Indexed OCR Text

Pages 901-920

٩٠١
سورة الحج: الآية (٦٣)
فالمعنى ألم تعلم الله منزلاً من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؛ أي ذات
خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب إنزاله الماء من السماء، وهذه آية من آياته
وبراهين قدرته عَلَى البعث كما بيناه مراراً. وهذا المعنى المذكور هنا من كون إنبات
نبات الأرض، بإنزال الماء من آياته الدالة، عَلَى كمال قدرته جاء موضحاً في آيات
كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَبْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾
ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْنَّ﴾
[فصلت: ٣٩]
[فصلت: ٣٩] وكقوله: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاَ﴾
[الروم: ٥٠]. ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنِى وَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاِ مَآءَ مُّبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ اَْصِيدِ
(١) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ رِّزْقًا لِلْعِبَادِّ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا﴾ [ق: ٩ -١١]. ثم
بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿كَذَلِكَ أْخُرُوِجُ﴾ [ق: ١١]؛ أي خروجكم من
قبوركم أحياء بعد الموت كقوله: ﴿وَيُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]
وقوله: ﴿وَأَحَيْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْئًا كَذَلِكَ اَلْخُرُوِيمُ﴾ [ق: ١١] ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ
الثَّمْزَنِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] والآيات بمثل هذا كثيرة.
تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان:
الأول: هو ما حكمة عطف المضارع في قوله: فتصبح على الماضي الذي هو أنزل؟
السؤال الثاني: ما وجه الرفع في قوله: فتصبح مع أن قبلها استفهاماً؟
فالجواب عن الأول: أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد
زمان كما تقول: أنعم علي فلان عام كذا وكذا، فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت:
فغدوت ورحت، لم يقع ذلك الموقع، هكذا أجاب به الزمخشري.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيئة التي
اتصفت بها الأرض: بعد نزول المطر، والماضي لا يفيد دوام استحضارها؛ لأنه يفيد
انقطاع الشيء، أما الرفع في قوله: فتصبح؛ فلأنه ليس مسبّباً عن الرؤية التي هي موضع
الاستفهام، وإنما هو مسبب الإنزال في قوله: أنزل، والإنزال الذي هو سبب إصباح
الأرض مخضرة ليس فيه استفهام، ومعلوم أن الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن
حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط، ولا يمكن أن تقول هنا: إن تر أن الله أنزل
من السماء ماء، تصبح الأرض مخضرة؛ لأن الرؤية لا أثر لها البتة في اخضرار
الأرض، بل سببه إنزال الماء لا رؤية إنزاله.
وقد قال الزمخشري في الكشاف في الجواب عن هذا السؤال: فإن قلت: فما له
رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام.
قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض؛ لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب
بالنصب إلى نفي الاخضرار.

٩٠٢
سورة الحج: الآية (٦٥)
مثاله: أن تقول لصاحبك: ألم تر أنّي أنعمت عليك فتشكر، إن تنصبه فأنت ناف
لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له
من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله، انتهى منه. وذكر نحوه أبو حيان وفسره
ظانًّا أنه أوضحه، ولا يظهر لي كل الظهور، والعلم عند الله تعالى.
فإن قيل: كيف قال: فتصبح مع أن اخضرار الأرض، قد يتأخر عن صبيحة المطر ..
فالجواب: أنه على قول من قال: فتصبح الأرض مخضرة، أي تصير مخضرة
فالأمر واضح، والعرب تقول: أصبح فلان غنياً مثلاً بمعنى صار، وذكر أبو حيان عن
بعض أهل العلم أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر.
ذكره عكرمة وابن عطية وعلى هذا فلا إشكال. وقال بعضهم: إن الفاء للتعقيب،
وتعقيب كل شيء بحسبه كقوله: ﴿فُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:
١٤] مع أن بين ذلك أربعين يوماً كما في الحديث، قاله ابن كثير. وقوله: لطيف خبير؛
أي لطيف بعباده، ومن لطفه بهم إنزاله المطر وإنباته لهم به أقواتهم، خبير بكل شيء،
لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض سبحانه وتعالى علواً كبيراً .
قوله تعالى: ﴿أَمّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمِهِ﴾.
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الله سخر لخلقه ما في الأرض،
وسخر لهم السفن تجري في البحر بأمره، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحاً في مواضع
كثيرة كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وقد بينا معنى
تسخير ما في السماء بإيضاح في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا
مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّجِيمٍ (٣)﴾ [الحجر] وكقوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ
﴿﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَكَبُونَ ﴾﴾ [يس] وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في
سورة النحل وغيرها .
قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ الشَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾. ذكر - جل وعلا - في
هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك
من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها كما قال:
﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ تُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كَِفًّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... الآية [سبأ: ٩]. وقد
أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ
تَزُولَاً وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَّ بَعْدِهِ،﴾ ... الآية [فاطر: ٤١]، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَبِقَ وَمَا كُنَا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ ﴾﴾ [المؤمنون] على قول من فسرها بأنه
غير غافل عن الخلق بل حافظ لهم من سقوط السموات المعبر عنها بالطرائق عليهم . .
تنبيه: هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ الشَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى
اَلْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَأَ وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ

٩٠٣
سورة الحج: الآيتان (٦٦ - ٦٧) .
مِّنَّ بَعْدِهِةَ﴾ [فاطر: ٤١] وقوله: ﴿إِن نَّشَأْ غَخِْفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًّا مِنَ
السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾﴾ [النبأ]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا
بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾﴾ [الذاريات]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَا﴾ [الأنبياء:
٣٢]، ونحو ذلك من الآيات، يدل دلالة واضحة، على أن ما يزعمه ملاحدة الكفرة،
ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإسلام أن السماء فضاء لا جرم مبني،
أنه كفر وإلحاد وزندقة، وتكذيب لنصوص القرآن العظيم، والعلم عند الله تعالى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَّءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾؛ أي ومن رأفته
ورحمته بخلقه أنه أمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَخْيَاكُمْ ثُمَّ يُسِتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ
لَكَفُورٌ ﴿﴾﴾. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَحْيَاكُمْ﴾ أي بعد أن كنتم أمواتاً في بطون
أمهاتكم قبل نفخ الروح فيكم فهما إحياءتان، وإماتتان كما بينه بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُونَ
بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨)﴾ [البقرة]
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنٍ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ ... الآية [غافر: ١١].
ونظير آية الحج المذكورة هذه قوله تعالى في الجاثية: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ يُمِتْكُزْ ثُمَّ
يَجْمَئُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَبْبَ فِيهِ﴾ الآية [الجاثية: ٢٦]، وكفر الإنسان المذكور في هذه الآية
في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ﴾ مع أن الله أحياه مرتين، وأماته مرتين، هو الذي دل
القرآن على استبعاده وإنكاره مع دلالة الإماتتين والإحياءتين على وجوب الإيمان
بالمحيي المميت، وعدم الكفر به في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَحْيَكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿لَّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهٌ﴾. الأظهر في معنى قوله:
﴿مَنسَكَا هُمْ نَاسِكُوهٌ﴾ أي متعبداً هم متعبدون فيه؛ لأن أصل النسك التعبّد وقد بين
تعالى أن منسك كل أمة فيه التقرب إلى الله بالذبح، فهو فرد من أفراد النسك صرح
القرآن بدخوله في عمومه؛ وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك.
والآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُواْ
اسْمَ اَللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنَْمِّ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلّ
أُمَّتِ جَعَلْنَا مَسَكًا﴾ في الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها .
قوله تعالى: ﴿وَدْعُ إِلَى رَبِكٌّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدِّى مُسْتَقِيمٍ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه وَّل
في هذه الآية الكريمة أن يدعو الناس إلى ربهم أي إلى طاعته، وطاعة رسوله، وأخبره
فيها أنه على صراط مستقيم؛ أي طريق حق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام
الذي أمره أن يدعو الناس إليه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين،
جاء واضحاً في مواضع أخر، كقوله في الأول منهما: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ مَايَتِ اَللَّهِ بَعْدَ إِذْ

٩٠٤
سورة الحج: الآيات (٦٨ - ٧٤)
﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَلِك
أُنزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَّا أُمِرْتٌ﴾ [الشورى: ١٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. وأخبر - جل وعلا - أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣)﴾ [المؤمنون] وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَنَهْدِىّ إِلَى
صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وكقوله في الأخير: ﴿فَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُِّينِ
: [النمل] وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا﴾ ... الآية [الجاثية: ١٨]
(٧٩)
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، والآيات بمثل هذا كثيرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِن جَدَلُوَكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
أمر الله - جل وعلا - نبيه # في هذه الآية الكريمة أنه إن جادله الكفار؛ أي
خاصموه بالباطل وكذبوه، أن يقول لهم: الله أعلم بما تعملون.
وهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين
أحدهما: أمر الرسول وي لو أن يهددهم بقوله: الله أعلم بما تعملون؛ أي من
الكفر، فمجازيكم عليه أشد الجزاء.
ثانيهما: الإعراض عنهم، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه الآية في
غَيْرُ هذا الموضع.
أما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير له فيها
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَّلُكُمْ أَنْتُم بَرِقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا
تَعْمَلُونَ ((!)﴾ [يونس].
وأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيِضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ،
شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] وقوله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُوْ رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا
يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوِّمِ الْمُجْرِمِنَ (﴾ [الأنعام]. فقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ ... الآية فيه
أشد الوعيد للمكذبين، كما قال: ﴿وَيْلٌ يَؤْمِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ [المرسلات] في مواضع
متعددة، وهم إنما يكذبونه بالجدال، والخصام بالباطل، وقد أمره الله في غير هذا
الموضع أن يجادلهم بالتي هي أحسن وذلك في قوله ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنَّ﴾
[النحل: ١٢٥] وقوله: ﴿وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وبين
له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل، إلا جاءه الله بالحق الذي يدمغ ذلك
الباطل، مع كونه أحسن تفسيراً وكشفاً وإيضاحاً للحقائق وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ
[الفرقان].
بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِخْتَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً.
قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ﴾. أي ما عظموه حق عظمته حين عبدوا
معه من لا يقدر على خلق ذباب، وهو عاجز أن يسترد من الذباب ما سلبه الذباب منه،
كالطيب الذي يجعلونه على أصنامهم، إن سلبها الذباب منه شيئاً لا تقدر على استنقاذه

٩٠٥
سورة الحج: الآيات (٧٥ - ٧٨).
منه، وكونهم لم يعظموا الله حق عظمته، ولم يعرفوه حق معرفته حَيْثُ عبدوا معه من لا
يقدر على جلب نفع، ولا دفع ضر، ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله في
الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ ◌َّدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَا أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]
وكقوله في الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ
مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ [الزمر].
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾. بين الله - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة أنه يصطفى أي يختار رسلاً من الملائكة، ومن الناس فرسل
الناس لإبلاغ الوحي، ورسل الملائكة لذلك أيضاً، وقد يرسلهم لغيره، وهذا الذي
ذكره هنا من اصطفائه الرسل منهما جاء واضحاً في غير هذا الموضع، كقوله في رسل
الملائكة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٍّ أَجْنِحَةٍ مَّتْفَ وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾
[فاطر: ١]. وقوله في جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (@)﴾ [الحاقة]. ومن ذكره إرسال
الملائكة بغير الوحي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حََّ إِذَا جَآءَ
أَحَدُكُمْ أَلْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُّلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ (٣)﴾ [الأنعام]، وكقوله في رسل بني آدم: ﴿ اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِّ﴾.
[البقرة: ٢٥٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمٍَّ رَسُولًا﴾ [النحل: ٧٦].
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَجْتَبَنِكُمْ﴾. أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد.
ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ... الآية
[آل عمران: ١١٠].
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾. الحرج: الضيق كما أوضحناه
في أول سورة الأعراف.
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا
محمد سل أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها
الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا ..
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره - جل وعلا - في غير هذا
الموضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا (٣)﴾ [النساء]. وقد ثبت في
صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عباس أن النبي وَل ◌ّ لما قرأ خواتم سورة
البقرة: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ((قال الله: قد فعلت)) في
رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: ((نعم)). ومن رفع الحرج في هذه الشريعة
الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام
قاعداً وإباحة المحظور للضرورة كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا

٩٠٦
سورة الحج: الآية (٧٨)
أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهُ﴾ [الأنعام: ١١٩] إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير، وما تضمنته هذه
الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا وعليه ،
هو إحدى القواعد الخمس، التي بني عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس.
الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: ((لا ضرر ولا ضرار)).
الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ وما ذكرنا في معناها من الآيات.
الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث ((من أحس بشيء في دبره في
الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً)) لأن تلك الطهارة المحققة
لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها.
الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم،
ونحو ذلك، واستدل لهذه بعضهم بقوله: ﴿وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٩٩].
الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث ((إنما الأعمال بالنيات))
الحديث. وقد أشار في (مراقي السعود) في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس
المذكورات بقوله :
وأن ما يشق يجلب الوطر
قد أسس الفقه على رفع الضرر
يحكم العرف وزاد من فطن
ونفي رفع القطع بالشك وأن
مع التكلف ببعض وارد
كون الأمور تبع المقاصد
قوله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِْرَهِيمٌ﴾. قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض،
ومال إليه ابن جرير؛ أي ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم، وأعربه
بعضهم منصوباً بمحذوف؛ أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله: ﴿مِلَّةَ
أَبِكُمْ إِنَزَهِيمٌ﴾ شاملاً لما ذكر قبله من الأوامر في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ
وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُوْ اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (٧) وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ
جِهَادِهِ،﴾ ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَقٍ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ
إَِهِيَمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم شامل لما ذكر كله.
قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمِّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا﴾. اختلف في مرجع الضمير
الذي هو لفظ ((هو)) من قوله: ﴿هُوَ سَمَّنكُمْ﴾ فقال بعضهم: الله هو الذي سماكم
المسلمين من قبل وفي هذا، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد
وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال
بعضهم: هو أي إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله
عنه ابن كثير. وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول
٠

٩٠٧
سورة الحج: الآية (٧٨).
بعض العلماء في الآية قولاً وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول،
وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان
على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.
إحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ: سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا﴾؛ أي القرآن،
ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما
نبه على هذا ابن جرير.
القرينة الثانية: أن لأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى
إبراهيم فقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَنكُمْ﴾ أي الله وما جعل عليكم في الدين من حرج؛ أي الله هو
سماكم المسلمين؛ أي الله.
فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
فالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه
صارف، وهنا قد صرف عنه صارف؛ لأن قوله وفي هذا يعني القرآن، دليل على أن
المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة
قبله نحو هو ﴿اَجْتَبَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ﴾ يناسبه أن يكون هو سماكم؛
أي الله المسلمين.
قال ابن كثير كثّفُ في تفسير الآية بعد أن ذكر أن الذي سماهم المسلمين من قبل
وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:
قلت: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِينِ
مِنْ حَرَجْ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول وَلقول بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل،
ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر،
وقديم الزمان في كتب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَتَّنَكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن.
وفي هذا روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا
محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام، أخبره عن أبي سلام
أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله وسلم قال: ((من دعا بدعوى
الجاهلية فإنه من جثيّ جهنم))، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال:
((نعم وإن صام وإن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله))
وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ
[البقرة]، اهـ من تفسير ابن كثير.
مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي
سماهم المسلمين المؤمنين.

٩٠٨
سورة المؤمنون: الآيتان (١ - ٢)
قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِ﴾. يعني إنما
اجْتباكم، وفضلكم ونوه بإسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل
المتقدمين، فسماكم فيها المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم
أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، أن الرسل
بلغتهم رسالات ربهم، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيداً،
أنه بلغكم، وقيل: شهيداً على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ.
وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله - جل وعلا - في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال فيهِ اَل
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ ... الآية [الأحزاب: ٤٥]. والعلم عند الله تعالى.
باسم الرحمن الرحيم
سورة المؤمنون
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾، ذكر -
جلّ وعلا - في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات المؤمنين المفلحين
فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾﴾ أي فازوا وظفروا بخير الدنيا والآخرة.
وفلاح المؤمنين مذكور ذكراً كثيراً في القرآن كقوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ
اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا (﴾﴾ [الأحزاب] وقوله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ أصل الخشوع:
السكون، والطمأنينة، والانخفاض ومنه قول نابغة ذبيان:
رماد ككحل العين لأياً أبينه
ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.
وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً في قوله في الأحزاب:
﴿ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون
الفردوس، وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله: ﴿وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ على أن من خشوع المصلي أن يكون نظره في صلاته إلى موضع
سجوده، قالوا: كان النبي ◌َّ ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ
(ج) فجعل رسول الله وَله ينظر حيث يسجد.
صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ

٩٠٩
سورة المؤمنون: الآية (٣)
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في
سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ((أن النبي ◌َّر كان إذا صلى رفع بصره إلى
السماء فنزلت ﴿الَِّينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ فطأطاً رأسه)»، اهـ منه.
وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره.
وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده،
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قالوا:
فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي
كمال القيام. وظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلِ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛
لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده، ليس بمولِّ وجهه شطر المسجد الحرام،
والجمهور علی خلافهم كما ذكرنا .
واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد : .
فاعقلي إن كنت لمّا تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.
والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضاً
في رجز له:
لو أن حيَّـا مدرك الفلاح
لناله ملاعب الرماح
يعني مدرك البقاء، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع:
والمسى والصبح لا فلاح معه
لكل هم من الهموم سعه
أي لا بقاء معه، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول
هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة، وأن من دخل
الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما،
فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة: حي على الفلاح.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ الَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين: إعراضهم عن اللغو، وأصل اللغو ما لا فائدة
فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل، وما توجب المروءة تركه.
وقال ابن كثير ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أي عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله
بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، اهـ منه.
وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية، أشار له في غير هذا
الموضع كقوله: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٣] ومن مرورهم به كراماً

٩١٠-
سورة المؤمنون: الآية (٤)
إعراضهم عنه، وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ: أَعْرَضُواْ
عَنْهُ﴾ ... الآية [القصص: ٤].
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَاعِلُونَ
في المراد بالزكاة هنا وجهان من
﴾.
التفسير معروفان عند أهل العلم.
أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وعزاه ابن كثير للأكثرين.
ثانيهما: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس أي تطهيرها من الشرك، والمعاصي
بالإيمان بالله، وطاعته وطاعة رسله - عليهم الصلاة والسلام -، وعلى هذا فالمراد
بالزكاة كالمراد بها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ﴿٣] وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنَهَا ﴾﴾ [الشمس]
وقوله: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّّى ﴿1﴾ ... الآية [الأعلى]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا﴾ [النور: ٢١] وقوله: ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوَةً﴾ ... الآية [الكهف: ٨١]،
وقوله: ﴿وَيِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] على أحد
التفسيرين. وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث قرائن:
الأولى: أن هذه السورة مكية، بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو
معلوم. فدل على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ﴾﴾ نزل قبل فرض زكاة الأموال
المعروفة، فدل على أن المراد به غيرها .
القرينة الثانية: هي أن المعروف في زكاة الأموال: أن يعبر عن أدائها بالإيتاء
كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٣] ونحو
ذلك. وهذه الزكاة المذكورة هنا لم يعبر عنها بالإيتاء بل قال تعالى فيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ
لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ﴾ فدل على أن هذه الزكاة أفعال المؤمنين المفلحين، وذلك أولى
بفعل الطاعات، وترك المعاصي من أداء مال.
الثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادة مقرونة بالصلاة، من غير فصل بينهما
كقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ﴾
[البقرة: ٢٧٧] وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] وهذه الزكاة المذكورة
هنا فصل بين ذكرها، وبين ذكر الصلاة بجملة ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
والذين قالوا المراد بها زكاة الأموال قالوا: إن أصل الزكاة فرض بمكة قبل
الهجرة، وأن الزكاة التي فرضت بالمدينة سنة اثنتين هي ذات النصب، والمقادير الخاصة.
وقد أوضحنا هذا القول في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقد يستدل؛ لأن المراد بالزكاة في هذه الآية غير الأعمال
التي تزكى بها النفوس من دنس الشرك والمعاصي، بأنا لو حملنا معنى الزكاة على
ذلك، كان شاملاً لجميع صفات المؤمنين المذكورة في أول هذه السورة، فيكون
كالتكرار معها، والحمل على التأسيس والاستقلال أولى من غيره، كما تقرر في

٩١١
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧) -
الأصول، وقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ﴾ .... الآية [النحل: ٩٧] والذين قالوا: هي زكاة الأموال قالوا: فاعلون أي
مؤدون، قالوا: وهي لغة معروفة فصيحة، ومنها قول أمية بن أبي الصلت:
المطعمون الطعام في السنة الأز
مة والفاعلون للزكوات
وهو واضح بحمل الزكاة على المعنى المصدري بمعنى التزكية للمال؛ لأنها فعل
المزكي كما هو واضح. ولا شك أن تطهير النفس بأعمال البر، ودفع زكاة المال
كلاهما من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة.
وقد قال ابن كثير كخلفه: وقد يحتمل أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة النفس من
الشرك، والدنس إلى أن قال ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس،
وزكاة الأموال فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا،
والله أعلم، اهـ منه.
قوله تعالى: ﴿وَالَِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوَلَِّكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا -
في هذه الآيات الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس
ويخلدون فيها حفظهم لفروجهم؛ أي من اللواط والزنى، ونحو ذلك، وبين أن حفظهم
فروجهم، لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بعقد الزواج أو بملك
اليمين، والمراد به التمتع بالسراري، وبين أن من لم يحفظ فرجه عن زوجه أو سريته لا
لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعاً بفرجه، وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات فهو من
العادين؛ أي المعتدين المتعدين حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه.
وبين معنى العادين في هذه الآية قوله تعالى في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُنَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْمَلَمِينَ
١٢٥
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ (٦)﴾ [الشعراء] وهذا الذي ذكره
هنا ذكره أيضاً في سورة سأل سائل؛ لأنه قال فيها في الثناء على المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ
[المعارج].
٣٠
◌ِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:
المسألة الأولى: اعلم أن «ما)» في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ من صيغ
العموم، والمراد بها ((مَن)) وهي من صيغ العموم، فآية قد أفلح المؤمنون وآية سأل
سائل تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة ما، في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَدُهُمْ﴾ في
الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين في التسري بهما معاً لدخولهما في
عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ وبهذا قال داود الظاهري، ومن تبعه، ولكن قوله تعالى:
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] يدل بعمومه على منع جمع الأختين، بملك
اليمين؛ لأن الألف واللام في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين سواء كانتا بعقد

٩١٢
- سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧)
أو ملك يمين؛ ولذا قال عثمان ته، لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين:
أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى يعني الآية المحلة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ وبالمحرمة
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾.
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
وسنذكر هنا - إن شاء الله - المهم مما ذكرنا فيه ونزيد ما تدعو الحاجة إلى زيادته.
وحاصل تحرير المقام في ذلك أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم وخصوص ،
من وجه يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان رضي الله
عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى وإيضاحه أن آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْ
اَلْأُخْتَيْنِ﴾ تنفرد عن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ في الأختين المجموع بينهما، بعقد
نكاح وتنفرد آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ في الأمة الواحدة، أو الأمتين اللتين ليستا
بأختين، ويجتمعان في الجمع بين الأختين. فعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾
يقتضي تحريمه، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ يقتضي إباحته، وإذا تعارض الأعمّان
من وجه في الصورة التي يجتمعان فيها: وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدّم
ويخصص به عموم الآخر، كما أشار له في (مراقي السعود) بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر
فالحكم بالترجيح حتماً معتبر.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَبْنِ﴾ مرجح من
خمسة أوجه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾
الأول: منها أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك
المقصود بالذات؛ لأن السورة سورة النساء: وهي التي بين الله فيها من تحل منهن،
ومن لا تحل وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم
النساء، ولا تحليلهن بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة، فذكر من
جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرِيّة. وقد تقرر في
الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها، لا من مظانها .
الوجه الثاني: أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ ليست باقية على عمومها بإجماع
المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين، إجماعاً للإجماع على أن
عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ يخصص عموم ﴿وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعاً، للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ... الآية
[النساء: ٢٢]، والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص، مع
العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص، وهذا هو قول
جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحداً خالف فيه، إلا صفي الدين الهندي، والسبكي.

٩١٣
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧) -
-
وحجة الجمهور أن العام المخصص، اختلف في كونه حجة في الباقي، بعد
التخصيص، والذين قالوا: هو حجة في الباقي، قال جماعة منهم: هو مجاز في
الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما
اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز؟ وإن كان الصحيح أنه حجة في الباقي،
وحقيقة فيه؛ لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه، وأما حجه
صفي الدين الهندي والسبكي، على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في
العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه
مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه.
الوجه الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اُلْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض
مدح ولا ذم وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتّقين، والعام الوارد
في معرض المدح أو الذم اختلف العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء على أن
عمومه معتبر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَّفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َمِيمٍ ﴾﴾ [الانفطار]
فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم. قال في (مراقي السعود):
وما أتى للمدح أو للذم يعم عند جل أهل العلم
وخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإمام الشافعي تَّفُ قائلاً: إن العام الوارد
في معرض المدح، أو الذم لا عموم له؛ لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في
الذم؛ ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ
وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] في الحلي المباح؛ لأن الآية سيقت
للذمِ، فلا تعم عنده الحلي المباح.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من
المقترن بما يمنع اعتبار عمومه، عند بعض العلماء.
الوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم،
حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة.
الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة؛ لأن
ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.
فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته جمع
الأختين بملك اليمين، محتجاً بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ ولكن داود يحتج بآية أخرى
يعسر التخلص من الاحتجاج بها، بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي والشافعي
والحنبلي، وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء
بعد جمل متعاطفة، أو مفردات متعاطفة، أن الاستثناء المذكور يرجع لجميعها خلافاً
لأبي حنيفة القائل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، قال في (مراقي السعود):

٩١٤
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧)
من قبل الاستثنا فكلا يقفو
وكل ما يكون فيه العطف
.... إلخ
دون دليل العقل أو ذي السمع
وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل
المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم وبني زهرة
والفقراء إلا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع لرجوع الاستثناء إلى
الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط؛ ولذلك لم
يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا
نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ [النور: ٤، ٥] يرجع عنده
الاستثناء فيه للأخيرة فقط وهي ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ إِلََّّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي فقد زال عنهم
اسم الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ إلا الذين تابوا،
فاقبلوا شهادتهم بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبداً مطلقاً بلا استثناء لاختصاص
الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة، ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى
قوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ ... الآية [الفرقان: ٧٠]، فإن هذا
الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة، وغيره.
ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله؛ لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في
الجملة الأخيرة، التي هي ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ لأن الإشارة في
قوله: ذلك راجعة إلى الشرك، والقتل والزنى في الجمل المتعاطفة قبله فشملت الجملة
الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها، عند أبي حنيفة، على
أصله المقرر: مستلزماً لرجوعه للجميع.
وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضاً،
برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ
بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فيقول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾
وقوله: ﴿وَلْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤] يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فيكون المعنى وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، إلا
ما ملكت أيمانكم فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من
النساء، إلا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.
وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك،
وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
[النساء: ٢٤] إلى قوله: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] جار على أصول
المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا.

٩١٥
-
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧)
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود
المذكور من وجهين :
الأول منهما أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء إلى قوله: ﴿وَأَنْ
تَجْمَعُواْ بَيْنَ اْأُخْتَيْنِ﴾ لما قدمنا من أن قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أي بالسبي
خاصة مع الكفر، وأن المعنى والمحصنات من النساء؛ إلا ما ملكت أيمانكم؛ أي
وحرمت عليكم المتزوجات من النساء؛ لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلا ما ملكت
أيمانكم بالسبى مع الكفر فإن السبى يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد
الاستبراء كما قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا
حلال لمن يبني بها لم تطلق
وإذا كان ملك اليمين في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ في السبي خاصةِ كما
هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعاً من رجوعه إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْ
اُلْأُخْتَيْنِ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقاً، وقد قدمنا في سورة النساء أن قول
من قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ مطلقاً، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق،
وأوضحنا الأدلة على ذلك.
الوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء
لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها، يحتاج إلى دليل منفصل؛ لأن الدليل قد يدل
على رجوعه للجميع أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل على عدم رجوعه
للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعاً لغير الجملة الأخيرة التي تليه،
تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة. ومعرفة ذلك
منها، وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين،
دون بعض، إلا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية،
والآمدي من الحنابلة، واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح؛ لأن الله
يقول: ﴿فَإِن تَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وإذا رددنا هذه المسألة إلى
الله، وجدنا القرآن دالاً على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضاً استدلال داود.
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَ
أَهْلِ إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها
بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولاً واحداً؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة
القتل خطأ، ومنها قوله تعالى: ﴿فَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهْدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ ... الآية [النور: ٤، ٥] فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ
ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾؛ لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.
وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه، خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير

٩١٦
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧)
العلماء ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ
وَلِيَّا وَلَ نَضِيًّا (٨) إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْعِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْتَقُ﴾ [النساء: ٨٩، ٩٠].
فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ ... الآية [النساء: ٩٠] لا يرجع
قولاً واحداً، إلى الجملة الأخيرة، التي تليه أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا
وَلَا نَصِيًا﴾ [النساء: ٨٩] لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبداً، ولو وصلوا
إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ
وَأَقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] والمعنى فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم
بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن
وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه
مع النبي ◌َّير كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجى، وفي بني
جذيمة بن عامر وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم
الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز تبين أنه ليس نصًا في الرجوع إلى غيرها .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّ
قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] على ما قاله: جماعات من المفسرين؛ لأنه لولا فضل الله ورحمته
لاتبعوا الشيطان، كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى.
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]
وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخِطُوْنَهُ مِنْهُمُّ﴾ [النساء: ٨٣] وإذا لم يرجع للجملة
التي تليه، لم يكن نصًا في رجوعه لغيرها .
وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه، وأن المعنى ولولا فضل الله
عليكم ورحمته بإرسال محمد ◌ّ لاتبعتم الشيطان في الاستمرار، على ملة آبائكم من
الكفر، وعبادة الأوثان إلا قليلاً كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل
وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وأمثالهم.
وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ معناه: لاتبعتم الشيطان كلا، قال: والعرب تطلق القلة، وتريد بها
العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:
قليل المثالب والقادحه
أشم ندي كثير النوادي
يعني لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت
العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم كقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث
والبصل، يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها
يريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته. وقول الآخر:

٩١٧
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧) -
فما بأس لوردت علينا تحية قليلاً لدى من يعرف الحق عابها :
يعني لا عاب فيها؛ أي لا عيب فيها عند من يعرف الحق، وأمثال هذا كثير في
كلام العرب، وبالآيات التي ذكرنا تعلم أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع
الجمل المتعاطفة قبله إلا لدليل، هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها
يُرد استدلال داود المذكور أيضاً، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في
التمتع بملك اليمين في قوله: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ® إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، وتتمتع
به بملك اليمين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وهو يؤيد قول الأكثرين أن النساء
لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلا بدليل منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة
الفاتحة، وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب څته، وقال له ناس من أصحاب
رسول الله ﴿: تأولت آية من كتاب الله عز وجل على غير وجهها، قال: فضرب
العبد، وجز رأسه وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم، ثم قال ابن كثير: هذا أثر
غريب منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة، وهو ها هنا أليق وإنما
حرمها عَلَى الرجال، معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأة غلامها،
فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني،
كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله والت،
فقالوا: تأولت كتاب الله من على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، والله
لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها .
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز
جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما
أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فإنه عني بني عمي فقال عمر: أتزوجت قبله؟
قالت: نعم. قال: أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا
به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها، اهـ. من القرطبي.
المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ هذه التي هي
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾﴾ تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد
المعروف، بجلد عميرة، ويقال له الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه بذلك،
قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي
سورة سأل سائل، وقد ذكر ابن كثير أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية، على منع

٩١٨
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧)
الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن
عبد العزيز، قال: سألت مالكاً عن الرجل يجلد عميرة فتلا هذه الآية ﴿وَالَِّينَ هُمْ
لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴾﴾ إلى قوله، ﴿اَلْعَادُونَ﴾ .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي
وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة، على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء
باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من
كتاب ولا سنة، وما روى عن الإمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد
عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلاً: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى
إخراجها فجاز قياساً على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
إذا حللت بواد لا أنيس به
فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس
يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار،
كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مراراً وذكرنا فيه قول صاحب (مراقي السعود):
فساد الاعتبار كل من وعى
والخلف للنص أو إجماع دعا
فالله - جل وعلا - قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴾﴾ ولم يستثن من ذلك
البتة إلا النوعين المذكورين، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾
وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج، عن الزوجة، والمملوكة فقط ثم جاء بصيغة
عامة شاملة لغير النوعين المذكورين، دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(٣)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره، ناكح يده، وظاهر
عموم القرآن، لا يجوز العدول عنه، إلا لدليل من كتاب أو سنة، يجب الرجوع إليه،
أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية، بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة،
واستدلالهم بالآية ما نصه: وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه
المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن
حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي وَ له قال: ((سبعة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا
ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب
والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره))، اهـ.
ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته، والله أعلم،
انتهى منه ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة، لدلالته على
منع ذلك، وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة؛ لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر.

٩١٩
سورة المؤمنون: الآيات (٥ - ٧).
--
لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين، أن مغفلاً كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة
فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم صياحها، فجاءوا وقالوا ما هذا الصياح؟
فقال لهم ذلك المغفل: لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة.
المسألة الرابعة: اعلم أنا قدمنا في سورة النساء، أن هذه الآية التي هي قوله
تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ تدل
بظاهرها على معنى نكاح المتعة؛ لأنّه - جل وعلا - صرح فيها بما يعلم منه وجوب
حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية، ثم صرح بأن المبتغي وراء ذلك من العادين
بقوله: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾﴾ وأن المرأة المستمتع بها في نكاح
المتعة، ليست زوجة، ولا مملوكة، أما كونها غير مملوكة فواضح. وأما الدليل على
كونها غير زوجة، فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث والعدة والطلاق والنفقة،
ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة،
فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي
الملزوم بإجماع العقلاء.
فتبين بذلك أن مبتغي نكاح المتعة من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ما
حرم، وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنة، وأن نكاح المتعة ممنوع
إلى يوم القيامة، وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة على في هذه الآية يعني قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ﴾ ... الآية لأن مادة الحفظ لا
تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى فقيل: إن على بمعنى عن.
والمعنى أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء، إلا عن أزواجهم، وحفظ قد
تتعدی بعن.
وحاول الزمخشري الجواب عن الإتيان بعلى هنا فقال ما نصه: على أزواجهم في
موضع الحال أي إلّا والين، على أزواجهم، أو قوامين عليهن من قولك: كان فلان
على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة؛ أي والياً
عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشاً.
والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في تزوجهم أو تسريهم،
أو تعلّق على بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم أي
يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه، أو تجعله صلة
لحافظين من قولك: احفظ على عنان فرسي على تضمينه، معنى النفي كما ضمن
قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت بمعنى: ما طلبت منك إلا فعلك، اهـ منه ولا يخفى ما
فيه من عدم الظهور.
قال أبو حيان: وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة، وهي

٩٢٠
سورة المؤمنون: الآيتان (٨ - ٩)
متكلفة، ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين، ضمّن حافظون معنى:
مُمسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: ﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
والظاهر أن قوله هنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ مع أن المملوكات من جملة العقلاء،
والعقلاء يعبر عنهم بمن لا بما هو أن الإماء لما كنّ يتصفن ببعض صفات غير العقلاء
كبيعهن وشرائهن، ونحو ذلك، كان ذلك مسوغاً لإطلاق لفظة ما عليهن، والعلم
عند الله تعالى.
.: . وقال بعض أهل العلم: إن وراء ذلك، هو مفعول ابتغى؛ أي ابتغى سوى ذلك، وقال
بعضهم: إن المفعول به محذوف، ووراء ظرف؛ أي فمن ابتغى مستمتعاً لفرجه وراء ذلك . .
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس أنهم راعون لأماناتهم
وعهدهم؛ أي محافظون على الأمانات، والعهود. والأمانة تشمل: كل ما استودعك
الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما
ائتمنت عليه من حقوق الناس، والعهود أيضاً تشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه،
من حقوق الله، وحقوق الناس.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من حفظ الأمانات والعهود جاء مبيناً في آيات
كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (39)﴾ [الأنفال] وقوله
تعالى في سأل سائل: ﴿وَلَِّينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (﴾﴾ وقوله في العهد:
﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ اُلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [المائدة: ١]. وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْثَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الفتح: ١] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقد أوضحنا هذا
في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ [الأنبياء:
٧٨]. وقوله: راعون: جمع تصحيح للراعي، وهو القائم على الشيء، بحفظ أو إصلاح
كراعي الغنم وراعي الرعية، وفي الحديث «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))
الحديث، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وحده لأمانتهم بغير ألف بعد النون، على صيغة
الإفراد. والباقون بألف بعد النون، على صيغة الجمع المؤنث السالم.
قوله تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس أنهم يحافظون على
صلواتهم والمحافظة عليها تشمل إتمّام أركانها، وشروطها، وسننها، وفعلها في أوقاتها
في الجماعات في المساجد، ولأجل أن ذلك من أسباب نيل الفردوس أمر تعالى
بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].