Indexed OCR Text
Pages 861-880
٨٦١ سورة الحج: الآية (٢٦) الأساس، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرساً، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضاً: إنه كان مندرساً من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه القرآن أن الله بوّأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله، وظاهر قوله: حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة ﴿رَّبَّنَا إِنَّهِ أَسْكَنتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى نَرْع عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّم﴾ [إبراهيم: ٣٧] يدل على أنه كان مبنياً، واندرس، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ لأنه يدل على أن له مكاناً سابقاً، كان معروفاً. والله أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ﴾. متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلِّفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ وعهدنا إليه؛ أي أوصيناه، أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين، وزادت آية البقرة أن إسماعيل مأمور بذلك أيضاً مع أبيه إبراهيم، وإذا عرفت أن المعنى وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي، الآية، فاعلم أن في ((أن)) وجهين: أحدهما: أنها هي المفسرة، وعليه فتطهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم؛ أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور. وثانيهما: أنها مصدرية بناء على دخول ((أن)) المصدرية على الأفعال الطلبية. فإن قيل: كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟ فالجواب أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا؛ لأن كلام الله يصدق بعضه بعضاً، والتطهير هنا في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾ يشمل التطهير المعنوي والحسي، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار، والمعنوية: من الشرك والمعاصي؛ ولذا قال: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا﴾ وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله وقليل من أنجاس الأوثان وأقذارها، كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا وَليهِ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ أَنِ أَتَعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، والمراد بالطائفين في هذه الآية: الذين يطوفون حول البيت، والمراد بالقائمين والرّع السجود: المصلون؛ أي طهر بيتي للمتعبدين، بطواف، أو صلاة، والرّع: جمع راكع، والسجود: جمع ساجد. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا﴾ لفظة ((شيئاً)) مفعول ٨٦٢ سورة الحج: الآية (٢٧) به: لِلأ تشرك؛ أي لا تشرك بي شيئاً من الشركاء كائناً ما كان، ويحتمل أن تكون ما ناب عن المطلق، من لا تشرك: أي لا تشرك بي شيئاً من الشرك، لا قليلاً، ولا كثيراً. فالمعنى على هذا لا تشرك بي شركاً قليلاً، ولا كثيراً. وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام: بيتي بفتح الياء، وقرأ باقي السبعة بإسكانها . واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون، أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء، ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال: فهي على قدر المساحة تُريه وَدلّت إبراهيم مزنةٌ عليه ما حولَه حتى بدا ما أسّست وقيل دلّته خجوجٌ كنست قبل ارتفاعه إلى السماء قَبْل الملائك من البناء. ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالإسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من كتاب، أو سنّة على صدقه؛ ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب. مسألة: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركّع السجود أن ذلك مناف لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركّع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز؛ لأن تصوير الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير؛ ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله ﴿ أنه من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها؛ وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ولا تركه. ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب. فَجّ عَمِقٍ قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ ﴾﴾. الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] وقول الحارث بن حلزة: آذَنْتنا ببيْنها أسماء رُبَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواء والحج في اللغة: القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد. تقول العرب: حج بنو فلان فلاناً: إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول المخبل السعدي : ٨٦٣ سورة الحج: الآية (٢٧) · تخاطأَني ريْبُ المنونِ لأْبَرا ألم تَعْلمِي يا أمَّ أسْعَد أنَّما وأشْهد من عوف حلولاً كثيرةً يحجُّون سِبَّ الزّبرقان المزعْفَرا قوله: يحجون يعني، يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب بالكسر: العمامة، وعنى بكونهم يحجون عمامته أنهم يحجونه، فكنى عنه بالعمامة. والرجال في الآية: جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر: البعير ونحوه. المهزول: الذي أتعبه السفر. وقوله: ((يأتين)) يعني: الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر؛ لأنه في معنى وعلى ضوامر يأتين من كل فج عميق؛ لأن لفظة ((كل)) صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة. والفج: الطريق، وجمعه: فجاج. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِيجَجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] والعميق: البعيد، ومنه قول الشاعر: إِذَا الخَيْلِ جاءَتْ مِن فجاجٍ عميقةٍ يمدّ بها في السير أشْعث شاحِب وأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلاً. تقول: بئر عميقة؛ أي بعيدة القعر. والخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ لإبراهيم كما هو ظاهر من السياق. وهو قول الجمهور، خلافاً لمن زعم أن الخطاب لنبينا - صلى الله عليه وعلى إبراهيم وسلم -، وممن قال بذلك: الحسن، ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِاَلْحَجْ﴾؛ أي وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج؛ أي أعلمهم، وناد فيهم بالحج: أي بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام. وذكر المفسرون أنه لما أمره ربه، أن يأذن في الناس بالحج قال: يا رب، كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. قال ابن كثير تخلّفُ بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف، والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة، انتهى منه. وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مجزوم في جواب الطلب، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدّر، دلّ عليه الطلب على الأصح: أي إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك، وإنما قال: ((يأتوك))؛ لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج؛ لأن نداء إبراهيم للحج؛ أي يأتوك ملبّين دعوتك، حاجّين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه أن الخطاب للنبي وَلّ. ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور، فوجوب الحج بها ٨٦٤ سورة الحج: الآية (٢٨) على هذه الأمة، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة المائدة، مع أنه دلّت آيات أُخر، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضاً على لسان نبينا محمد ◌َّل، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِنَّهِ﴾ وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن (@)﴾ [البقرة]. يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ وقال ابن كثير كَُّ في تفسير هذه الآية، وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ... الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدلّ على الاهتمام بهم وقوة هممهم. وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسى على شيء إلا أني وددت أنّي كنت حججت ماشياً؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوَ رِجَالًا﴾ . والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل اقتداء برسول الله وَله، فإنه حج راكباً مع كمال قوته ولو، انتهى منه. وقد فصل الشيخ الكلام في الحج ومناسكه فليرجع من أراد الوقوف مع ما قال إلى الأصل. قوله تعالى: ﴿لِشْهَدُوْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾. اللام في قوله: ليشهدوا: هي لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُفَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ أي إن تؤذن فيهم يأتوك مشاة وركباناً، لأجل أن يشهدوا؛ أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم. : وقوله: ﴿مَنَفِعَ﴾ جمع منفعة، ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي، وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له الربح غالباً، وذلك نفع دنيوي. وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج، إذا ابتغى ربحاً بتجارة في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء، من أداء مناسكه كما قدمنا إيضاحه. فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه وهذا نفع دنيوي. ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن والذبائح كما يأتي تفصيله إن شاء الله قريباً كقوله في البدن: ﴿لَكُرُّ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ على أحد التفسيرين. ٨٦٥ سورة الحج: الآية (٢٨) وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك بيان أيضاً لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه .. وقد بينت آية البقرة على ما فسرها به جماعة من الصحابة ومن بعدهم، واختاره أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، ووجه اختياره له، بكثرة الأحاديث الدالة عليه أن من المنافع المذكورة في آية الحج غفران ذنوب الحاج، حتى لا يبقى عليه إثم إن کان متقياً ربه في حجه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وذلك أنه قال: إنّ معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أن الحاج يرجع مغفوراً له، ولا يبقى عليه إثم سواء تعجل في يومين، أو تأخر إلى الثالث، ولكن غفران ذنوبه هذا مشروط بتقواه ربه في حجه، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَىَّ﴾ [البقرة: ٢٠٣]؛ أي وهذا الغفران للذنوب، وحط الآثام، إنما هو لخصوص من اتقى. ومعلوم أن هذه الآية الكريمة فيها أوجه من التفسير غير هذا . . وممن نقل عنهم ابن جرير أن معناها أنه يغفر للحاج جميع ذنوبه، سواء تعجل في يومين أو تأخر، علي وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة. ولما ذكر أقوال أهل العلم فيها قال وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك، فمن تعجل من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه، يحط الله ذنبوه إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلى النفر الثاني، حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه، لتكفير الله ما سلف من آثامه، وإجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده. وإنما قلنا: إن ذلك أولى تأويلاته: لتظاهر الأخبار، عن رسول الله وسلم أنه قال ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وأنه قال ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)) وساق ابن جرير تخّهُ بأسانيده أحاديث دالة على ذلك ففي لفظ له أن النبي وَلتر قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة)) وفي لفظ له، عن عمر يبلغ به النبي ◌ّم قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد)» وفي لفظ له عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قضيت حجّك فأنت مثل ما ولدتك أمك)) وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبئ عن أن من حج، فقضاه بحدوده ٨٦٦ سورة الحج: الآية (٢٨) على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] لمن اتقى الله في حجه فكان في ذلك من قول رسول الله وَالر، ما يوضح أن معنى قوله جل وعز: ﴿فَلَآَ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾ أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه إلى آخر كلامه الطويل في الموضوع. وقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال: إن المعنى لا إثم عليه في تعجله ولا إثم عليه في تأخره؛ لأن التأخر إلى اليوم الثالث، لا يحتمل أن يكون فيه إثم، حتى يقال فيه ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾ وأن قول من قال: إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول: التعجل لا يجوز، وبعضهم يقول: التأخر لا يجوز. فمعنى الآية النهي عن تخطئة المتأخر المتعجل كعكسه؛ أي لا يؤثمن أحدهما الآخر أن هذا القول خطأ، لمخالفته لقول جميع أهل التأويل. والحاصل أنه - أعني الطبري - بين كثيراً من الأدلة على أن معنى الآية هو ما ذكر من أن الحاج يخرج مغفوراً له، كيوم ولدته أمه، لا إثم عليه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر، وقد يظهر للناظر أن ربط نفي الإثم في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بالتعجل والتأخر في الآية ربط الجزاء بشرطه يتبادر منه، أن نفي الإثم إنما هو في التعجل والتأخر، ولكن الأدلة التي أقامها أبو جعفر الطبري، على المعنى الذي اختار فيها فيه مقنع، وتشهد لها أحاديث كثيرة، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي ◌َّر. فقوله في آية البقرة هذه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْةُ﴾ هو معنى قوله ◌َلِّ ((رجع كيوم ولدته أمه)) وقوله: ﴿لِمَنْ أَنَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] هو معنى قوله ◌َّ ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق)) لأن من لم يرفث، ولم يفسق، هو الذي اتقى. ومن كلام ابن جرير الطويل الذي أشرنا إليه أنه قال: ما نصه: فإن قال قائل ما الجالب لِلّام في قوله: ﴿لِمَنِ أَنَّقَىَّ﴾ وما معناها؟. قيل: الجالب لها معنى قوله: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن في قوله: ﴿فَلَاّ إِثْمَ عَلَيْهُ﴾ معنى: خططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾، وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة، فقد أخبر عن أمر فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَىَّ﴾ أي هذا لمن اتقى، وأنكر بعضهم ذلك من قوله: وقد زعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به؛ لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك. فكان معنى الكلام عنده ما قلنا: من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، وقام قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مقام القول، انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير. وعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيَّةٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] في الموضعين أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جميع ذنوبه هذا ٨٦٧ سورة الحج: الآية (٢٨) الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله: ﴿لَِّشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا كحديث ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) وحديث ((الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث ((إن الله يباهي بأهل عرفة أهل السماء)) الحديث كما تقدم، ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض، فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج، لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ اٌلْأَنْعَرِّ﴾، قوله: ويذكروا منصوب بحذف النون؛ لأنه معطوف على المنصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل أعني قوله: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ . وإيضاح المعنى: وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة وركباناً، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح، وظاهر القرآن يدل على أنّ هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات، إنما هو الهدايا لا الضحايا؛ لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون مشاة وركباناً، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ذلك المكان والزمان، فهو يجعله هدياً لا أضحية. وقوله: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم﴾ أي على نحر وذبح ما رزقهم ﴿مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ ليتقربوا إليه بدمائها؛ لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ربهم كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه منها كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٢١]. وقوله ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وقد بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه جعل الحرم المكي منسكاً تراق فيه الدماء تقرباً إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها اسم الله، ولم يبين في هذه الآية، هل وقع مثل هذا لكل أمة أو لا، ولكنه بين في موضع آخر: أنه جعل مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ وهناك أمور ذات صلة بالآية الكريمة فليرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل. ٨٦٨ سورة الحج: الآية (٢٨) قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيرَ﴾. الضمير في قوله: منها، راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها وإطعام البائس الفقير منها، أمر بنحوه في خصوص البدن أيضاً في قوله تعالى ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّنْ شَعَبِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾، ففي الآية الأولى الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن، وبغيرها، وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل، وإطعام البائس الفقير، وفي الآية الخاصة بالبدن: أمر بالأكل، وإطعام القانع والمعتر، وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان. الأول: حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر، أو الندب والاستحباب؟ المبحث الثاني: فيما يجوز الأكل منه لصاحبه؛ وما لا يجوز له الأكل منه، ومذاهب أهل العلم في ذلك. أما المبحث الأول فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب، والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة الأمر: هي ما زعموا من أن المشركين، كانوا لا يأكلون هداياهم فرخص للمسلمين في ذلك. وعليه فالمعنى فكلوا إن شئتم ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون، وقال ابن كثير في تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب قال: وهو اختيار ابن جرير في تفسيره، وقال القرطبي في تفسيره ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أمر معناه الندب عند الجمهور، ويستحب للرجل، أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل وشذت طائفة، فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية، ولقوله وَالفقير: ((فكلوا وادخروا وتصدقوا))، قال الكيا قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ﴾ يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. انتهى كلام القرطبي. ومعلوم أن بيع جميعه لا وجه لحليته، بل ولا بيع بعضه، كما هو معلوم. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أقوى القولين دليلاً: وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل تدل على الوجوب إلا لدليل صارف، عن الوجوب، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَنْ ٨٦٩ سورة الحج: الآية (٢٨). تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج. ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده: ((أن النبي وَلّ نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها)). وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة، من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها، وهذا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه الوجوب. والحاصل أن المشهور عند الأصوليين أن صيغة افعل تدل على الوجوب إلا الصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب وكذلك الإطعام، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية، وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه. وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل باستحبابهما. وقيل: باستحباب الأكل، ووجوب الإطعام. والأظهر أنه لا تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وقد قال بعض أهل العلم: يتصدق بالنصف ويأكل النصف واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصب للفقراء، وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له، وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول، والعلم عند الله تعالى، والبائس: هو الذي أصابه البؤس، وهو الشدة. قال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل يبأس بؤساً وبئساً: اشتدت حاجته، فھو بائس وأنشد أبو عمرو: لبيضاء من أهل المدينة لم تذق بئيساً ولم تتبع حمولة مجحد وهو اسم وضع موضع المصدر، اهـ منه يعني أن البئيس في البيت لفظه لفظ الوصف، ومعناه المصدر، والفقير معروف، والقاعدة عند علماء التفسير أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وعلى قولهم: فالفقير هنا يشمل المسكين؛ لأنه غير مذكور معه هنا، وذلك هو مرادهم، بأنهما إذا افترقا اجتمعا، ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في آية الصدقة أيهما أشد فقراً، وقد ذكرنا حجج الفريقين وناقشناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة البلد، ومما استدل به القائل: إن الفقير أحوج من المسكين، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم بكفايته قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ﴾ ... الآية [الكهف: ٧٩]، قالوا: فسماهم مساكين، مع أن عندهم سفينة عاملة للإيجار. ٨٧٠ سورة الحج: الآية (٢٩) ومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير: أن الله قال في المسكين: [البلد] قالوا: ذا متربة: أي لا شيء عنده. حتى كأنه قد لصق ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت له. وقال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس، ولا غيره انتهى من القرطبي. وعضدوا هذا بأن العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه، ومنة قول راعي نمير: وفق العيال فلم يترك له سبد أما الفقير الذي كانت حلوبته فسماه فقيراً مع أن له حلوبة قدر عياله. وهناك مسائل تتعلق بالآية يرجع للأصل من أراد الوقوف عليها . قوله تعالى: ﴿وَلْبَطَّوَّفُوْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد به القديم؛ لأنه أقدم مواضع التعبد. الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة. الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقاً وعاتقاً، ومنه قول حسان بنڅته : أو عاتق كدم الذبيح مدام كالمسك تخلطه بماء سحابة لأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمناً طويلاً، وتسمى الكرم عتقاً ومنه قول كعب بن زهير: عتق مبين وفي الخدين تسهيل قنواء في حرتيها للبصير بها فقوله: عتق مبين: أي كرم ظاهر، ومنه قول المتنبي : * ويبين عتق الخيل في أصواتها * أي كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد دلت آية من كتاب الله، على أن العتيق في الآية بمعنى القديم الأول وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنا، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. تنبيهان : الأول: دلت هذه الآية الكريمة، على لزوم طواف الإفاضة وأنه لا صحة للحج بدونه. الثاني: دلت هذه الآية أيضاً على لزوم الطواف من وراء الحجر الذي عليه الجدار القصير شمال البيت لأن أصله من البيت، فهو داخل في اسم البيت العتيق، كما. تقدم إيضاحه. ٨٧١ سورة الحج: الآيتان (٣٠ - ٣١) قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنَْمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية الأنعام، ولكنه بينه بقوله في سورة الأنعام: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَّا مَسْفُوهَا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهذا الذي ذكرنا هو الصواب، أما ما قاله جماعات من أهل التفسير من أن الآية التي بينت الإجمال في قوله تعالى هنا ﴿إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] أنها قوله تعالى في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية فهو غلط؛ لأن المائدة من آخر ما نزل من القرآن وآية الحج هذه نازلة قبل نزول المائدة بكثير، فلا يصح أن يحال البيان عليها في قوله ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بل المبين لذلك الإجمال آية الأنعام التي ذكرنا لأنها نازلة بمكة، فيصح أن تكون مبينة لآية الحج المذكورة كما نبه عليه غير واحد. أما قوله تعالى في المائدة ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فيصح بيانه بقوله في المائدة ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. كما أوضحنا في أول المائدة، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَأَجْتَلِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾. ((من)) في هذه الآية بيانية. والمعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان؛ أي عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس، وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائناً من كان. وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا، جاء مبيناً في آيات كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّغُونَ﴾ [النحل: ٣٦] وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه بالله في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرَّةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين الله، وبين أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ﴾ [الزمر: ١٧]. وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت، في قوله تعالى: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] والأصنام، تدخل في الطاغوت دخولاً أولياً . قوله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ﴿ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهْ﴾. أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور، وهو الكذب والباطل كقولهم: إن الله حرم البحيرة والسائبة، ونحو ذلك، وكادعائهم له الأولاد والشركاء، وكل قول مائل عن الحق فهو زور؛ لأن أصل المادة التي هي الزور من الإزورار بمعنى الميل، والاعوجاج، كما أوضحناه في الكلام على قوله: ﴿تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]. ٨٧٢ سورة الحج: الآية (٣١) واعلم أنّا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها، أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وتقدمت لذلك أمثلة، وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوهِ وَّ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا ﴾﴾ [الفرقان] فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور، وقال في الذين يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لا مرأته أنت عليّ كظهر أمي ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فصرح بأن قولهم ذلك، منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة مضه: أن رسول الله وسلم قال ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا: بلى يا رسول الله و لو قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور)) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، اهـ وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَـ الزُّورِ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهٍِ﴾ وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضاً في غير هذا الموضع كقوله ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اٌلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَ وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأعراف أ؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] هو قول الزور. وقد أتى مقروناً بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ وذلك يدل على عظمة قول الزور؛ لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد لله، وكتكذيبه وير فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإشراك بالله. نعوذ بالله من كل سوء. ومعنى حنفاء: قد قدمناه مراراً مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُثْرِ بِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَّ مِنَ السَمَاءِ فَتَخْطَفُهُ اٌلَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِّيجُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن من أشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خر: أي سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق؛ أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة؛ لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك بالله وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَزَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]. وكقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٨٧٣ سورة الحج: الآية (٣٢) - الْكَفِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] في الموضعين من سورة النساء، والخطف: الأخذ بسرعة والسحيق البعيد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِّأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]؛ أي بعداً لهم. وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك بالله، إنما هو في حق من مات على ذلك الإشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت، أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. والآيات الدالة على ذلك متعددة كقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقوله: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وقوله في الذين: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفُرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة] وقوله ﴿وَإِنِ لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [طه: ٨٢]. إلى غير ذلك من الآيات، وأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه. وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُّبْتُ الَْنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨] فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر والتوبة منه، عند حضور الموت وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالْوَأْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَمْ يَكُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥] وكقوله في فرعون: ﴿حََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إَِهَ إِلََّّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنَاْ مِنَ (@﴾ [يونس] وقرأ هذا الحرف ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ الْمُسْلِمِينَ (٥) نافع فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء أصله فتتخطفه الطير بتاءين فحذفت إحداهما وقرأه غيره من السبعة فتخطفه الطير بإسكان الخاء وتخفيف الطاء مضارع خطفه بالكسر. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَبِرَ الَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ (٣)﴾. قد ذكرنا قريباً أنا ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، فيكون ذلك الفَرْدُ قطعي الدخول لا يمكن إخراجه بمخصص، وواعدنا بذكر بعض أمثلته في هذه الآيات. ومرادنا بذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر الله، وقد نص تعالى على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم، داخل فيه قطعاً وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَتِ الَّهِ﴾ فيدخل في الآية تعظيم البدن واستسمانها واستحسانها كما قدمنا عن البخاري أنهم كانوا يسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر الله، وقد قدمنا أن الله صرح بأن الصفا والمروة ٨٧٤ سورة الحج: الآيتان (٣٤ - ٣٥) داخلان في هذا العموم بقوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية: يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة كما تقدم إيضاحه في مبحث السعي، وقوله في هذه الآية ذلك فيه ثلاثة أوجه من الإعراب. الأول: أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف؛ أي ذلك حكم الله وأمره. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي اللازم ذلك أو الواجب ذلك .. الثالث: أن يكون في محل نصب بفعل محذوف؛ أي اتبعوا ذلك أو امتثلوا ذلك، ومما يشبه هذه الإشارة في كلام العرب قول زهير: هذا وليس كمن يعي بخطئته وسط الندى إذا ما قائل نطقا قاله القرطبي وأبو حيان والضمير المؤنث في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ قال القرطبي: هو عائد إلى الفعلة التي يتضمنها الكلام، ثم قال: وقيل إنه راجع إلى الشعائر بحذف مضاف؛ أي فإن تعظيمها أي الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه فرجع الضمير إلى الشعائر، اهـ. وقال الزمخشري في الكشاف فإنها من تقوى القلوب؛ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها؛ لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به اهـ. منه. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَعِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّينَ عَلَى مَآ قوله تعالى: ﴿وَشْرِ الْمُخْبِتِينَ ) أَصَابَهُمْ﴾ء أمر الله - جل وعلا - نبيه وَ﴿ أن يبشر المخبتين؛ أي المتواضعين الله المطمئنين الذين من صفتهم أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت قلوبهم؛ أي خافت من الله - جل وعلا -، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من الأذى، ومتعلق التبشير محذوف لدلالة المقام عليه أي بشرهم بثواب الله وجنته. وقد بين في موضع آخر أن الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: هم المؤمنون حقاً وكونهم هم المؤمنين حقًّا، يجعلهم جديرين بالبشارة المذكورة هنا. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وأمره في موضع آخر أن يبشر الصابرين على ما أصابهم مع بيان بعض ما بشروا به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الصَّبِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴿َ أُوْلَِّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. (١٥٧) ﴾ [البقرة] .. واعلم أن وجل القلوب عند ذكر الله؛ أي خوفها من الله عند سماع ذكره لا ينافي ما ذكره - جل وعلا - من أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكر الله كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾﴾ [الرعد] ووجه الجمع بين الثناء عليهم بالوجل الذي هو الخوف عند ذكره - جل وعلا - مع الثناء عليهم بالطمأنينة بذكره، والخوف والطمأنينة متنافيان هو ما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، وهو أن الطمأنينة بذكر الله تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، وصدق ٨٧٥ سورة الحج: الآية (٣٦) ما جاء به الرسول # فطمأنينتهم بذلك قوية؛ لأنها لم تتطرقها الشكوك، ولا الشبه والوجل عند ذكر الله تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن الهدى، وعدم تقبل الأعمال، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجَِةٌ أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ (®)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى ﴿نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ولهذا كان وَيّ يقول في دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)). قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾. قد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم بأنواعها الثمانية، وأمر بإطعام البائس الفقير منها. وأمر بالأكل من البدن وإطعام القانع والمعتر منها، وما كان من الإبل، فهو من البدن بلا خلاف. واختلفوا في البقرة، هل هي بدنة، وقد قدمنا الحديث الصحيح أن البقرة من البدن، وقدمنا أيضاً ما يدل على أنها غير بدنة، وأظهرهما أنها من البدن، وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها عندي أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم ومنه قول الشماخ: لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع يعني أعف من سؤال الناس، والطمع فيهم، وأن المعتر هو الذي يعترى متعرضاً للإعطاء من غير سؤال وطلب، والله أعلم. وقد قدمنا حكم الأكل من أنواع الهدايا والضحايا، وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . قوله كذلك: نعت لمصدر؛ أي سخّرناها أي البدن لكم تسخيراً كذلك؛ أي مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون: أي ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا عليها؛ لأنها أقوى منكم ألا ترى البعير، إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به. وقوله هنا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قد قدمنا مراراً أن لعل تأتي في القرآن لمعان أقربها اثنان؛ أحدهما: أنها بمعناها الأصلي، الذي هو الترجي والتوقع، وعلى هذا فالمراد بذلك خصوص الخلق؛ لأنهم هم الذين يترجى منهم شكر النعم من غير قطع، بأنهم يشكرونها أو لا ينكرونها لعدم علمهم بما تؤول إليه الأمور، وليس هذا المعنى في حق الله تعالى؛ لأنه عالم بما سيكون فلا يجوز في حقه - جل وعلا - إطلاق الترجي والتوقع لتنزيهه عن ذلك، وإحاطة علمه بما ينكشف عنه الغيب، وقد قال تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ٤٤ [طه] أي على رجائكما وتوقعكما أنه يتذكر أو يخشى، مع أن الله عالم في سابق أزله فرعون لا يتذكر ولا يخشى، فمعنى لعل بالنسبة إلى الخلق، لا إلى الخالق - جل وعلا -. ٨٧٦ سورة الحج: الآية (٣٨) المعنى الثاني: هو ما قدمنا من أن بعض أهل العلم، قال: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ (٣)﴾ [الشعراء] قال: فهي بمعنى كأنكم تخلدون. وإتيان لفظة لعل للتعليل معروف في كلام العرب. وقد قدمناه موضحاً مراراً وقد قدمنا من شواهده العربية قول الشاعر: فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق يعني كفوا الحروب لأجل أن نكف، وإذا علمت أن هذه الآية الكريمة بين الله فيها أن تسخيره الأنعام لبني آدم نعمة من إنعامه، تستوجب الشكر لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. فاعلم أنه بين هذا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا ، وَثْ فِيَهَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمًّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴿﴿ وَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] وقوله في آية يس هذه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] كقوله في آية الحج: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى قريباً: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُنْ لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنْكُمْ﴾، وقد قدمنا معنى شكر العبد لربّه وشكر الربّ لعبده، مراراً بما أغنى عن إعادته هنا والتسخير التذليل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يدفع السوء عن عباده الذين آمنوا به إيماناً حقاً، ويكفيهم شر أهل السوء، وقد أشار إلى هذا المعنى في غيّر هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهٌُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقوله: ﴿أَلَيَّسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرْكُمْ عَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٥١]. وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ (٣)﴾ [الصافات] إلى غير ذلك من الآيات، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بفتح الياء والفاء بينهما دال ساكنة مضارع دفع المجرد، وعلى هذه القراءة، فالمفعول محذوف أي يدفع عن الذين آمنوا الشر والسوء؛ لأن الإيمان بالله هو أعظم أسباب دفع المكاره. وقرأ الباقون: يدافع بضم الياء، وفتح الدال بعدها ألف. وكسر الفاء مضارع دافع المزيد فيه ألف بين الفاء والعين على وزن فاعل. وفي قراءة الجمهور هذه إشكال معروف، وهو أن المفاعلة تقتضي بحسب الوضع العربي اشتراك فاعلين في المصدر. والله - جل وعلا - يدفع كل ما شاء من غير أن يكون له مدافع يدفع شيئاً. والجواب هو ما عرف من أن المفاعلة قد ترد بمعنى المجرد، نحو: جاوزت المكان بمعنى جزته، وعاقبت اللص، وسافرت، وعافاك الله، ونحو ذلك، فإن فاعل في ٨٧٧ سورة الحج: الآيتان (٣٨ - ٣٩) جميع ذلك بمعنى المجرد، وعليه فقوله: يدافع بمعنى: يدفع. كما دلت عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقال الزمخشري: ومن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغ من يغالب فيه؛ لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ، اهـ منه، ولا يبعد عندي أن يكون وجه المفاعلة أن الكفار يستعملون كل ما في إمكانهم لإضرارهم بالمؤمنين، وإيذائهم، والله - جل وعلا - يدفع كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه - جل وعلا - لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين وبهذا الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة، في قوله: يدافع، وإن كان - جل وعلا - قادراً على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عباده المؤمنين، ومما يوضح هذا المعنى الذي أشرنا إليه قول كعب بن مالك زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب والعلم عند الله تعالى، ومفعول يدافع محذوف فعلى القول بأنه بمعنى يدفع فقد ذكرنا تقديره، وعلى ما أشرنا إليه أخيراً فتقدير المفعول: يدافع عنهم أعدائهم، وخصومهم فیرد كيدهم في نحورهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوََّنٍ كَفُورٍ﴾. صرح - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة بأنه لا يحب كل خوان كفور، والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة؛ لأن الفعال بالتضعيف والفعول بفتح الفاء من صيغ المبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، فلو قلت: زيد ليس بقتال للرجال فقد نفيت مبالغته في قتلهم، ولم يستلزم ذلك أنه لم يحصل منه قتل لبعضهم ولكنه لم يبالغ في القتل، وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة، فإن الآية قد صرحت بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله يبغض الخائن مطلقاً، والكافر مطلقاً، وقد أوضح - جل وعلا - ذلك في بعض المواضع، فقال في الخائن ﴿وَإِمَّا (@)﴾ [الأنفال] وقال في تَخَافََ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ الكافر: و﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿أُذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ (٣٩) متعلق أُذِن محذوف في هذه الآية الكريمة: أي أذن لهم في القتال بدليل قوله: يقاتلون، وقد صرح - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أذن للذين يقاتلون وهم النبي 18 وأصحابه ودل قوله: يقاتلون: على أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى والأعرج والمريض والضعيف والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [النور: (٦]. وقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُّ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقوله: ٨٧٨ سورة الحج: الآيتان (٣٨ - ٣٩) ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ الباء فيه سببية وهي من حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة. وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من أحكام الجهاد إلا مجرد الإذن لهم فيه، ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على أحكام أخر زائدة على مطلق الإذن فهي مبينة عدم الاقتصار، على الإذن كما هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله - تبارك وتعالى. - لعظم حكمته في التشريع، إذا أراد أن يشرع أمراً شاقًّا على النفوس كان تشريعه له على سبيل التدريج؛ لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه مشقة عظيمة، على الذين كلفوا به قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على النفوس لما فيه من تعريضها لأسباب الموت؛ لأن القتال مع العدو الكافر القوي من أعظم أسباب الموت عادة، وإن كان الأجل محدوداً عند الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم، بقوله: ﴿أَلَمْ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُّواْ أَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَالُ إِذَا فَيْقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَاً أَخَّرْنَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَريبٍ﴾ [النساء: ٧٧] ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه المال أيضاً كما قال تعالى: ﴿وَتَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه شرعه تدريجاً، فأذن فيه أولاً من غير إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ﴾. ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإذن فيه، أوجب عليهم قتالٍ: من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ الَّذِينَ يُقَِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وهذا تدريج من الإذن إلى نوع خاص من الإيجاب، ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجاباً عاماً جازماً في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَفْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وقوله: ﴿نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالاً غير ما ذكرنا، ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجاً، فذكر أولاً بعض معائبها كقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩] ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثماً أكثر مما فيها من النفع، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فكانوا بعد نزولها، لا يشربونها إلا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة ٨٧٩ سورة الحج: الآيتان (٣٨ - ٣٩) العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة، وكذلك ما بين الصبح والظهر، وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات. فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريماً عاماً جازماً بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلْخَفِّرِ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزُْ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] وكذلك الصوم، فإنه لما كان الإمساك عن شهوة الفرج والبطن شاقاً على النفوس، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجاً؛ فخير أولاً بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فلما استأنست النفوس به في الجملة، أوجبه أيضاً إيجاباً عاماً جازماً بقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال بعض أهل العلم: التدريج في تشريع الصوم على ثلاثة مراحل كما قبله قالوا: أوجب عليهم أولاً صوماً خفيفاً لا مشقة فيه وهو صوم يوم عاشوراء وثلاثة من كل شهر، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجاً على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفاً، هكذا قالته جماعات من أهل العلم، وله اتجاه والعلم عند الله تعالى، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ يشير إلى معنيين. أحدهما: أن فيه الإشارة إلى وعده للنبي وأصحابه، بالنصر على أعدائهم كما قال قبله قريباً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَِّينَ ءَامَنُواْ﴾ . وثانيهما: أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال لقدرته على إهلاكهم بما شاء، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكه إياهم، ولكنه شرع الجهاد لحكم منها اختبار الصادق في إيمانه، وغير الصادق فيه، ومنها تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل الله بقتل الكفار لشهداء المسلمين، ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل الله. كما أشار تعالى إلى حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ﴾ [محمد: ٤] وكقوله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اَلَّيِنِّ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمُ وَلَمْ يَشَخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [التوبة] وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ [محمد] إلى غير ذلك من الآيات، حَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ وكقوله تعالى في حكمة الابتلاء المذكور وتسهيل الشهادة في سبيله: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْجٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَلَهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ ﴿ وَلِيُمَحِصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ (٤)) [آل عمران] وقرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو وعاصم: أذن بضم الهمزة وكسر ٨٨٠ سورة الحج: الآية (٤٠) الذال مبنياً للمفعول، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة مبنياً للفاعل؛ أي أذن الله للذين يقاتلون، وقرأ نافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: يقاتلون بفتح التاء مبنياً للمفعول، وقرأ الباقون بكسر التاء مبنياً للفاعل. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾. تقدم ما يوضح هذه الآية من الآيات في سورة براءة في الكلام على قوله: ﴿وَمَا تَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَئِهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ [التوبة: ٧٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾. بين الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أقسم لينصرن من ينصره، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته - جل وعلا - هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله - جل وعلا - بين صفات الذين وعدهم بنصره ليميزهم عن غيرهم فقال مبيّناً من أقسم أنه ينصره؛ لأنه ينصر الله - جل وعلا -: ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصََّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾ وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن من نصر الله نصره الله جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ وَإِنَّ إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَصُورُونَ [محمد: ٧، ٨] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ · [الصافات] وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلَبَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ وقوله جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَغْلِفَنَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. إلى غير ذلك من الآيات وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾، دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ العزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مراراً بشواهده العربية. وهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأن الله نصرهم على أعدائهم؛ لأنهم نصروه فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكر لهم، واستخلفهم في الأرض كما قال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. والحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله وس ، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل، والعلم عند الله تعالى.