Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
سورة مريم: الآية (٨)
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
ذكر - جل وعلا - فى هذه الآية الكريمة أن زكريا لما بشر بيحيى
اَلْكِبرِ عِنِيًّا
قال: ﴿رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا وَقَّدٌ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا﴾
وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضاً في ((آل عمران)) في قوله: ﴿قَالَ رَبٍّ أَّ يَكُونُ لِ
◌ُلَمٌ وَقَدْ بَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]. وقوله في هذه الآية الكريمة:
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((عتيا)) بكسر
العين اتباعاً للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء، وقرأه الباقون ((عتيا)) بضمها على
الأصل. ومعنى قوله: ﴿وَقَّدٌ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيِّنًا﴾ أنه بلغ غاية الكبر في السن؛
حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري تَّفُ في تفسير هذه الآية: يقول وقد
عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها؛ يقال منه للعود اليابس: عود عات عاس.
وقد عتا يعتو عتواً وعتياً. وعسا يعسو عسياً وعسواً. وكل متناه إلى غاية في كبر أو
فساد أو کفر فهو عات وعاس.
تنبيه: فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله: ﴿أَّ يَكُونُ لِ عُلَمٌ﴾ مع علمه
بقدرة الله تعالى على كل شيء.
فالجواب في ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب) في سورة ((آل عمران)) وواحد منها فيه بعد وإن روي عن عكرمة والسدي وغيرهما .
الأول: أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام؛ لأنه لا يعلم هل الله يأتيه
بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة، أو يأمره بأن يتزوج شابة،
أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها، ولا إشكال في هذا، وهو أظهرها .
الثاني: أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى.
الثالث: وهو الذي ذكرنا أن فيه بعداً، هو ما ذكره ابن جرير عن عكرمة والسدي
من أن زكرياء لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى،
قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان، فداخل زكرياء الشك
في أن النداء من الشيطان، فقال عند ذلك الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن
يتيقن أنه من الله: ﴿أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾ الآية [آل عمران: ٤٠]؛ ولذا طلب الآية من الله
على ذلك بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ٤١]. وإنما قلنا: إن هذا القول
فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكرياء نداء الملائكة بنداء الشيطان.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ((عتياً)) أصله عتوا، فأبدلت الواو ياء، ومن إطلاق
العتي على الكبر المتناهي قول الشاعر:
إنما يعذر الوليد ولا يعـ
ـذر من كان في الزمان عتيا
وقراءة ((عسيا)) بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها، وقال القرطبي: وبها قرأ ابن
عباس، وهي كذلك في مصحف أبي.

٦٢٢ -
سورة مريم: الآية (٩)
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ
شَيْئًا ﴾﴾. هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة، ذكره أيضاً في ((آل عمران))
في قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]. وقوله في هذه الآية
الكريمة: ﴿كَذَلِكَ﴾ للعلماء في إعرابه أوجه:
الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره، الأمر كذلك، ولا محالة أن تلد الغلام.
المذكور، وقيل: الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقرٍ، وعلى هذا فقوله:
﴿قَالَ رَبِّكَ﴾ ابتداء كلام.
الوجه الثاني: أن ((كذلك)) في محل نصب بـ((قال)) وعليه فالإشارة بقوله: ((ذلك))
إلى مبهم يفسره قوله: ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِنٌ﴾ ونظيره على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ
ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ ﴾﴾ [الحجر]. وغير هذين من أوجه إعرابه
تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله: ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ أي يسير سهل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي
ومن خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى، وهذا
الذي قاله هنا لزكريا من أنه خلقه ولم يك شيئاً، أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في
مواضع أخر كقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا
٦٧
الآية، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾﴾ [الإنسان].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ دليل على أن المعدوم ليس
بشيء؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢]، وهذا هو
الصواب، خلافاً للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء؛ مستدلين لذلك
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرََّدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ (﴾﴾ [يس] قالوا: قد
سماه الله شيئاً قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده، ولأجل
هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئاً يعتد
به؛ كقولهم: عجبت من لا شيء .. وقول الشاعر:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم
. إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً
لأن مراده بقوله: ((غير شيء))، أي إذا رأى شيئاً تافهاً لا يعتد به كأنه لا شيء
لحقارته ظنه رجلاً؛ لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. والتحقيق هو ما
دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن من أن المعدوم ليس بشيء، والجواب عن
استدلالهم بالآية أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه
بالفعل، كقوله: ﴿أَفَ أَمْرُ الَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿وَنُفِّخَ فِى الْصُورِ﴾ [الكهف:
٩٩]، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِاْعَهَ بِالنَِّنَ﴾ الآية [الزمر: ٦٩]،
وقوله: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ... الآية [الزمر: ٧١]، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ

٦٢٣
سورة مريم: الآية (١٠).
رَبَّهُمْ﴾ ... الآية [الزمر: ٧٣]، وأمثال ذلك، كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع
بالفعل فيما مضى، أطلقت مراداً بها المستقبل؛ لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع
بالفعل. وكذلك تسميته شيئاً قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ قرأه عامة السبعة ما
عدا حمزة والكسائي ﴿خَلَقْتُكَ﴾ بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم. وقرأه
حمزة والكسائي ((وقد خلقناك)) بئون بعدها ألف، وصيغة الجمع فيها للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ
سَوِيًّا ﴾﴾. المراد بالآية هنا العلامة، أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به
من الولد، قال بعض أهل العلم: طلب الآية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما بشر به.
ونظيره على هذا القول قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿قَالَ إِبْرَهِهُ رَبٍ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْقَ
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقيل: أراد بالعلامة أن يعرف
ابتداء حمل امرأته؛ لأن الحمل في أول زمنه يخفى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾؛ أي
علامتك على وقوع ذلك ألا تكلم الناس، أي أن تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال
بأيامهن في حال كونك سوياً، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم
ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العادة، كما قدمنا في ((آل عمران))، أما
ذكر الله فليس ممنوعاً منه بدليل قوله في ((آل عمران)): ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِّ
وَالْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١]. وقول من قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.
أي ثلاث ليال متتابعات، غير صواب، بل معناه هو ما قدمناه من كون اعتقال لسانه عن
كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به ولكن بقدرة الله تعالى، وقد قال تعالى هنا:
﴿ثَثَ لَيَالٍ﴾ ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر في ((آل عمران))، في قوله: ﴿قَالَ
ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلَّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ﴾
الآية [آل عمران: ٤١]. فدلت الآيتان على أنها
.
ثلاث ليال بأيامهن.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني إلا بالإشارة أو الكتابة،
كما دل عليه قوله هنا: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وقوله في ((آل عمران)):
﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًّا﴾ ... الآية [آل عمران: ٤١]؛ لأن الرمز
الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب، والإيحاء في قوله: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ﴾ ...
الآية، قال بعض العلماء: هو الإشارة وهو الأظهر بدليل قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ كما تقدم
آنفاً، وممن قال بأن الوحي في الآية الإشارة: قتادة، والكلبي، وابن منبه، والعتبي،
كما نقله عنهم القرطبي وغيره. وعن مجاهد، والسدي ﴿فَأَوْعَىَ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] أي
كتب لهم في الأرض، وعن عكرمة: كتب لهم في كتاب. والوحي في لغة العرب يطلق

٦٢٤ -
سورة مريم: الآية (١١)
على كل إلقاء في سرعة وخفاء؛ ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ... الآية [النحل: ٦٨]. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله
تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ﴾ ... الآية، ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر
في هذه الآية الكريمة، وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب، ومنه قول
لبيد بن ربيعة في معلقته :
خلقاً كما ضمن الوحي سلامها
فمدافع الريان عرى رسمها
فقوله: ((الوحي)) بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وحي بمعنى الكتابة.
وقول عنترة :
فأهداها لأعجم طمطمي
كوحي صحائف من عهد كسرى
وقول ذي الرمة:
بقية وحي في بطون الصحائف
سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها
وقول جرير :
كأن أخا الكتاب يخط وحياً
بكاف في منازلها ولام
﴾.
قوله تعالى: ﴿َخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن زكرياء خرج على قومه من المحراب
فأشار إليهم، أو كتب لهم أن سبحوا الله أول النهار وآخره، فالبكرة أول النهار،
والعشي آخره. وقد بين تعالى في ((آل عمران)) أن هذا الذي أمر به زكرياء قومه بالإشارة
أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشياً، أن الله أمر زكرياء به أيضاً، وذلك في قوله: ﴿وَاذْكُر
رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١]. والظاهر أن هذا المحراب الذي
خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله
تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ وَهُوَ قَآَبٌِّ يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قال أبو عبد الله
القرطبي كذفهُ في تفسير هذه الآية: والمحراب: أرفع المواضع، وأشرف المجالس.
وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض، اهـ. وقال الجوهري في صحاحه:
قال الفراء: المحاريب: صدور المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب:
الغرفة. قال وضاح اليمن:
لم ألقها أو أرتقي سلما
ربة محراب إذا جئتها
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧].
وللعلماء أقوال في ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة مستنبطة من الآية
والخلاصة ما قال مقيده رحمه الله يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل وخلاصة
رأي الشيخ فيها: وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأن علو الإمام مكروه لما تقدم.

٦٢٥
سورة مريم: الآيات (١٢ - ١٥) .
ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره، ويدل لهذا
إخباره ﴿ أنه ارتفع على المنبر ليعلمهم الصلاة؛ لأنه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره
إلا من يليه، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر. أما علو
المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة؛ لأن القياس يقتضي كراهة ارتفاع
المأموم قياساً على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي، وإذا تعارض القياس مع قول
الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس، وهو مذهب مالك وجماعة، ومنهم
من يقول بتقديم قول الصحابي، ولا شك أن الأحوط تجنب علو كل واحد من الإمام
والمأموم على الآخر، والعلم عند الله تعالى.
و((أن)) في قوله: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ هي المفسرة، والمعنى أن ما بعدها
يفسر الإيحاء المذكور قبلها، فهذا الذي أشار لهم به هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشياً،
وهذا هو الصواب، ويحتمل أن تكون مصدرية بناء على أن ((أن)) المصدرية تأتي مع
الأفعال الطلبية؛ وعليه فالمعنى أوحى إليهم أي أشار إليهم بأن سبحوا، أي بالتسبيح أو
كتب لهم ذلك بناء على القول بأن المراد به الكتابة، وكونها مفسرة هو الصواب،
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَيَحْيَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا ﴿ وَحَنَانَا مِّن ◌َّدُنَا وَزَكَوَةٌ
وَكَانَ تَقِيًّا ﴿ وَبَرَّ بَوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿ وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ
يُبْعَثُ حَيًّا ﴾﴾. اعلم أولاً أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع
البيان التي تضمنها أن يذكر شيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع
آخر، فإنا نبينها؛ وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك، وأكثرها في الموصوفات من أسماء
الأجناس لا الأعلام، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا، فإذا علمت ذلك،
فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى، وقد ذكر شيئاً من صفاته
أيضاً في غير هذا الموضع، وسنبين - إن شاء الله - المراد بالمذكور منها هنا، والمذكور
في غير هذا الموضع.
اعلم أنه هنا وصفه بأنه قال له: ﴿يَيَحْى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ ووصفه بقوله:
﴿وَءَيْنَهُ الْحُكْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّ﴾، فقوله: ﴿يَيَحْنَى خُذِ اُلْكِتَبَ﴾ مقول قول
محذوف؛ أي وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة، والكتاب: التوراة؛ أي خذ التوراة
بقوة؛ أي بجد واجتهاد، وذلك بتفهم المعنى أولاً حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم
يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب
بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين على أن
المراد بالكتاب هنا: التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل: هو كتاب أنزل
على يحيى، وقيل: هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمة، وقيل: هو صحف إبراهيم،
والأظهر قول الجمهور: إنه التوراة كما قدمنا .

٦٢٦
سورة مريم: الآيات (١٢ - ١٥)
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ﴾ أي أعطيناه الحكم، وللعلماء
في المراد بالحكم أقوال متقاربة، مرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الله أعطاه الفهم في
الكتاب؛ أي إدراك ما فيه والعمل به في حال كونه صبياً. قال ابن كثير تظلّفُهُ في تفسير
هذه الآية: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير
والإكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك: قال
معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا! فلهذا
أنزل الله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾، وقال ابن جرير الطبري تَغْفُ في تفسير هذه الآية
الكريمة: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال
صباه قبل بلوغه أسنان الرجال، وقد حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عبد الله بن
المبارك قال: أخبرني معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية ﴿وَءَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾
قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا، فأنزل الله
﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿اَلْحُكْمَ صَبِيًا﴾ أي الحكمة،
ومنه قول نابغة ذبيان:
واحكم كحكم فتاة الحي إذا نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
وقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية: والحكم النبوة، أو حكم الكتاب،
أو الحكمة، أو العلم بالأحكام، أو اللب وهو العقل، أو آداب الخدمة، أو الفراسة
الصادقة. أقوال.
: قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي، هو أن الحكم العلم النافع
والعمل به، وذلك بفهم الكتاب السماوي فهماً صحيحاً، والعمل به حقاً، فإن هذا
يشمل جميع أقوال العلماء في الآية الكريمة. وأصل معنى ((الحكم)) المنع، والعلم
النافع، والعمل به يمنع الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان.
وقوله تعالى: ﴿صَبِيًّا﴾ أي لم يبلغ، وهو الظاهر. وقيل: صبياً أي شاباً لم يبلغ
سن الكهولة، ذكره أبو حيان وغيره، والظاهر الأول. قيل: ابن ثلاث سنين، وقيل:
ابن سبع، وقيل: ابن سنتين، والله أعلم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف على ﴿اَلْحُكْمَ﴾ أي وآتيناه حناناً
من لدنا، والحنان: هو ما جبل عليه من الرحمة، والعطف والشفقة. وإطلاق الحنان
على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب، ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يا رب،
بمعنى رحمتك، ومن هذا المعنى قول امرئ القيس:
له ملك العراق إلى عمان
أبنت الحارث الملك بن عمرو
ويمنحها بنو شمجي بن جرم معيرهم حنانك ذا الحنان
يعني رحمتك يا رحمن؛ وقول طرفة بن العبد:

٦٢٧
سورة مريم: الآيات (١٢ _ ١٥).
حنانيك بعض الشر أهو من بعض
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
وقول منذر بن درهم الكلبي:
على جانب العلياء إذ أنا واقف
وأحدث عهد من أمينة نظرة
أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقالت حنان ما أتى بك هاهنا
فقوله: ((حنان)) أي أمري حنان؛ أي رحمة لك، وعطف، وشفقة عليك، وقول
الحطيئة أو غيره:
تحنن على هداك المليك فإن لكل مقام مقالاً
وقوله تعالى: ﴿مِن لَُّنَا﴾ أي من عندنا، وأصح التفسيرات في قوله: ﴿وَزَكَوَةٌ﴾ أنه
معطوف على ما قبله أي أو أعطيناه زكاة، أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي
بالطاعة، والتقرب إلى الله بما يرضيه، وقد قدمنا في سورة ((الكهف)) الآيات الدالة على
إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقال أبو عبد الله
القرطبي تَُّ في تفسير هذه الآية ﴿وَزَكَوَةً﴾ الزكاة: التطهير والبركة والتنمية في وجوه
الخير؛ أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم. وقيل: المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما
يزكي الشهود إنساناً. وقيل: ﴿زَكَوَةٌ﴾ صدقة على أبويه؛ قاله ابن قتيبة. انتهى كلام
القرطبي، وهو خلاف التحقيق في معنى الآية. والتحقيق فيه - إن شاء الله - هو ما ذكرنا
من أن المعنى: وأعطيناه زكاة؛ أي طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما
يرضي الله تعالى، وقول من قال من العلماء: بأن المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح،
راجع إلى ما ذكرنا؛ لأن العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ تَفِيًّا﴾، أي ممتثلاً لأوامر ربه مجتنباً
كل ما نهى عنه؛ ولذا لم يعمل خطيئة قط، ولم يلم بها، قاله القرطبي وغيره عن قتادة
وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعاً؛
إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس، وإما بضعف راو، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد
قدمنا معنى ((التقوى)) مراراً وأصل مادتها في اللغة العربية .
وقوله تعالى: ﴿وَبَرَّا بِوَلِدَيْهِ﴾ البر بالفتح هو فاعل البر - بالكسر - كثيراً، أي
وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسناً إليهما، لطيفاً بهما، لين الجانب لهما. وقوله:
﴿وَبَرّا﴾ معطوف على قوله: ﴿تَقِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًا﴾ أي لم يكن
مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعاً لله، متواضعاً لوالديه، قاله ابن
جرير، والجبار: هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم، وكل متكبر على الناس
يظلمهم: فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَّارِينَ (٣)﴾ [الشعراء] وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: ﴿أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى
كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِ الْأَرْضِ﴾ ... الآية [القصص: ١٩].
٠
:

..
٦٢٨
سورة مريم: الآيات (١٢ - ١٥)
والظاهر أن قوله: ﴿عَصِيًا﴾ فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة
التصريفية المشهورة؛ التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
واتصلا ومن عروض عريـا
إن يسكن السابق من واو ويا
وشذ معطى غير ما قد رسما
فياء الواو اقلبن مدغما
فأصل ((عصيا)) على هذا ((عصوياً)) كصبور، أي كثير العصيان، ويحتمل أن يكون
أصله فعيلا وهي من صيغ المبالغة أيضاً، قاله أبو حيان في البحر.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ
حَيًّا ﴾﴾ قال ابن جرير: وسلام عليه أي أمان له. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها
التحية المتعارفة، فهي أشرف من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو
أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في
غاية الضعف والحاجة، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول، انتهى كلام ابن
عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية، ومرجع القولين إلى شيء واحد؛ لأن
معنى سلام، التحية، الأمان، والسلامة مما يكره. وقول من قال: هو الأمان، يعني أن
ذلك الأمان من الله. والتحية من الله معناها الأمان والسلامة مما يكره. والظاهر المتبادر
أن قوله: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ تحية من الله ليحيى ومعناها الأمان والسلامة.
وقوله: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في معنى الدعاء،
وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت
بعثه في قوله: ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ ... الآية؛ لأنها أوحش من غيرها، قال سفيان بن
عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان
فيه، ویوم یموت فیری قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم.
قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها؛ رواه عنه ابن جرير
وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن تخلّفُهُ قال: إن
عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. قال الآخر: استغفر
لي، أنت خير مني، فقال عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي وسلم الله عليك.
وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري - رحمه الله
تعالى - ثم قال: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم، فضل عيسى بأن قال
إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى
في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه، قال ابن عطية: ولكل وجه.
انتهى كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾
الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ
وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَّا (®َ﴾ كما هو ظاهر.

٦٢٩
سورة مريم: الآيات (١٢ _ ١٥)
قال مقيده - عفا الله عنه -: وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد لعاملها، وصف
لصاحبها، وعليه فبعثه مقيد بكونه حياً، وتلك حياة الشهداء، وليس بظاهر كل الظهور،
والله تعالى أعلم.
هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر
بعض صفاته في غير هذا الموضع، كقوله في ((آل عمران)»: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَتِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ
يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيَّنَا مِّنَ الصَّالِحِينَ
(٣)﴾ [آل عمران] ومعنى كونه ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] أنه مصدق بعيسى،
وإنما قيل لعيسى كلمة لأن الله أوجده بكلمة هي قوله: ((كن)) فكان، كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَنُهُ: أَلْقَنهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ... الآية [النساء:
١٧١]. وقال: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ ... الآية [آل عمران:
٤٥]. وهذا هو قول جمهور المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل
عمران: ٣٩] وقيل: المراد بكلمة الكتاب، أي مصدقاً بكتاب الله. والكلمة في القرآن
تطلق على الكلام المفيد، كقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله:
﴿وَثَمَّتْ كَلِمَثُ رَيْكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقوله: ﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَآَيِلُهَا﴾
[المؤمنون: ١٠٠] إلى غير ذلك من الآيات، وباقي الأقوال تركناه لظهور ضعفه. والصواب
- إن شاء الله - هو ما ذكرنا. وقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩] وزن السيد بالميزان
الصرفي ((فيعل)) وأصل مادته (س ود) سكنت ياء الفيعل الزائدة قبل الواو التي هي في
موضع العين، فأبدلت الواو ياء عن القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة:
إن يسكن السابق من واو ويا
البيتين المتقدمين آنفاً. وأصله من السواد وهو الخلق الكثير، فالسيد من يطيعه،
ويتبعه سواد كثير من الناس. والدليل على أن عين المادة واو أنك تقول فيه: ساد يسود
بالواو، وتقول: سودوه، إذا جعلوه سيداً، والتضعيف يرد العين إلى أصلها، ومنه قول
عامر بن الطفيل العامري:
: وفارسها المشهور في كل موكب
وإني وإن كنت ابن سيد عامر
· أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
فما سودتني عامر عن وراثة
وقال الآخر:
وإن بقوم سودوك لحاجة
إلى سيد لو يظفرون بسيد
وشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه، والآية فيها دليل على إطلاق السيد على من ساد
من الناس، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي وه ير قال في الحسن بن علي حدثتًا:
((إن ابني هذا سيد)) الحديث، وأنه لو لما جاء سعد بن معاذ به للحكم في بني قريظة
قال ◌َله: ((قوموا لسيدكم)) والتحقيق في معنى قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] أنه الذي

٦٣٠ -
سورة مريم: الآية (١٦)
حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه، وانقطاعاً لعبادة الله. وكان ذلك
جائزاً في شرعه، وأما سنة النبي ◌ّ فهي التزوج وعدم التبتل، أما قول من قال: إن
الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن،
فليس بصحيح؛ لأن العنة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثني عليه بها .
فالصواب - إن شاء الله - هو ما ذكرنا، واختاره غير واحد من العلماء. وقول من قال:
إن الحضور هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر كما قال الأخطل :
وشارب مربح بالكأس نادمني
لا بالحصور ولا فيها بسوار
قول ليس بالصواب في معنى الآية، بل معناها هو ما ذكرنا وإن كان إطلاق
الحصور على ذلك صحيحاً لغة. وقوله: ((ونبيئاً)) على قراءة نافع بالهمزة معناه واضح،
وهو فعيل بمعنى مفعول، من النبأ وهو الخبر الذي له شأن؛ لأن الوحي خبر له شأن
يخبره الله به. وعلى قراءة الجمهور بالياء المشددة فقال بعض العلماء: معناه كمعنى
قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء التي قبلها. وعلى هذا فهو
كالقراءتين السبعيتين في قوله: ﴿إِنَّمَا الشَِّىُّ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] بالهمزة
وتشديد الياء. وقال بعض العلماء: هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع
لرفعة النبي وشرفه، والصالحون هم الذين صلحت عقائدهم، وأعمالهم، وأقوالهم،
ونياتهم، والصلاح ضد الفساد، وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف
بذلك من الأنبياء في سورة ((الأنعام)) في قوله: ﴿وَزَّكَرِنَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسِّ كُلُّ مِّنَ
الصَّلِحِينَ
[الأنعام].
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرِفِيًّا.
أمر الله - جل وعلا - نبيه ◌َ 18 في هذه الآية الكريمة أن يذكر في الكتاب وهو
القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وقوله: ﴿أَنتَبَذَتْ﴾ أي تنحت عنهم
واعتزلتهم منفردة عنهم. وقوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًا﴾ أي مما يلي شرقي بيت المقدس. وقوله
تعالى في هذه الآية الكريمة: ((إذ)) بَدَلٌ مِن ﴿مَرْيَمَ﴾ بدل اشتمال؛ لأن الأحيان مشتملة
على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه. قاله الزمخشري في الكشاف واعترضه عليه
أبو البقاء وأبو حيان. والظاهر سقوط اعتراضهما، وأن الصواب معه، والله تعالى
أعلم. ولم يذكر هنا شيئاً عن نسب ((مريم)) ولا عن قصة ولادتها، وبين في غير هذا
الموضع أنها ابنة عمران، وأن أمها نذرت ما في بطنها محرراً، تعني لخدمة بيت
المقدس، تظن أنها ستلد ذكراً فولدت ((مريم)). قال في بيان كونها ابنة عمران: ﴿وَمَ
أَبْنَتَ عِمْزَنَ الَِّيَّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ ... الآية [التحريم: ١٢]. وذكر قصة ولادتها في ((آل
عمران)) في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْزَنَ رَبٍّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِيُّ إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٥ فَلَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِّ وَضَبْتُهَا أُنْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَ

٦٣١
سورة مريم: الآيات (١٧ - ١٩).
فَقَبَلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ
كَالْأُنثٌ وَإِي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَنَّا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَرْيَمُ
أَ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران].
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ منصوب لأنه ظرف.
قوله تعالى: ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِمَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾. أظهر الأقوال أن المراد
بقوله: ﴿رُوحَنَا﴾ جبريل. ويدل لذلك قوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٣)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿قُلْ
نَزَّلَهُ رُوعُ الْقُدُسِ مِنْ زَبِّكَ بِالْحَقِ﴾ [النحل: ١٠٢]، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم.
قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًّا﴾. تمثله لها بشراً سوياً المذكور في الآية يدل
على أنه ملك وليس بآدمي، وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ
يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. وهذا الذي
بشرها به هو الذي قال لها هنا: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ وقوله:
﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ حالان من ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا (٣)﴾. ذكر
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها إنه رسول
ربها ليهب لها، أي ليعطيها غلاماً أي ولداً زكياً، أي طاهراً من الذنوب والمعاصي،
كثير البركات، وبين في غير هذا الموضع كثيراً من صفات هذا الغلام الموهوب لها،
وهو عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أَسْمُهُ
اُلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلَا
وَمِنَ الصَّلِينَ ﴾﴾ [آل عمران:] وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ.
وَرَسُولًا إِلَى بَنِىَ إِسْرَِّيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُكُمْ بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَّ ◌َغْلُقُ لَكُمْ مِنَ الِّينِ كَهَيْئَةٍ
اُلَيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَفَ وَأُخْىِ الْمَوْقَ بِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ
بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٨، ٤٩]، إلى غير ذلك من الآيات
المشتملة على صفات هذا الغلام. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون
عنه أيضاً بخلف عنه («ليهب)) بالياء المفتوحة بعد اللام، أي ليهب لك هو، أي ربك
غلاماً زكياً. وقرأ الباقون ((الأهب)) بهمزة المتكلم أي لأهب لك هو أنا أيها الرسول من
ربك غلاماً زكياً. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف
بين العلماء، وأظهر الأقوال في ذلك عندي أن المراد بقول جبريل لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ
رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾؛ أي لأكون سبباً في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي
وصل إلى الفرج، فصار بسببه حملها عيسى، وبين تعالى في سورة ((التحريم)) أن هذا
النفخ في فرجها في قوله تعالى: ﴿وَمَّمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ أَلَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن
رُّوحِنَا﴾ ... الآية [التحريم: ١٢]. والضمير في قوله: ((فيه)) راجع إلى فرجها. ولا ينافي

٦٣٢
سورة مريم: الآية (٢٠)
ذلك قوله تعالى في ((الأنبياء)»: ﴿وَلَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَحْنَا فِيهَمَا مِنْ رُوحِنَا﴾
[الأنبياء: ٩١] لأن النفخ وصل إلى الفرج فكان منه حمل عيسى، وبهذا فسر الزمخشري
في الكشاف الآية
وقال بعض العلماء: قول جبريل ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ حكاية منه لقول الله - جل وعلا -
وعليه فالمعنى إنما أنا رسول ربك، وقد قال لي أرسلتك لأهب غلاماً، والأول أظهر.
وفي الثاني بعد عنّ ظاهر اللفظ. وقال بعض العلماء: جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام
بها من قبله. وبهذا صدر القرطبي في تفسيره. وأظهرها الأول، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَفَ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أٌَ يَغِيًّاً ﴾﴾. ذكر
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن مريم لما بشرها جبريل بالغلام الزكي - عليه
وعلى نبينا الصلاة والسلام - قالت: ﴿أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾ أي كيف ألد غلاماً والحال أني
لم يمسسني بشر، تعني لم يجامعني زوج بنكاح ﴿وَلَمْ أَلُ يَغِيًّا﴾، أي لم أك زانية. وإذا
انتفى عنها مسيس الرجال حلالاً وحراماً فكيف تحمل، والظاهر أن استفهامها استخبار
واستعلام عن الكيفية التي يكون بها حمل الغلام المذكور؛ لأنها مع عدم مسيس الرجال
لم تتضح لها الكيفية. ويحتمل أن يكون استفهامها استفهام تعجب من كمال قدرة الله
تعالى، وهذا الذي ذكر الله - جل وعلا - عنها أنها قالته هنا ذكره عنها أيضاً في سورة
(آل عمران)) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلَا
٤٥
الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِهَا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ
وَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴿٨ قَالَتْ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٧].
واقتصارها في آية ((آل عمران)) على قولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] يدل على
أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس بنكاح والمسيس بزنى، كما هو الظاهر.
وعليه فقولها في سورة ((مريم)): ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ يظهر فيه أن قولها:
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ تخصيص بعد تعميم؛ لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام. وقال
الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ جعل
المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه كقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾
[البقرة: ٢٣٧]، ﴿أَوْ لَمَسْتُ النِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣] والزنى ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر
بها، وخبث بها، وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب، اهـ.
· والأظهر الأول، وآية (آل عمران) تدل عليه، ويؤيده أن لفظة ((بشر)) نكرة في
سياق النفي فهي تعم كل بشر فينتفي مسيس كل بشر كائناً من كان، والبغي: المجاهرة
المشتهرة بالزنى. ووزنه فعول عند المبرد، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما
بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في
عصي ودلي جمع عصا ودلو. كما قدمنا هذا مراراً. والقائل بأن أصل البغي فعول،
يقول: لو كان أصله فعيلاً للحقته هاء التأنيث، لأنها لازمة في فعيل بمعنى فاعل. وقال

٦٣٣
سورة مريم: الآية (٢١) -
ابن جني في كتاب التمام: أصل البغي على وزن فعيل، ولو كان فعولاً القيل بغو؛ كما
قيل: فلان نهو عن المنكر. وعلى هذا القول فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث بأن
البغي وصف مختص بالإناث. والرجل يقال فيه باغ لا بغي؛ كما قاله أبو حيان في
البحر، والأوصاف المختصة بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى
كحائض؛ كما عقدهِ ابن مالك في الكافية بقوله:
وما من الصفات بالأنثى يخص
عن تاء استغنى لأن اللفظ نص
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبٍُّ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾. قد قدمنا تفسير هذه الآية
مستوفى في قصة زكرياء، فأغنى عن إعادته هنا. وقول جبريل لمريم في هذه الآية:
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنَّ﴾؛ أي وستلدين ذلك الغلام المبشر به من غير أن
يمسك بشر، وقد أشار تعالى إلى معنى هذه الآية في سورة في قوله: ﴿قَالَتْ رَبٍّ أَنَّى
يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اَللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَّ إِذَا قَضَقَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ (3)﴾ [آل عمران].
قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّاً وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. ذكر - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة أن من حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية
للناس؛ أي علامة دالة على كمال قدرته، وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء إن شاء
خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل
بجواء كما نص على ذلك في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] أي خلق من تلك النفس
التي هي آدم زوجها حواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر، والأنثى معاً كما فعل بآدم. وإن
شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم، فسبحان الله العظيم القادر على كل
شيء؟ وما ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته
أمه من غير زوج أشار له أيضاً في ((الأنبياء)» بقوله: ﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَا ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾
[الأنبياء: ٩١]، وفي ((الفلاح)) بقوله: ﴿وَحَلْنَا أَبَّنَ مَرْتَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةٌ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ فيه حذف دل المقام
عليه. قال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةُ لِّلنَّاسِ﴾ تعليل معلله محذوف؛ أي
ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك، أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا
ولنجعله آية. ونحوه ﴿وَخَلَقَ اَللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْمَيِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[الجائية: ٢٢]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ اَلْأَرْضِ وَلِتُعَلَّمَهُ﴾ [يوسف: ٢١] اهـ.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَرَحْمَةٌ مِّنَاً﴾ أي لمن آمن به، ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة
لنفسه، كما قال تعالى في نبينا وَّل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ (19)﴾ [الأنبياء]،
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ أي وكان وجود ذلك الغلام منك أمراً مقضياً، أي
مقدراً في الأزل، مسطوراً في اللوح المحفوظ لا بد من وقوعه، فهو واقع لا محالة.

٦٣٤
سورة مريم: الآيتان (٢٢ - ٢٣)
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ
قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا.
قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن مريم حملت عيسى. فقوله:
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي عيسى ﴿فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها ﴿مَكَانًا
قَصِيًّا﴾ أي في مكانٍ بعيد، والجمهور على أن المكان المذكور بيت لحم. وفيه أقوال
أخر غير ذلك، وقوله: ﴿فَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي ألجأها الطلق إلى جذع النخلة، أي جذع
نخلة في ذلك المكان. والعرب تقول: جاء فلان، وأجاءه غيره: إذا حمله على
المجيء، ومنه قول زهير:
وجار سار معتمداً إلينا
أجاءته المخافة والرجاء
:
وقول حسان
فأجأناكم إلى سفح الجبل
إذ شددنا شدة صادقة
والمخاض: الطلق، وهو وجع الولادة، وسمي مخاضاً من المخض، وهو الحركة
الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج.
وقوله: ﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا تَنسِيًّا﴾ تمنت أن تكون قد ماتت
قبل ذلك ولم تكن شيئاً يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين، فاعلم أنه هنا لم يبين
كيفية حملها به، ولم يبينَ هل هذا الذي تنحت عنهم من أجله، وتمنت من أجله أن تكون
ماتت قبل ذلك، وكانت نسياً منسياً: وهو خوفها من أن يتهموها بالزنى، وأنها جاءت
بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا
الموضع، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل
بسبب ذلك، كما قال: ﴿وَمَّمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ أَلَّىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾
[التحريم: ١٢] وقال: ﴿وَالَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ ... الآية
[الأنبياء: ٩١]. والذي عليه الجمهور من العلماء أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها
بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
غُلَمَا زَكِيًّا﴾ كما تقدم، ولا ينافي ذلك إسناد الله - جل وعلا - النفخ المذكور لنفسه في
قوله: ﴿فَنَفَخْنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى
الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك
النفخ؛ ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا
وجود الحمل منه إلا بمشيئته - جل وعلا - أسنده إلى نفسه، والله تعالى أعلم.
وقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب درعها ظاهر السقوط،
بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل.
وقد بين تعالى في مواضع أخر أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة

سورة مريم: الآية (٢٤)
٦٣٥
قد وقعت فيه، ولكن الله برأها، وذلك كقوله عنهم: ﴿قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾
يعنون الفاحشة، وقوله عنهم: ﴿يَأْخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
﴾﴾ يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى
مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا (٢)﴾ [النساء].
وقوله: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ القصي، البعيد، ومنه قول الراجز:
مني ذي القاذورة المقلي
لتقعدن مقعد القصى
· أني أبو ذيالك الصبي
أو تحلفي بربك العلي
وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله: ﴿وَحَعَلْنَا أَبْنَ
مَنْيَمَ وَأُمَّهُزْ ءَايَةً وَمَاوَيْنَهُمَّا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾﴾ [المؤمنون]؛ وقوله في هذه الآية
الكريمة: ﴿فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي انتبذت وهو في بطنها. والإشارة في قوله هذا إلى الحمل
والمخاض الذي أصابها للوضع.
وقوله في هذه الآية الكريمة عنها: ﴿وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ النسي والنسى
- بالكسر والفتح - هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته، كخزق الحيض، وكالوتد
والعصا، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم: انظروا أنساءكم،
جمع نسي، أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا والوتد؛ ونحو
ذلك. فقولها: ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾ أي شيئاً تافهاً حقيراً من حقه أن يترك وينسى عادة.
وقولها: ﴿مَّنِيًّا) تعني أن ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك وينسى قد نسي
وطرح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما
ذكرنا، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت:
ولست بنسي في معد ولا دخل
أتجعلنا جسراً لكلب قضاعة
فقوله: ((بنسي)) أي شيء تافه منسي، وقول الشنفرى:
كان لها في الأرض نسياً تقصه على أمها وإن تحدثك تبلت
فقوله: ((نسياً)) أي شيء تركته ونسيته. وقوله: ((تبلت)) بفتح التاء وسكون الباء
الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث ــ أي تقطع كلامها من الحياء. والبلت في اللغة:
القطع. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿يَلَتَنِى مِتُ﴾ بكسر الميم، وقرأ
الباقون ((مت)) بضم الميم. وقرأ حفص عن عاصم وحمزة ﴿وَكُنتُ نَسْيًا﴾ بفتح
النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان صحيحتان.
وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع لم
نذكرها، لعدم دليل على شيء منها. وأظهرها أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان
منشؤه خارقاً للعادة، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَنَادَنْهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَخْزَبِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
٢٤)

٦٣٦ -
سورة مريم: الآية (٢٤)
اعلم أولاً: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين: قرأه نافع وحفص عن عاصم
وحمزة والكسائي ﴿فَنَادَتْهَا مِن تَحْنِهَا﴾؛ بكسر الميم على أن ((من)) حرف جر، وخفض تاء
تحتها؛ لأن الظرف مجرور بـ((من)). وقرأه ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر وشعبة عن
عاصم، ((فَنَادَاها مَنْ تَحْتَهَا)) بفتح ميم ((من)) على أنه اسم موصول هو فاعل نادى، أي
ناداها الذي تحتها، وفتح (تحتها))، فعلى القراءة الأولى ففاعل النداء ضمير محذوف،
وعلى الثانية فالفاعل الاسم الموصول الذي هو ((من)).
وإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون في هذا المنادي الذي ناداها المعبر
عنه في إحدى القراءتين بالضمير، وفي الثانية بالاسم الموصول من هو؟ فقال بعض
العلماء: هو عيسى. وقال بعض العلماء: هو جبريل. وممن قال: إن الذي نادى مريم
هو جبريل، ابن عباس، وعمرو بن ميمون الأودي، والضحاك، وقتادة، والسدي،
وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وأهل هذا القول قالوا: لم يتكلم عيسى حتى
أتت به قومها .
وممن قال: إن الذي ناداها هو عيسى عندما وضعته، أبي، ومجاهد، والحسن،
ووهب بن منبه، وسعيد بن جبير في الرواية الأخرى عنه، وابن زيد.
:
فإذا علمت ذلك فاعلم أن من قال: إنه الملك يقول: فناداها جبريل من مكان
تحتها؛ لأنها على ربوة مرتفعة، وقد ناداها من مكان منخفض عنها. وبعض أهل هذا
القول يقول: كان جبريل تحتها يقبل الولد كما تقبله القابلة. والظاهر الأول على هذا
القول. وعلى قراءة ((فناداها من تحتها)) بفتح الميم وتاء ((تحتها)) عند أهل هذا القول،
فالمعنى فناداها الذي هو تحتها أي في مكان أسفل مكانها، أو تحتها يقبل الولد كما
تقبل القابلة مع ضعف الاحتمال الأخير كما قدّمنا، أي وهو جبريل. فعلى القراءة
الأولى على هذا القول ((فناداها)) هو أي جبريل من تحتها. وعلى القراءة الثانية ((فناداها
من تحتها)) أي الذي تحتها وهو جبريل. وأما على القول بأن المنادي هو عيسى،
فالمعنى على القراءة الأولى: فناداها هو أي المولود الذي وضعته من تحتها؛ لأنه كان
تحتها عند الوضع. وعلى القراءة الثانية: ((فناداها من تحتها)) أي الذي تحتها وهو
المولود المذكور الكائن تحتها عند الوضع، وممن اختار أن الذي ناداها هو عيسى، ابن
جرير الطبري في تفسيره، واستظهره أبو حيان في البحر، واستظهر القرطبي أنه جبريل.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها
عيسى، وتدل على ذلك قرينتان: الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل
صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل؛
لأن الله قال: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾؛ يعني عيسى ﴿فَأَنتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي بعيسى.
ثم قال بعده: ﴿فَنَادَتهَا﴾؛ فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى، والقرينة

٦٣٧
سورة مريم: الآية (٢٤).
الثانية أنها لما جاءت به قومها تحمله، وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه؛
كما قال تعالى عنها: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا
٢٩٦
وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة
لندائه لها عندما وضعته. وبهذه القرينة الأخيرة استدل سعيد بن جبير في إحدى الروايتين
عنه على أنه عيسى كما نقله عنه غير واحد. و((أن)) في قوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِ﴾؛ هِي
المفسرة، فهي بمعنى أي، وضابط ((أن)) المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه،
كما هنا، فالنداء فيه بمعنى القول دون حروفه ومعنى كونها مفسرة أن الكلام الذي بعدها
هو معنى ما قبلها؛ فالنداء المذكور قبلها هو: لا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً .
واختلف العلماء في المراد بالسري هنا، فقال بعض العلماء: هو الجدول وهو
النهر الصغير؛ لأن الله أجرى لها تحتها نهراً؛ وعليه فقوله تعالى: ﴿فَكُّ﴾؛ أي من
الرطب المذكور في قوله: ﴿َُقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿ وَأَشْرِ﴾؛ أي من النهر المذكور
في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيبًا﴾؛ وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام
العرب؛ ومنه قول لبيد في معلقته:
: مسجورة متجاوراً قلامها
فتوسطا عرض السري وصدعا
وقول لبيد أيضاً يصف نخلاً نابتاً على ماء النهر:
عم نواعم بينهن كروم
سحق يمتعها الصفا وسريه
وقول الآخر:
مثل السري تمده الأنهار
سهل الخليقة ما جد ذو نائل
فقوله ((سريه))؛ وقولهما ((السري)) بمعنى الجدول. وكذلك قول الراجز:
سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهرا
وقال بعض أهل العلم: السري هو عيسى. والسري هو الرجل الذي له شرف
ومروءة؛ يقال في فعله سرو بالضم. وسرا - بالفتح - يسرو سرواً فيهما. وسري -
بالكسر - يسري سري وسراء وسرواً إذا شرف. ويجمع السري هذا على أسرياء على
القياس، وسرواء وسراة بالفتح. وعن سيبويه أن السراة - بالفتح - اسم جمع لا جمع؛
ومنه قول الأفوه الأودي:
ولا سراة إذا جهالنهم سادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ويجمع السراة على سروات؛ ومنه قول قيس بن الخطيم:
تنفح بالمسك أردانها
وعمرة من سروات النساء
ومن إطلاق السري بمعنى الشريف قول الشاعر:
تلقى السري من الرجال بنفسه
وابن السري إذا سرى أسراهما

٦٣٨
سورة مريم: الآية (٢٤)
وقوله ((أسراهما)) أي أشرفهما؛ قاله في اللسان.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر
الصغير، والدليل على ذلك أمران:
أحدهما: القرينة من القرآن، فقوله تعالى: ﴿فَكُلِى وَأَشْرَبِى﴾؛ قرينة على أن ذلك
المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِنَا﴾،
وقوله: ﴿َُقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّا جَنْيًا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَّا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتٍ قَرَارٍ
وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، لأن المعين الماء الجاري، والظاهر أنه الجدول المعبر عنه
بالسري في هذه الآية. والله تعالى أعلم.
ثانيهما: حديث جاء بذلك عن النبي وَله. قال ابن كثير كَّتُهُ في تفسير هذه الآية:
وقد جاء بذلك حديث مرفوع، قال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن
عبد الله البابلي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، سمعت ابن
عمر يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: ((إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ
رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًا﴾، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه)) وهذا حديث غريب جداً من هذا
الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو
زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، انتهى كلام ابن كثير.
وقال ابن حجر كَُّ في ((الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف)) في الحديث
المذكور: أخرجه الطبراني في الصغير، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان،
عن أبي إسحاق، عن البراء عن النبي وَ لّ في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيبًا﴾،
قال: ((السري النهر)). قال الطبراني: لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان، رواه عنه
يحيى بن معاوية وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن
البراء موقوفاً. وكذا ذكره البخاري تعليقاً عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق.
ورواه ابن مردويه من طريق آدم، عن إسرائيل كذلك، وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن
أبي إسحاق موقوفاً. وفي الباب عن ابن عمر ﴿ها قال: ((إن السري الذي قاله لمريم نهر
أخرجه الله لتشرب منه))، أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة، عن
ابن عمر، وراويه عن عكرمة أيوب ابن نهيك ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة، انتهى.
فهذا الحديث المرفوع إلى النبي و 18 وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من
ضعف أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه.
وممن اختار أن السري المذكور في الآية النهر: ابن جرير في تفسيره، وبه قال البراء بن
عازب، وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وسعيد بن
جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسدي، ووهب بن منبه وغيرهم. وممن
قال إنه عيسى: الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر؛ وهو إحدى
الروايتين عن قتادة. وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قاله ابن كثير وغيره.

٦٣٩
سورة مريم: الآيتان (٢٥ - ٢٦)
فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِّى
٢٥
قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
عَيْنٌ﴾. لم يصرح - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل
منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه، ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه
هو ((الرطب الجني)) المذكور، والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه
((بالسري)) كما تقدم هذا هو الظاهر.
وقال بعض العلماء: إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به كان جذعاً يابساً؛ فلما
هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء: كان الجذع جذع نخلة نابتة
إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. وقال بعض
العلماء: كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان
موجوداً. والذي يفهم من سياق القرآن أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق
العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر
موجودين قبل ذلك، سواء قلنا: إن الجذع كان يابساً أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله
أنبت فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَكُلِى
وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنٌ﴾؛ يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة
للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير
النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الريبة، وبذلك
يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن
تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسياً لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو
ظاهر، وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة
فيه. وقد نص الله - جل وعلا - في ((آل عمران)) على خرقه لها العادة في قوله: ﴿كُلَّمَا
دَخَلَ عَلَّهَا زَّكَرِيًّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًّا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهُ
يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف
في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا
المذكور في سورة ((آل عمران)).
مسألة: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُزِىَ إِلَيْكِ
يِدْعِ النَّخْلَةِ﴾ ... الآية، أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعاً وأنه
لا ينافي التوكل على الله - جل وعلا - وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة، أن
الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعاً لا ينافي
التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه
لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله
له من خير أو شر، ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف.
ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِي بَدًا وَسَلَمًا عَلَى إِزَهِيمَ ()﴾

٦٤٠
سورة مريم: الآيتان (٢٥ - ٢٦)
الآية [الأنبياء]. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معانٍ مختلفة، ومع
هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي فيه كائنة برداً وسلاماً
على إبراهيم، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق
السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه
لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته - جل وعلا -.
ومن أوضح الأدلة في ذلك أنه ربما جعل الشيء سبباً لشيء آخر مع أنه مناف له،
كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سبباً لحياته، وضربه بقطعة ميتة
من بقرة ميتة مناف لحياته، إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ وذلك يوضح أنه
- جل وعلا - يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأثير البتة
إلا بمشيئته - جل وعلا -.
ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله قوله تعالى عن يعقوب:
﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْبٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، أمرهم في هذا
الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به؛ لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس
بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في
الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من
أبواب متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين؛ كما قال غير واحد من علماء
السلف، ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَانٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ
مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتٌّ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَّلِ
الْمُتَوَكِّلُونَ (٣)﴾ [يوسف: ٦٧]. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ
وَحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وبين التوكل على الله في قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّثٌ وَّعَلَيْهِ فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[يوسف: ٦٧]، وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته، والله - جل وعلا -
قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز
الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك:
وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ألم تر أن الله قال لمريم
جنته ولكن كل شيء له سبب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا: لو
كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن
خيثم وغيره. والباء في قوله: ﴿وَهُزِىَ إِلَيْكِ يحِذْعِ النَّخْلَةِ﴾؛ مزيدة للتوكيد؛ لأن فعل الهز
يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في
القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لأن
المتبادر من اللغة أن الأصل وهزي إليك جذع النخلة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلَّقُواْ بِأَبْدِيكُ إِلَى