Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سورة الكهف: الآيات (٤١ - ٤٤) - ٢٥٧]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾﴾﴾ [محمد]. وله على الكافرين ولاية الملك والقهر، كما في قوله: ﴿وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. وعلى قراءة حمزة والكسائي فالولاية بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ﴾ ... الآية [الفرقان: ٢٦]، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦]. وعلى قراءة ((الحق)) بالجر نعتاً لله، فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوَا إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ ... الآية [يونس: ٣٠]. وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْحَقُ﴾ ... الآية [يونس: ٣٢]، وقوله: ﴿يَؤْمِذٍ يُوَفِيهِمُ اَللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ٢٥ [النور] إلى غير ذلك من الآيات، وعلى قراءة ((الحق)) بالرفع نعتاً للولاية، على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله: ﴿اَلْتُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ﴾ ... الآية [الفرقان: ٢٦]. وما ذكره - جل وعلا - عن هذا الكافر من أنه لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله - ذكر نحوه عن غيره من الكفار، كقوله في قارون: ﴿فَسَقْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُتَصِرِينَ ﴾﴾ [القصص]، وقوله: ﴿فَا لَهُ مِن قُوَّقِّ وَلَ نَاصِرٍ ﴾﴾ [طارق]، والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال بعض العلماء: هو متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾. وقال بعضهم: هو متعلق بما قبله، فعلى القول الأول فالظرف الذي هو ﴿هُنَالِكَ﴾ عامله ما بعده، أي الولاية كائنة لله هنالك. وعلى الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو ﴿مُنَصِرًا﴾ أي لم يكن انتصاره واقعاً هنالك. وقوله: ﴿هُوَ خَيْرُ نَوَابًا﴾ أي جزاء كما تقدم. وقوله: ((عقباً)) أي عاقبة ومآلا. وقرأه السبعة ما عدا عاصماً وحمزة ((عقباً)) بضمتين. وقراءة عاصم ﴿عُقْبًا﴾ بضم العين وسكون القاف والمعنى واحد. وقوله: ﴿ثَوَابًا﴾ وقوله: ﴿عُقْبًا﴾ كلاهما منصوب على التمييز بعد صيغة التفضيل التي هي ((خير)) كما قال في الخلاصة: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلاً كأنت أعلى منزلا ولفظة: خير وشر كلتاهما تأتي صيغة تفضيل حذفت منها الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال، قال ابن مالك في الكافية: وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر تنبيه: قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فِئَةٌ﴾ محذوف منه حرف بلا خلاف، إلا أن العلماء اختلفوا في الحرف المحذوف؛ هل هو ياء أو واو، وهل هو العين أو اللام؟ قال بعضهم: المحذوف العين، وأصله ياء. وأصل المادة ف ي أ، من فاء يفيء: إذا رجع؛ لأن فئة الرجل طائفته التي يرجع إليها في أموره، وعلى هذا فالتاء عوض عن العين المحذوفة، ووزنه بالميزان الصرفي ((فلة)). وقال بعضهم: المحذوف اللام. وأصله ٥٦٢ سورة الكهف: الآية (٤٦) واو؛ من فأوت رأسه: إذا شققته نصفين، وعليه فالفئة الفرقة من الناس، وعلى هذا فوزنه بالميزان الصرفي ((فعة)) والتاء عوض عن اللام. وكلا القولين نصره بعض أهل العلم، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمْلًا ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثواباً وخير أملا. والمراد من الآية الكريمة: تنبيه الناس للعمل الصالح؛ لئلا يشتغلوا بزينة الحياة الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله من الأعمال الباقيات الصالحات، وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبيناً في آيات أُخر كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَطِيرِ الْمُقَتَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ ﴿قُلْ أَوْنِئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجُ مُّطَهَرَةٌ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِّ وَمَنٍ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ [المنافقون]، وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُو أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ [التغابن]، وقوله: ﴿وَمَّ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِلَِّى تُفَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ الآية [سبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿يَوَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨) إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾﴾ [الشعراء] إلى غيرذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته. وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهو الأعمال التي ترضي الله، سواء قلنا: إنها الصلوات الخمس، كما هو مروي عن جماعة من السلف؛ منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل. أو أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعائشة. قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق أن ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ لفظ عام، يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة، ولا فانية كزينة الحياة الدنيا؛ لأنها أيضاً صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى، وقوله: ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ تقدم معناه. وقوله: ﴿وَخَيْرُ أَمَلًا﴾ أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات، خير مما يؤمله أهل الدنيا من زينة حياتهم الدنيا . ٥٦٣ سورة الكهف: الآية (٤٧) وأصل الأمل: طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في المستقبل، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في ((مريم)): ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (®)﴾ [مريم: ٤٦] والمردّ: المرجع إلى الله يوم القيامة. وقال بعض العلماء: ﴿مَّرَدًّا﴾ مصدر ميمي، أي وخير رداً للثواب على فاعلها، فليست كأعمال الكفار التي لا ترد ثواباً على صاحبها . قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرُ مِنْهُمْ أَحَدًّا (®)﴾ قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب باذكر مقدراً. أو بفعل القول المحذوف قبل قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى﴾ [الأنعام: ٩٤] أي قلنا لهم يوم نسير الجبال: لقد جئتمونا فرادى. وقول من زعم أن العامل فيه ((خير)) يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال، بعيد جداً كما ترى. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن يوم القيامة يختل فيه نظام هذا العالم الدنيوي، فتسير جباله، وتبقى أرضه بارزة لا حجر فيها ولا شجر، ولا بناء ولا وادي ولا علم؛ ذكره في مواضع أُخر كثيرة، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما، ويدكهما دكة واحدة، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ * وَحِدَةٌ ، وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَلَلِْبَالُ فَدُكَنَا دَكَّةً وَحِدَةً ﴿ فَيَؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٣)﴾ [الحاقة]. وما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة، ذكره أيضاً في مواضع أُخر كقوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا جَ وَتَسِيرُ أَلْجِبَالُ سَيًِّ ﴾﴾ [الطور]، وقوله: ﴿وَسُيِرَتِ اِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابً ﴾ [النبأ]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾﴾ [التكوير]، وقوله: ﴿وَتَرَى اَلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُزُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ ... الآية [النمل: ٨٨]. ثم ذكر في مواضع أُخر: أنه - جل وعلا - يفتتها حتى تذهب صلابتها الحجرية وتلين، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش، وكالرمل المتهايل، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَأَلْهُلِ ٨ وَتَكُنُ لَجِبَالُ كَالْعِهْنِ ®﴾ [المعارج]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ الْمَبْئُوثِ ﴿ وَتَكُونُ اُلْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة] والعهن: الصوف. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَاَلْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجَالُ كِبًا مَّهِيلًا (٣)﴾ [المزمل]، وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا ﴾﴾ [الواقعة] أي فتتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، على أشهر التفسيرات. ثم ذكر - جل وعلا - أنه يجعلها هباء وسراباً قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا جَّ فَكَانَتْ هَبَآءُ مُتْبَثًا ﴾﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، وقال: ﴿وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٣)﴾ [النبأ: ٢٠]. وبين في موضع آخر أن السراب عبارة عن لا شيء، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] إلى قوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْحِبَالَ﴾ قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ((تُسيَّرُ الجبال)) ٥٦٤ سورة الكهف: الآية (٤٧) بالتاء المثناة الفوقية وفتح الياء المشددة من قوله: ((تسير)) مبنياً للمفعول. ﴿وَلُلِبَالُ﴾ بالرفع نائب فاعل (تُسَيّر) والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله جل وعلا. وقرأه باقي السبعة ﴿نُسَيِرُ﴾ بالنون وكسر الياء المشددة مبيناً للفاعل، و((الجبال)) منصوب مفعول به، والنون في قوله: ﴿نَُبِرُ﴾ للتعظيم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ البروز: الظهور؛ أي ترى الأرض ظاهرة منكشفة لذهاب الجبال والظراب والآكام، والشجر والعمارات التي كانت عليها. وهذا المعنى الذي ذكره هنا، بينه أيضاً في غير هذا الوضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِى نَسْفًا (٢٥ فَيَذَرُهَا قَامًا صَفْصَفًا ﴿ لَا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتَّا (®﴾ [طه]. وأقوال العلماء في معنى ذلك راجعة إلى شيء واحد، وهو أنها أرض مستوية لا نبات فيها، ولا بناء ولا ارتفاع ولا انحدار. وقول من قال: إن معنى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: أي بارزاً ما كان في بطنها من الأموات والكنوز بعيد جداً كما ترى. وبروز ما في بطنها من الأموات والكنوز دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُدَتْ (٣) وَأَلَقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق]، وقوله تعالى: ﴿﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ ﴾ [العاديات]، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ وَحُصْلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ اُلْقُبُورِ ( أَثْقَالَهَا (٣)﴾ [الزلزلة]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ [الانفطار]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ﴾ أي جمعناهم للحساب والجزاء، وهذا الجمع المعبر عنه بالحشر هنا جاء مذكوراً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَّوْمِ مَّعَلُومٍ ﴿اَللَّهُ لَآَ إِلَّهَ إِلَّا [الواقعة]، وقوله تعالى: ٥٠ هُوٌّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَنَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ الَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُوهٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢]، إلى غير ذلك من الآيات. وبين في موضع آخر أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيٍِ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُم أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ (٨)﴾ [الأنعام]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَمَّ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي لم نترك. والمغادرة: الترك؛ ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء والأمانة. وسمي الغدير من الماء غديراً؛ لأن السيل ذهب وتركه. ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته: أم هل عرفت الدار بعد توهم هل غادر الشعراء من متردم وقوله أيضاً: غادرته متعفراً أوصاله. والقوم بين مجرح ومجدل وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحداً جاء مبيناً في. ٥٦٥ سورة الكهف: الآية (٤٨) مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَوْمَ غَحْشُرُهُمْ جميعًا﴾ ... الآية [الأنعام: ٢٢]، ونحوها من الآيات؛ لأن حشرهم جميعاً هو معنى أنه لم يغادر منهم أحداً. قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفاً، أي في حال كونهم مصطفين. قال بعض العلماء: صفاً بعد صف. وقال بعضهم: صفاً واحداً. وقال بعض العلماء: ((صفاً)) أي جميعاً، كقوله: ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًا﴾ [طه: ٦٤] على القول فيه بذلك. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبي و 8* قال: ((إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم ويسروا جواباً فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب)). قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية. ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه. والحمد لله، انتهى كلام القرطبي. والحديث المذكور يدل على أن ((صفاً)) في هذه الآية يراد به صفوفاً كقوله في الملائكة: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا (٣)﴾ [الفجر]. ونظير الآية قوله في الملائكة: [النبأ]. ٣٨ وَيَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا فإذا علمت أن الله - جل وعلا - ذكر في هذه الآية الكريمة حالاً من أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة، فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء أخر من أحوال عرضهم عليه كقوله: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكٌ خَافِيَةٌ ﴾﴾ [الحاقة]. وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار، وما يقال لهم عند ذلك العرض على ربهم كقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًّا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَيِّهِمَّ أَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآَخِرَةِ ثُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ [هود]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَفًّا﴾ أصله مصدر، والمصدر المنكر قد يكون حالاً على حد قوله في الخلاصة: ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتـة زيد طلع قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ﴾. هذا الكلام مقول قول محذوف، وحذف القول مطرد في اللغة العربية، كثير جداً في القرآن العظيم، والمعنى: يقال لهم يوم القيامة لقد جئتمونا، أي والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد، ولا خدم ولا حشم. ٥٦٦ - سورة الكهف: الآية (٤٨) وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكّتُم ◌َّا خَلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآَةَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَّكَوُاْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿لَقَدْ لَحْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا عَدًّا (@ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَلُ خَلْقٍ ج تُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاً﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] تقدم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا خَلَقْتَكُمْ﴾ ((ما)) مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. وإيضاح تقريره: ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي مجيئاً مثل مجيء خلقكم، أي حفاة عراة غرلاً كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد، وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضاً حالاً، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى؛ لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله: مبدي تأول بلا تكلف ويكثر الجمود في سعر وفي وكر زيد أسداً أي كأسد كبعه مداً بكذا يداً بيد فقوله: ((وكر زيد أسداً أي كأسد)) مثال لمبدي التأول؛ لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابهاً للأسد كما ذكرنا. واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفاً. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جداً، ومنه قول الشاعر: لنحن الألى قلتم فأنى ملئتم برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُونَا﴾ عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل؛ لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جداً في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَ﴾. ومنه قوله: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿وَنُفِغَ فِ اُلْصُورِ﴾، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الزمر: ٧١] وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا . قوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعداً، والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتاً ولا مكاناً لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم للبعث - جاء مبيناً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُعَثُواْ﴾ ... الآية [التغابن: ٧]. وقوله عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ونحو ذلك من الآيات. ٥٦٧ سورة الكهف: الآية (٤٩) وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة؛ كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿بَل لَّهُم قَّوْعِدٌ لَّنِ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾، وقوله: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَنْعَثُنَّ ثُمَّ لَنْنَّوْنَ بِمَا عَمٌِ﴾ ... الآية [التغابن: ٧]، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَِّ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اَللَّهُ مَنِ يَمُوتُ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاً إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقد قدمنا في سورة (البقرة)) وسورة ((النحل)) البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إيطالي كما هو واضح، وأن في قوله: ﴿أَلَّنْ تَجْعَلَ﴾. مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف على حد قوله في الخلاصة: وإن تخفف أن ... البيت. والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي؛ على حد قوله في الخلاصة: وإن يكن فعلاً ولم يكن دعا ... البيتين. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَىَ الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكتاب يوضع يوم القيامة. والمراد بالكتاب: جنس الكتاب؛ فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا. وأن المجرمين يشفقون مما فيه؛ أي يخافون منه، وأنهم يقولون: ﴿يَوَيَِّنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ﴾ أي لا يترك ﴿وَصَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةً﴾ من المعاصي التي عملنا ﴿إِلَّ أَحْصَنهَا﴾ أي ضبطها وحصرها. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَيْرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ مَنْشُورًا ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾ [الإسراء]. وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه. وبعضهم يؤتاه بشماله. وبعضهم يؤتاه وراء ظهره. قال: ﴿وَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ . الآية [الحاقة]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِمِينِ ١٢٥ يَلَيْنَنِى لَوْ أُوْتَ كِنَبِيَهْ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوِىَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِةٍ. ٧ ﴾ [الانشقاق] وقد قدمنا هذا في سورة ((بني وَيَصْلَ سَعِيرًا فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُورًا إسرائيل)). وما ذكره من وضع الكتاب هنا ذكره في ((الزمر)) في قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِتُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحَِّ بِالنَّبِيْئِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ ... الآية [الزمر: ٦٩]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ تقدم معنى مثله في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت﴾ ... الآية. والمجرمون: جمع المجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال. ومعنى كونهم ﴿مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾: أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من ٠٠٠ ٥٦٨ سورة الكهف: الآية (٤٩) كشف أعمالهم السيئة، وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد، وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي. وقولهم: ﴿يَوَيْلَنَّنَا﴾ الويلة: الهلكة، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات، فقالوا: يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري، فهذا أوان حضورك! وقال أبو حيان في البحر: المراد من بحضرتهم، كأنهم قالوا: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله: ﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ﴿بَحَسْرَتَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، وقوله: يا عجبا لهذه الخليقة، فيا عجبا من رحلها المتحمل، إنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادي، انتهى كلام أبي حيان. وحاصل ما ذكره: أن أداة النداء في قوله: ﴿يَوَيَِّنَنَا﴾ [الأنبياء: ١٤] ينادى بها محذوف، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف، والتقدير كما ذكره: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب؛ ومنه قول عنترة في معلقته : يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت على وليتها لم تحرم يعني: يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا ولا زال منهلا بجرعائك القطر : يعني: يا هذه اسلمي. وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ﴾ أي: أي شيء ثبت لهذا الكتاب ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ أي لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي من المعاصي. وقول من قال: الصغيرة القبلة، والكبيرة الزنى، ونحو ذلك من الأقوال في الآية، إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر. وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الأصول. وقد صرح تعالى بأن المنهيات منها كبائر. ويفهم من ذلك أن منها صغائر. وبين أن اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر؛ وذلك في قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآِرَ مَا أُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ... الآية [النساء: ٣١]. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر. وجملة ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ حال من ﴿اُلْكِنَبَ﴾. تنبيه: هذه الآية الكريمة يفهم منها أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنهم وجدوا في كتاب أعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم، فلو كانوا غير مخاطبين بها لما سجلت عليهم في كتاب أعمالهم. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنهم في يوم القيامة يجدون أعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة عليهم. وأوضح هذا أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُّضَّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأْ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقوله تعالى: ٥٦٩ سورة الكهف: الآيتان (٤٩ - ٥٠) ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ ... الآية [يونس: ٣٠]، وقوله: ﴿يُبَّ الْإِنَنُ يَوْتَهِذٍ بِمَا قَدَّمَ [الطارق] إلى غير ذلك من الآيات. وَخَرَ ﴿٢﴾ [القيامة]، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلُِ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لا يظلم أحداً، فلا ينقص من حسنات محسن، ولا يزيد من سيئات مسيء، ولا يعاقب على غير ذنب. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ ﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ اَلنَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حَسَنَةٌ يُضَعِفُهَا وَيُؤْتٍ مِنْ لَّدُنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا (٣)﴾ [النساء]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوَمِ اٌلْقِيَئِمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَتَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأُ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنَ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] والآيات بمثل ذلك كثيرة. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهُ﴾. قدمنا في سورة (البقرة)) أن قوله تعالى: ﴿أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمراً معلقاً على وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزاً بعد وجود آدم، وأنه - جل وعلا - بين في سورة ((الحجر)) وسورة ((ص)) أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه. قال في ((الحجر)): ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِهِ مِنْ رُوحِى لِلْمَلَئِكَةِ إِنّ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ (٨) ﴾ [الحجر] وقال في ((ص)): ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴾ [ص] ولا ينافى هذا أنه بعد فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ وجود آدم جدد لهم الأمر بالسجود له تنجيزاً. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوَأْ﴾ محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ (٣)﴾ [الحجر] ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في («مسلك النص)) وفي ((مسلك الإيماء والتنبيه)) أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَاَلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوْاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] أي لعلة سرقتهما، وكذلك قوله هنا: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ أي لعلة كينونته من الجن؛ لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة؛ لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان ٥٧٠ سورة الكهف: الآية (٥٠) يتعبد معهم، فأطلق عليه اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها. والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه الله شيطاناً، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم - مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال: إن أصله ليس من الملائكة أمران: أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس كما قال تعالى عنهم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوَّلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]. وثانيهما: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة. قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال: إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ إِبْلِسَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم، وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص، ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة؛ ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود: قياماً لديه يعملون بلا أجر وسخر من جن الملائك تسعة قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبَّ﴾ [الصافات: ١٥٨] عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله؛ تفريق عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً! وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري في تفسيره، وقال القرطبي في تفسير سورة ((البقرة)): إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ﴾، اهـ، وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل - كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها . وأظهر الحجج في المسألة حجة من قال: إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِيْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾ ... الآية، وهو أظهر شيءٍ في الموضوع من نصوص الوحي، والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ أي خرج عن طاعة أمر ربه. والفسق في اللغة: الخروج؛ ومنه قول رؤية بن العجاج: ٥٧١ سورة الكهف: الآية (٥٠) - فواسقاً عن قصدها جوائرا يهوين في نجد وغوراً غائراً وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه فلا حاجة لقول من قال: إن ((عن)) سببية، كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] أي بسببه، وأن المعنى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهٍِ﴾، أي بسبب أمره حيث لم يمتثله، ولا غير ذلك من الأقوال. قوله تعالى: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوْ بِئْسَ لِلَِّمِينَ بَدَلَّا﴾ . الهمزة في قوله: ﴿أَفَنَتَّخِذُونَهُ﴾ للإنكار والتوبيخ، ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مراراً، أي أبعد ما ظهر منه من الفسق والعصيان، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم وحواء ــ تتخذونه وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا! بئس للظالمين بدلاً من الله إبليس وذريته! وقال: ﴿لِلَّلِينَ﴾؛ لأنهم اعتاضوا الباطل من الحق، وجعلوا مكان ولايتهم لله ولا يتهم لإبليس وذريته. وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه؛ كما تقدم مراراً. والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام، وتقديره: بئس البدل من الله إبليس وذريته. وفاعل (بئس)) ضمير محذوف يفسره التمييز الذي هو ﴿بَدَلًا﴾ على حد قوله له في الخلاصة: ويرفعان مضمراً يفسره مميز كنعم قوماً معشره والبدل: العوض من الشيء، وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من عداوة الشيطان لبني آدم جاء مبيناً في آيات أخر كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. وكذلك الأبوان، كما قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَّعَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوِْكَ فَلَ يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْفَىَ (V) ﴾ [طه]. وقد بين في غير هذا الموضع أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء بدلاً من ولاية الله يحسبون أنهم في ذلك على حق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَّهُم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وبين في مواضع أخر أن الكفار أولياء الشيطان؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّاغُوتِ فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَِّنِّ﴾ ... الآية [النساء: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَةٍ فَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ (٢٥)﴾ [آل عمران]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ دليل على أن للشيطان ذرية، فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى. وكل ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك! ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره. لا دليل عليها من نص صريح، والعلماء مختلفون فيها. ومن أراد الوقوف على أقوالهم في المسألة فليرجع إلى الأصل: ٥٧٢ سورة الكهف: الآيتان (٥١ - ٥٢) قوله تعالى: ﴿ََّ أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِينَ عَضُدًا ﴾﴾، التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة أن الله يقول: ما أشهدت إبليس وجنوده؛ أي ما أحضرتهم خلق السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق أنفسهم، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين به على خلقه، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معينٍ ولا ظهير! فكيف تصرفون لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء !. وهذا المعنى الذي أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده جاء مبيناً في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيراً منها في مواضع متعددة كقوله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [النحل] وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَبَهَ اْخَلْقُ عَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَحِدُ الْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ الَّهِّ فَأَرُوِيِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ. بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَلِ نُبِينٍ ﴾﴾ [لقمان]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمْ شِرْلٌ فِ السَّمَوَتِ﴾ ... الآية [فاطر: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَعَيْتُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ السَّمَوَنِّ﴾ الآية [الأحقاف: ٤]، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مراراً، وقال بعض العلماء: ﴿وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ أي ما أشهدتهم خلق أنفسهم بل خلقتهم على ما أردت وكيف شئت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾ فيه الإظهار في محل الإضمار؛ لأن الأصل الظاهر وما كنت متخذهم عضداً كقوله: ﴿مَّ أَشْهَدَتُهُمْ﴾ والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار هي ذمه تعالى لهم بلفظ الإضلال. وقوله: ﴿عَضُدًا﴾ أي أعواناً. وفي هذه الآية الكريمة التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. والمعنى المذكور أشير له في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيًّا لِلْمُجْرِمِنَ (٣)﴾ [القصص] والظهير: المعين. والمضلون: الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق. وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَوْبِقًا ﴾﴾. أي واذكر يوم يقول الله - جل وعلا - للمشركين الذين كانوا يشركون معه الآلهة والأنداد من الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله توبيخاً لهم وتقريعاً : نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء معي، فالمفعولان محذوفان؛ أي زعمتموهم شركاء لي كذباً وافتراء؛ أي ادعوهم واستغيثوا بهم لينصروكم ويمنعوكم من عذابي، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: من عدم استجابتهم لهم إذا دعوهم يوم القيامة جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى في سورة ((القصص)): ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُرْ ؟ سورة الكهف: الآية (٥٢) ٥٧٣ تَزْعُمُونَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآَ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنًا تَبَأْنَا إِلَيْكٌَ مَا كَانَوَاْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ ﴿ وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَتَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَ يَسْتَجِيبُواْ لَمُمْ وَرَأَوْ اُلْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ [القصص]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيٍِ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكُنْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾﴾ [فاطر]، وقوله: ﴿وَمَّنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَبِهِمِ غَفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ (٣)﴾ [الأحقاف]، وقوله: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزّاً ) كَلَّ سَيَّكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَّيْهِمْ ضِذًّا (3﴾﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِحِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيكُمْ شُرَّكَوْ لَقَد ◌َّقَطَّعَ بَيْتَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُم مَّا كُمْ تَزْعُمُونَ (®﴾ [الأنعام]، والآيات في تبرئهم منهم يوم القيامة، وعدم استجابتهم لهم كثيرة جداً. وخطبة الشيطان المذكورة في سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَّ وَوَعَدِّقُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِ كَفَرْتُ بِمَّآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] من قبيل ذلك المعنى المذكور في الآيات المذكورة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعْنَا بِينُهُم مَّوْقًا﴾ اختلف العلماء فيه من ثلاث جهات: الأولى: في المراد بالظرف الذي هو ((بين)). والثانية: في مرجع الضمير. والثالثة: في المراد بالموبق، وسنذكر هنا أقوالهم، وما يظهر لنا رجحانه منها - إن شاء الله تعالى -. أما الموبق فقيل: المهلك. وقيل: واد في جهنم. وقيل: الموعد. قال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمُ قَوْيِقًا﴾ يقول: مهلكاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿مَوْبِقًا﴾ يقول: مهلكاً. قال أيضاً: واد في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الجرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن أنس في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم قَوْبِقًا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله: ﴿وَحَعَلْنَا بَيْنَهُم قَوْبِقًا﴾ قال: هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال: الموبق الذي ذكر الله: واد في النار، بعيد القعر، يفرق الله به يوم القيامة بين أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿قَّوْبِقًا﴾ قال: هو نهر يسيل ناراً على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها، وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها: غليظ، وموبق، وأثام، وغي. انتهى كلام صاحب الدر المنثور. ٥٧٤٠ سورة الكهف: الآية (٥٢) ونقل ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة، أن الموبق الموعد، واستدل لذلك بقول الشاعر: وحاد شروري والستار فلم يدع تعاراً له والواديين بموبق يعني بموعد. والتحقيق أن الموبق المهلك، من قولهم: وبق يبق، كوعد يعد: إذا هلك. وفيه لغة أخرى وهي وبق يوبق كوجل يوجل. ولغة ثالثة أيضاً وهي: وبق يبق كورث يرث. ومعنى كل ذلك: الهلاك. والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق. ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس. وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [الشورى: ٣٤] أي يهلكهن، ومنه الحديث: ((فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها)) وحديث ((السبع الموبقات)) أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير: ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق وقول من قال: إن الموبق العداوة، وقول من قال: إنه المجلس - كلاهما ظاهر السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا .. وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة ((بين)) فعلى قول الحسن ومن وافقه: أن الموبق العداوة، فالمعنى واضح؛ أي وجعلنا بينهم عداوة؛ كقوله: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِدٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ... الآية [الزخرف: ٦٧]، وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ ... الآية [العنكبوت: ٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء: المراد بالبين في الآية: الوصل؛ أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكاً لهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ وَرَأَوْا ﴾ [البقرة] أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا . الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وكما قال: ﴿كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨)﴾ [مريم]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَوْبِقًا﴾: جعلنا الهلاك بينهم؛ لأن كلا منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَن يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى لَلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف]، وقوله: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد .. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْهُمْ قَّوْبِقًا﴾؛ أي بين المؤمنين والكافرين مويقاً، أي مهلكاً يفصل بينهم، فالداخل فيه، في هلاك، والخارج عنه في عافية. وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى: وجعلنا بين الكفار ٥٧٥ سورة الكهف: الآية (٥٣) وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقاً؛ أي مهلكاً، لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ ظَلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقوله: ﴿لَهُم مِّن جَهَتَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقاً، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله: ((بينهم)) قيل: راجع إلى أهل النار. وقيل: راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معاً. وقيل: راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهر السياق عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ ثم قال مخبراً عن العابدين والمعبودين: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمُ قَوْيِقًا﴾ أي مهلكاً يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا المعنى كقوله: ﴿وَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَرَيِّْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ... الآية [يونس: ٢٨]؛ أي فرقنا بينهم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية. وقرأه حمزة ((نقول)) بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أي يقول هو؛ أي الله. قوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ١٥٣ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها، والظن في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون بالواقع؛ كقوله عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة]، وكقوله: ﴿فَكَتَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنًا﴾ ... الآية [مريم: ٣٨]. ومن إطلاق الظن على اليقين قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾﴾ [البقرة] أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم ◌ُلَقُواْ اللَّهِ كَم ◌ِّنْ فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَتْ فِئَةً كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أُوَِ كِنَبَهُ بِعِينِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَةِ ﴿﴿ إِّ ◌َنَنْتُ أَنّى مُلَقٍ حِسَابِيَة [الحاقة] فالظن في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين. والعرب تطلق الظن على اليقين وعلى الشك. ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد بن الصمة: سراتهم في الفارسي المسرد فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج وقول عميرة بن طارق: ٥٧٦ سورة الكهف: الآية (٥٤) بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيباً مرجماء ... وقد ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المجرمين يرون النار، وبين في موضع آخر أنها هي تراهم أيضاً، وهو قوله تعالى: ﴿بَلِّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (٣)﴾ [الفرقان]. وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد اصطلاح للأصوليين والفقهاء. ولا مشاحة في الاصطلاح. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ المصرف: المعدل، أي ولم يجدوا عن النار مكاناً ينصرفون إليه ويعدلون إليه، ليتخذوه ملجأ ومعتصماً ينجون فيه من عذاب الله. ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان، قول أبي كبير الهذلي: أزهير هل عن شيبةٍ من مصرفٍ أم لا خلود لباذل متكلف ... وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ من رأى البصرية، فهي تتعدى لمفعول واحد، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظراً لتحقق الوقوع، فكأن ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما تقدم مراراً. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ٠ (٥٤) قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي رددنا وكثرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس؛ ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا؛ فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل: هو القول الغريب السائر في الآفاق، وضرب الأمثال كثير في القرآن جداً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِيٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] ومن أمثلة ضرب المثل فيه ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِ﴾ ... الآية [الحج: ٧٣]، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبٍ إِن تَحْمِلْ عَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ نَايَئِنَاً فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٨) سَلَّ مَثَلً اٌلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٦، ١٧٧]، وكقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوْهَا كَمَثَلِ اَلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَتِ الهِ﴾ ... الآية [الجمعة: ٥]، وقوله: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَنْ زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْتَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا زَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا بَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى ٥٧٧ سورة الكهف: الآية (٥٤) هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِلْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل]، وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أُفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ ... الآية [الروم: ٢٨]. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً، وفي هذه الأمثال وأشباهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جداً، لا لبس في الحق معها؛ إلا أنها لا يعقل معانيها إلا أهل العلم كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، ومن حكم ضرب المثل أن يتذكر الناس كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قوماً، ويضل بها قوماً آخرين؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاْ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ بَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِءَ إِلَّا اَلْفَسِقِينَ (٣)﴾ [البقرة]، وأشار إلى هذا المعنى في سورة ((الرعد)»؛ لأنه لما ضرب المثل بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَعَلَ اَلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًّاً وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَآءَ عِيَةٍ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلَّ فَأَمَا الزََّدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٍ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ (٣)﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَبَابُواْ لِرَتِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنََّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَمُ مَعَهُ لَأَقْتَدَوْاْ بِهَِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوْءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ وَيَتْسَ لِلْهَادُ ﴾﴾ [الرعد). ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق، وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق. فالفريق الأول: هم الذين قال الله فيهم ﴿وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾، والفريق الثاني: هم الذين قال فيهم: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا﴾ وقال فيهم: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهَِ إِلَّ اٌلْفَسِفِينَ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ قال بعض العلماء: مفعول ((صرفنا)) محذوف، تقديره: البينات والعبر. وعلى هذا فـ((من)) لابتداء الغاية؛ أي ولقد صرفنا الآيات والعبر من أنواع ضرب المثل للناس في هذا القرآن ليذكروا، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام؛ ولذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر، ثم قال: وقال ابن عطية: يجوز أن تكون ((من)) زائدة للتوكيد؛ فالتقدير: ولقد صرفنا كل مثل؛ فيكون مفعول ((صرفنا)): ((كل مثل)) وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش، لا على مذهب جمهور البصريين. انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط. وقال الزمخشري: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه اهــ وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها: هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره؛ لأن النظير يعرف بنظيره. وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكوراً في آيات أخر كقوله في ((الإسراء)»: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى ٥٧٨ سورة الكهف: الآية (٥٤) (٨٩)﴾ [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا صَرَّقْنَا فِىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذْكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّ نُفُورًا ﴾﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنَزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (٣)﴾ [طه] وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلِ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴿ قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عَوَجَ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ٢٨) [الزمر]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَيِن جِئْتَهُم بَِّايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ﴾﴾ [الروم]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً . وقوله في هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحداً بعد واحد، ﴿جَدَلاً﴾ أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق. ومن الآيات الدالة على خصومة الإنسان بالباطل الإدحاض الحق - قوله هنا: ﴿وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْمَنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَلَّجُونَ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ مُجَّنُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ... [الشورى: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُبِينٌ (3)﴾ [يس]، وقوله تعالى: ◌ْخَلَقَ الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [النحل]، إلى غير ذلك من الآيات. وما فسرنا به قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ ثَوْءٍ جَدَلًا﴾ من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السياق الذي نزلت فيه الآية الكريمة؛ لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم، بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذْكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١]، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فلما أتبع ذلك بقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصومة والمراء الإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل، ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى، ولأجل هذا لما طرق النبي ( * علياً وفاطمة ها ليلة فقال: ((ألا تصليان))؟ وقال علي رضاه: يا رسول الله ( 8﴿ إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف النبي و لم راجعاً وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده ﴿ الآية على قول علي رضابه: ((إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا)) - دليل على عموم الآية الكريمة، وشمولها لکل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق، كقوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقوله: ((جدلا)) منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة: . مفضلا كانت أعلى منزلا والفاعل المعنى انصبن بأفعلا. ٥٧٩ سورة الكهف: الآية (٥٥). وقوله: ﴿أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلاً كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله: وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيراً وأن يوحدا وقال ابن جرير تغذّثُ في تفسير هذه الآية الكريمة مبيناً بعض الآيات المبينة للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة، بعد أن ساق سنده إلى ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ قال: الجدل الخصومة، خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاؤوا به. وقرأ: ﴿مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وقرأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، وقرأ: ((حتى توفى)) الآية، ﴿وَلَوَّ نَزَّْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيَدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ شِيرٌ [الأنعام]، وقرأ: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا ٧ سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ [الحجر] انتهى من تفسير الطبري. ولا شك أن هذه الآيات التي ذكر عن ابن زيد أنها مفسرة لجدل الإنسان المذكور في الآية أنها كذلك، كما قدمنا أن ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول، والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة في القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَن تَأْنَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم، وكلاهما تدل على مقتضاه آيات من كتاب الله تعالى، وأحد الوجهين أظهر عندي من الآخر. الأول منهما: أن معنى الآية: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إذا جاءتهم الرسل بالبينات الواضحات، إلا ما سبق في علمنا: من أنهم لا يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين، أي سنتنا في إهلاكهم بالعذاب المستأصل .. أو يأتيهم العذاب قبلاً. والظاهر أن ((أو)) في هذه الآية مانعة خلو، فهي تجوز الجمع لإمكان إهلاكهم بالعذاب المستأصل في الدنيا كسنة الله في الأولين من الكفار، وإتيان العذاب إياهم يوم القيامة قبلاً. وعلى هذا القول فالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة ـَ وَلَوَ جَاءَتْهُمْ جداً كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ كُلُّ مَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ اُلْأَلِيمَ ﴿4﴾ [يونس]، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِىِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤِْنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصُ عَلَى هُدَدُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ ﴾ [النحل]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ( لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَّ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة. ٥٨٠ سورة الكهف: الآية (٥٥) القول الثاني: أن في الآية الكريمة مضافاً محذوفاً، تقديره: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلبهم أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلاً. والآيات الدالة على طلبهم الهلاك والعذاب عناداً وتعنتاً كثيرة جداً، كقوله عن قوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴾ [الشعراء]، وكقوله ٢٢ عن قوم هود: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَلِتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ [الأحقاف]، وكقوله عن قوم صالح: ﴿وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ اُلْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] وكقوله عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وكقوله عن قوم نوح: ﴿قَالُواْ ﴾ [هود]. يَنُوُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ فهذه الآيات وأمثالها في القرآن، ذكر الله فيها شيئاً من سنة الأولين: أنهم يطلبون تعجيل العذاب عناداً وتعنتاً. وبين تعالى أنه أهلك جميعهم بعذاب مستأصل، كإهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم لوط بجعل عالي قراهم سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، كما هو مفصل في الآيات القرآنية. وبين في آيات كثيرة أن كفار هذه الأمة كمشركي قريش سألوا العذاب كما سأله من قبلهم كقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (®﴾ [الأنفال]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عِل ◌َّنَا قِطّنَا [ص] وأصل القط: كتاب الملك الذي فيه الجائزة، وصار يطلق قَبْلَ یَوْمِ الْحِسَابِ على النصيب. فمعنى: ﴿عَجِّل لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] أي نصيبتا المقدر لنا من العذاب الذي تزعم وقوعه بنا إن لم نصدقك ونؤمن بك، كالنصيب الذي يقدره الملك في القط الذي هو كتاب الجائزة، ومنه قول الأعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق وقوله: ((يأفق)» أي يفضل بعضاً على بعض في العطاء. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والقول الأول أظهر عندي؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر. والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ تَأْنَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ﴾ ... الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (@)﴾ [الإسراء] بما حاصله باختصار أن المانع المذكور في سورة ((الإسراء)» مانع عادي يجوز تخلفه؛ لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز تخلفه لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك الاستغراب؛ فالحصر في قوله تعالى: ﴿وَمَا ﴾ [الإسراء] حصر مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَّعَثَ اللَّهُ بَشَرًا زَّسُولًا