Indexed OCR Text
Pages 821-840
٨٢١ سورة الأنبياء: الآيتان (٨٧ - ٨٨). وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتبي، واستحسنه المهدوي يجب حمله على معنى القول الأول؛ أي مغاضباً من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا؛ وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى: مغاضباً من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. والمؤمن يغضب الله ، إذا عصي، انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضباً قومه من أجل ربه، أي من أجل كفرهم به، وعصيانهم له، وغير هذا لا يصح في الآية. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِ القُلُمَتِ﴾؛ أي ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. ((وأن)) في قوله: ﴿أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى ((أن لا إله))، ومعنى ((سبحانك))، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب وما ذكره الله - جلّ وعلا - في هذه الآية من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات، هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من الغم أوضحه في غير هذا الموضع .... وبين في بعض المواضع أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم. وبين في بعضها أنه خرج بغير إذن كخروج العبد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه. وبين في بعضها أن الله تداركه برحمته؛ ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذموماً، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في ((الصافات)): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ فَالْنَقَمَهُ اٌلْحُوتُ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وَهُوَ مُلِيمٌ فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِّن يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ٧﴾ [الصافات]. فقوله في آيات ((الصافات)) المذكورة: ﴿إِذْ فَشَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ أَبَقَ﴾ أي حين أبق، وهو من قول العرب: عبد آبق؛ لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه؛ ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٤٠] لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي المغلوبين في القرعة؛ لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر: فقد قرت بقتلهم العيون قتلنا المدحضين بكل فج فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ ◌َ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٨٢٢- - سورة الأنبياء: الآيتان (٨٧ - ٨٨) وقوله: ﴿فَبَذْنَهُ﴾ أي طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل، والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء؛ الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض، راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة: ورفعت رجلاً لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي وشجرة اليقطين: هي الدباء. وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾؛ أي مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه. وقال تعالى في ((القلم)): ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَدَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ٤٨ لَوْلاً أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِهِ، لَنُذَ بِلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ فَأَجْنَبَهُ رَبُُّ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ٥٠ [القلم]، فقوله في آية ((القلم)) هذه: ﴿إِذْ نَادَى﴾ أي نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غماً، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ﴾؛ وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك ﴿مَكْظُومٌ﴾: مملوء كرباً. قال الماوردي: والفرق بين الغم والكرب: أن الغم في القلب. والكرب في الأنفاس. وقيل: ﴿مَكْظُومٌ﴾ محبوس. والكظم: الحبس؛ ومنه قولهم: كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد، انتهى من القرطبي. وآية ((القلم)) المذكورة تدل على أن نبي الله يونس - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطباً نبينا وَّر فيها: ﴿فَأَضِبِرْ ◌ِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨]. فإن أمره لنبينا وَّل بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير، وقد بين تعالى في سورة (يونس)) أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوَّمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِىِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٦)﴾ [يونس]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا، وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص ربه أن النبي وَلّ قال في دعاء يونس المذكور: ((لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له)) رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم، والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين. وقوله: ﴿نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى، وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ بنونين أولاهما مضمومة، والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة فياء ساكنة، وهو ٨٢٣ سورة الأنبياء: الآيتان (٨٧ - ٨٨) مضارع أنجى الرباعي على صيغة أفعل، والنون الأولى دالة على العظمة، وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم: (وكذلك نُنجّي المؤمنين) بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني للمفعول من نجى المضعفة على وزن فعل بالتضعيف. وفي كلتا القراءتين إشكال معروف، أما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي: أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال: كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية؛ لأن نجى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء (نجی» لا إسكانها . وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه: أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة ((ننجي)) بفتح النون الثانية مضارع نجى مضعفاً، فحذفت النون الثانية تخفيفاً. أو (ننجي)) بسكونها مضارع أنجى وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في ((إجاصة وإجانة)) بتشديد الجيم فيهما، والأصل ((إنجاصة وإنجانة)) فأدغمت النون فيهما. والإخاصة: واحدة الإجاص، قال في القاموس: الإجاص بالكسر مشدداً: ثمر معروف دخيل؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة، الواحدة بهاء. ولا تقل انجاص، أو لغية، اهـ. والإجابة. واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها. ويقال: إنجانة كما يقال إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون اهـ، فهذان وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة ((المؤمنين)) مفعول به [«ننجي)). ومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة أن ((نجي)) على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجى هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ: (ليُجْزَى قوماً) ... الآية، ببناء ((يجزى)) للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ليجزي هو أي الجزاء، ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعدياً للمفعول ترد بقلة، كما أشار له في الخلاصة بقوله: أو حرف جر بنيابة حري وقابل من ظرف أو من مصدر ولا ينوب بعض هذا إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد ومحل الشاهد منه قوله: ((وقد يرد)). وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق: : ٨٢٤ سورة الأنبياء: الآيتان (٩٢ - ٩٣) لسب بذلك الجرو الكلاب ولو ولدت قفيرة جرو كلب يعني لسب هو أي السب. وقول الراجز: ولا شفى ذا الغى إلا ذو هدى لم يعن بالعلياء إلا سيداً وأما إسكان ياء (نجي)) على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب: رضى، وبقى بإسكان الياء تخفيفاً. ومنه قراءة الحسن (وذروا ما بَقِي من الربا) بإسكان ياء (بقى))، ومن شواهد تلك اللغة قول الشاعر: خمر الشيب لمننى تخميرا وحدا بي إلى القبور البعيرا .. ودعي بالحساب أين المصيرا ليت شعري إذا القيامة قامت وأما الجواب عن قراءة الجمهور، فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها. أما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفاً من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظاً بذكر الحرف المحذوف والعلم عند الله تعالى. وَتَقَطّعُواْ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَُّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكِكُمْ فَأَعْبُدُونِ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ (9) قد قدمنا معاني ((الأمة)) في القرآن في سورة ((هود))، والمراد بالأمة هنا: الشريعة والملة. والمعنى وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة، وهي توحيد الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره، واجتناب نهيه بإخلاص في ذلك على حسب ما شرعه لخلقه ﴿وَأَنَأْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونٍ﴾؛ أي وحدي، والمعنى دينكم واحد وربكم واحد، فلم تختلفون ﴿ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾؛ أي تفرقوا في الدين وكانوا شيعاً؛ فمنهم يهودي، ومنهم نصراني، ومنهم عابد وثن، إلى غير ذلك من الفرق المختلفة. ثم بين بقوله: ﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾؛ أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة، وسيجازيهم بما فعلوا. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾؛ المعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه؛ فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب؛ تمثيلاً لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقاً شتى، اهـ. وظاهر الآية أن ((تقطع)) متعدية إلى المفعول ومفعولها ﴿أَمْرَهُم﴾ ومعنى تقطعوه أنهم جعلوه قطعاً كما ذكرنا. وقال القرطبي: قال الأزهري: ﴿وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم﴾ أي تفرقوا في أمرهم، فنصب ((أمرهم)) بحذف ((في)). ومن إطلاق الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية: قوله تعالى في الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان: حلفت فلم أترك في نفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع ٨٢٥ سورة الأنبياء: الآيتان (٩٢ - ٩٣). ومعنى قوله: ((وهل يأثمن ذو أمة ... إلخ)) أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم طائعاً. وما ذكره - جل وعلا - في هاتين الآيتين الكريمتين من أن الدين واحد والرب واحد فلا داعي للاختلاف، وأنهم مع ذلك اختلفوا وصاروا فرقاً أوضحه في سورة ((قد أفلح المؤمنون))، وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِىِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتِكُمْ لُمَّةُ وَحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ فَتَقَطَّعُواْ أَقْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَّ ◌ِينٍ (@)﴾ [المؤمنون]، وقوله في هذه الآية: ﴿زُرٌ﴾ أي قطعاً كزبر الحديد والفضة، أي قطعها. وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، أي كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين دينهم قطعاً فرحون بباطلهم، مطمئنون إليه، معتقدون أنه هو الحق. وقد بيّن - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع أن ما فرحوا به، واطمأنوا إليه باطل، كما قال تعالى في سورة ((المؤمن)»: ﴿فَمَّا جَآَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ اَلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٨) فَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ (٣)﴾ [غافر]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَكًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىّْ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنْتِثُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٢٦)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّ هَذِهِةٍ﴾ ((هذه)» اسم ((إن)» وخبرها ﴿أُمَّتُكُمْ﴾. وقوله: ﴿أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ حال كما هو ظاهر. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيرٌ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أهل النار لهم فيها زقير والعياذ بالله تعالى، وأظهر الأقوال في الزفير: أنه كأول صوت الحمار، وأن الشهيق كآخره، وقد بين تعالى أن أهل النار لهم فيها زفير في غير هذا الموضع وزاد على ذلك الشهيق والخلود كقوله في ((هود)): ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَمْ فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقُ ٨َ خَلِيْنَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٦، ١٠٧]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أهل النار لا يسمعون فيها. وبين في غير هذا الموضع أنهم لا يتكلمون ولا يبصرون، كقوله في ((الإسراء)): ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُنّاً﴾ ... الآية [الإسراء: ٩٧]، وقوله: ﴿وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ﴾﴾ [النمل]، مع أنه - جلّ وعلا - ذكر في آيات أخر ما يدل على أنهم يسمعون ويبصرون ويتكلمون، كقوله تعالى: ﴿أَسْعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ ... الآية [مريم: ٣٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ ... الآية [السجدة: ١٢]، وقوله: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ ... الآية [الكهف: ٥٣]. وقد بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في ((طه)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ٨٢٦- - سورة الأنبياء: الآيات (١٠١ - ١٠٤) قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (6)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين سبقت لهم منه في علمه الحسنى وهي تأنيث الأحسن، وهي الجنة أو السعادة مبعدون يوم القيامة عن النار؛ وقد أشار إلى نحو ذلك في غير هذا الموضع كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ اُلْإِحْسَنُ ﴾﴾ [الرحمن]، ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن عباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى وَنَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾؛ أي تستقبلهم بالبشارة، وتقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾؛ أي توعدون فيه أنواع الكرامة والنعيم، قيل: تستقبلهم على أبواب الجنة بذلك. وقيل: عند الخروج من القبور كما تقدم. وما ذكره - جلّ وعلا - من استقبال الملائكة لهم بذلك - بينه في غير هذا الموضع كقوله في ((فصلت)): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ تَتَنَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُعَدُونَ (٢٥) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ [فصلت]، وقوله في ((النحل)): ﴿ الَّذِينَ نَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ طَيِِّيْنٌ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾، أو بقوله: وَلَقَّلَهُمُ﴾. وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يطوي السماء كطي السجل للكتب. وصرح في ((الزمر)) بأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأن السموات مطويات بيمينه، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا فَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [الزمر]. وما ذكره من كون السموات مطويات بيمينه في هذه الآية جاء في الصحيح أيضاً عن النبي ◌َّل﴾، وقد قدمنا مراراً أن الواجب في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن تماثل صفة المخلوق. وأقوال العلماء في معنى قوله: ﴿ كَطَيِّ السِّلِّ لِلْكُتُبِ﴾ راجعة إلى أمرين: الْأَوَّلُ: أَنَّ السجل الصحيفة: والمراد بالكتب: ما كتب فيها، واللام بمعنى على، أي كطي السجل على الكتب، أي كطي الصحيفة على ما كتب فيها، وعلى هذا فطي السجل مصدر مضاف إلى مفعوله؛ لأن السجل على هذا المعنى مفعول الطي. الثاني: أن السجل ملك من الملائكة، وهو الذي يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه الحفظة الموكلون بالخلق أعمال بني ٨٢٧ سورة الأنبياء: الآية (١٠٥). آدم في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه (فيما ذكروا) هاروت وماروت، وقيل: إنه لا يطوي الصحيفة حتى يموت صاحبها فيرفعها ويطويها إلى يوم القيامة، وقول من قال: إن السجل صحابي، كاتب للنبي ◌ّ ظاهر السقوط كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ((للكتاب)) قرأه عامة السبعة غير حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (للكتاب)) بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف بصيغة الإفراد. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (للكُتُب) بضم الكاف والتاء بصيغة الجمع. ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المراد بالكتاب على قراءة الإفراد جنس الكتاب، فيشمل كل الكتب. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ (®﴾، أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ذلك، وأن المراد بالذكر أم الكتاب، وعليه فالمعنى ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب. وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية: زبور داود، والذكر: التوراة، وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد. واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن المراد بالأرض في قوله هنا: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾؛ فيه للعلماء وجهان: الأول: أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ ﴾ [الزمر]، وقد قدمنا معنى إيرائهم الجنة مستوفى في سورة ((مريم)). (VE) فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ الثاني: أن المراد بالأرض أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَاْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا (٣)﴾ [الأحزاب]، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ ... الآيةَ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ ﴾ [الأعراف]، ٢٨ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِىِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ... الآية [النور: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ وَنُكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤]، إلى غير ذلك من ١٣ لَتُهُلِكَنَّ الَّالِمِينَ الآيات، وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة ﴿فِي الزَُّورِ﴾ بفتح الزاي ومعناه الكتاب. وقرأ حمزة وحده (في الزبور) بضم الزاي. قال القرطبي: وعلى قراءة حمزة ٨٢٨ سورة الأنبياء: الآيات (١٠٦ - ١٠٩) فهو جمع زبر، والظاهر أنه يريد الزبر بالكسر بمعنى المزبور أي المكتوب. وعليه فمعنى قراءة حمزة: ولقد كتبنا في الكتب. وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس الكتب لا خصوص زبور داود كما بينا. وقرأ حمزة أيضاً ((يرثها عبادي)) بإسكان الياء. والباقون بفتحها . قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَغَّا لِقَوْمٍ عَبِدِينَ الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم، الذي منه هذه السورة الكريمة، والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن فيه الكفاية للعابدين، وما يبلغون به بغيتهم، أي من خير الدنيا والآخرة، ذكره في غير هذا الموضع كِقوله: ﴿هَذَا بَلَغْ لِلِنَّاسِ وَلِيُنْذَّرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ [إبراهيم] وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به. ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ الآية الكريمة أنه ما أرسل هذا النبي الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلاً قال: لو فجر الله عيناً للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول؛ فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل؛ فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ()﴾ [إبراهيم]. وقيل: كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال، والأول أظهر. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه ما أرسله إلا رحمة للعاملين، يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحاً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةُ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌَ﴾ [القصص: ٨٦]. .. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة (الكهف» في موضعين منها، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: ((إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة)). قوله تعالى: ﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَذَشُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. قوله: ﴿فَإِن تَوَلَوْ﴾ أي أعرضوا وصدوا عما تدعوهم إليه ﴿فَقُلْ ءَنُكُمْ عَى سَوَاءٍ﴾؛ أي أعلمتكم أني حرب لكم كما ٨٢٩ سورة الأنبياء: الآيات (١١٠ - ١١٢) أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية أشارت إليه آيات أخر، كقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافََ مِن قَوْرٍ خِيَانَةً فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَى سَوَآءَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، أي ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيَعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ (4)﴾ [يونس]. وقوله: ﴿وَاذَنُكُمْ﴾ الأذان: الإعلام؛ ومنه الأذان للصلاة. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَنْ فِنَ اللَّهِ﴾ ... الآية [التوبة: ٣]، أي إعلام منه، قوله: ﴿فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٧٩]، أي أعلموا. ومنه قول الحرث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء يعني أعلمتنا ببينها . قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يعلم ما يجهر به خلقه من القول، ويعلم ما يكتمونه. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِّةٌ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [الملك]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]، في الموضعين، وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسّوِسُ بِهِ، نَفْسٌُ وَنَحْنُ أَقْرَبُّ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اٌلْوَرِيدِ ﴾﴾ [ق]، وقوله: ﴿وَإِن تَّجْهَرْ بِلْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾﴾ [طه] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿قَلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقُّ﴾. قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص عن عاصم (قُل ربي) بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر، وقرأه حفص وحده ﴿قَالَ﴾ بفتح القاف واللام بينهما ألف بصيغة الماضي، وقراءة الجمهور تدل على أنه وَلّ أمر أن يقول ذلك. وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل. وما أمره أن يقوله هنا قاله نبي الله شعيب كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيِّنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْقَئِحِينَ﴾ [الأعراف : -٣٤]. وقوله: ﴿أَفْتَحْ﴾ أي احكم كما تقدم. وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية [النحل: ٦٢]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. وما قاله النبي ◌ّسير في هذه الآية قاله يعقوب لما علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف شيئاً غير ما أخبروه به؛ وذلك في قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، والمستعان: المطلوب منه العون، والعلم عند الله تعالى. ٨٣٠ - - سورة الحج: الآيتان (١ - ٢) براسه الرحمن الرحيم سورة الحج قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الشَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا نَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾. أمر - جلّ وعلا - في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه - جل وعلا - بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبيّن لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولکن عذابه شدید. وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، ذكره في مواضع كثيرة جداً من كتابه، كقوله في أول سورة النساء: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَّقُواْ الَّهَ الَّذِى تَسَلَّمَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَمُ﴾ ... الآية [النساء: ١] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وما بيّنه هنا من شدة أهوال الساعة، وعظم زلزلتها، بيّنه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿ وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا ◌َمَا يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾﴾ [الزلزلة] وقوله تعالى: ﴿وَجُلَتِ اٌلْأَرْضُ وَلِْبَالُ فَدُكَّنَا ذَكَّةً وَحِدَةً (٣)﴾ [الحاقة] وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا ﴿ وَبَُّّتِ الْجِبَالُ بَسًا [الواقعة] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ » تَتْبَعُّهَا الرَّادِفَةُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاحِفَةٌ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ ﴾ [النازعات] وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ لَا تَأْتِكُمْ إِلَّ بَعْنَةٌ﴾ [الأعراف: ١٨٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة ... وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَثَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والزلزلة: شدة التحريك والإزعاج، ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه، أي تکریر انحرافه وتزحزحه عن موضعه؛ لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية. وقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾: منصوب بتذهل، والضمير عائد إلى الزلزلة. والرؤية: بصرية؛ لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل: إنها من رأي العلمية. وقوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾؛ أي بسبب تلك الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبد الله بن رواحة رقمڅته : ٨٣١ سورة الحج: الآيتان (١ - ٢) -- ويُذْهِلِ الخليلَ عن خليله ضرباً يزيلُ الهامَ عن مقيله . وقال قطرب: ذهل عن الأمر: اشتغل عنه. وقيل: ذهل عن الأمر: غفل عنه لطرو شاغل، من همّ أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا. وقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾؛ أي كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله: مرضعة، ولم يقل: مرضع: هو ما تقرر في علم العربية، من أن الأوصاف المختصة بالإناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من التاء، فإن قلت: هي مرضع تريد: أنها ذات رضاع، جردته من التاء كقول امرئ القيس : فمثلكِ حُبلى قد طرقت ومرضعاً فألهيتها عن ذي تمائِمَ مغيل وإن قلت: هي مرضعة بمعنى، أنها تفعل الرضاع: أي تلقم الولد الثدي، قلت: هي مرضعة بالتاء ومنه قوله: كمرضعة أولادَ أُخْرى وضيَّعت بَنِي بَطنها هِذَا الضَّلال عن القصْد كما أشار له بقوله: عن تاء استغنى لأن اللَّفظ نص وما من الصفات بالأنثى يُخص كذِي غدت مرضعةٌ طفْلاً ولَد وحيث معنى الفعل يعني التّاء زد وما زعمه بعض النحاة الكوفيين من أن أم الصبي مرضعة بالتاء والمستأجرة للإرضاع: مرضع بلا هاء باطل، قاله أبو حيان في البحر. واستدل عليه بقوله: كمرضعة أولاد أخرى، البيت: فقد أثبت التاء لغير الأم، وقول الكوفيين أيضاً: إن الوصف المختص بالأنثى لا يحتاج فيه إلى التاء؛ لأن المراد منها الفرق بين الذكر والأنثى: والوصف المختص بالأنثى لا يحتاج إلى فرق لعدم مشاركة الذكر لها فيه مردود أيضاً، قاله أبو حيان في البحر أيضاً مستدلًّاً بقول العرب: مرضعة، وحائضة، وطالقة: والأظهر في ذلك هو ما قدمنا، من أنه إن أريد الفعل جيء بالتاء، وإن أريد النسبة جُرِّد من التاء، ومن مجيء التاء للمعنى المذكور قول الأعشى: أجارَتنا بِينِي فإنَّكِ طالقَهُ كذَاك أمورُ النّاس غادٍ وطَارِقَهْ وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لمَ قيل: مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي. والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، لَيدلّ على أن ذلك الهول، إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها: نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة. وقوله تعالى: ﴿عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ الظاهر أن ما موصولة، والعائد محذوف: أي أرضعته على حد قوله في الخلاصة: ٨٣٢ سورة الحج: الآيتان (١ - ٢) والمنحذف عندهم كثير مُنْجَلِي في عائدٍ مُتَّصل إن انتصب بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يهب وقال بعض العلماء: هي مصدرية؛ أي تذهل كل مرضعة عن إرضاعها. قال أبو حيان في البحر: ويقوي كونها موصولة تعدي وضع إلى المفعول به في قوله: ﴿حَملَهَا﴾ لا إلى المصدر. وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾؛ أي كل صاحبة حمل تضع جنينها، من شدة الفزع، والهول، والحمل بالفتح: ما كان في بطن من جنين، أو على رأس شجرة من ثمر ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ جمع سكران: أي يشبّههم من رآهم بالسكارى، من شدة الفزع ﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ من الشراب ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ والخوف منه هو الذي صيَّر من رآهم يشبههم بالسكارى، لذهاب عقولهم، من شدة الخوف، كما يذهب عقل السكران من الشراب. وقرأ حمزة والكسائي: ((وترى الناس سكرى وما هم بسكرى)) بفتح السين، وسكون الكاف في الحرفين على وزن فعلى بفتح فسكون. وقرأه الباقون ﴿سُكَرَى﴾ بضم السين، وفتح الكاف بعدها ألف في الحرفين أيضاً، وكلاهما جمع سكران على التحقيق. وقيل: إن سكرى بفتح فسكون: جمع سكر بفتح فكسر بمعنى: السكران، كما يجمع الزمن على الزمنى، قاله أبو علي الفارسي، كما نقله عنه أبو حيان في البحر. وقيل: إن سكرى مفرد، وهو غير صوابٍ. واستدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن المعدوم يسمى شيئاً؛ لأنه وصف زلزلة الساعة، بأنها شيء في حال عدمها قبل وجودها. قد بيّنّا وجه رده في سورة مريم، فأغنى عن إعادته هنا. مسألة: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟ فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول: علقمة، والشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، وابن جريج. وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل، بل الثابت من النقل يؤيد خلافه؛ وهو القول الآخر. وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع، جاء بذلك، إلا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به .. قال ابن جرير الطبري في تفسيره مبيّناً دليل من قال: إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مخلية: ٨٣٣ سورة الحج: الآية (٢) ((لما فرغ الله من خلق السمواتِ والأرضِ خلق الصُّور فأعطى إسرافيلَ فهو واضعه على فِيهِ شاخص ببصره إلى السماء ينظر متى يُؤْمر))، قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّور؟ قال: ((قَرْن))، قال: وكيف هو؟ قال: ((قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله فيق إسرافيلَ بالنَّفِخة الأولى: انْفخ نفخةَ الفزع فتفزعُ أهلُ السَّموات والأرضِ إلا من شاء الله ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15)﴾ [ص) فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي ﴿ تَتْعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِفَةٌ ﴾﴾ [النازعات] فتكون يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترججه الأرواح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقَّاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ويولى الناس مُدْبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله: ﴿وَيَقَوْمٍ إِنّ أَخَافُ عَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ نَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [غافر] فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمراً عظيماً، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم)) قال رسول الله ويكليتى : ((والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك))، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال: ((أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ) إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ﴾)) انتهى منه. ولا يخفى ضعف الإسناد المذكور كما ترى. وابن جرير تغلّفُ قبل أن يسوق الإسناد المذكور قال ما نصه: وقد روي عن النبي 18 بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقناه عنه آنفاً . وقال ابن كثير ◌َُّ في تفسير هذه الآية: وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصُّور، من رواية إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله *، ثم ساق الحديث نحو ما ذكرناه بطوله، ثم قال: هذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولاً جداً. والغرض منه أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم القيامة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك والله أعلم، انتهى منه. وقد علمت ضعف الإسناد المذكور. ٨٣٤ - سورة الحج: الآية (٢) وأما حجة أهل القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي ◌ِّر من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى. قال البخاري تخلّفُ في صحيحه في التفسير في باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي ◌ّلل: ((يقول الله مك يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تُخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه، قال: تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)). فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي وَ الر: ((من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة))، فكبّرنا ثم قال: ((ثلث أهل الجنة))، فكبّرنا، ثم قال: ((شطر أهل الجنة))، فكبّرنا. وقال أبو أسامة، عن الأعمش: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. وقال جرير، وعيسى بن يونس، وأبو معاوية: ((سکری وما هم بسكرى)) انتهى من صحيح البخاري. وفيه تصريح النبي 8 بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى: هو يوم القيامة لا آخر الدنيا. وقال البخاري في صحيحه أيضاً في كتاب الرقاق، في باب: إن زلزلة الساعة شيء عظيم: حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: ((يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى، وما هم بسكرى؛ ولكن عذاب الله شديد)). فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أيّنا ذلك الرجل؟ قال: ((أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً، ومنكم رجل))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة))، فحمدنا الله وكبّرنا. ثم قال: ((والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار))، انتهى منه. ودلالته على المقصود ظاهرة. وقال البخاري أيضاً في صحيحه في كتاب: بدء الخلق في أحاديث الأنبياء في باب ٨٣٥ سورة الحج: الآية (٢) . قول الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿سببًا﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٩] حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري به، عن النبي وَل﴾ قال: ((يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)) إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. وقال مسلم بن الحجاج تخلُ في صحيحه في آخر كتاب الإيمان بكسر الهمزة في باب: بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَليل : ((يقول الله رقيق: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد)) إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. فحديث أبي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان كما رأيت، فيه التصريح من النبي قل بأن الوقت الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، بعد القيام من القبور كما ترى، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع. فإن قيل: هذا النص فيه إشكال؛ لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت. فالجواب عن ذلك من وجهين : الأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملاً تبعث حاملاً، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. الوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزّمّل: ١٧] ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة. تنبيه: اعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يرد عليه سؤال، وهو أن يقال: إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور، فما معناها؟ والجواب: أن معناها شدة الخوف، والهول، والفزع؛ لأن ذلك يسمى زلزالاً، بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأحزاب من الخوف ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّنِ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ شَ هُنَالِكَ أَبْتِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾﴾ [الأحزاب]؛ أي وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ﴾ يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول؛ بالعمل ٨٣٦ سورة الحج: الآيتان (٣ - ٤) الصالح، في دار الدنيا، قبل تعذر الإمكان لما قدمنا مراراً من أن إن المشددة المسكورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص الظاهر: أي اتقوا الله؛ لأن أمامكم أهوالاً عظيمة، لا نجاة منها إلا بتقواه - جل وعلا -. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِى الَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَن ◌َّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من الناس بعضاً يجادل في الله بغير علم؛ أي يخاصم في الله بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله، كالذي يدّعي له الأولاد والشركاء، ويقول: إن القرآن أساطير الأولين، ويقول: لا يمكن أن يحيي الله العظام الرميم، كالنضر بن الحارث، والعاص بن وائل، وأبي جهل بن هشام وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في الله ذلك الجدال الباطل بغير مستند، من علم عقلي، ولا نقلي، ومع جدالهم في الله ذلك الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد؛ أي عاتٍ طاغ من شياطين الإنس والجن ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾: أي كتب الله عليه كتابة قدر وقضاء ﴿أَنَّهُ مِّن ◌َوَلَاهُ﴾؛ أي كل من صار ولياً له: أي للشيطان المريد المذكور، فإنه يضله عن طريق الجنة إلى النار، وعن طريق الإيمان إلى الكفر، ويهديه إلى عذاب السعير؛ أي النار الشديدة الوقود. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في الله بغير علم؛ أي يخاصم فيه بغير مستند من علم بيّنه في غير هذا الموضع كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدِّى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ جَنَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى في لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَ كِنَبٍ مُِّرٍ (٨) وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَشَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَنأْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [لقمان] فقوله في آية لقمان هذه: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، كقوله في الحج: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ فَأَنَهُ يُضِلُُّ وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ وهذه الآية الكريمة التي هي من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، يدخل فيما تضمنته من الوعيد والذم: أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في الله بغير علم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ اُلْإِنسَنُ أَنَا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ◌َّ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ قَالَ مَن [يس] وقوله في أوّل النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيدٌ ﴾ هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اٌلْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُم ◌ُجَّنُهُمْ ٨٣٧ - - سورة الحج: الآيتان (٣ - ٤) . دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِهِمْ وَعَلَّهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [الشورى] وقوله تعالى: ﴿ءَأَلِّهَنُنَّ خَيْرُّ أَمْرِ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْا بَلَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ حََّ إِذَا جَهُ وَكَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وما ذكره الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه قدر وقضى أن من تولّى الشيطان، فإن الشيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير، بيّنه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [فاطر] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ إِنّ أَغَافُ أَن يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ﴾﴾ [مريم] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ﴾ [النور: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها أن من يجادل بعلم على ضوء هَدْي كتاب منير، كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود؛ لأن مفهوم قوله: ﴿يِغَيْرِ عِلَّ﴾ أنه إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس في ذلك اتباع للشيطان، ويدل لهذا المفهوم المذكور قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة؛ لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]، اهـ منه. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: يعني عذاب النار، فالسعير: النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير: فعيل، بمعنى: مفعول من قول العرب: سَعَرَ النَّارَ، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعّرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ [التكوير] فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص: سُعِّرت بتشديد العين، وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة: مهلاً فإِنَّ لنا في أمِّنا أربا قالت له عرسهُ يوماً لتُسْمعني ولو رأتنيَ في نار مُسعَّرة ثم استطاعت لزادت فوقها حَطبا إذ لا يخفى أن قوله: مسعّرة: اسم مفعول سعّرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير؛ فعيل بمعنى اسم المفعول؛ أي النار المسعّرة؛ أي الموقدة إيقاداً ٨٣٨ - سورة الحج: الآية (٥) شديداً لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذاً بالله منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، وفي ذلك لغة ثالثة، إلا أنها ليست في القرآن: وهي أسعر النار بصيغة أفعل، بمعنى أوقدها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضاً في الدلالة على الشر؛ لأنه قال: ﴿وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَسِمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ... الآية [القصص: ٤١]؛ لأن الإمام هو من يُقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف، وكلام البلاغيين في مثل ذلك بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية، معروف كما أشرنا إليه سابقاً، وقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيْطَنِ قَرِيدٍ﴾ قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية: العاتي، تقول: مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومريد إذا كان عاتياً، والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإِنس، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَتِ ثُمَّ مِن مُضْغَةِ تُّخَلََّةِ وَغَيْرِ مُخَلَقَةٍ لِّمُبَيِنَ لَكُمْ وَنُفِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمٌ وَمِنكُم مَن يُوَلَّا وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها، تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه - جل وعلا - لا يقدر أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾﴾ [يس] وكقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإشارة إليه قريباً . ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب، والجزاء فقال - جل وعلا -: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ فمن أوجدكم الإيجاد الأول، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية، بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل، وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكور هنا، جاء ٨٣٩ سورة الحج: الآية (٥). موضحاً في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧] الآية، وقوله: ﴿قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَتَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ [يس] وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيَّنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤَّ﴾ [الإسراء: ٥١] وقوله تعالى: ﴿أَفَصِيْنَا بِالْخَلْقِ اُلْأَوَّلِّ بَلْ هُمْ فِى لَبِّسِ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾﴾ [ق] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ. عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (َ ﴾ [الواقعة] وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُظْفَةُ مِّن ◌َّنِيٍّ يُمْنَىِ (َ)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُجْعِىَ اٌلْؤََّى ®)﴾ [القيامة] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما، ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بيّن - جلّ وعلا - أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد الأول كقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ﴾ ... الآية [يس: ٧٨]، إذ لو تذكر الإيجاد الأول على الحقيقة، لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني، وكقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَوِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٣)﴾ [مريم] إذ لو تذكر ذلك تذكراً حقيقياً لما أنكر الخلق الثاني. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾: أي في شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ قد قدمنا في سورة طه أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمٌ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ٥٩]، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب؛ لأن الفروع تبع للأصل. وقد بيّا في طه أيضاً أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بيّنًا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول. وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان، فبيّن أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفاً، فالتراب هو الطور الأول. والطور الثاني هو النطفة، والنطفة فى اللغة: الماء القليل، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب: وغاب بعْلكِ يوماً أن تَعودِيني وما عليكِ إذا أخبرتنِي دنفاً وتغمسي فاكِ فيها ثم تسقيني وتجعلي نطفةً في القعْب باردةً فقوله: وتجعلي نطفة؛ أي ماء قليلاً في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة: نطفة المني، وقد قدمنا في سورة النحل أن النطفة مختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة، خلافاً لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده. ٨٤٠ سورة الحج: الآية (٥) الطور الثالث: العلقة: وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد فقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَفَقٍ﴾: أي قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير: شهرين يجْهُض من أرحامها العَلَقِ إليك أعملتها فتلا مرافقها الطور الرابع: المضغة: وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله : ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)) الحديث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّفَةٍ﴾ في معناه أوجه معروفة عند العلماء، سنذكرها هنا - إن شاءَ الله - ونبيّن ما يقتضي الدليل رجحانه. منها: أن قوله: ﴿أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّفَةٍ﴾ صفة للنطفة وأن المخلقة: هي ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة: هي ما دفعته الأرحام من النُّطف، وألقته قبل أن يكون خلقاً، وممن رُوي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود به نقله عنه ابن جرير وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، كما هو ظاهر. ومنها أن معنى مخلقة: تامة، وغير مخلقة: أي غير تامة، والمراد بهذا القول عند قائله: أن الله - جل وعلا - يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم. وممن رُوي عنه هذا القول: قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك. ومنها أن معنى مخلّقة مصورة إنساناً، وغير مخلقة: أي غير مصورة إنساناً كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول: مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها أن المخلقة: هي ما ولد حياً، وغير المخلقة: هي ما كان من سقط. وممن رُوي عنه هذا القول: ابن عباس رضيها. وقال صاحب الدر المنثور: إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي وأنشد لذلك قول الشاعر: أفي غير المخلَّقةِ البكاءُ فأيْنِ الحزمُ وَيْحك والحَياءُ وقال أبو جعفر بن جرير - رحمه الله تعالى -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المخلقة: المصورة خلقاً تاماً. وغير المخلقة: السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقاً سوياً إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله: ﴿الُخَلَّفَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ خلقاً سوياً، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير، ولا ينفخ الروح، انتهى منه. وهذا القول الذي اختاره ابن جرير، اختاره أيضاً غير واحد من أهل العلم. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري