Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سورة الإسراء: الآية (٤٥) ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول؛ لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (2)﴾. فى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير: الأول: أن المعنى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً؛ أي حائلاً وساتراً يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه لئلا يفقهوه فينتفعوا به. وعلى هذا القول، فالحجاب المستور هو ما حجب الله به قلوبهم عن الانتفاع بكتابه، والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة؛ كقوله: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مَِّّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيِّ ءَإِذَاِنَا وَقّرٌ (٥)﴾ [فصلت]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ [البقرة: ٧]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧]. إلى غير ذلك من الآيات، وممن قال بهذا القول في معنى الآية قتادة والزجاج وغيرهما . الوجه الثاني في الآية: أن المراد بالحجاب المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه، قال صاحب (الدر المنثور) في الكلام على هذه الآية: أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه؛ وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر ﴿هَا قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول: مذمما أبينا ... ودينه قلينا ... وأمره عصينا ورسول الله ﴿ جالس، وأبو بكر به إلى جنبه، فقال أبو بكر به: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك؟ فقال: ((إنها لن تراني)) وقرأ قرآناً اعتصم به؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيِّنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (﴾﴾. فجاءت حتى قامت على أبي بكر ظه فلم تر النبي ﴿ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني!؟ فقال أبو بكر ظه: لا ورب هذا البيت ما هجاك. فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها، إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى. وقال أبو عبد الله القرطبي تَغْلَفُ في تفسير هذه الآية، بعد أن ساق بعض الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا، وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله (يعنون شيطاناً) وأعمى الله - عز وجل - أبصارهم فلم يروني، اهـ وقال القرطبي: إن هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى. ٤٨٢ سورة الإسراء: الآية (٤٦) وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل؛ أي حجاباً ساتراً، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِن مَّآوِ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق ﴿عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي مرضية، فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق ((مجازاً عقلياً))، ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية، قولهم: ميمون ومشئوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم: قوله ﴿َسْتُورًا﴾ على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول؛ لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه، أو مستوراً به القارئ فلا يراه غيره؛ واختار هذا أبو حيان في (البحر)، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَأْ ﴾ . بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه جعل على قلوب الكفار أكنة، (جمع كنان) وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه، لئلا يفقهوا القرآن، أو كراهة أن يفقهوه الحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن؛ أي فهم معانيه فهماً ينتفع به صاحبه، وأنه جعل في آذانهم وقراً أي صمماً وثقلاً لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع. وبيّن في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمَّ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقوله: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ= أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً﴾ [البقرة: ١٠]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (19)﴾ [التوبة]، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه: في هذه الآية الكريمة الرد الواضح على القدرية في قولهم: إن الشر لا يقع بمشيئة الله، بل بمشيئة العبد؛ سبحان الله وتعالى علواً كبيراً عن أن يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته! ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ نُفُورًا﴾ . بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن نبيه وَ ل﴿وإذا ذكر ربه وحده في القرآن بأن قال: ((لا إله إلا الله)) ولّى الكافرون على أدبارهم نفوراً، بغضاً منهم لكلمة التوحيد، ومحبة للإشراك به - جل وعلا -. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، مبيناً أن نفورهم من ذكره وحده - جل وعلا - سبب خلودهم في النار، كقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ آشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٤٨٣ سورة الإسراء : الآيتان (٥٦ - ٥٧) 60﴾ [الزمر]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ. بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (3﴾﴾ [غافر]، وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُّوْاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْثُونَ (٢٥) وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونٍ (٣)﴾ [الصافات]، وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَيْتُنَا بَيِنَتٍ تَعْرِفُ فِىِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِمَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (9َ)﴾ [فصلت]. وقوله في هذه الآية: ﴿نُفُورًا﴾ جمع نافر؛ فهو حال؛ أي ولوا على أدبارهم في حال كونهم نافرين من ذكر الله وحده من دون إشراك. والفاعل يجمع على فعول کساجد وسجود، وراکع ورکوع. وقال بعض العلماء: ((نفوراً)) مصدر، وعليه فهو ما ناب عن المطلق من قوله: ؛ لأن التولية عن ذكره وحده بمعنى النفور منه. قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِيْنَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَتْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُؤْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌّ ٥٦٦ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَخْذُورًا (63)﴾. بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المعبودين من دون الله الذين زعم الكفار أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف الضر عن عابديهم؛ أي إزالة المكروه عنهم، ولا تحويلاً؛ أي تحويله من إنسان إلى آخر، أو تحويل المرض إلى الصحة، والفقر إلى الغنى، والقحط إلى الجدب ونحو ذلك، ثم بيّن فيها أيضاً أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون الله يتقربون إلى الله بطاعته، ويبتغون الوسيلة إليه، أي الطريق إلى رضاه ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم. قال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم، كانوا يعبدون رجالاً من الجن، فأسلم الجثيون وبقي الكفار يعبدونهم فأنزل الله: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ... الآية، وعن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا يعبدون عزيراً والمسيح وأمه، وعنه أيضاً، وعن ابن مسعود، وابن زيد، والحسن: أنها نزلت في عبدة الملائكة. وعن ابن عباس أنها نزلت في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه. وهذا المعنى الذي بينه - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده، وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له - جل وعلا - بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله ((في سبأ) ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ◌َظَهِيرٍ تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] وقوله ((في الزمر)): ﴿أَفََّيْتُم مَّا (مَثَ وَلَا ٤٨٤ سورة الإسراء: الآية (٥٨) تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَثِفَتُ ضُرٍِّ أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُرَّـ مُنْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَُّونَ﴾ [الزمر: ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا ((في سورة المائدة)) أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة ((وفي آية المائدة)» هو التقرب إلى الله بالعمل الصالح، ومنه قول لبيد: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ··· بلى كل ذي لب إلى الله واسل وقد قدمنا ((في المائدة)) أن التحقيق أن قول عنترة: إن يأخذوك تكحلي وتخضبي إن الرجال لهم إليك وسيلة من هذا المعنى، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل، كقوله: وعاد التصافي بيننا والوسائل إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وأصح الأعاريب في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أنه بدل من واو الفاعل في قوله: ﴿ يَبْنَغُونَ﴾ وقد أوضحنا هذا ((في سورة المائدة)) بما أغنى عن إعادته هنا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا (٥٦). قال بعض أهل العلم: في هذه الآية الكريمة حذف الصفة - أي وإن من قرية ظالمة إلا نحن مهلكوها - وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله تعالى؛ كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَىِّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (٢)﴾ [الأنعام]؛ أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَفْسِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا ثُكْرًا ﴿﴿ فَذَاقَتْ وَبَلَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَفْرِهَا خُمْرًا ﴾﴾ [الطلاق] إلى غير ذلك من الآيات، وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُ مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي كل سفينة صالحة؛ بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها؛ لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة، ومن حذف النعت قوله تعالى: ﴿قَالُواْ الْكَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ [البقرة: ٧١]، أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر: ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد أي فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص: فعل ومن نائله نـائـل من قوله قول ومن فعله أي قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله : ٤٨٥ سورة الإسراء: الآيتان (٥٩ - ٦٠) .. ومنا من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل وقال بعض أهل العلم: الآية عامة، فالقرية الصالحة إهلاكها بالموت، والقرية الطالحة إهلاكها بالعذاب، ولا شك أن كل نفس ذائقة الموت، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، والمسطور: المكتوب، ومنه قول جرير: من شاء بايعته مالى وخلعته ما تكمل التيم في ديوانها سطرا وما يرويه مقاتل عن كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية من أن مكة تخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف، وأما خراسان فهلاكها ضروب، ثم ذكر بلداً بلداً لا يكاد يعول عليه؛ لأنه لا أساس له من الصحة، وكذلك ما يروى عن وهب بن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة. فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يد رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع، وخراب الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشراب من الفرات، وخراب البصرة من قبيل الغرق، وخراب الأبلة من عدو يحصرهم براً وبحراً، وخراب الري من الديلم، وخراب خراسان من قبل التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، اهـ كل ذلك لا يعول عليه؛ لأنه من قبيل الإسرائيليات. قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾. بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه آتى ثمود الناقة في حال كونها آية مبصرة، أي بينة تجعلهم يبصرون الحق واضحاً لا لبس فيه فظلموا بها، ولم يبين ظلمهم بها ها هنا، ولكنه أوضحه في مواضع أخر كقوله: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَفَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وقوله: ﴿فَنَادَوَأْ صَاحِكُمْ فَعَاطَى فَعَقَرَ (٣)﴾ [القمر]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. بَيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أخبر نبيه وسلم أنه أحاط بالناس؛ أي فهم في قبضته يفعل فيهم كيف يشاء فيسلط نبيه عليهم ويحفظه منهم. قال بعض أهل العلم: ومن الآيات التي فصلت بعض [القمر]، وقوله : ٤٥ اَلْجَمْعُ التفصيل فى هذه الإحاطة قوله تعالى: الدَّبُرَ زَمُ نَ ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٢]، وقوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧]. وفي هذا أن هذه الآية مكية، وبعض الآيات المذكورة مدني، أما آية القمر وهي قوله: ﴿سَيُهْزَمُ لْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] الآتية فلا إشكال في البيان بها لأنها مكية. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّغْيَا أَلَِّىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى ٤٨٦ سورة الإسراء: الآيتان (٦٠ - ٦١) الْقُرْءَانِ﴾. التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة أن الله - جل وعلا - جعل ما أراه نبيه ة من الغرائب والعجائب ليلة الإسراء والمعراج فتنة للناس؛ لأن عقول بعضهم ضاقت عن قبول ذلك، معتقدة أنه لا يمكن أن يكون حقاً، قالوا: كيف يصلي ببيت المقدس، ويخترق السبع الطباق، ويرى ما رأى في ليلة واحدة، ويصبح في محله بمكة؟ هذا محال! فكان هذا الأمر فتنة لهم لعدم تصديقهم به، واعتقادهم أنه لا يمكن، وأنه - جل وعلا - جعل الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم فتنة للناس؛ لأنهم لما سمعوه وَلا يقرأ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىَ أَصْلِ الْجَحِيمِ (﴾﴾ [الصافات] قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار؟ فصار ذلك فتنة، وبيّن أن هذا هو المراد من كون الشجرة المذكورة فتنة لهم بقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِ أَصْلِ الْجَحِيمِ ◌ُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ (٨٧) إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِلِِّمِينَ (٤) [الصافات]، وهو واضح كما ترى، وأشار في موضع آخر إلى الرؤيا التي جعلها فتنة لهم، وهو قوله: ﴿أَفَتُعُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُتَغَى عِندَهَا جَنَّةُ الْأَوَى ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (٨٧) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَنَى ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَلَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾﴾ [النجم]. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة، وبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن الرؤيا التي أراه الله إياها هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره، وإن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية لا يعول عليه؛ إذ لا أساس له من الصحة، والحديث الوارد بذلك ضعيف لا تقوم به حجة، وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، وأصل النار بعيد من رحمة الله، واللعن: الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث صفاتها التي وصفت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًاً ﴾﴾. قوله تعالى في هذه الآية عن إبليس: ﴿وَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه واستكباره عن السجود لمخلوق من طين، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر، فصرح بهما معاً ((في البقرة)) في قوله: ﴿إِلَّ ◌ِسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] وصرح بإبائه ((في الحجر)) بقوله: ﴾ [الحجر]، وباستكباره في ((ص)) بقوله: ﴿إِلَّ ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ أَ أَن يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ إِيْلِيسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَنَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ ﴾﴾ [ص] وبين سبب استكباره بقوله: ﴿أَنَّأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَِ مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ١٦] كما تقدم إيضاحه في ((البقرة))، وقوله: ﴿طيبًا﴾ حال؛ أي لمن خلقته في حال كونه طيناً، وتجويز الزمخشري كونه حالاً من نفس الموصول غير ظاهر عندي. وقيل: منصوب بنزع الخافض؛ أي من طين، وقيل: تمييز، وهو أضعفها. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَبَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ٤٨٧ سورة الإسراء: الآيتان (٦٢ - ٦٣) ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (4) ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن إبليس اللعين قال له: ﴿أَرَهَيْنَكَ﴾ أي أخبرني، هذا الذي كرمته علي فأمرتني بالسجود له وهو آدم؛ أي لم كرمتِه علي وأنا خير منه! والكاف في ﴿أَرَءَيْنَكَ﴾ حرف خطاب، وهذا مفعول به لأرأيت، والمعنى: أخبرني. وقيل: إن الكاف مفعول به، و((هذا)) مبتدأ، وهو قول ضعيف. وقوله ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ﴾ قال ابن عباس: لأستولين عليهم، وقاله الفراء، وقال مجاهد: لأحتوينهم. وقال ابن زيد: لأضلنهم. قال القرطبي: والمعنى متقارب؛ أي لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾، أي لأقودنهم إلى ما أشاء، من قول العرب: احتنكت الفرس: إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده حيث شئت. تقول العرب: حنكت الفرس أحنكه (من باب ضرب ونصر) واحتنكته: إذا جعلت فيه الرسن؛ لأن الرسن يكون على حنكه. وقول العرب: احتنك الجراد الأرض؛ أي أكل ما عليها، من هذا القبيل؛ لأنه يأكل بأفواهه، والحنك حول الفم. هذا هو أصل الاستعمال في الظاهر؛ فالاشتقاق في المادة من الحنك، وإن كان يستعمل في الإهلاك مطلقاً والاستئصال كقول الراجز: جهداً إلى جهد بنا وأضعفت أشكو إليك سنة قد أجحفت واحتنكت أموالنا واجتلفت وهذا الذي ذكر - جل وعلا - عن إبليس في هذه الآية من قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ... ) الآية، بينه أيضاً في مواضع أخر من كتابه؛ كقوله: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَتِهِمْ وَعَنْ شَيِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْتَرَهُمْ شَكِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه، في ((سورة النساء)) وغيرها. ۔ وقوله في هذه الآية: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بين المراد بهذا القليل في مواضع أخر كقوله: (٨)﴾ [ص]، وقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ ﴿وَأُغْوِنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ (٨َ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ [الحجر] كما تقدم إيضاحه. وقول إبليس في هذه الآية: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُو ... ﴾ الآية. قاله ظناً منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سبأ]. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّآءُ قَوْفُورًا (٦٣)﴾. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ أَذْهَبْ﴾ هذا أمر إهانة؛ أي اجهد جهدك، فقد أنظرناك ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي أطاعك من ذرية آدم ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَّاؤُكُمْ جَزَآءَ قَوْفُورًا﴾ أي وافراً؛ عن مجاهد وغيره. وقال الزمخشري وأبو حيان: ﴿أَذْهَبْ﴾ ليس من الذهاب ٤٨٨ سورة الإسراء: الآية (٦٤) الذي هو نقيض المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته. وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره في قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّآءٍ مَوْفُورًا﴾ وهذا الوعيد الذي أوعد به إبليس ومن تبعه في هذه الآية الكريمة بينه أيضاً في لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٤ مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ (69)﴾ [ص]، وقوله: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاُونَ ١٩٥﴾ [الشعراء] إلى وَحُدُ إِبْلِسَ أَجْمَعُونَ ٩٤٦ غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه . .. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَزَآءُ﴾ مفعول مطلق منصوب بالمصدر قبله؛ على حد قول ابن مالك في الخلاصة: بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلاً لهذين انتخب والذي يظهر لي أن قول من قال: إن ((موفوراً)) بمعنى وافر لا داعي له؛ بل ((موفوراً)) اسم مفعول على بابه من قولهم: وفر الشيء يفره، فالفاعل وافر، والمفعول موفور؛ ومنه قول زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم وعليه فالمعنى جزاء مكملاً متمماً، وتستعمل هذه المادة لازمة أيضاً تقول: وفر ماله فهو وافر؛ أي كثير؛ وقوله: ((موفوراً)) نعت للمصدر قبله كما هو واضح، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا ﴾. قال ابن كثير تَظُّ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذا أمر قدري؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَّمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا (٨)﴾ [مريم] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، وتسوقهم إليها سوقاً، انتهى. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله ﴿وَأَسْتَفْزِزْ﴾، وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ﴾، وقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ﴾ إنما هي للتهديد؛ أي افعل ذلك فسترى عاقبته الوخيمة كقوله: ﴿أَعْمَلُوْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وبهذا جزم أبو حيان في البحر، وهو واضح كما ترى، وقوله: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ﴾ أي استخف من استطعت أن تستفزه منهم، فالمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، والاستفزاز: الاستخفاف. ورجل فز: أي خفيف، ومنه قيل لولد البقرة: فز؛ لخفة حركته. ومنه قول زهير: خاف العيون ولم ينظر به الحشك كما استغاث بسيء فز غيطلة . ((والسيئ)) في بيت زهير بالسين المهملة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وآخره همز: اللبن الذي يكون في أطراف الأخلاف قبل نزول الدرة. والحشك أصله السكون؛ لأنه مصدر حشكت الدرة، إذا امتلأت، وإنما حركه زهير للوزن. والغيطلة هنا بقرة الوحش ذات اللبن، وقوله: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال مجاهد: هو اللهو والغناء والمزامير؛ أي استخف من ٤٨٩ سورة الإسراء: الآية (٦٤). استطعت أن تستخفه منهم باللهو والغناء والمزامير، وقال ابن عباس: صوته يشمل كل داغ دعا إلى معصية؛ لأن ذلك إنما وقع طاعة له، وقيل: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ أي وسوستك. وقوله: ﴿وَلَّْلِبْ﴾ أصل الإجلاب: السوق بجلبة من السائق. والجلبة: الأصوات؛ تقول العرب: أجلب على فرسه، وجلب عليه: إذا صاح به من خلفه واستحثه للسبق. والخيل تطلق على نفس الأفراس، وعلى الفوارس الراكبين عليها، وهو المراد في الآية. والرجل: جمع راجل، كما قدمنا أن التحقيق جمع الفاعل وصفاً على فعل بفتح فسكون وأوضحنا أمثلته بكثرة، واخترنا أنه جمع موجود أغفله الصرفيون؛ إذ ليست فعل (بفتح فسكون) عندهم من صيغ الجموع. فيقولون فيما ورد من ذلك كراجل ورجل، وصاحب وصحب، وراكب وركب، وشارب وشرب - إنه اسم جمع ولا جمع، وهو خلاف التحقيق .. وقرأ حفص عن عاصم ((ورجلك)) بكسر الجيم، لغة في الرجل جمع راجل. وقال الزمخشري: هذه القراءة على أن فعلاً بمعنى فاعل، نحو تعب وتاعب ومعناه وجمعك الرجل، اهـ أي الماشيين على أرجلهم. ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾. أما مشاركته لهم في الأموال فعلى أصناف :. منها: ما حرموا على أنفسهم من أموالهم طاعة له؛ كالبحائر والسوائب ونحو ذلك، وما يأمرهم به من إنفاق الأموال في معصية الله تعالى، وما يأمرهم به من اكتساب الأموال بالطرق المحرمة شرعاً كالربا والغصب وأنواع الخيانات؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له. وأما مشاركته لهم في الأولاد فعلى أصناف أيضاً: منها: قتلهم بعض أولا دهم طاعة له. ومنها: أنهم يمجسون أولادهم ويهدونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة. ومنها: تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى ونحو ذلك؛ لأنهم بذلك سموا أولادهم عبيداً لغير الله طاعة له، ومن ذلك أولاد الزنى؛ لأنهم إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الله بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنته هذه الآية من مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد، كقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَةٍ عَلَى اللَّهُ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [الأنعام]، فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته. وكذلك تحريم بعض ما رزقهم الله المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضاً، وكقوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّى بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَيْنَا﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وكقوله: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن تَشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ٤٩٠ سورة الإسراء: الآية (٦٥) ◌ُهُورُهَا وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءَ عَلَيْهٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأنعام]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ مَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَغْتَرُونَ ﴾﴾ [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات، ومن الأحاديث المبينة بعض مشاركته لهم فيما ذكر - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حماد تظله أن رسول الله وَلو قال: ((يقول الله - عز وجل - إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم))، وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ظًّا عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان))، انتهى. فاجتيال الشياطين لهم عن دينهم، وتحريمها عليهم ما أحل الله لهم في الحديث الأول، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني - كل ذلك من أنواع مشاركتهم فيهم. وقوله: ((فاجتالتهم)) أصله افتعل من الجولان؛ أي استخفتهم الشياطين فجالوا معهم في الضلال؛ يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب: واجتال الشيء إذا ذهب به وساقه. والعلم عند الله تعالى، والأمر في قوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ كالأمر في قوله: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ﴾، وقوله ﴿وَأَجْلِبْ﴾ وقد قدمنا أنه للتهديد. وقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل؛ كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة. وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُّدًا (٢٤)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّ جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]، وقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اَللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ ... [إبراهيم: ٢٢]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانْ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن عباده الصالحين لا سلطان للشيطان عليهم، فالظاهر أن في الآية الكريمة حذف الصفة كما قدرنا، ويدل على الصفة المحذوفة إضافته العباد إليه إضافة تشريف، وتدل على هذه الصفة المقدرة أيضاً آيات أخر كقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ (®﴾ [النحل]، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ٤٩١ سورة الإسراء: الآيات (٦٧ - ٦٩) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّهُ فَلَمَّا نَجَّنَكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ اُلْإِسَنُ كَفُورًا ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَْثُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، تَبِيعًا ﴿3﴾﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا مسهم الضر في البحر؛ أي اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك ضل عنهم؛ أي غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله - جل وعلا - فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله - جل وعلا - وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده - جل وعلا - فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر كما قال تعالى: ﴿فَلَّا نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ . وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة أوضحه الله - جل وعلا - في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُمْ فِىِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ حَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمٍ بِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ لَإِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ * فَلَمَّآ أَنْجَنَهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ أَلْحَيُّ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]، وقوله: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنَجَلْنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ ﴿﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَبِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرٍْ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (٣)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿فَإِذَا رَحِكِبُواْ فِىِ الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا ◌َنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَلَظَلَلِ دَعَواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِحَايَدِنَّا إِلَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ ضُرّ دَهَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُمْ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهٍ،﴾ [الزمر: ٨]، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه ((في سورة الأنعام)) وغيرها . ثم إن الله - جل وعلا - بين في هذا الموضع الذي نحن بصدده سخافة عقول الكفار، وأنهم إذا وصلوا إلى البر ونجوا من هول البحر رجعوا إلى كفرهم آمنين عذاب الله؛ مع أنه قادر على إهلاكهم بعد وصولهم إلى البر، بأن يخسف بهم جانب البر الذي يلي البحر فتبتلعهم الأرض، أو يرسل عليهم حجارة من السماء فتهلكهم، أو يعيدهم مرة أخرى في البحر فتغرقهم أمواجه المتلاطمة. كما قال هنا منكراً عليهم أمنهم وكفرهم بعد وصول البر: ﴿أَفَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو المطر أو الريح اللذين فيهما الحجارة ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرُمٌ﴾ أي بسبب كفركم؛ فالباء سببية، وما مصدرية، والقاصف: ريح البحار الشديدة التي تكسر المراكب وغيرها، ومنه قول أبي تمام: ٤٩٢ سورة الإسراء: الآيات (٦٧ - ٦٩) عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت يعني إذا ما هبت بشدة كسرت عيدان شجر نجد رتماً كان أو غيره. وهذا المعنى الذي بينه - جل وعلا - هنا من قدرته على إهلاكهم في غير البحر بخسف أو عذاب من السماء - أوضحه في مواضع أخر كقوله: ﴿إِن نَّمَأْ نَخِفْ بِهِمُ اٌلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ... الآية [سبأ: ٩]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٦٥]، وقوله: ﴿مَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨٧) أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَلِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (٣)﴾ [الملك]، وقوله ((في قوم لوط)): ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ غَيْنَهُم بِسَخْرٍ (﴾﴾ [القمر]، وقوله: ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ ( ٣٣ [الذاريات] إلى غير ذلك من الآيات، والحاصب في هذه الآية قد قدمنا أنه قيل إنها السحابة أو الريح، وكلا القولين صحيح؛ لأن كل ريح شديدة ترمي بالحصباء تسمى حاصباً وحصبة. وكل سحابة ترمي بالبرد تسمى حاصباً أيضاً؛ ومنه قول الفرزدق: مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور وقول لبيد : أذيالها كل عصوف حصبه جرت عليها أن خوت من أهلها وقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا﴾ فعيل بمعنى فاعل؛ أي تابعاً يتبعنا بالمطالبة بثأركم؛ كقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا (﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا ﴾﴾ [الشمس]، أي لا يخاف عاقبة تبعة تلحقه بذلك. وكل مطالب بدين أو ثأر أو غير ذلك تسميه العرب تبيعاً؛ ومنه قول الشماخ يصف عقاباً: تلوذ ثعالب الشرفين منها كما لاذ الغريم من التبيع أي كعياذ المدين من صاحب الدين الذي يطالبه بغرمه منه، ومنه قول الآخر: غدوا وغدت غزلانهم وكأنها ضوامن غرم لدهن تبيع أي خصمهن مطالب بدين، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله ◌َ: ((إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)) وهذا هو معنى قول ابن عباس وغيره ((تبيعاً)) أي نصيراً، وقول مجاهد نصيراً ثائراً. تنبيه: لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق. وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة، ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من عبدة الأوثان؛ فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال ٤٩٣ سورة الإسراء: الآية (٧٠) . والكروب التجئوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح؛ في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله - جل وعلا - أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره. ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى: ((في سورة النمل)»: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ أَمَّنْ جَعَلَ ٦٠ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِتُواْ شَجَرَهَأْ أَوَِهٌ مَعَ اللَّهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خَِلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلُفَآءَ . [النمل] الآيات، فتراه - جل وعلا - في اُلْأَرْضُِ أَِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ هذه الآيات الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا وكشف السوء عنه من حقه الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد؛ كخلقه السموات والأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته به الشجر، وجعله الأرض قراراً، وجعله خلالها أنهاراً، وجعله لها رواسي، وجعله بين البحرين حاجزاً، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه وعجائبه التي لا يشاركه فيها أحد، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وهذا الذي ذكره الله - جل وعلا - في هذه الآيات الكريمات كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، فإنه لما فتح رسول الله وَر مكة ذهب فاراً منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجهاً إلى الحبشة؛ فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره! اللهم لك علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد بل﴿ فلأجدنه رؤوفاً رحيماً. فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله ﴿ فأسلم وحسن إسلامه ظه، اهـ. والظاهر أن الضمير في قوله: ﴿بِهِ، يَبِيعًا﴾ راجع إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله: ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَغَرْتُمْ﴾ أي لا تجدون تبيعاً يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق. وقال صاحب روح المعاني: وضمير ((به)) قيل للإرسال، وقيل للإغراق، وقيل لهما باعتبار ما وقع، والعلم عند الله تعالى. : قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ﴾. قال بعض أهل العلم: من تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها؛ فإن الإنسان يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه. ومما يدل على هذا من القرآن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا أَلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ [التين]، وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وفي الآية كلام غير هذا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... ﴾. أي في البر على الأنعام، وفي البحر ٤٩٤ -سورة الإسراء: الآيات (٦٥ - ٦٩) على السفن. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جداً كقوله: ﴿وَعَلَهَا وَعَلَى الْفُلْكِ مُحْمَلُونَ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَأَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ ٢٢ (١٣) [الزخرف]، وقد قدمنا هذا مستوفى بإيضاح ((في سورة النحل)). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناسٍ بِمَتِهِمْ﴾. قال بعض العلماء: المراد ((بإمامهم)) هنا كتاب أعمالهم. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٣]، وقوله: ﴿وَتَرَى كُلّ أُمَِّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمَةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَوّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨) [الحائية]. وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا (1)﴾ واختار هذا القول ابن كثير؛ لدلالة آية ((يس)) المذكورة عليه. وهذا القول رواية عن ابن عباس ذكرها ابن جرير وغيره، وعزاه ابن كثير لابن عباس وأبي العالية والضحاك والحسن. وعن قتادة ومجاهد أن المراد ((بإمامهم)) نبيهم. ويدل على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [يونس]، وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِنْ أَنْفُسِمِّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ اُلْأَرْضُ بِنُورِ دَيِّهَا وَقُضِعَ الْكِتَبُ وَحِىَّ بِالنَّبِيِنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. قال بعض السلف: وفي هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي ◌َّر. وقال بعض أهل العلم: ((بإمامهم))؛ أي بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشریع، وممن قال به: ابن زید، واختاره ابن جرير. وقال بعض أهل العلم: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِمَِهِمٍ﴾؛ أي ندعو كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان أئمتهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وأهل الكفر أئمتهم سادتهم وكبراؤهم من رؤساء الكفرة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِعَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]. وهذا الأخير أظهر الأقوال عندي، والعلم عند الله تعالى. فقد رأيت أقوال العلماء في هذه الآية، وما يشهد لها من قرآن. وقوله بعد هذا: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ سَمِينِهِ﴾ من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن الإمام في هذه الآية كتاب الأعمال. وذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يقرؤونه ولا يظلمون فتيلاً . وقد أوضح هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوقِ كِنَبَهُ بِمِينِهِ، فَيَقُولُ هَؤُمُ أَفْرَهُوأَ كِنَبِيَة (4) إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَهْ (9)﴾ [الحاقة]، وقد قدمنا هذا مستوفى في أول هذه السورة الكريمة. ٤٩٥ سورة الإسراء: الآية (٧٢) - وقول من قال: إن المراد ((بإمامهم)) كمحمد بن كعب ((أمهاتهم)) أي يقال: يا فلان ابن فلانة، قول باطل بلا شك. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان)) .. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا المراد بالعمى في هذه الآية الكريمة عمى القلب لا عمى العين، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]؛ لأن عمى العين مع إبصار القلب لا يضر، بخلاف العكس؛ فإن أعمى العين يتذكر فتنفعه الذكرى أَوْ ببصيرة قلبه، قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ ﴿ أَن ◌ََّهُ الْأَعْمَىِ ﴿ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّمُ يَزَّكَ يَذْكَّرُ فَفَعَهُ الذِّكْرَىِّ جَ﴾ [عبس]. إذا بصر القلب المروءة والتقى فإن عمى العينين ليس يضير وقال ابن عباس رضيًّا لما عمي في آخر عمره، كما روي عنه من وجوه، وذكره ابن عبد البر وغيره: ففي لساني وقلبي منهما نور إن يأخذ الله من عيني نورهما وفي فمي صارم كالسيف مأثور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال بعض أهل العلم: ليست الصيغة صيغة تفضيل بل المعنى فهو في الآخرة أعمى كذلك لا يهتدي إلى نفع وبهذا جزم الزمخشري . قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يتبادر إلى الذهن أن لفظة ((أعمى)) الثانية صيغة تفضيل؛ أي هو أشد عمى في الآخرة. ويدل عليه قوله بعده: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فإنها صيغة تفضيل بلا نزاع، والمقرر في علم العربية أن صيغتي التعجب وصيغة التفضيل لا يأتيان من فعل الوصف منه على أفعل الذي أنثاه فعلاء، كما أشار له في الخلاصة بقوله: وغير ذي وصف يضاهي أشهلا والظاهر أن ما وجد في كلام العرب مصوغاً من صيغة تفضيل أو تعجّب غير مستوف للشروط، أنه يحفظ ولا يقاس عليه؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله: ولا تقس على الذي منه أثر وبالندور احكم لغير ما ذكر ومن أمثلة ذلك قوله : وفي المخازي لكم أشباح أشياخ ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر لؤماً وأبيضهم سربال طباخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم وقال بعض العلماء: إن قوله في هذا البيت ((وأبيضهم سربال طباخ)) ليس صيغة تفضيل، بل المعنى أنت وحدك الأبيض سربال طباخ من بينهم. . ٤٩٦ سورة الإسراء: الآيات (٧٣ - ٧٥) قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَغْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا ﴾. روي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في المشركين من قريش، لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا قالوا له وَلـ: لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم بآلهتنا، وعن ابن عباس في رواية عطاء أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي فسألوه شططاً قالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، وحرم وادينا كما حرمت مكة، إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ومعنى الآية الكريمة أن الكفار كادوا يفتنونه؛ أي قاربوا ذلك، ومعنى يفتنونك: يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك. قال بعض أهل العلم: قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما في نفس الأمر، وقيل: معنى ذلك أنه خطر في قلبه وسر أن يوافقهم في بعض ما أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه علی إسلامهم. وبين في موضع آخر أنهم طلبوا منه الإتيان بغير ما أوحي إليه، وأنه امتنع أشد الامتناع وقال لهم: إنه لا يمكنه أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه؛ بل يتبع ما أوحى إليه ربه، وذلك في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِنْ تِلْقَآِى نَفْسِىٌّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُؤَى إِلَىَّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]. وقوله في هذه الآية: ﴿وَإِنَ كَادُواْ﴾ هي المخففة من الثقيلة، وهي هنا مهملة، واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية كما قال في الخلاصة: وتلزم اللام إذا ما تهمل وخففت إن فقل العمل والغالب أنها لا تكون كذلك مع فعل إلا إن كان ناسخاً كما في هذه الآية، قال في الخلاصة : والفعل إن لم يك ناسخاً فلا تلفيه غالباً بإن ذي موصلا كما هو معروف في النحو. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن نَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٣) إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ وَضِعْفَ اٌلْمَعَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (®)﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة تثبيته لنبيه و18َ، وعصمته له من الركون إلى الكفار، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه ضعف الحياة وضعف الممات؛ أي مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة؛ وبهذا جزم القرطبي في تفسيره. وقال بعضهم: المراد بضعف عذاب الممات: العذاب المضاعف في القبر، والمراد بضعف الحياة: العذاب المضاعف في الآخرة بعد حياة البعث. وبهذا جزم الزمخشري وغيره، والآية تشمل الجميع، وهذا الذي ذكره هنا من شدة الجزاء لنبيه لو خالف، بينه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ ي ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ ﴾﴾ الآية [الحاقة]. ٤٤ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ ٤٩٧ سورة الإسراء: الآية (٨١). وهذا الذي دلت عليه هذه الآية من أنه إذا كانت الدرجة أعلى كان الجزاء عند المخالفة أعظم بينه في موضع آخر كقوله: ﴿يَفِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُيَئِنَةِ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. ولقد أجاد من قال: وكبائر الرجل الصغير صغائر وصغائر الرجل الكبير كبائر تنبيه: هذه الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا والر من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلاً عن نفس الركون؛ لأن ((لولا)) حرف امتناع لوجود؛ فمقاربة الركون منعتها ((لولا)) الامتناعية لوجود التثبيت من الله - جل وعلا - لأكرم خلقه وصل*، فصح يقيناً انتفاء مقاربة الركون فضلاً عن الركون نفسه، وهذه الآية تبين ما قبلها، وأنه لم يقارب الركون إليهم البتة؛ لأن قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا﴾؛ أي قاربت تركن إليهم هو عين الممنوع بـ(لولا)) الامتناعية كما ترى، ومعنى ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾: تميل إليهم. قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... ﴾. قد بينا ((في سورة النساء)) أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات الصلاة؛ لأن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ أي لزوالها على التحقيق، فيتناول وقت الظهر والعصر؛ بدليل الغاية في قوله: ﴿إِلَّى غَسَقِ الَّلِ﴾ أي ظلامه، وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ أي صلاة الصبح، كما تقدم إيضاحه. وأشرنا للآيات المشيرة لأوقات الصلوات كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ ◌َرَفِ النَّارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾﴾ الآية [الروم]، وأتممنا بيان ذلك من السنة في الكلام على قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فراجعه هناك إن شئت. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَّةَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوقًا ﴾﴾. الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل، والباطل: هو الذاهب المضمحل، والمراد بالحق في هذه الآية هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة النبوية من دين الإسلام، والمراد بالباطل فيها الشرك بالله، والمعاصي المخالفة لدين الإسلام. وقد بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الإسلام جاء ثابتاً راسخاً، وأن الشرك بالله زهق؛ أي ذهب واضمحل وزال. تقول العرب: زهقت نفسه: إذا خرجت وزالت من جسده. ثم بين - جل وعلا - أن الباطل كان زهوقاً، أي مضمحلاً غير ثابت في كل وقت، وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَقْذِفُ بِالْمِّ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴿ قُلْ جَاءَ الْمَقُّ وَمَا يُبْدِىُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩ [سبأ]، وقوله: ﴿بَّ نَفْذِفُ بِلْمِنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة، أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه ٤٩٨ سورة الإسراء: الآية (٨٢) عن ابن مسعود رضيبه قال: دخل النبي وَل مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَآءَ اْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر نظراته قال: دخلنا مع رسول الله ( مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً؛ فأمر بها رسول الله وصله فأكبت لوجهها، وقال: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَنَ زَهُوفًا﴾ . وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دخل رسول الله وَل مكة يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً؛ فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص؛ فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ حتى مرَّ عليها كلها . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله. قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقراً أو قطعاً فيجوز بيعها والشراء بها. قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضيُه. وقد همَّ النبي وَلّ بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة وهذا أصل في العقوبة في المال؛ مع قوله ◌َّة في الناقة التي لعنتها صاحبتها: ((دعوها فإنها ملعونة)) فأزال ملكها عنها تأديباً لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب ظُله لبناً شيب بماء على صاحبه، اهـ الغرض من كلام القرطبي - رحمه الله تعالى -، وقوله وَله: ((والله لينزلن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير)) الحديث - من قبيل ما ذكرنا دلالة عليه، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨). وقد قدمنا في أول ((سورة البقرة)) الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة كقوله: ﴿فَمَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا (JO)﴾ [التوبة]، الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَانُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ ( وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤] كما تقدم إيضاحه، وقوله في هذه الآية: ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ ٤٩٩ سورة الإسراء: الآية (٨٣). يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه؛ كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام إذا رقي عليها به؛ كما تدل عليه قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهي صحيحة مشهورة، وقرأ أبو عمرو ((وننزل)) بإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بفتح النون وتشديد الزاي، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّتُ كَانَ يَئُوسًا بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة والعافية والرزق أعرض عن ذكر الله وطاعته، ونأى بجانبه: أي تباعد عن طاعة ربه؛ فلم يمتثل أمره، ولم يجتنب نهيه. وقال الزمخشري: أعرض عن ذكر الله كأنه مستغن عنه، مستبد بنفسه، ((ونأى بجانبه)) تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه، والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه، ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المستكبرين. واليئوس: شديد اليأس، أي القنوط من رحمة الله. وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله ((في سورة هود)): ﴿وَلَبِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَّتُوُسُ كَفُورٌ وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّةَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِعٌ فَخُورُ (٣٦)﴾ [هود]، وقوله في ((آخر فصلت)): ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ ٤٩ وَلَيِنَّ أَذَقْتَهُ رَحْمَةٌ مِّنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتَّهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةُ وَلَيِنِ تُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَّ فَلَئُلَتْأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيٍ وَإِذَا أَتْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّّ فَذُو دُعَاءِ عَرِيضٍ (@)﴾ [فصلت]، وقوله ((في سورة الروم)): ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَهُم مُنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُم بِيِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣)﴾ [الروم]، وقوله فيها أيضاً: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْ بِّ وَإِن تُصِبْهُمْ سَفِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣)﴾ [الروم]، وقوله ((في سورة يونس)): ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ الشُّرُّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّةُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَهُ﴾ [يونس: ١٢]، وقوله ((في سورة الزمر)): ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهٍ﴾ [الزمر: ٨]، وقوله فيها أيضاً: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرّ دَعَانًا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةُ مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوِتُمُ عَلَى عِلْمَّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الزمر]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد استثنى الله من هذه الصفات عباده المؤمنين في قوله ((في سورة هود)): ﴿إلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم ◌َّغْفِرَةٌ وَأَخْرُ كَبِيرٌ ﴾﴾ [هود]، كما تقدم إيضاحه، وقرأ ابن ذكوان ((وناء)) كجاء، وهو بمعنى نآى؛ كقولهم: راء في رأى. ٥٠٠ سورة الإسراء: الآيات (٨٥ - ٩٣) قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلاً بالنسبة إلى علمه - جل وعلا - لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جداً. ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُّ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا (3)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: ٢٧]. مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْجُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ عَزٌِ حَكِيمٌ (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَمُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن فضله على نبيه وَ﴾ كبير. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴿﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اَللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُمْ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اَللَّهُ نَصْرًّا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح] وقوله: ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَِّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾ [الشرح]، إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى في موضع آخر أن فضله كبير على جميع المؤمنين، وهو قوله: ﴿وَيَشْرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (﴾﴾ [الأحزاب] وبين المراد بالفضل الكبير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنِ تَّخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا نَفْجِيرًا ﴿ أَوْ تُشْفِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْعَلَبِكَةِ قَبِيلًا ﴿٩ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَّرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَقْرَؤُمُّ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (َ﴾﴾. بين الله - جل وعلا - في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم، وكثرة اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق، فذكر أنهم قالوا له وَله: إنهم لن يؤمنوا له؛ أي لن يصدقوه حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، وهو يفعول من نبع، أي ماء غزير؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَلَكُهُ يَبِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ أي بستان من نخيل وعنب؛ فيفجر خلالها، أي وسطها أنهاراً من الماء. أو يسقط السماء عليهم كسفاً؛ أي قطعاً كما زعموا؛ أي في قوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ شُْقِطْ عَلَّهِمْ كِسَفَّا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]. أو يأتيهم بالله والملائكة قبيلاً، أي معاينة. قاله قتادة وابن جريج، كقوله: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١]. وقال بعض العلماء: ((قبيلاً)): أي كفيلاً؛ من تقبله بكذا: إذا كفله به. والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد. وقال الزمخشري قبيلاً بما تقول شاهداً بصحته. وكون القبيل في هذه الآية بمعنى