Indexed OCR Text
Pages 761-780
٧٦١ سورة طه: الآية (١٠٨) - وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: قد فرقوا بين العوج والعوج. فقالوا: العوج بالكسر في المعاني. والعوج بالفتح في الأعيان. والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون؛ وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله ◌َ ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني فقيل فيه: عوج بالكسر، والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت. انتهى منه، وقد قدمنا في أول سورة الكهف ما يغني عن هذا الكلام الذي ذكره، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّعُونَ الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (4﴾، قوله: ﴿يَوْمَدٍ﴾ أي يوم إذ نسفت الجبال يتبعون الداعي. والداعي: هو الملك الذي يدعوهم إلى الحضور للحساب، قال بعض أهل العلم: يناديهم أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه. ومعنى ﴿لَا عِوَجَ لَمّ﴾؛ أي لا يحيدون عنه، ولا يميلون يميناً ولا شمالاً. وقيل: لا عوج لدعاء الملك عن أحد، أي لا يعدل بدعائه عن أحد، بل يدعوهم جميعاً. وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من اتباعهم للداعى للحساب، وعدم عدولهم عنه بينه في غير هذا الموضع، وزاد أنهم يسرعون إليه خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ ﴾ ﴾ [القمر]، اُلْأَمْدَاثِ كَهُمْ جَرَادٌ مُنَشِرٌ ج ◌ُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعَ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَنِيرٌ والإهطاع: الإسراع. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (١ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الضَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْفُرُوجِ ﴾﴾ [ق]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾؛ أي خفضت وخفتت، ومكنت هيبة لله، وإجلالاً وخوفاً ﴿فَلَا تَسْمَعُ﴾ في ذلك اليوم صوتاً عالياً، بل لا تسمع ﴿إِلَّا هَسًا﴾ أي صوتاً خفياً خافتاً من شدة الخوف. أو ﴿إِلَّا مَسْسًا﴾ أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر - والهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام؛ كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قول الراجز: ٧٦٢ سورة طه: الآية (١١١) وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا وما ذكره - جلّ وعلا - هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَلِكُنَ مِنْهُ خِطَابًا يَّمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ [النبأ]: أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا. وقوله هنا: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا تَنَفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ ... الآية، قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ((مريم)) وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوُ لِلْحَيِّ الْقَيُُّ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ خُلِلْمًا قوله: ﴿وَعَنَتِ﴾ أي ذلت وخضعت؛ تقول العرب: عنا يعنو عنواً وعناء: إذا ذل وخضع وخشع؛ ومنه قيل للأسير عان؛ لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفى : لعزته تعنو الوجوه وتسجد مليك على عرش السماء مهيمن وقوله أيضاً : وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصاة خاصة وذلك يوم القيامة؛ وأسند الذل والخشوع لوجوههم؛ لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةُ سِيْئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ... ﴿وَوُجُوهُ يَوَمَيِذٍ بَاسِرَةٌ ﴿ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [القيامة]، الآية [الملك: ٢٧]، وقوله : وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ خَشِعَةٌ ﴿﴿ عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ [الغاشية]، وعلى هذا القول اقتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة. وقال بعض العلماء : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع، وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة؛ لأن السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله - جلّ وعلا -. وقوله في هذه الآية: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ قلا بعض العلماء: أي خسر من حمل شركاً، وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلماً كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الَّلِينَ [يونس]، وقوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات، والأظهر أن الظلم في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ يعم الشرك وغيره من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى. سورة طه: الآيات (١١٢ - ١١٤). ٧٦٣ وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِلْحَيّ اُلْقَيُّورِ﴾ الحي: المتصف بالحياة الذي لا يموت أبداً، والقيوم صيغة مبالغة؛ لأنه - جلّ وعلا - هو القائم بتدبير شؤون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القيوم الدائم الذي لا يزول. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (19)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فإنه لا يخاف ظلماً ولا هضماً. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَخْرًّا عَظِيمًا ﴾﴾ [النساء]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا ذلك. وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم بأن الظلم المنع من الحق كله. والهضم: النقص والمنع من بعض الحق. فكل هضم ظلم، ولا ينعكس. ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي: إن الأذلة واللئام لمعشر مولاهم المنهضم المظلوم فالمنهضم: اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها، وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير ((فلا يخاف)) بضم الفاء وبألف بعد الخاء مرفوعاً ولا نافية؛ أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. وقرأه ابن كثير ((فلا يخف)) بالجزم من غير ألف بعد الخاء. وعليه فـ((لا)) ناهية جازمة للمضارع. وقول القرطبي في تفسيره: إنه على قراءة ابن كثير مجزوم؛ لأنه جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ - غلط منه كَّتُهُ؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ مانعة من ذلك. والتحقيق هو ما ذكرنا من أن (لا)) ناهية على قراءة ابن كثير، والجملة الطلبية جزاء الشرط، فيلزم اقترانها بالفاء؛ لأنها لا تصلح فعلاً للشرط كما قدمناه مراراً . قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنَزْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ... الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ((الكهف)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُةٌ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾. كان النبي ◌َّ إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه منوَالّ من شدة حرصه على حفظ القرآن؛ فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع كقوله في ((القيامة)): ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بٍِ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَعْ قُرْءَانَهُ ﴿٨َ ثُ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (1)﴾ [القيامة]، وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي ٧٦٤ سورة طه: الآية (١١٥) عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِح (13)﴾ [القيامة]، قال: كان رسول الله صل﴿ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله وَل يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: ﴿لَا ١٧﴾ [القيامة]، قال: جمعه لك في تُحَرِكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمَعَهُ وَقُرْهَانَهُ صدرك، ونقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَعْ قُرْءَانَهُ ﴾﴾ [القيامة]، قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ [القيامة]، ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله وهليل بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع؛ فإذا انطلق جبريل قرأه النبي وقليل كما قرأه اهـ. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَّا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا (٣٥)﴾. قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَدَمَ﴾؛ أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة، وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا الموضع كقوله في سورة (البقرة)): ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ اَْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِينَ فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هو عهده إلى آدم المذكور هنا. وقوله في ((الأعراف)): ﴾ [البقرة: ٣٥]، ٣٥) ﴿﴿وَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ يِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَِّينَ وقوله تعالى: ﴿فَنِىَ﴾ فيه للعلماء وجهان معروفان: أحدهما: أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمداً. والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمداً، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهِّ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى: ﴿®)﴾، فالمراد في هذه الآية: الترك قصداً. وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِئَايَئِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ (١)﴾ [السجدة]، وقوله تعالى: هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنِسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾﴾ [الحشر: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كَّا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّصِرِينَ ٣٤ [الجائية]. وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿فَنِىَ﴾ أي ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة؛ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده. والوجه الثاني: هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر؛ لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها، غره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور؛ كما يشير إليه قوله تعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴿﴿ فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٢]. وعن ابن عباس ◌ًّا قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. رواه عنه ابن أبي حاتم اهـ. ولقد قال بعض الشعراء: ولا القلب إلا أنه يتقلب وما سمي الإنسان إلا لنسيه .. ٧٦٥ سورة طه: الآية (١١٥) أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: ﴿وَعَصَّ ◌َدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وأما على الثاني ففيه إشكال معروف؛ لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَ﴾ . وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذوراً بالنسيان؛ وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة؛ كقوله هنا: ﴿فَسِىَ﴾ مع قوله: ﴿وَعَصَىّ﴾ فأسند إليه النسيان والعصيان؛ فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ◌ِّ لما قرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: نعم قد فعلت. فلو كان ذلك معفواً عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويؤيد ذلك حديث: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). فقوله: (تجاوز لي عن أمتي)) يدل على الاختصاص بأمته؛ وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل. والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم، فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديماً وحديثاً يتلقونه بالقبول. ومن الأدلة على ذلك حديث طارق بن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذباب قربه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذباباً قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره؛ لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذراً، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُنْ يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا ٢٠ [الكهف]، فقوله: ﴿يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠]، دليل على الإكراه، وقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوَاْ إِذَا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠]، دليل على عدم العذر بذلك الإكراه؛ كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع. واعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَقٍ﴾ ... الآية [النساء: ٩٢]. فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ، والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة؛ كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]، فجعل صوم الشهرين بدلاً من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ذلك: ﴿تَوْبَةُ مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطأ، مع قوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وما قدمنا من حديث مسلم: أن النبي _﴿ لما قرأ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنً﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: نعم قد فعلت، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة والكفارة ٧٦٦ - سورة طه: الآية (١١٥) المذكورة؛ قال بعض أهل العلم: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطأ والنسيان، والله - جلّ وعلا - أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى﴾؛ هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ؛ لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن. واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافاً مشهوراً معروفاً في الأصول، ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلى من درجة من لم يقع منه ذلك؛ كما قال هنا: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ثم أتبع ذلك ١٢٢ بقوله: ﴿ثُمَّ أَخْتَبَهُ رَبُُّ فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؛ يدل على أن أبانا آدم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ليس من الرسل الذين قال الله فيهم: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد رَّ. وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة ﴿وَلَمْ غَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أي لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر. وأقوال العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ قال أبو حيان في البحر: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه: ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ وأن يكون نقيض العدم؛ كأنه قال: وعدمنا له عزماً اهـ منه. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوْا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى، أي أبى أن يسجد؛ فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضاً في [الحجر]. وقوله في آية (الحجر)) في قوله: ﴿إِلَّ إِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ اُلسَّجِدِينَ ((الحجر)) هذه ﴿أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، يبين معمول ((أبى)) المحذوف في آية (طه)) هذه التي هي قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ﴾ [البقرة: ٣٤]، أي أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح به في ((الحجر)) وكما أشار إلى ذلك في ((الأعراف)) في قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ لَّ يَكُنْ مِّنَ اُلسَّحِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وذكر عنه في سورة ((ص)) الاستكبار ﴾ [ص]. وذكر عنه الإباء ٧٤ وحده في قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ والاستكبار معاً في سورة (البقرة)) في قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وقد بينا في سورة ((البقرة)) سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة ((الكهف)) كلام العلماء فيه؛ هل أصله ملك من : الملائكة أو لا؟ ٧٦٧ سورة طه: الآيات (١١٧ - ١١٩)- وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ﴾ صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ إِلِيسَ﴾ ... الآية [الحجر: ٣٠، ٣١]. قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَعَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْفَىَ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىِ (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فَِهَا وَلَا تَضْحَى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في ((الكهف)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَشْقَى﴾ أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب؛ لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض، ثم يزرعها، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك، ثم يدرسه، ثم ينقيه، ثم يطحنه، ثم یعجنه، ثم یخبزه، فهذا شقاؤه المذكور. والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية: التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري، والكسوة والسكن. قال الزمخشري: وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحو؛ ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها، اهـ. فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (٣)﴾؛ قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعري والضحاء. والجوع معروف، والظمأ: العطش. والعري بالضم: خلاف اللبس. وقوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ أي لا تصير بارزاً للشمس، ليس لك ما تستكن فيه من حرها، تقول العرب: ضحي يضحى، كرضي يرضى. وضحى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزاً لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة: فيضحى وأما بالعشي فَيَخْصَرُ رأت رجلاً أيماً إذا الشمس عارضت وقول الآخر: إذا الظل أضحى في القيامة قالصا ضحيت له كي أستظل بظله وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعاً وشعبة عن عاصم ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُ﴾ بفتح همزة ((أن))، والمصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها معطوف على المصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ أي وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. ويجوز في المصدر المعطوف المذكور النصب والرفع، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: ٧٦٨ سورة طه: الآيات (١١٧ - ١١٩) وجائز رفعك معطوفاً على: منصوب إن بعد أن تستكملا وإيضاح تقدير المصدرين المذكورين: إن لك عدم الجوع فيها، وعدم الظمأ. تنبيه: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها؛ لأن الله لما قال: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَ يُخْرِجَنَّكُا مِنَ الْجَنَّةِ﴾؛ بخطاب شامل لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها: من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن. قال أبو عبد الله القرطبي تخذفهُ في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل: فتشقيا يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج. فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن. فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضّل بعد ذلك فهو مأجور. فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة، اهـ منه. وذكر في قصة آدم أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات من الجنة، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح للعرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الآية. والظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع المعنوي في اصطلاح البلاغيين، هو ما يسمى ((مراعاة النظير))، ويسمى ((التناسب والائتلاف. والتوفيق والتلفيق))؛ فهذه كلها أسماء لهذا النوع من البديع المعنوي. وضابطه: أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ [الرحمن]، فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد. وكقول البحتري يصف الإبل الأنضاء المهازيل، أو الرماح: مبرية بل الأوتسار كالقسي المعطفات بل الأسهم وبين الأسهم والقسي المعطفات والأوتار مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق: من الخبر المأثور منذ قديم أصح وأقوى ما سمعناه في الندى عن البحر عن كف الأمير تميم أحاديث ترويها السيول عن الحيا فقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير تميم، وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري: وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر . كأن الثريا علقت في جبينه. فقد ناسب بين الثريا والشعرى والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه، وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة. ٧٦٩ سورة طه: الآية (١٢٠) - وإذا علمت هذا فاعلم أنه - جل وعلا - ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى ﴾﴾؛ بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العري المتضمن لنفي الألم الظاهري عن أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد، كما أنه تعالى ناسب في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (٣)﴾؛ بين نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ، وبين نفي الضحي المتضمن لنفي الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح. بما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن في الآية المذكورة ما يسمى قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها؛ لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك من التناسب. وقالوا: ومن قطع النظير المذكور قول امرئ القيس : كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال لخيلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبا الزق الروي ولم أقل فقطع ركوب الجواد من قوله: ((لخيلي كري كرة)) وقطع ((تبطن الكاعب)) عن شرب ((الزق الروي)) مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها، كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَتْعَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى (٣)﴾، الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحلي: وسواس. والوسوس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الأسم، وهو أيضاً من أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس] ويقال لحديث النفس: وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت الحلي قول الأعشى: كما استعان بريح عشرق زجل تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة: فبات يشئزه ثأد ويسهره تذؤب الريح والوسواس والهضب وقول رؤبة : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سرا وقد أون تأوين العقق في الزرب لو يمضغ شرباً ما بصق وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي كلمه كلاماً خفياً فسمعه منه آدم وفهمه. والدليل على أن الوسوسة ٧٧٠ - سورة طه: الآية (١٢٠) المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ قَالَ يَغَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد أوضح هذا في سورة (الأعراف)) وبين أنه وسوس إلى حواء أيضاً مع آدم، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ - الشَّيْطَانُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴾ ٢٢]؛ لأن تصريحه تعالى في آية ((الأعراف)) هذه بأن إبليس قاسمهما؛ أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب دليل واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع. واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالاً معروفاً، وهو أن يقال: إبليس قد أخرج من الجنة صاغراً مذموماً مدحوراً، فكيف أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك. وكل ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس. فلا محال عقلاً في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، وحلف له حتی غره وزوجه بذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود؛ لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالداً لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ يدل لمعنى قراءة من قرأ (إلا أن تكونا ملكين) بكسر اللام. وقوله: ﴿أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، هو معنى قوله في ((طه)): ﴿هَلْ أَدُلَّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. والحاصل أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء أنهما إن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك. يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة: أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة. تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف عدى فعل الوسوسة في ((طه)) بإلى في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ مع أنه عداه في ((الأعراف)) باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَمُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: أحدها: أن حروف الجر يخلف بعضها بعضاً، فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك. قال الجوهري في صحاحه: وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ يريد إليهما، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل، اهـ. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن ٧٧١ سورة طه: الآية (١٢٠) - الأجوبة عن ذلك: إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: فإن قلت: كيف عدى ((وسوس)) تارة باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وأخرى بإلى؟ قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى، وووعة الذئب، ووقوقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوت وأجرس؛ ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي: وسوس يدعو مخلصا رب الفلق فإذا قلت: وسوس له؛ فمعناه لأجله، كقوله: أجرس لها يا ابن أبي كباش فما لها الليلة من إنفاش غير السرى وسائق نجاش ومعنى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ أنهى إليه الوسوسة، كقوله: حدث إليه وأسر إليه، اهـ منه. وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجر؛ وإتيان بعضها مكان بعض هل هو بالنظر إلى التضمين، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض؟ وسنذكر مثالاً واحداً من ذلك يتضح به المقصود؛ فقوله تعالى مثلاً: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾ ... الآية [الأنبياء: ٧٧]، على القول بالتضمين. فالحرف الذي هو ((من)) وارد في معناه لكن ((نصر)) هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص، أي أنجيناه وخلصناه من الذين كذبوا بآياتنا. والإنجاء مثلاً يتعدي بمن. وعلى القول الثاني فانصر)) وارد في معناه، لكن ((من)) بمعنى على، أي نصرناه على القوم الذين كذبوا الآية، وهكذا في كل ما يشاكله. وقد قدمنا في سورة ((الكهف)) أن اختلاف العلماء في تعيين الشجرة التي نهى الله آدم عن الأكل منها اختلاف لا طائل تحته، لعدم الدليل على تعيينها، وعدم الفائدة في معرفة عينها. وبعضهم يقول: هي السنبلة. وبعضهم يقول: هي شجرة الكرم. وبعضهم يقول: هي شجرة التين، إلى غير ذلك من الأقوال. قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْحَنَّةِ﴾، الفاء في قوله: ﴿فَأَكَلَا﴾ تدل على أن سبب أكلهما هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة. وكذلك الفاء في قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾؛ تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما من الشجرة المذكورة، فكانت وسوسة الشيطان سبباً للأكل من تلك الشجرة، وكان الأكل منها سبباً لبدو سوءاتهما. وقد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه) أن الفاء تدل على التعليل كقولهم: سها فسجد، أي لعلة سهوه. وسرق فقطعت يده، أي لعلة سرقته، كما قدمناه مراراً، وكذلك قوله هنا: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَقَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (١٥) فَأَكَلَا مِنْهَا﴾؛ أي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما ٧٧٢ - سورة طه: الآية (١٢٠) سوءاتهما، أي بسبب ذلك الأكل، ففي الآية ذكر السبب وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم وحواء جاء مبيناً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما. وفي القراءة الأخرى ((فأزالهما)) وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه، أي من نعيم الجنة، وقوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله: ﴿فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره - جلّ وعلا - في آية ((طه)) هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في ((الأعراف)): ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْهَاتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقوله فيها أيضاً: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيِّكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة، فبدت سوءاتهما أي عوراتهما. وسميت العورة سوءة؛ لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال هنا: ﴿وَطَفِقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ﴾، وقال في (الأعراف)): ﴿فَلَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ تُّهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٢٢]. وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ أي شرعا؛ فهي من أفعال الشروع، ولا يكون خبر أفعال الشروع إلا فعلاً مضارعاً غير مقترن بـ((أن)) وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله: وترك أن مع ذي الشروع وجبا كذا جعلت وأخذت وعلق كأنشأ السائق يحدو وطفق فمعنى قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما. والعرب تقول: خصف النعل يخصفها: إذا خرزها. وخصف الورق على بدنه: إذا ألزقها وأطبقها عليه ورقة ورقة. وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة التي طفق آدم وحواء يخصفان عليهما منه إنه ورق التين، والله تعالى أعلم. واعلم أن الستر الذي كان على آدم وحواء، وانكشف عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه . فقالت جماعة من أهل العلم: كان عليهما لباس من جنس الظفر؛ فلما أكلا من الشجرة أزاله الله عنهما إلا ما أبقى منه على رؤوس الأصابع. وقال بعض أهل العلم: كان لباسهما نوراً يستر الله به سوءاتهما. وقيل: لباس من ياقوت، إلى غير ذلك من سورة طه: الآية (١٢٠) ٧٧٣ الأقوال. وهو من الاختلاف الذي لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه كما قدمنا كثيراً من أمثلة ذلك في سورة ((الكهف)). وغاية ما دل عليه القرآن أنهما كان عليهما لباس يسترهما الله به؛ فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما. ويمكن أن يكون اللباس المذكور الظفر أو النور، أو لباس التقوى، أو غير ذلك من الأقوال المذكورة فيه. وأسند - جلّ وعلا - إبداء ما وورى عنهما من سوءاتهما إلى الشيطان قوله: ﴿لِيُبْدِىَ لَمُهَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]، كما أسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى: ﴿كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيُّكُمْ مِّنَ الْجَّةِ يَزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً﴾ [الأعراف: ٢٧]، لأنه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريباً، وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جعل سبب الزلة في هذه الآية وهو وسوسة الشيطان مختصاً بآدم دون حواء في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ مع أنه ذكر أن تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معاً كما أوضحناه. والجواب ظاهر، وهو أنه بين في ((الأعراف)) أنه وسوس لحواء أيضاً مع آدم في القصة بعينها في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَئِنُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فبينت آية ((الأعراف)) ما لم تبينه آية ((طه)) كما ترى، والعلم عند الله تعالى. مسألة: أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة وجوب ستر العورة؛ لأن قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، يدل على قبح انكشاف العورة، وأنه ينبغي بذل الجهد في سترها. قال القرطبي كَُّ في تفسيره في سورة ((الأعراف)) ما نصه: وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما: ﴿وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي: أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة، عليه التستر بها كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم، انتهى كلام القرطبي. ووجوب ستر العورة في الصلاة مجمع عليه بين المسلمين. وقد دلت عليه نصوص من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿يَبِّىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وكبعثه ◌َ ل من ينادي عام حج أبي بكر بالناس عام تسع: ((ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان)). وكذلك لا خلاف بين العلماء في منع كشف العورة أمام الناس، وسيأتي بعض ما يتعلق بهذا إن شاء الله في سورة ((النور)) .. فإن قيل: لم جمع السوءات في قوله: ﴿سَوْءَتِهِمَا﴾ مع أنهما سوأتان فقط؟ فالجواب من ثلاثة أوجه : الوجه الأول: أن آدم وحواء كل واحد منهما له سوءتان: القبل والدبر، فهي أربع، فكل منهما يرى قبل نفسه وقبل الآخر، ودبره، وعلى هذا فلا إشكال في الجمع. ٧٧٤ سورة طه: الآية (١٢١) الوجه الثاني: أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزاءه جاز في ذلك المضاف الذي هو شيئان الجمع والتثنية، والإفراد، وأفصحها الجمع، فالإفراد، فالتثنية على الأصح، سواء كانت الإضافة لفظاً أو معنى. ومثال اللفظ: شويت رؤوس الكبشين أو رأسهما أو رأسيهما، ومثال المعنى: قطعت من الكبشين الرؤوس، أو الرأس، أو الرأسين. فإن فرق المثنى المضاف إليه فالمختار في المضاف الإفراد، نحو: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ﴾ [المائدة: ٧٨]. ومثال جمع المثنى المضاف المذكور الذي هو الأفصح قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ومثال الإفراد قول الشاعر: سقاك من الغر الغوادي مطيرها حمامة بطن الواديين ترنمي ومثال التثنية قول الراجز: ظهراهما مثل ظهور الترسين ومهمهين قذفين مرتين وللضمائر الراجعة إلى المضاف المذكور المجموع لفظاً وهو مثنى معنى يجوز فيها الجمع نظراً إلى اللفظ، والتثنية نظراً إلى المعنى، فمن الأول قوله :. خليلي لا تهلك نفوسكما أسى فإن لها فيما به دهيت أسى ومن الثاني قوله: إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر قلوبكما يغشاهما الأمن عادة الوجه الثالث: ما ذهب إليه مالك بن أنس من أن أقل الجمع اثنان. قال في (مراقي السعود): أقل معنى الجمع في المشتهر الاثنان في رأى الإمام الحميري وأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف إليه، أي كانا غير جزءيه فالقياس الجمع وفاقاً للفراء، كقولك: ما أخرجكما من بيوتكما، وإذا أويتما إلى مضاجعكما، وضرباه بأسيافهما، وسألتا عن إنفاقهما على أزواجهما، ونحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وَعَصَّ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَ﴾ . المعصية خلاف الطاعة. فقوله: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ﴾ أي لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه من قربان تلك الشجرة. وقوله: ﴿فَغَوَى﴾ الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب، فمعنى الآية: لم يطع آدم ربه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة، وهذا العصيان والغي بين الله - جلّ وعلا - في غير موضع من كتابه أن المراد به أن الله أباح له أن يأكل هو وامرأته من الجنة رغداً حيث شاءا، ونهاهما أن يقربا شجرة معينة من شجرها؛ فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويحلف لهما بالله إنه لهما لناصح، وإنهما إن أكلا منها نالا الخلود والملك الذي لا يبلى، فخدعهما بذلك كما نَصَّ الله على ذلك في قوله: ٧٧٥ سورة طه: الآية (١٢١) ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴾ فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١ -٢٢] فأكلا منها، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا؛ وهو مروي عن عمر. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داوود والترمذي والحاكم: ((المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم)). وأنشد لذلك نفطویه: إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجرباً لا يخدع فآدم ◌َلَّ ما صدرت منه الزلة إلا بسبب غرور إبليس له. وقد قدمنا قول بعض أهل العلم: إن آدم من شدة تعظيمه لله اعتقد أنه لا يمكن أن يحلف به أحد وهو كاذب، فأنساه حلف إبليس بالله العهد بالنهي عن الشجرة. وقول بعض أهل العلم: إن معنى قوله: ﴿فَغَوَى﴾ أي فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. قالوا: والغي: الفساد، خلاف الظاهر وإن حكاه النقاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي. وكذلك قول من قال: ﴿فَغَوَى﴾ أي بشم من كثرة الأكل. والبشم: التخمة، فهو قول باطل. وقال فيه الزمخشري في الكشاف: وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفاً فيقول في فني وبقي، فنا وبقا، وهم بنو طيء، تفسير خبيث، اهـ منه. وما أشار إليه الزمخشري من لغة طيء معروف؛ فهم يقولون للجارية: جاراة، وللناصية ناصاة، ويقولون في بقي: بقى، كرمى. ومن هذه اللغة قول الشاعر: على الأرض قيسي يسوق الأباعرا لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى وهذه اللغة التي ذكرها الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور؛ لأن العرب تقول: غوى الفصيل كرضى وكرمى: إذا بشم من اللبن. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَعَصَىّ ◌َدَمُ﴾ يدل على أن معنى ((غوى)) ضل عن طريق الصواب كما ذكرنا. وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجة من قال بأن الأنبياء غير معصومين من الصغائر. وعصمة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - مبحث أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف، ومن أراد الوقوف على طرف منه يرجع إلى الأصل وخلاصة رأي الشيخ فيه: أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلية، ومناصبهم السامية. ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصاً فيهم - صلوات الله وسلامه عليهم - ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب لأنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصدق الإنابة إلى الله حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئاً من ذلك، ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَ ثُمَّ ◌َجْتَهُ رَبُّهُ فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى (٣)﴾؛ فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه، واجتبائه أي اصطفائه إياه، وهدايته له، ولا شك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة، والعلم عند الله تعالى. ٧٧٦ - سورة طه: الآيتان (١٢٢ - ١٢٣) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَهُ رَبُّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (®﴾. الاجتباء: الاصطفاء والاختيار؛ أي ثم بعد ما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه. ولم يبين هنا السبب لذلك، ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تلقى من ربه كلمات فكانت سبب توبة ربه عليه، وذلك في قوله: ﴿فَلَقََّ ءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء. وقد قدمنا في سورة ((البقرة)): أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة ((الأعراف)) في قوله تعالى: ، وخير ما يفسر به ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ القرآن القرآن. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ﴾. الظاهر أن ألف الاثنين في قوله ﴿أَهْيِطَا﴾ راجعة إلى آدم وحواء المذكورين في قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ ... الآية، خلافاً لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، وأمره إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية ((طه)) هذه جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله في سورة (البقرة)): ﴿وَقُلْنَا أَهِْطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَهُ إِلَى حِينٍ﴾ [٣٦]، وقوله فيها أيضاً: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، وقوله في ((الأعراف)): ﴿قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُتْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ (٣)﴾. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ﴿أَهْبِطُواْ﴾ [البقرة: ٣٦]، في ((البقرة)) و(الأعراف)) وبصيغة التثنية في ((طه)) في قوله: ﴿أَهْيِطًا﴾ مع أنّه أتبع صيغة التثنية في (طه)) بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَئُكُم مِّنِى هُدَى﴾ [البقرة: ٣٨]، وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما، خلافاً لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس، والجمع باعتبار ذريتهما معهما، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله: ﴿أَهْبِطُواْ﴾ مراد به آدم وحواء وإبليس والحية، والدليل على أنّ الحية ليست مراده في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَتْكُم مِّنِى هُدَى﴾ [البقرة: ٣٨] لأنها غير مكلفة. وهناك جملة من أحكام قتل الحيات من أراد الوقوف عليها يرجع للأصل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾، على ما ذكرنا أنه الأظهر، فالمعنى أن بعض بني آدم عدو لبعضهم كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، ونحوها من الآيات. وعلى أن المراد بقوله: ﴿أَهْرِطَا﴾ آدم وإبليس، فالمعنى أن إبليس وذريته أعداء لآدم وذريته؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ﴾ [الكهف: ٥٠]، ونحوها من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِّى هُدَّى فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاءَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْغَى﴾. سورة طه: الآية (١٢٤). ٧٧٧ الظاهر أن الخطاب لبني آدم؛ أي فإن يأتكم مني هدى أي رسول أرسله إليكم، وکتاب یأتي به رسول، فمن اتبع منكم هداي أي من آمن برسلي وصدق بكتبي، وامتثل ما أمرت به، واجتنب ما نهيت عنه على ألسنة رسلي؛ فإنه لا يضل في الدنيا، أي لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه بالعروة الوثقى، ولا يشقى في الآخرة لأنه كان في الدنيا عاملاً بما يستوجب السعادة من طاعة الله تعالى وطاعة رسله. وهذا المعنى المذكور هنا ذكر في غير هذا الموضع كقوله في ((البقرة): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُمْ مِنِى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، ونحو ذلك من الآيات. وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يرد إليها أحداً منا إلا بعد الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي، ثم يطيع الله فيما ابتلاه به؛ كما تقدمت الإشارة إليه في سورة ((البقرة)). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. قد قدمنا في سورة ((الكهف) في الكلام على قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]، الآيات الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى الوخيمة؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقد قدمنا هناك أن منها المعيشة الضنك، واعلم أن الضنك في اللغة: الضيق؛ ومنه قول عنترة: أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا وقوله أيضاً: مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل إن المنية لو تمثل مثلت وأصل الضنك مصدر وصف به، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. وبه تعلم أن معنى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي عيشاً ضيقاً والعياذ بالله تعالى. واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة، لا يكذب بعضها بعضاً. وقد قدمنا مراراً أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة، ومن الأقوال في ذلك أن معنى ذلك أن الله قد جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل على الله، والرضا بقسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة، فيعيش عيشاً هنيئاً. ومما يدل على هذا المعني من القرآن قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ ... الآية [النحل: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَّكُم مَّنَعَا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ ... الآية [هود: ٣]، كما تقدم إيضاح ذلك كله. وأما المعرض عن الدين فإنه يستولي عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة بسبب كفره، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ٧٧٨ سورة طه: الآية (١٢٤) وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]. وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله. وبين في مواضع أخر أنهم لو تركوا الإعراض عن ذكر الله فأطاعوه تعالى أن عيشهم يصير واسعاً ورغداً لا ضنكاً، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرَّجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وكقوله تعالى عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ وَيُعْدِدَّكُ بِأَمْوَلٍ وَيَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا (١)﴾ [نوح]، وقوله تعالى عَلَيْكُم مِّدْرَارًا .. عن هود: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَدّمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا ® لِنَفْتِنَهُمُ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦، ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات. وعن الحسن أن المعيشة الضنك: هي طعام الضريع والزقوم يوم القيامة، وذلك مذكور في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ ﴾﴾ الآية [الغاشية]، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ٨ طَعَامُ الْأَنِمِ ﴾﴾ الآية [الدخان]، ونحو ذلك من الآيات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار: المعيشة الضنك: الكسب الحرام، والعمل السيئ. وعن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة: المعيشة الضنك: عذاب القبر وضغطته. وقد أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ ◌َ﴾ [إبراهيم]. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد جاء عن النبي ◌َّ من حديث أبي هريرة أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية. ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا. وطعام الضريع والزقوم، فتكون معيشته ضنكاً في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى، قال مجاهد وأبو صالح والسدي أعمى أي لا حجة له. وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وأبى صالح والسدي وعكرمة، وأن المراد بقوله: ﴿أَعْنَى﴾ أي أعمى البصر لا يرى شيئاً، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (٣٥)﴾؛ فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد زاد - جلّ وعلا - في سورة طه: الآية (١٢٤) - ٧٧٩ سورة ((بني إسرائيل)) أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَّةَ مِن دُونِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمَّيًا وَبُكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا (﴾﴾ [الإسراء]. تنبيه: في آية ((طه)) هذه وآية ((الإسراء)) المذكورتين إشكال معروف، وهو أن يقال: إنهما قد دلتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة أعمى، وزادت آية ((الإسراء)) أنه يحشر أبكم أصم أيضاً، مع أنه دلت آيات من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: واستظهره أبو حيان أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته؛ ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئاً يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وروي أيضاً عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به؛ كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن الله يقول في المنافقين: ﴿هُمْ بَكْمُّ عُنِىٌ﴾ ... الآية [البقرة: ١٨]، مع أنه يقول فيهم: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْبِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويقول فيهم: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء؛ فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب ابن أم صاحب: وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وقول الآخر: وأسمع خلق الله حين أريد أصم عن الأمر الذي لا أريده وقول الآخر : حلمي أصم وأذني غير صماء قل ما بدا لك من زور ومن كذب ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه، وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها . ٧٨٠ سورة طه: الآيات (١٢٧ - ١٣٣) الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم: ﴿أَخْسَتُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج - قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنَطِقُونَ ﴾ [النمل: ٨٥]، وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة: أعني قوله في ((طه)): ﴿وَمَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى﴾، وقوله فيها: ﴿لِمَ حَشَرْتَِّ أَعْمَى﴾، وقوله في ((الإسراء)): ﴿وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وأظهرها عندي الأول. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَسِيَهَّ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾؛ من النسيان بمعنى الترك عمداً كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى مَنْ أَسْرَفَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يجازي المسرفين ذلك الجزاء المذكور، وقد دل مسلك الإيماء والتنبيه على أن ذلك الجزاء لعلة إسرافهم على أنفسهم في الطغيان والمعاصي، وبين في غير هذا الموضع أن جزاء الإسراف النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، وبيّن في موضع آخر أن محل ذلك إذا لم ينيبوا إلى الله ويتوبوا إليه، وذلك في قوله: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾، إلى قولهِ: ﴿وَأَنِيُوْ إِلَى رَبَّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ ... الآية [الزمر: ٥٣ - ٥٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَبْقَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن عذاب الآخرة أشد وأبقى؛ أي أشد ألماً وأدوم من عذاب الدنيا، ومن المعيشة الضنك التي هي عذاب القبر، وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اَللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ [الرعد: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبرُ لَوْ كَنُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ﴾ ... الآية. تقدم بعض الآيات الموضحة له في سورة ((مريم)) وسيأتي له بعد هذا - إن شاء الله - زيادة إيضاح. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَوْلَا يَأْتِيْنَا بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيْنَةُ مَا فِىِ الصُّحُفِ الْأُولَى . أظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة كالعصا واليد من آيات موسى، وكناقة صالح، واقتراحهم لذلك بحرف التحضيض الدال على شدة الحض في طلب ذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتِيْنَا﴾ أي هلا يأتينا محمد بآية كناقة صالح، وعصا موسى، أي نطلب ذلك منه بحض وحث. فأجابهم الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِنَّهُ مَا فِ الضُّحُفِ الْأُولَى﴾ وهي هذا القرآن العظيم؛ لأنه