Indexed OCR Text

Pages 921-940

٩٢١
سورة المؤمنون: الآيات (١٠ - ١٤) -
(٣)﴾ [المعارج] وقال فيها
وقال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ
أيضاً: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَابِعُونَ
وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ
الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾﴾ [مريم). وقد أوضحنا ذلك في سورة مريم، وقوله تعالى
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون] الآية. وقال تعالى في
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُوَاَءُونَ النَّاسَ﴾ ... الآية [النساء: ١٤٢].
وفي الصحيح عن ابن مسعود به أنه سأل رسول الله وَّله أي العمل أحب إلى الله؟
قال ((الصلاة على وقتها)) الحديث.
وقد قدمناه والأحاديث في فضل الصلاة والمحافظة عليها كثيرة جداً، ولكن
موضوع كتابنا بيان القرآن بالقرآن، ولا نذكر غالباً البيان من السنة، إلا إذا كان في
القرآن بيان غير واف بالمقصود، فنتمم البيان من السنة كما قدمناه مراراً، وذكرناه في
ترجمة هذا الكتاب المبارك.
.. قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين المتصفين بالصفات التي قدمنا هم
الوارثون، وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو الوارثون، لدلالة قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ
اٌلْفِرْدَوْسَ﴾ عليه، والفردوس: أعلى الجنة، وأوسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه
عرش الرحمن - جل وعلا - وعبر تعالى عن نيل الفردوس هنا باسم الوراثة.
وقد أوضحنا معنى الوراثة والآيات الدالة على ذلك المعنى كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ
اَلْنَّهُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٦٣] وقوله: ﴿وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
أُوِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا
وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ تَقَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤] في سورة مريم في الكلام على
قوله: ﴿ِلْكَ اَلَّْةُ الَّتِ نُرِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٣٣)﴾ [مريم] فأغنى ذلك عن إعادته هنا،
وقرأ هذا الحرف: حمزة والكسائي على صلاتهم بغير واو، بصيغة الإفراد، وقرأ الباقون:
على صلواتهم بالواو المفتوحة بصيغة الجمع المؤنث السالم والمعنى واحد؛ لأن المفرد
الذي هو اسم جنس، إذا أضيف إلى معرفة، كان صيغة عموم كما هو معروف في
الأصول. وقوله هنا: ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ أي بلا انقطاع أبداً، كما قال تعالى: ﴿عَطَّةٌ غَيْرَ
مَجْذُوفٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي غيرِ مقطوع. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾﴾ [ص]
وقال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقُ﴾ [النحل: ٩٦] كما قدّمناه مستوفى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِسَانَ مِنْ سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴿٨ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ
مَّكِينِ ﴿٣) ثُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةُ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
اٌلْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ
.٠

٩٢٢ -
سورة المؤمنون: الآيات (١٠ - ١٤)
بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أطوار خلقه الإنسان ونقله له من حال إلى
حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده - جل وعلا - وقد
أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم
في المخلقة، وغير المخلقة، والصحيح من ذلك، وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط
علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من
سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى
يصلى عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ ... الآية [الحج: ٥]. وسنذكر هنا ما لم
نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى، أما معنى السلالة: فهي الفعالة
من سللت الشيء من الشيء، إذا استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
وإلى السلالة كلها ستعود
خلق البرية من سلالة منتن
والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه. ومنه قول حسان څبه:
سلالةَ فَرْجٍ كان غير حصين
فجاءت به عَضْبَ الأديم غَضَنْفَراً
وبناء الاسم على الفعالة، يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت،
وهي ما يتساقط منه عند النحت، والمراد بخلق الإنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم
منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمِّ خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩].
وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بلّ بالماء صار طيناً ولما
خمر صار طيناً لازباً يلصق باليد، وصار حما مسنوناً. قال بعضهم: طيناً أسود منتناً،
وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه
من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] وقال في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾
[الأعراف: ١٨٩] وقال في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] كما تقدم إيضاح ذلك
كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة، كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل،
فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة، إلخ.
وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج، وقوله هنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ
مِّنْ طِينٍ ﴾﴾ يعني بدأه خلق نوع الإنسان بخلق آدم، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً﴾؛ أي
بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإنسان، الذي هو النسل لدلالة
المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه؛ أي نصف درهم آخر، كما أوضح تعالى هذا
المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
الَّذِىّ أَحْسَنَّ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنَسَنِ مِن طِينٍ ﴿ فُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّءٍ
◌َهِينٍ ﴿َ ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِدٍ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةً قَليلًا مَا تَشْكُرُونَ

٩٢٣
سورة المؤمنون: الآيات (١٠ - ١٤) -
(١)﴾ [السجدة] وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُر
بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾﴾ [الروم] وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان، أمر كل مكلف أن
ينظر فيه. والأمر المطلق، يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مراراً.
وذلك في قوله: ﴿فَلْتُظُرِ الْإِنسَنُ مَِّّ خُلِقَ ﴿٥ خُلِقَ مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ
﴾ [الطلاق].
وقد أشار في آيات كثيرة إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى
طور، كما أوضحه هنا وكما في قوله تعالى ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا
(٢)) [نوح]. وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا والاعتبار به مما يستوجب
التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة إلى
العلقة، ومن العلقة إلى المضغة إلخ، مع أنه لم يشق بطن أمه بل هو مستتر بثلاث
ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين،
وذلك في قوله - جل وعلا - ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَا مِنُ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ◌ُظُلُمَتٍ ثَكَثٍّ
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] فتأمل معنى قوله:
﴿فَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي عن هذه العجائب والغرائب، التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوُّكُمْ فِىِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] وقال: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن
مُضْغَةِ تُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِّمُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥]
أي لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة، وقال
في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخَا﴾ [غافر: ٦٧] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَنْ يُّْرَّ
ثُمَّ كَنَ عَلَقَةُ فَخَلَقَ فَسَوَّىَ ﴿٢ ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ
سُدَّى ﴿ أَلَمَ نَّكُ نُطْفَةً مِّنْ قَِّيٍّ يُمْنَى الَّ
أَتِسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْعِىَ الْمُؤَنَى (®)﴾ [القيامة] والآيات بمثل هذا كثيرة.
(٣٩
إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ
﴿كَلَاّ
وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة فى قوله:
[المعارج] وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم - جل وعلا.
فسبحانه - جل وعلا - ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده، وقد
بين في آية المؤمنون هذه أنه يخلق المضغة عظاماً، وبين في موضع آخر أنه يركب بعض
تلك العظام مع بعض، تركيباً قوياً، ويشد بعضها مع بعض، على أكمل الوجوه
وأبدعها، وذلك في قوله: ﴿أَخْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمّ﴾ ... الآية [الإنسان: ٢٨]،
والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتكسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد
بها، ومنه قول حمید بن ثور:
وما دخلت في الخدب حتى تنقضت
تآسير أعلى قده وتحطما
وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسراً شده بالأسار وهو القد، ومنه سمي

٩٢٤-
سورة المؤمنون: الآيات (١٠ - ١٤)
الأسير، وكانوا يشدونه بالقد، فقول بعض المفسرين واللغويين أسرهم: أي خلقهم فيه
قصور في التفسير؛ لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد، وهو السير
المقطوع من جلد البعير ونحوه، الذي لم يدبغ والله - جل وعلا - يشد بعض العظام
ببعض، شداً محكماً متماسكاً كما يشد الشيء بالقد، والشد قوي جداً. وقوله تعالى في
هذه الآية الكريمة: ﴿فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن.
وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه.
قاله أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم
وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث
هي وأحرزت. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنشَأْتَهُ خَلْقًا ءَاخَرْ﴾ قال الزمخشري: أي
خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً، وكان جماداً وناطقاً،
وكان أبكم وسميعاً، وكان أصم وبصيراً، وكان أكمه وأودع باطنه وظاهره، بل كلّ
عضو من أعضائه وجزء من أجزائه عجائب فطرة، وغرائب حكمة، لا تدرك بوصف
الواصف، ولا بشرح الشارح، انتھی منه.
وقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي،
وأبو العالية، والضحاك، وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جماداً. وعن ابن
عباس: خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره. وقال الضحاك: خروج
الأسنان، ونبات الشعر، وقال مجاهد: كمال شبابه. وروي عن ابن عمر والصحيح، أنه
عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت، اهـ منه.
والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله: ﴿خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ أنه صار بشراً سوياً
بعد أن كان نطفة، ومضغة، وعلقة، وعظاماً كما هو واضح.
مسألة: وقد استدل بهذه الآية الإمام أبو حنيفة تَلَفُهُ، على أن من غصب بيضة،
فأفرخت عنده أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ؛ لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة،
فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب ما غصب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر،
والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال أبو
حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس، اهـ منه.
وقوله في هذه الآية: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ أي المقدرين والعرب تطلق الخلق وتريد
التقدير. ومنه قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ
ـض القوم يخلق ثم لا يفري
فقوله: يخلق ثم لا يفري؛ أي يقدر الأمر، ثم لا ينفذه لعجزه عنه كما هو
معلوم. ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل

٩٢٥
سورة المؤمنون: الآيات (١٥ - ١٧)
إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي
محضة أعرب قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ نعتاً للفظ الجلالة، ومن قال: هي غير محضة
أعربه بدلاً، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أحسن الخالقين. وقرأ هذين
الحرفين ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا﴾ ابن عامر وشعبة عن
عاصم عظماً: بفتح العين، وإسكان الظاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه
الباقون: عظاماً بكسر العين وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن
عامر وشعبة. فالمراد بالعظم العظام.
وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس، قد
تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وكلام العرب مع
تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسْتُونَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنهم بعد أن أنشأهم خلقاً آخر، فأخرج
الواحد منهم من بطن أمه صغيراً، ثم يكون محتلماً، ثم يكون شاباً، ثم يكون كهلاً، ثم
يكون شيخاً، ثم هرماً أنهم كلهم صائرون إلى الموت من عمر منهم ومن لم يعمر، ثم
هم بعد الموت يبعثون أحياء، يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا الموت والحياة
المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر؛ لأنهما إماتتان وإحياءتان ذكر من كل منهما
واحدة هنا، وذكر الجميع في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمّ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وقوله: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْيَتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾
[غافر: ١١] كما قدمنا إيضاحه في سورة الحج والبقرة، وكل ذلك دليل على كمال
قدرته، ولزوم الإيمان به، واستحقاقه للعبادة وحده سبحانه وتعالى علواً كبيراً .
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
١٠١٧
في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنها قيل لها طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا
صيرها طاقاً فوق طاق، وركب بعضها عَلَى بعض، ومنه قوله وَلَّ:" ((كأن وجوههم
المجان المطرقة)) أي التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض، ومنه قول
الشاعر يصف نعلاً له مطارقة:
ساقطات تلوى بها الصحراء
وطراق من خلفهن طراق
يعني: نعال الإبل، ومنه قولهم: طائر طراق الريش ومطرقه؛ إذا ركب بعض ريشه
بعضاً، ومنه قول زهير يصف بازياً:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق
ريش القوادم لم تنصب له الشبك
وقول ذي الرمة يصف بازياً أيضاً:

٩٢٦
سورة المؤمنون: الآية (١٨)
طراق الخوافي واقع فوق ريعه ندى ليلة في ريشه يترقرق
وقول الآخر يصف قطاة:
سكاء مخطومة في ريشها طرق
سود قوادمها كدر خوافيها
فعلى هذا القول فقوله: ﴿سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ يوضح معناه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْأْ كَيْفَ
خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (٣)﴾ ... الآية [نوح] وهذا قول الأكثر.
الوجه الثاني: أنها قيل لها طرائق؛ لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج،
وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها، وأما قول من قال: قيل لها طرائق لأن لكلّ
سماء طريقة، وهيئة غير هيئة الأخرى وقول من قال: طرائق؟ أي مبسوطات فكلاهما
ظاهر البعد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله: ﴿وَيُمْسُِ
السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]؛ لأن من يمسك السماء لو كان يغقل لسقطت
فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه وقال بعضهم: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ﴾ بل نحن
القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ يعني السموات برهان على قوله قبله: ﴿ثُرَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَثُونَ
(®﴾؛ لأن من قدر على خلق السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق
الإنسان كقوله تعالى ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله
تعالى ﴿،َأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ التَُّ بَنَهَا.
الآية [النازعات]، وقوله:
﴿اَوَلَتسَ الَّذِی
خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَّ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ﴾ [يس: ٨١] والآيات بمثل هذا متعددة.
وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها وهي
مذكورة هنا، ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِهِ.
(٨). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أنزل من السماء ماء معظّماً
لَقَدِرُونَ
نفسه - جل وعلا - بصيغة الجمع المراد بِهَا التعظيم وأن ذلك الماء الذي أنزله من
السماء أسكنه في الأرض لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك، وأنه
- جل وعلا - قادر على إذهابه لو شاء أن يذهبه فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء
من أصله جوعاً وعطشاً وبين أنه أنزله بقدر أي بمقدار معين عنده يحصل به نفع الخلق
ولا يكثره عليهم، حتى يكون كطوفان نوح لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي فيه
المصلحة، دون المفسدة سبحانه - جل وعلا - ما أعظمه وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه
المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في غير هذا الموضع.
الأولى: التي هي كونه أنزله بقدر أشار إليها في قوله: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ()﴾ [الحجر].

٩٢٧
سورة المؤمنون: الآية (١٨)
والثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في قوله
- جل وعلا -: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ, يَنْطِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]
والينبوع: الماء الكثير وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَلْقَيْتَكُمُهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَِنِينَ﴾
[الحجر: ٢٢] على ما قدمنا في الحجر.
والثالثة: التي هي قدرته على إذهابه أشار لها في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ
مَآؤُكُ: غَوْرًا فَمَنْ يَتِكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ (٣)﴾ [الملك] ويشبه معناها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ
أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٣)﴾ [الواقعة] لأنه إذا صار ملحاً أجاجاً لا يمكن الشرب منه، ولا
الانتفاع به صار في حكم المعدوم، وقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء في قوله
تعالى: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِ سَابً ثُمَّ يُؤَلِفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾
[النور: ٤٣] فصرح بأن الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو
المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى تكون ثقيلة
لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ
مَّيْتٍ﴾ ... الآية [الأعراف: ٥٧] فقوله: ثقالاً جمع ثقيلة، وثقلها إنما هو بالماء الذي
فيها وقوله تعالى: ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الثّقَالَ﴾ [الرعد: ٦٢] جمع سحابة ثقيلة.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من
خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة، وبين - جل وعلا -
أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم سنة، حتى
يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر النعمة، وهل يعتبرون بعظم
الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب
ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى
ما يرضيه .
وبين أنه مع الإنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان مائه
في الأرض ليشربوا منه هم وأنعامهم وينتفعوا به، أبى أكثرهم إلا الكفر به، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا لِنُحِْىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَا وَنُقِيَهُ مِمَا خَلَقْنَا أَنْعَمَّا وَأَنَاسِىَّ
كَثِيرً ﴿ وَقَدْ صَرَّفْتَهُ يَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا (٦)﴾ [الفرقان].
ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفوراً الذين يزعمون أن المطر لم ينزله
منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة
الماء التبخر، إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن
ذلك البخار يرتفع بطبيعته؛ ثم يجتمع، ثم يتقاطر. وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل
له، وأنه هو المطر، فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة
منزله، ووجوب الإيمان به واستحقاقه للعبادة وحده، فمثل هؤلاء داخلون في قوله:
﴿فَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ ككُفُورًا﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ .

٩٢٨
سورة المؤمنون: الآيتان (١٩ - ٢٠)
وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ﴾ أنه تعالى، هو مصرف الماء، ومنزله حيث
شاء كيف شاء، ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن
خالد الجهني ◌ُبه قال: صلى بنا رسول الله و ﴿ صلاة الصبح بالحديبية في أثر السماء
كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟))
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي؛ فأما من
قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا
بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)» هذا لفظ مسلم تغلفهُ في صحيحه، ولاشك أن
من قال: مطرنا ببخار كذا مسنداً ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بالطبيعة والبخار،
والعرب كانوا يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر، إلا أنهم يسندون فعل ذلك
للفاعل المختار - جل وعلا - ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد ::..
وقد الصيف مقاليت نزر
لا تلمي إنها من نسوة
كبشنات البحر يمأدن إذا أنبت الصيف عساليج الخضر
فقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر.
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
حناتم غر ماؤهن تجيج
سقى أم عمرو كل آخر ليلة
متى لجج خضر لهن نتيج
شربن بماء البحر ثم ترفعت
ولا شك أن خالق السموات والأرض - جل وعلا - هو منزل المطر على القدر
الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُ بِهِ جَنَاتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
(١٩)
تَأْكُلُونَ
قد قدمنا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة النحل، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿يُثْبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ﴾ ... الآية
[النحل: ١١] وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْئَةَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعْ لِلْأَكِينَ
قوله: وشجرة: معطوف على جنات من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا
مسوغه مراراً؛ أي فأنشأنا لكم به جنات، وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء
وهي شجرة الزيتون، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ ...
الآية [النور: ٣٥]، والدهن الذي تنبت به: هو زيتها المذكور في قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ﴾
[النور: ٣٥] ومع الاستضاءة منها، فهي صبغ للآكلين: أي إدام يأتدمون به، وقرأ هذا
الحرف: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: سيناء بكسر السين، وقرأ الباقون: بفتحها،
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: تنبت بضم التاء، وكسر الباء الموحدة مضارع أنبت الرباعي،
:

٩٣٩
سورة المؤمنون: الآيتان (٢١ - ٢٢) ســ
وقرأ الباقون: تنبت بفتح التاء وضم الباء مضارع: نبت الثلاثي، وعلى هذه القراءة، فلا
إشكال في حرف الباء في قوله: بالدهن؛ أي تنبت مصحوبة بالدهن الذي يستخرج من
زيتونها، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ففي الباء إشكال، وهو أن أنبت الرباعي
يتعدى بنفسه، ولا يحتاج إلى الباء وقد قدمنا النكتة في الإتيان بمثل هذه الباء في
القرآن، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وفي كلام العرب، في سورة مريم في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِدْعُ النَّخْلَةِ﴾ ... الآية [مريم: ٢٥]، ولا يخفى أن أنبت
الرباعي، على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو هنا: لازمة لا متعدية إلى المفعول، وأنبت
تتعدى، وتلزم فمن تعديها قوله تعالى ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ ... الآية
[النحل: ١١] وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الْمَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ومن لزومها قراءة
ابن كثير، وأبي عمرو المذكورة، ونظيرها من كلام العرب قول زهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم
قطينا بها حتى إذا أنبت البقل
فقوله: أنبت البقل لازم بمعنى نبت، وهذا هو الصواب في قراءة: تنبت بضم
التاء. خلافاً لمن قال: إنها مضارع أنبت المتعدي: وأن المفعول محذوف؛ أي تنبت
زيتونها، وفيه الزيت. وقال ابن كثير: الطور: هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى
طوراً إذا كان فيه شجر، فإن عري عن الشجر، سمي جبلاً لا طوراً، والله أعلم. وطور
سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران فعلّله، وما
حوله من الجبال، التي فيها شجر الزيتون، اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير.
وفي حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري عظته قال: قال
رسول الله صل ى: ((كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة)) رواه أحمد ورواه
الترمذي وغيره عن عمر، والظاهر أنه لا يخلو من مقال، وقال فيه العجلوني في كشف
الخفاء ومزيل الإلباس: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن عمر وابن ماجه فقط عن
أبي هريرة، وصححه الحاكم على شرطهما ثم قال: وفي الباب عن جماعة من
الصحابة ، اهـ منه والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُرْ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُشْقِيَكُم مِّمَّا فِىِ بُطُونِهَا وَلَّكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴾﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية، وما يستفاد منها من
الأحكام الفقهية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ
تُشْفِيكُمْ مِمَا فِى بُعُونَهَا﴾ الآية مع بيان أوجه القراءة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا ...
قوله تعالى: ﴿وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُّحْمَلُونَ ﴾﴾. الضمير في قوله: عليها راجع إلى
الأنعام المذكورة في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُنْ فِ الْأَنْعَمِ﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية: أنه
يحمل خلقه على الأنعام، والمراد بها هنا الإبل؛ لأن الحمل عليها هو الأغلب، وعلى
الفلك: وهي السفن ولفظ الفلك، يطلق على الواحد والجمع من السفن، وما ذكره

٩٣٠.
سورة المؤمنون: الآية (٤٤)
ـنهـ
تعالى في هذه الآية الكريمة من الامتنان على خلقه بما يسر لهم من الركوب والحمل،
على الأنعام والسفن جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اْأَنْعَمَ لِتَرَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴿٨َ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ مُحْمَلُونَ ﴾﴾ [غافر] وقوله في الأنعام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (9َ)﴾ [يس]
عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
وقوله فيها: ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَشِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ
رَّحِيمٌ ﴾﴾ [النحل] وقوله في الفلك والأنعام معاً: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ
مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَكَبُونَ.
لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَّهِ
وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
[الزخرف] وقوله في السفن: ﴿وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن
[يس] وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾
٤٢
مِثْلِهِ مَا يَرَّكَبُونَ
[الحج: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل:
١٤] والآيات بمثل هذا كثيرة، وهذا من نعمه وآياته، وقرن الأنعام بالفلك في الآيات
المذكورة؛ لأن الإبل سفائن البر، كما قال ذو الرمة:
فما نفر التهويم إلا سلامها
ألا خيلت مني وقد نام صحبتي
سفينة بر تحت خدي زمامها
طروقا وجلب الرحل مشدودة بها
فتراه سمى ناقتة سفينه بر وجلب الرحل بالضم والكسر عيدانه أو الرحل بما فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ثُمًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَسْتَفْخِرُونَ﴾ .
قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه من الآيات، التي لها بيان في مواضع متعددة فأغنى
ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿قُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْاْ كُلَّ مَا جَآءَ أَنَّةً رَسُولِهَا كَذَّبُوٍ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًَا
وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌّ فَبَعْدًا لِقَوْمِ لَّا يُؤْمِنُونَ (﴿3﴾﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه بعد
إرسال نوح والرسول المذكور بعده أرسل رسله تترى أي متواترين واحداً بعد واحد،
وكل متتابع متتال تسميه العرب متواتراً، ومنه قول لبيد في معلقته:
يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها
يعني مطراً متتابعاً، أو غبار ريح متتابعاً، وتاء تتراً مبدلة من الواو، وأنه كلّما
أرسل رسولاً إلى أمة كذبوه فأهلكهم، وأتبع بعضهم بعضاً في الإهلاك المستأصل بسبب
تكذيب الرسل، وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات
كثيرة. وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من هذا الإهلاك المذكور.
أما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿وَمَّ
أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ [سبأ] وقوله

٩٣١
سورة المؤمنون: الآية (٤٤) -
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُمٍَّ
وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم ◌ُقْتَدُونَ (٣)﴾ [الزخرف] قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن ◌َّبِيِّ إِلََّ
أَخَذْنَا أَهْلَهَا يَلْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَّى عَفَواْ
الآية [الأعراف]
وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرَّآءُ وَالسََّّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
والآيات بمثل هذا كثيرة جداً .
أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ
قَرْيَّةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ .
الآية [يونس: ٩٨]، وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيماناً حقاً، وأن الله عاملهم به معاملة
المؤمنين، وذلك في قوله في يونس: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٧) فَامَنُواْ فَمَّعْنَهُمْ
إِلَى حِينٍ ()﴾ [الأحقاف]؛ لأن ظاهر إطلاق قوله: فآمنوا، يدل على ذلك. والعلم عند الله
تعالى. ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ؛ لأنه تعالى قال فيهم:
﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَدِيثَ وَمَزَّقْتَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ﴾ ... الآية [سبأ: ١٩] وقوله: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي
أخباراً وقصصاً يسمر بها، ويتعجب منها، كما قال ابن دريد في مقصورته:
وإنّما المرء حديث بعده
فكن حديثاً حسناً لمن وعى
وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: تتراً بالتنوين: وهي لغة كنانة، والباقون
بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين: وهي لغة أكثر العرب، وسهّل نافع وابن كثير
وأبو عمرو الهمزة الثانية من قوله: جاء أمة، وقرأها الباقون بالتحقيق، كما هو معلوم
وقوله: ﴿فَبِّعْدًا لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ مصدر لا يظهر عامله، وقد بعد بعداً بفتحتين، وبعداً
بضم فسكون: أي هلك فقوله: بعداً: أي هلاكاً مستأصلاً، كما قال تعالى ﴿أَلَا بُعْدًا
لِمَدْيَنٌ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] قال الشاعر:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفاً
قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
وقد قال سيبويه: إن بعداً وسحقاً ودفراً أي نتناً من المصادر المنصوبة بأفعال لا
تظهر، اهـ ومن هذا القبيل قولهم: سقياً ورعياً، كقول نابغة ذبيان:
نبئت نعما على الهجران عاتبة سقياً ورعياً لذاك العاتبُ الزاري
والأحاديث في قوله: ﴿ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ في مفرده وجهان معروفان.
أحدهما: أنه جمع حديث كما تقول: هذه أحاديث رسول الله وَلل، تريد
بالأحاديث جمع حديث، وعلى هذا فهو من الجموع الجارية على غير القياس المشار
لها بقول ابن مالك في الخلاصة:
وحائذ عن القياس كل ما خالف في البابين حكماً رسما
يعني بالبابين: التكسير والتصغير، كتكسير حديث على أحاديث وباطل على
أباطيل، وكتصغير مغرب، على مغيربان، وعشية على عشيشية. وقال بعضهم: إنها اسم
جمع للحديث

٩٣٢
سورة المؤمنون: الآيات (٥١ - ٥٤)
ثانيهما: أن الأحاديث جمع أحدوثة التي هي مثل: أضحوكة، وألعوبة، وأعجوبة
بضم الأول، وإسكان الثاني: وهي ما يتحدث به الناس تلهياً، وتعجباً ومنه بهذا المعنى
قول توبة بن الحمير:
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
وهذا الوجه أنسب هنا لجريان الجمع فيه على القياس، وجزم به الزمخشري،
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَ الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
أمر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة رسله - عليهم الصلاة والسلام - مع أن
الموجود منهم، وقت نزولها واحد، وهو نبينا *، بالأكل من الطيبات: وهي الحلال
الذي لا شبهة فيه على التحقيق، وأن يعملوا العمل الصالح؛ وذلك يدل على أن الأكل
من الحلال له أثر في العمل الصالح، وهو كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه
الآية الكريمة، أمر به المؤمنين من هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إَِاهُ
تَعْبُدُونَ (٣)﴾ [البقرة] والآية تدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال،
والعمل الصالح، وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال معروف. وفي حديث أبي
هريرة رضيالله قال: قال رسول الله وَلجر: ((يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً
وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِبَتِ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحَاً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (@)﴾ وقال ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾
[البقرة: ١٧٢])) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام
وملبسه حرام وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب فأنَّى يستجاب له.
وهو يدل دلالة واضحة أن دعاءه الذي هو من أعظم القرب لم ينفعه؛ لأنه لم يأكل من
الحلال ولم يشرب منه، ولم يركب منه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّحِكُمْ فَنَّقُونِ ﴿ فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرّاً
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (63)﴾. قد أوضحنا معنى هاتين الآيتين، وفسرنا ما يحتاج
منهما إلى تفسير وبينا الآيات الموضحة لمعناهما في سورة الأنبياء في الكلام على
قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ ﴿﴿ وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ
كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية، وبينا
جميع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله ﴿وَلَيْنْ أَخَّنَا عَنْهُمْ
الْعَذَابَ إِلَى أُنَّةِّ مَعْدُودَةٍ﴾ ... الآية [هود: ٨] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿فَذِّرَّهُمْ فِ غَيْرَتِهِمْ حَّ حِينٍ (®)﴾
أمر - جل وعلا - نبيه * أن يذر الكفار أي يتركهم في غمرتهم إلى حين، أي

٩٣٣
سورة المؤمنون : الآيات (٥٥ - ٦٢) -
وقت معين عند الله، والظاهر أنه وقت انقضاء آجالهم بقتل أو موت، وصيرورتهم إلى
ما هم صائرون إليه بعد الموت من العذاب البرزخي، والأخروي، وكون المراد بالحين
المذكور: وقت قتلهم، أو موتهم ذكره الزمخشري عن علي څه بغير سند.
وأقوال أهل العلم في معنى غمرتهم راجعة إلى شيء واحد، كقول الكلبي: في
غمرتهم؛ أي جهالتهم. وقول ابن بحر: في حيرتهم، وقول ابن سلام: في غفلتهم،
وقول بعضهم: في ضلالتهم فمعنى كل هذه الأقوال واحد، وهو أنه، أمره أن يتركهم
فيما هم فيه من الكفر والضلال والغي والمعاصي. قال الزمخشري: الغمرة: الماء
الذي يغمر القامة فضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم، وعمايتهم أو شبهوا
باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل، قال ذو الرمة:
ليالي اللهو يطبيني فأتبعه .. كأنني ضارب في غمرة لعب
وصيغة الأمر في قوله ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ للتهديد، وقد تقرر في فن الأضول في
مبحث الأمر وفي فن المعاني في مبحث الإنشاء أن من المعاني التي تأتي لها صيغة
افعل التهديد، وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، من تهديد الكفار الذين
كذبوا نبينا ◌َ﴿، جاء موضحاً في مواضع أخر، كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ
)﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ أَتْهِلْهُمْ رُوَبِدًا (®)﴾ [الطارق]
الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِفَ قَلِلًاً
إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
وقد أوضحنا الآيات الدالّة على هذا المعنى في سورة الحجر في الكلام على قوله
تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ﴾ ... الآية [الحجر: ٣] وتكلمنا هناك
علی لفظ خرهم.
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِنٌ ﴿ شَارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّ
قد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة الكهف
يَشْفُرُونَ ((@)﴾.
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَيِن رُّدِدتُ إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]
فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾. ما تضمنته هذه الآية من التخفيف في
هذه الحنيفية السمحة، التي جاء بها نبينا وم قد ذكرنا طرفاً من الآيات الدالة عليه في
سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَدَيْنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
الحق أن المراد بهذا الكتاب كتاب الأعمال الذي يحصيها الله فيه، كما يدل عليه
قوله تعالى: ﴿َذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَشْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الجاثية]

٩٣٤
-
سورة المؤمنون: الآيتان (٦٤ - ٦٥)
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف، في الكلام عَلَى قوله: ﴿وَوُضِعَ
اُلْكِنَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾ ... الآية [الكهف: ٤٩]، وفي سورة الإسراء في
الكلام عَلَى قوله ﴿ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
والظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق أن جميع المكتوب فيه حق، فمن قرأ المكتوب
فيه، كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق، وربما أطلقت العرب اسم الكلام على الخط،
كما روي عن عائشة أنها قالت: ما بين دفتي المصحف كلام الله، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَخْثَرُونَ ﴿ لَا تَخْتَرُواْ الْيَوْمِّ إِنَّكُ مِّنَا
لَا نُصَرُونَ
». حتى هنا في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة
٦٥
الشرطية، والعذاب الذي أخذهم ربهم به، قيل: هو عذاب يوم بدر بالقتل والأسر،
وقيل: الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم، لما دعا عليهم رسول الله وَلل فقال:
((اللهم اشدد وطأتك عَلَى مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) فأصابهم بسبب
دعوته ويل من الجوع الشديد، عذاب أليم، وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم
القيامة، وقد بين تعالى في هاتين الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب، والمترفون هم
أصحاب النعمة والرفاهية في دار الدنيا. وهذا المعنى أشار له بقوله: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ
أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَلًا وَجِيمًا (١) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (٣)﴾ [المزمل]
فقوله: أولي النعمة يريد بهم: المترفين في الدنيا، وبين أنه سيعذبهم بعد التهديد بقوله:
﴿إِنَّ لَدَيْنَآَ أَنْكَالًا وَجِيمًا ﴾﴾ [المزمل]، وقوله: يجأرون، الجوار: الصراخ باستغاثة،
والعرب تقول: جأر الثور يجأر: صاح، فالجوار كالخوار وفي بعض القراءات (عجلا
جسداً له جؤار) بالجيم والهمزة: أي خوار، وجأر الرجل إلى الله: تضرع بالدعاء.
فمعنى الآية الكريمة أن المنعمين في الدنيا من الكفار، إذا أخذهم الله بالعذاب
يوم القيامة، صاحوا مستصرخين مستغيثين، يطلبون الخلاص مما هم فيه، وصراخهم
واستغاثتهم المشار له هنا، جاء في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًّا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ
كَفُورٍ ﴿وَهُمْ يَصْطَرِفُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾
[فاطر: ٣٦، ٣٧] فقوله: يصطرخون: يفتعلون من الصراخ، مستغيثين يريدون الخروج
مما هم فيه، بدليل قوله تعالى عنهم: ﴿رَبَّآ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّاً
نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فهذا الصراخ المذكور في هذه الآية العام للمترفين وغيرهم، هو
الجؤار المذكور عن المترفين هنا، ومن إطلاق العرب الجوار على الصراخ والدعاء
للاستغاثة قول الأعشى:
فهطوراً سجوداً وطَوراً جؤارا
يراوح من صلوات المليك
والجؤار المذكور: هو النداء في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ

٩٣٥
سورة المؤمنون: الآيات (٦٦ - ٦٨)
مَنَاصِ (٣)﴾ [ص] لأن نداءهم نداء استغاثة واستصراخ وكقوله تعالى: ﴿وَنَادَوَأْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ
عَلَيْنَا رَبِّكٌ﴾ ... الآية [الزخرف: ٧٧]؛ لأن القضاء عليهم من أعظم الأمور التي يطلبونها،
فيستغيثون بالموت من دوام ذلك العذاب الشديد، أجارنا الله وإخواننا المسلمين منه.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿لَّا نَدْعُواْ الْيَوْمَ
ثُبُورًا وَجِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾﴾ [الفرقان] وذلك الدعاء بالثبور الذي هو أعظم
الهلاك، والويل من أنواع جوارهم والعياذ بالله، وقوله تعالى في هذه الآية ﴿لَا تَجْرُوا
الْيَوْمِّ إِنَّكُ مِّنَا لَا نُصَرُونَ ﴾﴾ يدل على أنهم إن استغاثوا لم يغاثوا، وإن استرحموا لم
يرحموا، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِنِ يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى
الْوُجُوهُ بِتْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا﴾ [الكهف: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ (®)﴾. لما بين
أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب، ضجوا وصاحوا واستغاثوا، وبين أنهم
لا يغاثون كما أوضحناه آنفاً بين سبب ذلك بقول: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَتِى﴾ أي التي أرسلت بها
رسلي ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تقرأ عليكم واضحة مفصلة، فكنتم على أعقابكم تنكصون: ترجعون
عنها القهقري. والعقب: مؤخر القدم، والنكوص: الرجوع عن الأمر، ومنه قوله تعالى:
﴿فَمَّا تَرَآءَتِ الْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ومنه قول الشاعر:
زعموا بأنهم على سبل النجا
ة وإنما ننكص على الأعقاب
وهذا المعنى الذي ذكره هنا: أشار له في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ
رَبَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ ذَلِكُم بِأَنَّهُ، إِذَا
دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِّ الْكَبِيرِ ﴾﴾ [غافر] فكفرهم
عند ذكر الله وحده، من نكوصهم على أعقابهم، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم
آياته، لم يقتصروا على النكوص عنها، على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها
.عليهم، لشدة بغضهم لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَيِنَتٍ تَعْرِفُ فِ
وُجُودِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [الحج: ٧٢]
وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة، أظهر عندنا من قول من قال: إنه يوم
بدر أو الجوع، ومن قول من زعم أن الذين يجأرون: هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن
جوارهم من قبل إخوانهم، فكل ذلك خلاف الظاهر، وإن قاله من قاله.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَذَّبَّرُواْ اُلْقَوْلَ﴾. يتضمن حضهم، على تدبر هذا القول الذي هو
القرآن العظيم؛ لأنهم إن تدبروه تدبراً صادقاً، علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب
وتصديق من جاء به لازم. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى:
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا (®﴾ [النساء]
وقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (1)﴾ [محمد] وقوله في هذه الآية

٩٣٦ -
سورة المؤمنون: الآيتان (٦٩ - ٧٠)
الكريمة: ﴿أَمْ جَهُرُ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَبَآءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال القرطبي: فأنكروه، وأعرضوا عنه،
وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له ..
وقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأتي
آباءهم الأولين، قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أوّلاً بترك الانتفاع بالقرآن،"
ثم ثانياً بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين؛ أي إرسال الرسل ليس بدعاً، ولا مستغرباً،
بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من
كذب، وآباؤهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من
النظر وعليه فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٩] ونحوها
من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ()﴾. قد قدمنا الآيات
الموضحة لهذه الآية في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِئْتُ
فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِيَه﴾ ... الآية [يونس: ١٦] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِآلْحَقِّ وَأَكْتُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ
٧٠
أم المذكورة في هذه الآية هي المعروفة عند النحويين بأم المنقطعةَ، وضابطها ألا
تتقدم عليها همزة تسوية نحو ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٦]
أو همزة مغنية، عن لفظة: أي كقولك أزيد عندك أم عمرو؟ أي أيهما عندك؟ فالمسبوقة
بإحدى الهمزتين المذكورتين، هي المعروفة عندهم بأم المتصلة، والتي لم تسبق بواحدة
منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا، وأم المنقطعة تأتي لثلاثة معان.
الأول: أن تكون بمعنى: بل الإضرابية.
الثاني: أن تكون بمعنى همزة استفهام الإنكار.
الثالث: أن تكون بمعناهما معاً فتكون جامعة بين الإضراب والإنكار، وهذا
الأخير هو الأكثر في معناها، خلافاً لابن مالك في الخلاصة في اقتصاره على أنها
بمعنى: بل في قوله:
وبانقطاع وبمعنى بل وفت إن تك مما قيدت به خلت.
ومراده بخلوها مما قُيّدتْ به: ألا تسبقها إحدى الهمزتين المذكورتين، فإن سبقتها
إحداهما، فهي المتصلة كما تقدم قريباً، وعلى ما ذكرنا فيكون المعنى متضمناً للإضراب
عما قبله إضراباً انتقالياً، مع معنى استفهام الإنكار، فتضمن الآية الإنكار على الكفار
في دعواهم: أن نبينا و * به جنة أي جنون يعنون أن هذا الحق الذي جاءهم به هذيان
مجنون، قبحهم الله ما أجحدهم للحق، وما أكفرهم ودعواهم عليه هذه أنه مجنون
كذبها الله هنا بقولهِ: ﴿بَلْ جَآَمَهُم بِالْحَقِّ﴾ فالإضراب ببل إيطالي ...
والمعنى ليس بمجنون بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح، المؤيد

٩٣٧
سورة المؤمنون: الآيتان (٦٩ - ٧٠)
بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل، أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم
للحق، وما نفته هذه الآية الكريمة من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه في مواضع
أخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونِ (٣)﴾ [التكوير] وقوله تعالى: ﴿فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَيِّكَ
بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] وهذا الجنون الذي افتُري على آخر الأنبياء، افتري أيضاً
على أولهم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح أنهم قالوا فيه ﴿إِنْ هُوَ
إِلَّا رَجُلٌ بِهِ، جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٥)﴾ وقد بين في موضع آخر أن الله لم يُرسل
رسولاً إلا قال قومه: إنه ساحر، أو مجنون، كأنهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك لتواطئ
أقوالهم لرسلهم عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا
قَالُواْ سَلِحُرُ أَوْ بَحْنُوْنُ فَ أَنَوَصَوْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (6)﴾ [الذاريات] فبين أن سبب
تواطئهم على ذلك ليس التواصي به، لاختلاف أزمنتهم، وأمكنتهم، ولكن الذي جمعهم
على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان، وقد أوضح هذا المعنى في سورة
البقرة في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:
١١٨]، فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه مقالاتهم لرسلهم، هو تشابه قلوبهم في
الكفر والطغيان، وكراهية الحق وقوله ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾ ذكر نحو معناه في قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ حِثْتَكُمُ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (٨)﴾ [الزخرف] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَغِنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ﴾ [الحج: ٧٢]، وذلك
المنكر الذي تعرفه في وجوههم، إنما هو لشدة كراهيتهم للحق، ومن الآيات الموضحة
لكراهيتهم للحق أنهم يمتنعون من سماعه، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن
يسمعوه، كما قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإشراك
به، وهو نوح ﴿وَ إِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَيِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ نِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ
وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ﴾﴾ وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم خوف أن
يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - من الحق، والدعوة
إليه. وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء وَّه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ.
فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، فترى بعضهم ينهى بعضاً عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، كالصياح
والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: ﴿وَأَكْتُهُمْ لِلْحَقِّ
كَزِهُونَ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن قليلاً من الكفار، ليسوا كارهين للحق. وهذا
السؤال وارد أيضاً على آية الزخرف التي ذكرنا آنفاً، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَّكُمْ
[الزخرف: ٧٨].
لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾
والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلاً من الكفار . .
كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ليس هو كراهيتهم
للحق، ولكن سبيه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا صبأوا وفارقوا دين

٩٣٨
سورة المؤمنون: الآية (٧١)
آبائهم، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق، الذي جاء به النبي
وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله:
* اصدع بأمرك ما عليك غضاضة #
الأبيات وقال فيها :
من خير أديان البرية دينا
ولقد علمت بأنّ دين محمد
وقال فيه ◌َل أيضاً :
لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
وقد بين أبو طالب في شعره أن السبب المانع له من اعتناق الإسلام ليس كراهية
الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له كما في قوله:
لولا الملامة أو حذار مسبة
لوجدتني سمحاً بذاك يقينا
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ أَثَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ وَمَنْ فِهِرٌَ﴾ .
اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال بعضهم: الحق: هو الله
تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
اُلْحَقُّ الْمُبِينٌ﴾ [النور: ٢٥] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَقُّ﴾ [الحج: ٦] وكون المراد بالحق
في الآية هو الله عزاه القرطبي للأكثرين، وممن قال به: مجاهد وابن جريج، وأبو
صالح، والسدي. وروي عن قتادة، وغيرهم.
وعلى هذا القول فالمعنى لو أجابهم الله إلى تشريع ما أحبوا تشريعه وإرسال من
اقترحوا إرساله، بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعاً لأهوائهم
الفاسدة، لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن؛ لأن أهواءهم الفاسدة وشهواتهم
الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض وذلك لفساد أهوائهم، واختلافها.
فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل
لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع.
ومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح لأن تكون متبعة قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ
لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾﴾ [الزخرف]؛ لأن القرآن لو أنزل على
أحد الرجلين المذكورين، وهو كافرٍ يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك. وقد رد الله
عليهم بقوله ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ... الآية [الزخرف: ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ
تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا (®﴾ [الإسراء] وقال
﴾ [النساء] قال ابن كثير تخلّلهُ:
تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا
ففي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في
جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه سبحانه وتعالى علواً كبيراً.

٩٣٩
سورة المؤمنون: الآيتان (٧١ - ٧٢) --
ومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدت السموات
والأرض ومن فيهن قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
· القول الثاني أن المراد بالحق في الآية: الحق الذي هو ضد الباطل المذكور في
قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ﴾ وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية، وأنكر الأول.
وعلى هذا القول فالمعنى أنه لو فرض كون الحق متبعاً لأهوائهم، التي هي الشرك
بالله، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك؛ لفسد كل شيء؛ لأن هذا الفرض يصير
به الحق، وهو أبطل الباطل، ولا يمكن أن يقوم نظام السماء والأرض على شيء، هو
أبطل الباطل؛ لأن استقامة نظام هذا العالم لا تمكن إلا بقدرة وإرادة إله هو الحق
منفرد بالتشريع، والأمر والنهي كما لا يخفى على عاقل، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿بَّ أَنَّْلَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾. اختلف العلماء في
الذكر في الآية فمنهم من قال: ذكرهم: فخرهم، وشرفهم؛ لأن نزول هذا الكتاب على
رجل منهم، فيه لهم أكبر الفخر والشرف، وعلى هذا، فالآية كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] على تفسير الذكر بالفخر والشرف، وقال بعضهم: الذكر في
الآية: الوعظ والتوصية، وعليه فالآية كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ اْلَيَاتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ
﴾ [آل عمران] وقال بعضهم: الذكر هو ما كانوا يتمنونه في قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا
[الصافات] وعليه، فالآية كقوله تعالى:
١٩٩)
لَكُنَا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
مِّنَ اٌلْأَوَّلِينَ
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَإِنِ جَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأَمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] وعلى
هذا القول فقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] الآية كقوله هنا ﴿فَهُمْ
عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ﴾ وكقوله: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمّ﴾
[الأنعام: ١٥٧] والآيات بمثل هذا على القول الأخير كثيرة، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْحًا فَخَرَجُ رَئِكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ (®﴾. المراد بالخرج
والخراج هنا: الأجر والجزاء، والمعنى أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة
المتضمنة لخيري الدنيا والآخرة، أجرة ولا جعلا، وأصل الخرج والخراج: هو ما
تخرجه إلى كل عامل في مقابلة أجرة، أو جعل، وهذه الآية الكريمة تتضمن أنه وصلاليه لا
يسألهم أجراً، في مقابلة تبليغ الرسالة.
وقد أوضحنا الآيات القرآنية الدالة على أن الرسل لا يأخذون الأجرة على التبليغ
في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى عن نوح: ﴿لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ... الآية [هود: ٢٩]. وبينا وجه الجمع بين تلك الآيات، مع آية ﴿قُل لَّ
أَسْشَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] وبينا هناك حكم أخذ الأجرة، على
تعليم القرآن وغيره، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذين الحرفين ابن عامر: خرجا

٩٤٠
سورة المؤمنون: الآيات (٧٣ - ٧٥)
فخرج ربك، بإسكان الراء فيهما معاً، وحذف الألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي:
خراجا فخراج ربك بفتح الراء بعدها ألف فيهما معاً، وقرأ الباقون: خرجاً فخراج ربك
بإسكان الراء، وحذف الألف في الأول، وفتح الراء وإثبات الألف في الثاني،
والتحقيق أن معنى الخرج والخراج واحد، وأنهما لغتان فصيحتان وقراءتان سبعيتان،
خلافاً لمن زعم أن بين معناهما فرقاً زاعماً أن الخرج ما تبرعت به، والخراج: ما
لزمك أداؤه. ومعنى الآية لا يساعد على هذا الفرق كما ترى، والعلم عند الله تعالى.
وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّرِقِينَ﴾ نظراً إلى أن بعض المخلوقين يرزق
بعضهم كقوله تعالى: ﴿وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٣٣]، ولا شك أن فضل رزق الله خلقه، على رزق
بعض خلقه بعضهم، كفضل ذاته وسائر صفاته على ذوات خلقه، وصفاتهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ (
قد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى هذه الآية في سورة الحج في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَدَعُ إِلَى رَبِّكٌ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] فأغنى عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِرَطِ لَكِبُونَ
(٧٤)
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لإنكارهم
البعث والجزاء، ناكبون عن الصراط، والمراد بالصراط، الذي هم ناكبون عنه: الصراط
المستقيم الموصلى إلى الجنة المذكور في قوله قبله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
(٧٣)
ومن نكب عن هذا الصراط المستقيم، دخل النار بلا شك.
والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ اَلْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾﴾ [الروم] ومعنى قوله:
لناكبون: عادلون عنه، حائدون غير سالكين إياه وهو معنى معروف في كلام العرب،
ومنه قول نصيب :
بزينب لا تفقدكما أبداً كعب
خليليَّ من كعب ألما هديتما
غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب
من اليوم زوراها فإن ركابنا
جمع ناكبة، عنها؛ أي عادلة عنها متباعدة عنها، وعن أهلها .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرِّ لَّلَجُوْ فِي ◌ُغْيَكِنِهِمْ يَعْمَهُونَ
(٧٥)
قد بينا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية من أنه تعالى يعلم المعدوم
الذي سبق في علمه أنه لا يوجد، أن لو وجد كيف يكون، في سورة الأنعام في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] فأغنى ذلك عن
إعادته هنا: وقوله في هذه الآية: ﴿لََّجُواْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الدجاج هنا: التمادي في
الكفر والضلال. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو كفرهم بالله، وادعاؤهم له الأولاد