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن الصواف قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على
المؤمن، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة،
حين يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ
مَقِيلًا ﴾﴾ إلى أن قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إني لأعرف الساعة التي
يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، الساعة التي يكون فيها ارتفاع الضحى
الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم، للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل
الجنة فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد الحوت فأشبعهم
كلهم فذلك قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةٍ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (®]) انتهى منه.
وذكر نحوه القرطبي مرفوعاً وقال: ذكره المهدوي. والظاهر أنه لا يصح مرفوعاً،
وقال القرطبي أيضاً: وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال
رسول الله وسلم: ((في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)) فقلت: ما أطول هذا اليوم.
فقال ◌َّيقر: ((والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة
المكتوبة)) وهو ضعيف أيضاً، وما ذكره عن ابن مسعود من أنه قرأ: (ثم إنَّ مَقِيلَهُمْ لإلى
الجحيم) معلوم أن ذلك شاذ لا تجوز القراءة به، وأن القراءة الحق ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى
﴾ [الصافات].
٦٨
اْجَحِيمِ
واعلم أن قول قتادة في هذه الآية معروف مشهور، وعليه فلا دليل في الآية لما
ذكرنا، وقول قتادة هو أن معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي منزلاً ومأوى، وهذا التفسير
لا دليل فيه على القيلولة في نصف النهار كما ترى.
وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين ما
دل عليه قوله هنا ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ من انقضاء الحساب في نصف نهار، وبين ما دل عليه
قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وذكرنا الآيات المشيرة
إلى الجمع، وبعض الشواهد العربية.
واعلم أن المشهور في كلام العرب أن المقيل القيلولة أو مكانها، وهي الاستراحة
نصف النهار زمن الحر مثلاً، وإن لم يكن معها نوم، ومنه قوله:
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
جزى الله رَبَّ الناس خير جزائه
أي نزلا فيها وقت القائلة، كما قاله صاحب اللسان، وما فسر به قتادة الآية، من
أن المقيل المنزل والمأوى، معروف أيضاً في كلام العرب ومنه قول ابن رواحة:
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
اليوم نضربكم على تنزيله

١٠٣١
سورة الفرقان: الآية (٢٥) -
فقوله: يزيل الهام عن مقيله، يعني: يزيل الرؤوس عن مواضعها من الأعناق،
ومعلوم أن المقيل فيه المحل الذي تسكن فيه الرؤوس. والظاهر أن من هذا القبيل قول
أحيحة بن الجلاح الأنصاري:
وما تدري وإن أجمعت أمراً
بأي الأرض يدركك المقيل
وعليه فالمعنى: بأي الأرض يدركك الثواء والإقامة بسبب الموت أو غيره من
الأسباب، وصيغة التفضيل في قوله هنا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ تكلمنا على مثلها
قريباً في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ الآية.
٢٥]
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَزِلَ المَلَئِكَةُ تَنزِيلًا
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المسماء تتشقق يوم القيامة بالغمام،
وأن الملائكة تنزل تنزيلاً. وقال القرطبي: تتشقق السماء بالغمام أي عن الغمام. قال:
والباء وعن يتعاقبان كقولك: رميت بالقوس، وعن القوس انتهى. ويستأنس لمعنى عن
بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًاً﴾ ... الآية [ق: ٤٤].
وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة من تشقق السماء يوم القيامة
ووجود الغمام، وتنزيل الملائكة كلها جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما تشقق السماء يوم القيامة فقد بينه - جل وعلا - في آيات كثيرة من كتابه كقوله
﴾ [الرحمن] وقوله تعالى: ﴿فَوْمَيِدٍ
تعالى: ﴿فَإِذَا أُنشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ
وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ [الحاقة] وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
(4) ... الآية [الانشقاق]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ ظُمِسَتْ جَ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ
الآية [المرسلات: ٨ - ٩] فقوله: فرجت؛ أي شقت، فكان فيها فروج؛ أي شقوق كقوله:
(فيً﴾ [النبأ)،
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَظَرَتْ ﴾﴾ [الانفطار] وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا
وأما الغمام ونزول الملائكة، فقد ذكرهما معاً في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٠]. وقد ذكر - جل وعلا -
نزول الملائكة في آيات أخرى كقوله ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا (٣)﴾ [الفجر] وقوله
تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥٨] وقوله
تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَتِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنَظَرِينَ ﴾﴾ [الحجر].
قال الزمخشري: والمعنى أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام
الملائكة ينزلون، وفي أيديهم صحف أعمال العباد، انتهى منه.
وقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر (تشقّق)) بتشديد الشين، والباقون
بتخفيفها بحذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير: و((ننزل الملائكة)) بنونين الأولى
مضمومة، والثانية ساكنة مع تخفيف الزاي، وضم اللام، مضارع أنزل، والملائكة
بالنصب مفعول به، والباقون بنون واحدة وكسر الزاي المشددة ماضياً مبنياً للمفعول،

١٠٣٢ -
-
سورة الفرقان: الآيات (٢٦ - ٢٩)
والملائكة مرفوعاً نائب فاعل نزل، والأظهر أن يوم منصوب باذكر مقدراً، كما قاله
القرطبي، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِينَ عَسِيرًا
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الملك الحق يوم القيامة له - جل وعلا -
دون غيره، وأن يوم القيامة كان عسيراً على الكافرين.
وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من
كتاب الله، أما كون الملك له يوم القيامة، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله جل
وعلا: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة] وقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾
[غافر: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَّهُ الْمُلَّكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِىِ الصُّورِ﴾ ... الآية [الأنعام: ٧٣]. إلى
غير ذلك من الآيات.
وأما كون يوم القيامة عسيراً على الكافرين، فقد قدمنا الآيات الدالة عليه قريباً في
الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ أَلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَفَرًا﴾ ... الآية.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَوَيْلَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَنَا خَلِيلًا ﴿ لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدُ إِذْ جَاءَتِيِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾﴾. من المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه
الآية، هو عقبة بن أبي معيط، وأن فلاناً الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف، أو أخوه
أبي بن خلف، وذكر بعضهم أن في قراءة بعض الصحابة. ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً،
وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير، لا القراءة، وعلى كل حال فالعبرة بعموم
الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر، حتى مات على
ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط.
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآيات الكريمة جاء موضحاً في غيرها، فقوله:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ كناية عن شدة الندم والحسرة؛ لأن النادم ندماً شديداً،
يعض على يديه، وندم الكافر يوم القيامة وحسرته الذي دلت عليه هذه الآية، جاء
موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابٌّ
وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ الآية [يونس: ٥٤]. وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَأَسَرُّواْ التَّدَامَةَ
لَمَّا رَأَوْأ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [سبأ: ٣٣]. وقوله تعالى:
﴿ قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣١]. والحسرة أشد الندامة. وقوله
تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]
إلى غير ذلك من الآيات، وما ذكره هنا من أن الكافر يتمنى أن يكون آمن بالرسول في
دار الدنيا، واتخذ معه سبيلاً: أي طريقاً إلى الجنة في قوله هنا: ﴿يَلَيْتَنِ اَّخَذْتُ مَعَ
الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ

١٠٣٣
سورة الفرقان: الآيات (٢٦ - ٢٩).
يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ (٣)﴾ [الأحزاب] وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ
[الفجر] وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ [الحجر]
◌ِيَاتِ (g)﴾
إلى غير ذلك من الآيات.
: والسبيل التي يتمنى الكافر أن يتخذها مع الرسول المذكورة في هذه الآية، ذكرت
أيضاً في آيات أخر كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة سورة الفرقان: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (®﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ نَّذْكِرَةٌ فَمَنْ
﴾ [المزمل] فى المزمل والإنسان، ويقرب من معناه المآب
شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلاً
المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقّ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِِّ مَثَابًا (69)﴾ [النبأ] وما
ذكره هنا من أن الكافر ينادي بالويل، ويتمنى أنه لم يتخذ من أضله خليلاً، ذكره في غير
هذا الموضع، أما دعاء الكفار بالويل: فقد تقدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا
ضَيْفًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿ لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيراً
١٤
وأما تمنيهم لعدم طاعة من أضلهم، فقد ذكره أيضاً في غير هذا الموضع كقوله
تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوأ مِنَّ﴾ [البقرة: ١٦٧] فلفظة
لو في قوله ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ للتمني؛ ولذلك نصب الفعل المضارع بعد الفاء في
قوله: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ ... الآية. وهو دليل واضح على ندمهم على موالاتهم، وطاعتهم
في الدنيا، وما ذكره - جل وعلا هنا - من أن أخلاء الضلال من شياطين الإنس
والجن، يضلون أخلاءهم عن الذكر بعد إذ جاءهم، ذكره في غير هذا الموضع كقوله
(١)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى:
تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُذُّونَهُمْ فِى الْفَيْ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم ◌َّا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ... الآية [فصلت: ٢٥] وقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَميعًا يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْنُم مِّنَ الْإِنسِ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٢٨]،
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَ السَّبِيلَا (٣)﴾ [الأحزاب] وقوله
تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَا هَنَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا
ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّ
مُؤْمِنِينَ﴾ ... [سبأ: ٣١] الآيات. إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ الأظهر أنه من كلام الله،
وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة، والخذول صيغة مبالغة، والعرب تقول: خذله
إذا ترك نصره مع كونه يترقب النصر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى
يَنْصُُّكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] وقول الشاعر:
ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا
إن المرء مَيتا بانقضاء حياته
وقول الآخر :
إن الألى وصفوا قومي لهم فبهم
هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا

١٠٣٤
سورة الفرقان: الآية (٣٠)
ومن الآيات الدالة على أن الشيطان يخذل الإنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا
قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمّ وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُم مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ
أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ مَّ أَنَأْ بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِفِىٌَّ إِ
ڪَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اٌلْفِئَتَانِ نَكَصَ
عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ ... الآية [الأنفال: ٤٨]، وقوله
تعالى في هذه الآية ﴿لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ﴾ الأظهر أن الذكر القرآن وقوله: ﴿لَمْ أَّخِذْ
فُلَانًا﴾ العرب تطلق لفظة فلان كناية عن العلم: أي لم أتخذ أبياً أو أمية خليلاً،
ويكنون عن علم الأنثى بفلانة، ومنه قول عروة بن حزام العذري:
ألا قاتل الله الوشاة وقولهم
فلانة أضحت خلة لفلان
وقوله: ﴿يَعَضُّ الظَائِمُ﴾ من عضض بكسر العين في الماضي، يعض بفتحها في
المضارع على القياس، ومنه قول الحارث بن وعلة الذهلي:
الآن لما ابيض مسربتي
وعضضت من نابي على جذم
فإن الرواية المشهورة في البيت عضضت بكسر الضاد الأولى وفيها لغة بفتح العين
في الماضي، والكسر أشهر، وعض تتعدى بعلى كما في الآية وبيت الحارث بن وعلة،
المذكورين وربما عديت بالباء ومنه قول ابن أبي ربيعة:
فقالت وعضت بالبنان فضحتني
وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء، قد يدخل قرينه النار، والتحذير من
قرين السوء مشهور معروف، وقد بين - جل وعلا - في سورة الصافات أن رجلاً من
أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب النار، ولكن لطف الله به
فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ
كَانَ لِ قَرِينٌ ®َ يَقُولُ أَِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٣)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ
﴿ قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَ لَتُرُِينِ ﴿﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (19)﴾ [الصافات].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا ◌َّ شكا إلى ربه هجر قومه، وهم
كفار قريش لهذا القرآن العظيم أي تركهم لتصديقه، والعمل به، وهذه شكوى عظيمة،
وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال
والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر
والقصص والأمثال.
وقد استنبط بعض العلماء من هذه الآية مسألة في الأصول يرجع من أراد الوقوف
عليها إلى الأصل.
'۔

١٠٣٥
سورة الفرقان: الآيات (٣١ - ٣٤).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا ﴾﴾، لما شكا النبي وَلّ إلى ربه في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ
هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (٣)﴾ أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا﴾ ...
الآية، تسلية له وسلّ، أي كما جعلنا الكفار أعداء لك، يكذبونك، ويتخذون القرآن الذي
أنزل إليك مهجوراً، كذلك الجعل جعلنا لكل نبي عدواً: أي جعلنا لك أعداء، كما
جعلنا لكل نبي عدواً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا﴾ ... الآية. قد
قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا
شَيَطِينَ الْإِنسِ﴾ ... الآية [الأنعام: ١١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ قد قدمنا الكلام مستوفى على ((كفى))
اللازمة، والمتعدية بشواهده العربية في سورة الإسراء في الكلام على قوله: ﴿كَفَى
بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ جاء معناه موضحاً
في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ﴾ [الكهف: ١٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ
هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ﴾ [البقرة: ١٢٠] قوله: ونصيراً: أي وكفى بربك نصيراً، جاء معناه
أيضاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا
الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهٍ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَفٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْبِيلًا﴾. تقدمت الآيات التي بمعناه
في آخر سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى
مُكْنٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ٣٢]، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ،
فُؤَادَكٌ﴾؛ أي كذلك الإنزال مفرقاً بحسب الوقائع أنزلناه لا جملة كما اقترحوا، وقوله:
﴿لِنُقَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَلٌَّ﴾ أي أنزلناه مفرقاً، لنثبت فؤادك بإنزاله مفرقاً.
قال بعضهم: معناه لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه؛ لأن حفظه شيئاً فشيئاً أسهل
من حفظه مرة واحدة، لو نزل جملة واحدة.
وقال بعضهم: ومما يؤكد ذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه أمي لا يقرأ ولا يكتب.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَبِكَ شَرٌّ ◌َكَانًا وَأَضَلُّ
سَبِيلًا (®). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار يحشرون على
وجوههم إلى جهنم يوم القيامة، وأنهم شر مكاناً، وأضل سبيلاً؛ وبين في مواضع أخر
أنهم تكب وجوههم في النار ويسحبون على وجوههم فيها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَآءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾
[الأحزاب: ٦٦] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَّرَ (®)﴾ [القمر]
وبين - جل وعلا - في سورة بني إسرائيل أنهم يحشرون على وجوههم، وزاد مع ذلك

١٠٣٦ -
سورة الفرقان: الآيات (٣٥ - ٣٨)
أنهم يحشرون عمياً وبكماً وصماً، وذكر في سورة طه أن الكافر يحشر أعمى. قال في
سورة بني إسرائيل: ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَهُمْ جَهٌَّ
كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وقال في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى
﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ
بَصِيرًا (٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهَا﴾ [طه].
وقد بينا وجه الجمع بين آية بني إسرائيل وآية طه المذكورتين مع الآيات الدالة
على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويتكلمون ويسمعون كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[السجدة: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. وفي
سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وكذلك
بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب)) في الكلام على آية بني إسرائيل المذكورة.
وصيغة التفضيل في قوله: ﴿ أُوْلَكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قد قدمنا الكلام في
مثلها في الكلام على قوله: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ اُلْمُنَّقُونَ﴾ والمكانِ
محل الكينونة، والظاهر أنه يكون حسياً، ومعنوياً؛ فالحسي ظاهر، والمعنوي كقوله
تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا
لَهُمَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانً﴾ ... الآية [يوسف: ٧٧]، والسبيل الطريق وتذكر وتؤنث كما
تقدم، ومن تذكير السبيل قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوَأ
سَبِيلَ الْفَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] ومن تأنيثها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ
أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ... الآية [يوسف: ١٠٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَدُرُونَ وَزِيرًا (٢٥) فَقُلْنَا أَذْهَبَآ
إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا (﴾﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة
مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَيْنَهُ مِنْ جَانِبِ اُلُّورِ آلْأَيَّمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نَجِيََّ﴾﴾﴾ [مريم].
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوجٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾ .
قد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفية إغراقهم في سورة الأعراف، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَاً﴾ [الأعراف: ٦٤].
قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًاً
الأظهر عندي أن قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَقَوْمَ نُوعٍ﴾ ...
الآية، وأن قوم نوح مفعول به لأغرقنا محذوفة دل عليها قوله بعده: ﴿أَغْرَقْتَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ
لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾ على حد قوله في الخلاصة:
: فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتماً موافق لما قد ذكرا

١٠٣٧
سورة الفرقان: الآيات (٣٥ - ٣٨)
أي أهلكنا قوم نوح بالغرق، وأهلكنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس، وقروناً بين
ذلك كثيراً، أي وأهلكنا قروناً كثيرة بين ذلك المذكور من قوم نوح، وعاد، وثمود.
والأظهر أن القرون الكثيرة المذكورة بعد قوم نوح، وعاد، وثمود، وقبل أصحاب
الرس وقد دلت آية من سورة إبراهيم على أن بعد عاد، وثمود، خلقاً كفروا وكذبوا
الرسل، وأنهم لا يعلمهم إلا الله - جل وعلا -.
وتصريحه بأنهم بعد عاد وثمود، يوضح ما ذكرنا وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَّ
يَأْيِّكُمْ نَبَؤُأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا
اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا
لَفِى شَكٍّ مِّنَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾﴾ [إبراهيم].
وقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى قوله: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِىِّ أَفْوَهِهِمْ﴾ والإشارة
في قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ راجعة إلى عاد، وثمود، وأصحاب الرس: أي بين ذلك
المذكور ورجوع الإشارة، أو الضمير بالإفراد مع رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور
أسلوب عربي معروف ومنه في الإشارة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا
بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨] أي ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى:
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر، وقول عبد الله بن
الزبعرى السهمي.
إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل
أي وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤية:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
أي كأنه، أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق، وقد قدمنا هذا البيت.
أما عاد وثمود فقد جاءت قصة كل منهما مفصلة في آيات متعددة، وأما أصحاب
الرس فلم يأت في القرآن تفصيل قصتهم ولا اسم نبيهم، وللمفسرين فيهم أقوال كثيرة
تركناها لأنها لا دليل على شيء منها .
والرس في لغة العرب البئر التي ليست بمطوية، وقال الجوهري في صحاحه: إنها
البئر المطوية بالحجارة، ومن إطلاقها على البئر قول الشاعر:
فيا ليتهم يحفرون الرساسا
وهم سائرون إلى أرضهم
وقول النابغة الجعدي:
تنابلة يحفرون الرساسا
سبقت إلى فرط ناهل
والرساس في البيتين جمع رس، وهي البئر، والرس واد في قول زهير في معلقته:
بكرن بكوراً واستحرن بسحرة فهن لوادي الرس كاليد للفم

١٠٣٨
سورة الفرقان: الآية (٣٩)
وقوله في هذه الآية: ﴿وَقُرُونًا ... كَثِيرًا﴾ جمع قرن، وهو هنا الجيل من الناس
الذين اقترنوا في الوجود في زمان من الأزمنة.
قوله تعالى: ﴿وَكُلَا ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَغْبِيرًا.
(٣٩)
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن كلا من الماضين المهلكين من قوم نوح،
وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، والقرون الكثيرة بين ذلك: أنه ضرب لكل منهم الأمثال
ليبين لهم الحق بضرب المثل؛ لأنه يصير به المعقول كالمحسوس، وأنه - جل وعلا - تبر
كلاً منهم تتبيراً، أي أهلكهم جميعاً إهلاكاً مستأصلاً، والتتبير الإهلاك والتكسير، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَقْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِهِ﴾
[الأعراف: ١٣٩] أي باطل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِدِ الظَِّينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] أي هلاكاً،
وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أنه - جل وعلا - ضرب لكل منهم
الأمثال، وأنه تبرهم كلهم تتبيراً جاءا مذكورين في غير هذا الموضع.
أما ضربه الأمثال للكفار، فقد ذكره - جل وعلا - في غير هذا الموضع كقوله في
سورة إبراهيم: ﴿أَوَلَّمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم ◌ِن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنْ زَوَالِ ﴾ وَسَكَنتُمْ فِى مَسَكِنِ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (®﴾ [إبراهيم].
وأما تتبيره جميع الأمم لتكذيبها رسلها، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله
تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿٦ ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَءَنَا الضَّرَّآءُ
وَالسََّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ (
﴿ وَمَآ
(٩٥) ﴾ [الأعراف] وقوله تعالى في سورة سباً:
أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (
[سبأ] وقوله في
١٣٤
الزخرف: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَىَ أُمٍَّ
﴾ [الزخرف] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَقْرَأْ كُلَّ مَا جَءَ أُمَّةً
وَإِنَّا عَلَّ ◌َائَِّهِم مُّقْتَدُونَ ®
رَسُولِهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ﴾ ... الآية [المؤمنون: ٤٤]، إلى غير ذلك
من الآيات الدالة على أن جميع الأمم كذبوا رسلهم، وأن الله أهلكهم بسبب ذلك.
وقد بين - جل وعلا - في آية أخرى أن هذا العموم لم يخرج منه إلا قوم يونس دون
غيرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ
كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٣)﴾ [يونس]. ويدل على ذلك أيضاً
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (4)﴾ [الصافات].
وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب الأمثال لكل منهم،
لم يبين فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضاً لهذه الأمة الكريمة التي هي آخر الأمم في هذا
القرآن، كما ضربها لغيرهم من الأمم، ولكنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه ضرب لهذه
الأمة الأمثال في هذا القرآن العظيم، ليتفكروا بسببها، وبين أنها لا يعقلها إلا أهل

١٠٣٩
سورة الفرقان: الآية (٤٠).
العلم، وأن الله يهدي بها قوماً، ويضل بها آخرين. وهذه الآيات الدالة على ذلك كله
فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىءٍ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ فَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ مِن زَيْهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًاً
[البقرة]، وقوله
يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرَاً وَمَا يُضِلُّ بِهِةَ إِلَّا الْفَسِقِينَ (يَا)
[الحشر]
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقوله
تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ (®]﴾ [العنكبوت]،
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوْ لَهٍُ﴾ ... الآية [الحج: ٧٣]، الآية.
والآيات الدالة على ذلك كثيرة معلومة، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنُواْ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ
كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٣)﴾. أقسم - جل وعلا - في هذه الآية أن الكفار الذين كذبوا
نبينا *، قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهو أن الله أمطر عليها حجارة
من سجيل، وهي سدوم قرية قوم لوط، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية
الكريمة، وهما أن الله أمطر هذه القرية مطر السوء الذي هو حجارة السجيل، وأن
الكفار أتوا عليها، ومروا بها جاء موضحاً في آيات أخرى.
أما كون الله أمطر عليها الحجارة المذكورة، فقد ذكره - جل وعلا - في آيات
كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ (®)﴾ [الحجر]،
وبين في سورة الذاريات أن السجيل المذكور نوع من الطين، وذلك في قوله تعالى:
﴾ [الذاريات]، ولا شك
﴿إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (٣) لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (g)
أن هذا الطين وقعه أليم شديد مهلك. وكقوله تعالى: ﴿وَقْطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ
فَأَخَذَتْهُمُ الْقَيْحَةُ
﴾ [الشعراء] وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِمْ يَعْمَهُونَ
الْمُنذَرِینَ
الآية [الحجر].
فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ (®)﴾ .
مُشْرِقِينَ
وأما كونهم قد أتوا على تلك القرية المذكورة فقد جاء موضحاً أيضاً في غير هذا
الموضع كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِم ◌ُصْبِحِينٌ (١٦) وَيِلَيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
[الصافات] والمراد بأنهم مروا على قرية قوم لوط، وأن مرورهم عليها، ورؤيتهم لها
خالية من أهلها ليس فيها داع، ولا مجيب؛ لأن الله أهلك أهلها جميعاً لكفرهم
وتكذيبهم رسوله لوطاً فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر عن تكذيب نبينا محمد بَّه، لئلا
ينزل بالذين كذبوه مثل ما نزل بقوم لوط من العذاب والهلاك؛ ولذا وبخهم على عدم
الاعتبار بما أنزل بها من العذاب كقوله في آية الصافات المذكورة ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾
[القصص: ٦٠]، وكقوله تعالى في آية الفرقان هذه: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا
يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ فقوله: أفلم يكونوا يرونها: توبيخ لهم على عدم الاعتبار كقوله في الآية
الأخرى: أفلا تعقلون، ومعلوم أنهم يمرون عليها مصبحين، وبالليل وأنهم يرونها،

١٠٤٠ -
سورة الفرقان: الآية (٤٢)
وكقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُنَّوَسِِّينَ (١٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ
مُقِيمٍ ﴾﴾ [الحجر] يعني أن ديار قوم لوط بسبيل مقيم؛ أي بطريق مقيم، يمرون فيه
عليها في سفرهم إلى الشام، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، أي لا
يخافون بعثاً، ولا جزاء أو لا يرجون بعثاً وثواباً.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا
(3) إِن
كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ◌َالِهَتِّنَا لَوْلَآ أَنَ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. تقدم إيضاحه في سورة الأنبياء في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى
يَذْكُرُءَلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الَّهْنِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وما قالوه هنا من
أنهم صبروا على آلهتهم، بين في سورة ﴿صَّّ﴾ أن بعضهم أمر به بعضاً في قوله تعالى:
﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَىْ ءَالِهَتِكُمْ﴾ ... الآية [ص: ٦].
قوله تعالى: ﴿أَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (9﴾﴾. قال ابن
كثير تَّتُ في تفسير هذه الآية: أرأيت من اتخذ إلهه هواه؛ أي مهما استحسن من شيء
ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه، إلى أن قال: قال ابن عباس: كان الرجل
في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك
الأول، اهـ منه.
وذكر صاحب الدر المنثور: أن ابن أبي حاتم وابن مردويه أخرجا عن ابن عباس
أن عبادة الكافر للحجر الثاني، مكان الأول، هي سبب نزول هذه الآية، ثم قال
صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي، قال: كانوا في
الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه، رموا به
وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا منادياً فنادى: أيها الناس إن إلهكم قد ضل
فالتمسوه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَهُ﴾، وأخرج ابن المنذر وابن
أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ﴾ قال: ذلك الكافر
اتخذ دینه بغير هدى من الله ولا برهان.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: ﴿أَيْتَ مَّنِ
أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ﴾. قال: لا يهوى شيئاً إلا تبعه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَّهَمُ هَوَنُهُ﴾
قال: كلما هوى شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع، ولا تقوى.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له: أفي أهل القبلة شرك؟ قال: نعم
المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عبد هواه
ثم تلا هذه الآية: ﴿أَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَّهَهُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
وأخرج الطبراني، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّلة: ((ما تحت ظل السماء