Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة الإسراء: الآية (٩)
إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا (٣)﴾ [النساء]،
وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة :: ٤٤]. وقال: ﴿أَفَغَيْرَ
اَللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ
مُنَّلٌ مِن رَّبِكَ بِالْقٍّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ (٣)﴾ [الأنعام].
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها
هي التي تربط أفراد المجتمع، وأن ينادي بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين
الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع
المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى، فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما جاء
في الحديث عن النبي ◌َّه: ((إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل
الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ ولذلك
يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيهاً على أن رابطة الإسلام تجعل
أخا المسلم كنفسه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٤]،
أي لا تخرجون إخوانكم، وقوله: ﴿لَوْلََّ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرَا﴾
[النور: ١٢] أي بإخوانهم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا نَلِمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ... الآية
[الحجرات: ١١]، أي إخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾
الآية [البقرة: ١٨٨]، أي لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات؛ ولذلك
ثبت في الصحيح عنه قهر أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى یحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها
جميع الروابط النسبية والعصبية: قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ
مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]
إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر. وقوله: ﴿وَاُلْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾
[الحجرات: ١٠] وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية
المعروفة بالقومية لا يجوز، ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين.
ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب قوله تعالى:
يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْرُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَّفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [المنافقون] حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حفظناه
من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله رضيًا يقول: كنا في غزاة فكسع رجل

٤٤٢
سورة الإسراء : الآية (٩)
من المهاجرين رجلاً من الأنصار؛ فقال الأنصاري: يا للأنصار !! وقال المهاجري: يا
للمهاجرين !! فسمَّعها الله رسوله، قال: ((ما هذا))؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين
رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين،
فقال النبي ◌َّر: ((دعوها فإنها منتنة ... )) الحديث. فقول هذا الأنصاري: يا للأنصار،
وهذا المهاجري: يا للمهاجرين هو النداء بالقومية العصبية بعينه، وقول النبي والآن:
(دعوها فإنها منتنة)) يقتضى وجوب ترك النداء بها؛ لأن قوله: ((دعوها)) أمر صريح
بتركها، والأمر المطلق يقتضى الوجوب على التحقيق كما تقرر في الأصول؛ لأن الله
يقول: ﴿ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِةٍ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]،
ويقول لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فدل على أن مخالفة الأمر
معصية. وقال تعالى عن نبيه موسى في خطابه لأخيه: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه: ٩٣] فأطلق
اسم المعصية على مخالفة الأمر، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ
وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فدلت الآية على أن أمر
الرسول ﴿ مانع من الاختيار، موجب للامتثال؛ لا سيما وقد أكد النبي و لو هذا الأمر
بالترك بقوله: ((فإنها منتنة)) وحسبك بالنتن موجباً للتباعد لدلالته على الخبث البالغ.
فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية مخالف لما أمر به
النبي لة، وأن فاعله يتعاطى المنتن، ولا شك أن المنتن خبيث، والله تعالى يقول:
﴿اَلْخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، ويقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه، قال تغلقه :
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛ وزهير بن حرب، وأحمد بن عبدة الضبي، وابن أبي عمر،
واللفظ لابن أبي شيبة، قال ابن عبدة: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة
قال: سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي 18َّ في غزاة، فكسع رجل من
المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار!؟ وقال المهاجري: يا
للمهاجرين!؟ فقال رسول الله وَ ل: ((ما بال دعوى الجاهلية))! قالوا: يا رسول الله، كسع
رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال: ((دعوها فإنها منتنة)) الحديث.
وقد عرفت وجه دلالة هذا الحديث على التحريم، مع أن في بعض رواياته الثابتة .
في الصحيح، التصريح بأن دعوى الرجل: ((يا لبني فلان)) من دعوى الجاهلية، وإذا
صح بذلك أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النبي والقر أنه قال: ((ليس منا من ضرب
الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)). وفي رواية في الصحيح: ((ليس منا من
ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية))، وذلك صريح في أن من دعا
تلك الدعوى ليس منا، وهو دليل واضح على التحريم الشديد. ومما يدل على ذلك
قوله وثيلر: ((من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)) هذا حديث
صحيح، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي، عن أبيّ بن

٤٤٣
سورة الإسراء: الآية (٩) .
كعب ظُه، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ: ((إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية
فأعضوه ولا تكنوا)) وأشار إلى أنه أخرجه أحمد في المسند، والنسائي، وابن حبان،
والطبراني في الكبير، والضياء المقدسي عن أبيّ رُه، وجعل عليه علامة الصحة.
وذكره أيضاً صاحب الجامع الصغير بلفظ: ((إذا رأيتم الرجل يتعزى ... )) إلخ، وأشار إلى
أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي، وجعل عليه علامة الصحة. وقال شارحه
المناوي: ورواه عنه أيضاً الطبراني، قال الهيتمي: ورجاله ثقات، وقال شارحه
العزيزي: هو حديث صحيح. وقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني في كتابه
(كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) قال النجم:
رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب نظره، ومراده بالنجم: الشيخ محمد
نجم الدين الغزي في كتابه المسمى (إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن)
فانظر كيف سمّى النبي ◌َ* ذلك النداء ((عزاء الجاهلية)) وأمر أن يقال للداعي به
((اعضض على هن أبيك)) أي فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية، فهذا
يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي ونَ ﴾ له.
واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية: أبو جهل، وأبو لهب،
والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة.
وقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ ءَابَءَنَأْ﴾ ... الآية [المائدة: ١٠٤]، وقوله: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَاً﴾ ...
الآية [البقرة: ١٧٠]، وأمثال ذلك من الآيات.
واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفاً - في منع النداء برابطة غير
الإسلام؛ كالقوميات والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه
القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية؛ فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي أنه نداء
إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضاً باتًّا، على أن يعتاض من
ذلك روابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضاً مثلاً؛ فالعروبة
لا يمكن أن تكون خلفاً من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة؛ فهي كما قال الراجز:
وبالثنايا الواضحات الدردرا
بدّلت بالجُمَّة رأساً أزعراً
كما اشترى المسلم إذ تنصَّرا
وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى.
· وقد بين الله - جل وعلا - في محكم كتابه أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً
وقبائل هي التعارف فيما بينهم. وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة
على غيرها؛ قال - جل وعلا -: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَآِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فاللام في قوله: ﴿لِتَعَارَفُواْ﴾

٤٤٤
سورة الإسراء: الآية (٩)
لام التعليل، والأصل لتتعارفوا، وقد حذفت إحدى التاءين، فالتعارف هو العلة
المشتملة على الحكمة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾ .
ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية، ونقيم الأدلة
على منع ذلك، لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبية لا تمت إلى الإسلام بصلة؛
كما نفع الله نبيه * بعمه أبي طالب. وقد بين الله - جل وعلا - أن عطف ذلك العم
الكافر على نبيه و 9 من منن الله عليه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى(
[الضحى] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.
ومن آثار هذه العصبية النسبية قول أبي طالب فيه والده
حتى أوسد في التراب دفينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
كما قدمنا في سورة هود.
وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيباً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كما
قال تعالى عن قومه: ﴿قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَئِكَ فِيَنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا
رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ﴾ [هود: ٩١].
وقد نفع الله بها نبيه صالحاً أيضاً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كما أشار
تعالى لذلك بقوله: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيَِّنَّهُ, وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ
أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِفُونَ (٨)﴾ [النمل] فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أولياء صالح؛
ولذلك لم يفكروا أن يفعلوا به سوءاً إلا ليلاً خفية. وقد عزموا أنهم إن فعلوا به ذلك
أنكروا وحلفوا لأوليائه أنهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفاً منهم، ولما كان لوط - عليه
وعلى نبينا الصلاة والسلام - لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ
لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ ﴾﴾ [هود] وقد قدمنا هذا مستوفى في ((سورة هود)).
فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط
القوميات لا يجوز على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة
الإسلام، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر عن
مسايرة ركب الحضارة، نعوذ بالله من طمس البصيرة. وأن منع النداء بروابط القوميات
لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية والأواصر
العصبية التى لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما وقع من أبي طالب للنبي وَئية، وقد ثبت
في الصحيح عنه ( 8# أنه قال: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) ولكن تلك
القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛ لأنها تشمل المسلم
والكافر، ومعلوم أن المسلم عدوّ الكافر، كما قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاَدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ... الآية [المجادلة: ٢٢]، كما تقدم.
والحاصل أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة ((لا

٤٤٥
سورة الإسراء: الآية (٩)
إله إلا الله)) ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد
واحد، وتجعله كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً، عطّفت قلوب حملة العرش ومن حوله من
الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ
اُلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِيهِمْ عَذَابَ اَلْجِ ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ
عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِذَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
() وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (@)﴾
[غافر]. فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين
بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم، إنما هي الإيمان بالله
- جل وعلا - لأنه قال عن الملائكة: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فوصفهم بالإيمان. وقال عن بني
آدم في استغفار الملائكة لهم: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧] فوصفهم أيضاً
بالإيمان، فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة .
ومما يوضح لك أن الرابطة الحقيقية هي دين الإسلام قوله تعالى في أبي لهب عمّ
النبي ◌َّ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ ﴾﴾ [المسد] ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من
الفضل والمكانة عند النبي (8 والمسلمين، وقد جاء عن النبي وَ ل# أنه قال فيه: ((سلمان
منا أهل البيت)) رواه الطبراني والحاكم في المستدرك، وجعل عليه صاحب الجامع
الصغير علامة الصحة. وضعفه الحافظ الذهبي. وقال الهيثمي: فيه عند الطبراني كثير بن
عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات، وقد أجاد من قال:
وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس
وقد أجمع العلماء على أن الرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر، أن
إرثه يكون للمسلمين بإخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث
دليل القرابة، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية.
وبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض
بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة ((لا إله إلا الله))، فلا يجوز
البتة النداء برابطة غيرها. ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم
يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّمُ مِنْهُمَّ﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا
تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] والعلم عند الله تعالى.
وبالجملة: فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة :
الأولى: درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.
والثانية: جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات.
والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل

٤٤٦
سورة الإسراء: الآية (٩)
الأصول بالتحسينيات والتتميمات. وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم
للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها .
فالضروريات التي هي درء المفاسد، إنما هي درؤها عن ستة أشياء:
الأول: الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، كما قال
تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ لِلهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي آية الأنفال:
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿نُقَّتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾
[الفتح: ١٦]، وقال ◌َله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) الحديث،
وقال وَجر: ((من بدَّل دينه فاقتلوه))، إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين.
والثاني : النفس، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها؛ ولذلك
أوجب القصاص درءاً للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ
يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلِ﴾ ... الآية [البقرة:
١٧٨]، وقال: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ .
الثالث : العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، قال
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ إلى
قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وقال ◌َّ: ((كل مسكر حرام))، وقال: ((ما
أسكر كثيره فقليله حرام)) كما قدمنا ذلك مستوفى ((في سورة النحل)) وللمحافظة على
العقل أوجب وَ حد الشارب درءاً للمفسدة عن العقل.
الرابع : النسب، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها؛ ولذلك
حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو
موت؛ لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب؛ قال
تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا (٣)﴾، ونحو ذلك من الآيات،
وقال تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُوْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَدَةٍ﴾ الآية [النور: ٢]. وقد قدمنا آية
الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم. وقال تعالى في إيجاب
العدة حفظاً للأنساب: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]،
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]
وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين.
ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره، فمنع نكاح
الحامل حتى تضع، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤].
الخامس : العرض، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، فنهى
المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، وأوجب عليه إن رماه بفرية حد القذف ثمانين
جلدة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وقبّح - جل وعلا - غيبة

٤٤٧
سورة الإسراء: الآية (٩)
المسلم غاية التقبيح، بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُونَ﴾
[الحجرات: ١٢]، وقال: ﴿وَلَا نَلْمِزُوْاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا نَنَابَزُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ
اُلْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال في إيجاب حد القاذف:
﴿وَلَّذِنَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَ نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًّا
وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ [النور: ٤ -٥].
السادس: المال، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها؛ ولذلك
منع أخذه بغير حق شرعي، وأوجب على السارق حد السرقة وهو قطع اليد كما تقدم؛
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تِحِكْرَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ
وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨
[البقرة]، وقال: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [المائدة]. وكل ذلك محافظة على المال ودرء للمفسدة عنه.
المصلحة الثانية: جلب المصالح، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق
وأعدلها، ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ
مِن فَضِّلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَحَرَةً عَن تَاضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على
الوجه المشروع؛ ليستجلب كلٌّ مصلحته من الآخر، كالبيوع والإجارات والأكرية
والمساقاة والمضاربة، وما جرى مجرى ذلك.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وقد جاء القرآن
بذلك بأقوم الطرق وأعدلها. والحض على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدًّا
في كتاب الله وسنة نبيه *؛ ولذلك لما سئلت عائشة رضيها عن خلقه وسلم قالت: ((كان
خلقه القرآن))؛ لأن القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق؛ لأن الله تعالى يقول في
نبيه وَ لّهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم].
فدل مجموع الآية وحديث عائشة على أن المتصف بما في القرآن من مكارم
الأخلاق: أنه يكون على خلق عظيم؛ وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق،
وسنذكر لك بعضاً من ذلك تنبيهاً به على غيره.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوَأْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوأْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:
٢٣٧]. فانظر ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي
عن نسيان الفضل. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْرٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

٤٤٨
سورة الإسراء: الآية (٩)
أَنْ تَعْتَدُواُ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهُ شَدِيدُ
اُلْمِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٨]. فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن
تعامل من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه. وقال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فانظر إلى هذا من مكارم
الأخلاق، والأمر بالإحسان إلى المحتاجين والضعفاء، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَِ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[النحل]، وقال تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]،
٩٠
وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ حِكِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ
(@)﴾ [القصص] إلى غير ذلك من
وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
الآيات الدالة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات.
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى حل المشاكل العالمية بأقوم الطرق
وأعدلها، ونحن دائماً في المناسبات نبين هدي القرآن العظيم إلى حل ثلاث مشكلات، هُنَّ
من أعظم ما يعانيه العالم في جميع المعمورة ممن ينتمي إلى الإسلام، تنبيهاً بها على غيرها:
المشكلة الأولى: هي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعَدد عن
مقاومة الكفار، وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها؛
فبين أن علاج الضعف عن مقاومة الكفار إنما هو بصدق التوجه إلى الله تعالى، وقوة
الإيمان به والتوكل عليه؛ لأن الله قوي عزيز، قاهر لكل شيء؛ فمن كان من حزبه على
الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ما بلغوا.
فمن الأدلة المبينة لذلك أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك الحصار
العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الْظُنُونَ ﴿ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
اٌلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾﴾ [الأحزاب] - كان علاج ذلك هو ما ذكرنا؛ فانظر شدة
هذا الحصار العسكري وقوة أثره في المسلمين، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك
الوقت قاطعوهم سياسة واقتصاداً. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا
الأمر العظيم، وحلوا به هذه المشكلة العظمى، هو ما بيّنه - جل وعلا - (في سورة
الأحزاب) بقوله: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ
وَرَسُولٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِبِمَنَا وَتَسْلِمًا ()﴾ [الأحـ
فهذا الإيمان الكامل، وهذا التسليم العظيم لله - جل وعلا - ثقة به، وتوكلاً

٤٤٩
سورة الإسراء: الآية (٩)
عليه، هو سبب حل هذه المشكلة العظمى. وقد صرح الله تعالى بنتيجة هذا العلاج
بقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيًْ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ وَأَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ٨ وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَرَضًا لَّمْ تَطَُّوهَاً
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا ﴾﴾ [الأحزاب].
وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه، ولا يحسبون أنهم
يُنصرون به وهو الملائكة والريح، قال تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
◌َتَّكُمْ جُوٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَهُودًا لَّمَّ تَزَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] ولما علم - جل وعلا - من
أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوّه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو
الموصول في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِىِ
قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]؛ أي من الإيمان والإخلاص كان من نتائج ذلك ما ذكره الله
- جل وعلا - في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَ اللَّهُ بِهَاْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرًا﴾ [الفتح] فصرح - جل وعلا - في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله
- جل وعلا - أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم.
فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة الضعيف
على القوي وغلبته له ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الضَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] فعل
في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما تقرر في
الأصول. ووجهه ظاهر؛ لأن الفعل الصناعي ((أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل
الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع)) ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن
مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
مدلولي الفعل كأمن من أمن
المصدر اسم ما سوى الزمان من
وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما
حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية.
فالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعاً فيتسلط النفي الداخل على الفعل على
المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة؛ إذ ليس له سبب يجعله معرفة،
فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي. وهي من صيغ العموم.
فقوله: ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع
أنواع القدرة؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد
الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في محله.
وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله - جل وعلا -

٤٥٠
سورة الإسراء: الآية (٩)
أحاط بها فأقدرهم عليها؛ لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ
(٣)﴾ [الصافات].
الْغَلِبُونَ
المشكلة الثانية: هي تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والجراح وأنواع الإيذاء،
مع أن المسلمين على الحق، والكفار على الباطل.
وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي وَلّة، فأفتى الله - جل وعلا - فيها، وبيّن
السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في كتابه - جل وعلا -.
وذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد فقُتِلَ عمُّ رسول الله صلّ وابن
عمته، ومُثِّل بهما، وقتل غيرهما من المهاجرين، وقتل سبعون رجلاً من الأنصار،
وجرح ﴾، وشقت شفته، وکسرت رباعيته، وشج ڭ.
استشكل المسلمون ذلك وقالوا: كيف يدال منا المشركون؟ ونحن على الحق
وهم على الباطل؟! فأنزل الله قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَهَا قُلْتُمْ
أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ﴾ فيه إجمال بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِّ
حََّ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌ مِنكُم
مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿لِبْتَلِيَّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
ففي هذه الفتوى السماوية بيان واضح؛ لأن سبب تسليط الكفار على المسلمين
هو فشل المسلمين، وتنازعهم في الأمر، وعصيانهم أمره وَّة، وإرادة بعضهم الدنيا
مقدماً لها على أمر الرسول وَ ﴾. وقد أوضحنا هذا في سورة ((آل عمران)). ومن عرف
أصل الداء عرف الدواء؛ كما لا يخفى.
المشكلة الثالثة: هي اختلاف القلوب الذي هو أعظم الأسباب في القضاء على
كيان الأمة الإسلامية؛ لاستلزامه الفشل، وذهاب القوة والدولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة ((الأنفال)).
فترى المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة
والبغضاء، وإن جامل بعضهم بعضاً فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة، وأن ما تنطوي
عليه الضمائر مخالف لذلك.
وقد بيّن تعالى في سورة ((الحشر)) أن سبب هذا الداء الذي عمت به البلوى إنما
هو ضعف العقل، قال تعالى: ﴿نَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَ﴾ [الحشر: ١٤] ثم ذكر العلة
لكون قلوبهم شتى بقوله: ﴿ذَلِكَ يِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]. ولا شك أن داء
ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، والنافع
من الضار، والحسن من القبيح، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي؛ لأن نور الوحي يحيا

٤٥١
سورة الإسراء: الآية (١١) -
به من كان ميتاً ويضيء الطريق للمتمسك به؛ فيريه الحق حقاً، والباطل باطلاً، والنافع
نافعاً، والضار ضارًّا قال تعالى: ﴿أَوَ مَنٍ كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًّا يَمْشِى بِهِ، فِى
ج
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ اُلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ومن أخرج من الظلمات إلى
النور أبصر الحق؛ لأن ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحق حقًّا، والباطل
٢٢)
باطلاً، وقال تعالى: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهٍِ أَهْدَىَ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِى ®
وَلَا
[الملك]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿﴿ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
اَلِظِّلُ وَلَا الْحُرُورُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَّةُ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ اُلْفَرِيقَيْنِ
كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]، إلى غير ذلك من الآيات
الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلاً من الموت الذي كان فيه، ونوراً بدلاً
من الظلمات التي كان فيها .
وهذا النور عظيم يكشف الحقائق كشفاً عظيماً؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] إلى قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] - ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن
للتي هي أقوم، يقتضى تتبع جميع القرآن وجميع السنة؛ لأن العمل بالسنة من هدي
القرآن للتي هي أقوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾
[الحشر: ٧] وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك، اقتصرنا على هذه
الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيهاً بها على غيرها، والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَهُ بِالْخَيْرٍ وَكَانَ الْإِنْسَنُ عَمُولًا
في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء، وأحدهما يشهد له قرآن.
وهو أن معنى الآية ﴿وَيَدْعُ الْإِسَنُ بِالشَرِّ﴾ كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك
عند الضجر من أمر، فيقول: اللهم أهلكني، أو أهلك ولدي؛ فيدعو بالشر دعاء لا
يجب أن يستجاب له، وقوله: ﴿دُعََّهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول
عند الضجر: اللهم أهلك ولدي. كما يقول في غير وقت الضجر: اللهم عافه، ونحو
ذلك من الدعاء.
ولو استجاب الله دعاءه بالشر لهلك، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
يُعَجِدُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونسٍ: ١١]؛ أي لو عجل
لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضى إليهم أجلهم أي لهلكوا وماتوا؛
فالاستعجال بمعنى التعجيل.
ويدخل في دعاء الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ
هَذَا هُوَ الْحَقَ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].

٤٥٢
سورة الإسراء: الآية (١٢)
وممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو أصح
التفسيرين لدلالة آية يونس عليه ..
الوجه الثاني في تفسير الآية: أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة،
والسلامة من النار، ومن عذاب القبر، كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له
الزنى بمعشوقته، أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك. ومن هذا القبيل قول ابن جامع:
وأرفع من مئزري المسبل
أطوف بالبيت فيمن يطوف
وأتلو من المحكم المنزل
وأسجد بالليل حتى الصباح
يسخرلي ربة المحمل
عسى فارج الهم عن يوسف
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ الِسِنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَّلْتَهُ نَّفْصِيلًا (٣)﴾. ذكر
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه جعل الليل والنهار آيتين؛ أي علامتين دالتين
على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره، وكرر تعالى هذا المعنى
في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله:
﴾ [يس]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى
﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ
أَخْئِلَفِ الَّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُّونَ ﴾﴾ [يونس]،
وقوله: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
١١٩٠
[آل عمران]، وقوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى
فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يُحِيءٍ وَيُمِثُ وَلَهُ أُخْتِلَفُ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (﴾﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَهُوَ
(١)﴾ [الفرقان]، وقوله :
الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
﴿خَلَقَ السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخّرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ تُسَنَّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَُّ ﴾﴾ [الزمر]، وقوله:
٩٦
﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِزِ اَلْعَلِيمِ
[الأنعام]، وقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا نَهَا ﴾ وَاَلنَّهَارِ إِذَا جَّهَا (٣) وَاَلَيْلِ إِذَا
يَغْشَنْهَا ﴾﴾ [الشمس]، وقوله: ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَفْثَى ﴾ وَلَنَّهَارِ إِذَا تَجَّ ﴾﴾ [الليل]، وقوله:
﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾﴾ [الضحى)، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السَِّنِينَ وَاَلْحِسَابَّ﴾ يعني أنه جعل الليل مظلماً مناسباً
الهدوء والراحة، والنهار مضيئاً مناسباً للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا؛ فيسعون
في معاشهم في النهار، ويستريحون من تعب العمل بالليل، ولو كان الزمن كله ليلاً
لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان كله نهاراً لأهلكهم التعب من دوام العمل ..

٤٥٣
سورة الإسراء: الآية (١٢)
فكما أن الليل والنهار آيتان من آياته-جل وعلا - فهما أيضاً نعمتان من نعمه - جل وعلا -.
وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ أََّيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاْءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ
أَرَّهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلْلٍ
تَسْكُنُونَ فِيَّةٍ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (®) وَمِن زَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن
فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (®)﴾ [القصص]. فقوله: ﴿لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾؛ أي في الليل، وقوله:
﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي في النهار.
وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ ◌َِاسًا ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَرَ مَعَاشًا ﴾﴾ [النبأ]،
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُرْ سُبَاءَا جَ
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (12)﴾ [الفرقان]
وقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُمْ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَا ؤُكُم مِّن فَضْلِهَ﴾ [الروم: ٢٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ الِسِنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ بين فيه نعمة
أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب؛ لأنهم باختلاف الليل والنهار
يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة
الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد
بالأشهر المشار إليها في قوله: ﴿وَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَأَبِّكُمْ إِنِ أَرْبَّبْتُمْ فَعِذَّتُهُنَّ
ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْيَمَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ويعرفون مضي الآجال المضروبة
للذيون والإجارات، ونحو ذلك.
وبين - جل وعلا - هذه الحكمة في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُرًا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَيَّ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس]؛ وقوله - جل وعلا - ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً﴾ فيه وجهان من التفسير للعلماء:
أحدهما: أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: وجعلنا نيِّري الليل والنهار،
أي الشمس والقمر آيتين:
وعلى هذا القول فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس. والمحو الطمس،
وعلى هذا القول فمحو آية الليل، قيل معناه السواد الذي في القمر؛ وبهذا قال
علي ، ومجاهد، وروي عن ابن عباس
وقيل: معنى: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَتْلِ﴾؛ أي لم نجعل في القمر شعاعاً كشعاع الشمس ترى
به الأشياء رؤية بينة. فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول.

٤٥٤
سورة الإسراء: الآية (١٢)
وهذا أظهرَ عندي لمقابلته تعالى له بقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾، والقول
بأن معنى محو آية الليل السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض
الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم !.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ﴾ ... الآية على التفسير المذكور أي الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾
أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته.
قال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار: إذ أضاء وصار بحالة يبصر بها
نقله عنه القرطبي.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا التفسير من قبل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم؛
ومنه قوله :
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم
وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير: حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي
كلام العرب إن دلت عليه قرينة؛ قال في الخلاصة:
عنه في الإعراب إذا ما حذفا
وما يلى المضاف يأتى خلفا
والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَِّلِ
وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين
لهما لا هما أنفسهما، وحذف المضاف كثير في القرآن؛ كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا
فِهَا وَالْغِيرَ الَّتِّ أَقْلْنَا فِهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
أي نكاحها، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي أكلها، ونحو ذلك.
وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر، فالآيات
الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل.
الوجه الثاني من التفسير: أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد
بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر.
وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع
اختلاف اللفظ، تنزيلاً لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى، وإضافة الشيء إلى
نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله:
﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ [النحل: ٣٠]، والدار هي الآخرة بعينها؛ بدليل قوله في موضع آخر:
﴿وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ [النحل: ٣٠] بالتعريف، والآخرة نعت للدار؛ وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ اٌلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَِّّ﴾ ... الآية [فاطر: ٤٣]،
والمكر هو السيئ بدليل قوله: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣].

٤٥٥
سورة الإسراء: الآية (١٣)
ومن أمثلته في كلام العرب قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل
لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته:
ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأن مراده بالمشك: السابغة بعينها؛ بدليل قوله : هتكت فروجها؛ لأن الضمير
عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك.
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في
سورة فاطر، وبيّنا أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ
المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل
منزلة التغاير المعنوي؛ لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب، وجزم
بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن، وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه
بقوله في الخلاصة:
معنى وأول موهما إذا ورد
ولا يضاف اسم لما به اتحد
ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله:
وإن يكونا مفردين فأضف
حتماً وإلا أتبع الذي ردف
لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى - إن كانا مفردين -
المستلزم للتأويل، ومنع الاتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل، دليل على أن ذلك من
أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل
على المحتاج إلى تأويل كما ترى، وعلى هذا الوجه من التفسير، فالمعنى فمحونا الآية
التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة؛ أي جعلنا الليل ممحو الضوء
مطموسه، مظلماً لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو، وجعلنا
النهار مبصراً؛ أي تبصر فيه الأشياء وتستبان.
وقوله في هذ الآية الكريمة: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ تقدم إيضاحه، والآيات
الدالة عليه في سورة ((النحل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَئِنًا
لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنَسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَتْرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخِجُ لَهُ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُ
مَنْشُورًا (٣) أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِبًا (®]﴾.
في قوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلَّ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَيْرَهُ﴾ وجهان
معروفان من التفسير:
الأول: أن المراد بالطائر: العمل، من قولهم: طار له سهم إذا خرج له؛ أي
ألزمناه ما طار له من عمله.

٤٥٦
سورة الإسراء: الآية (١٣)
الثاني : أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة، والقولان
متلازمان؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة.
فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك
أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن - فنذكر
جميع الأقوال وأدلتها من القرآن؛ لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه
الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن.
· أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله، فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان
لازم له كثيرة جدًّا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَقِيهِ ﴾﴾ [الإنشقاق]، وقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَإِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَلَّةَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة]، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.
وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو
السعادة، فالآيات الدالة على ذلك أيضاً كثيرة، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ
وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] أي للاختلاف إلى شقي
وسعيد خلقهم، وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقوله:
﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ أي جعلنا عمله، أو ما سبق له من
شقاوة في عنقه؛ أي لازماً له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه؛ ومنه قول العرب: تقلدها
طوق الحمامة، وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته، ومنه قول الشاعر:
طوقتها طوق الحمامه
اذهب بها اذهب بها
فالمعنى في ذلك كله: اللزوم وعدم الانفكاك.
وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ كِتَبَا يَلْقَنُهُ
مَنْشُورًا﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه
يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً، أي مفتوحاً يقرؤه هو وغيره.
وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشوراً في آيات أخر، فبين أن من
صفاته أن المجرمين مشفقون؛ أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضراً ليس منه شيء غائباً، وأن الله
- جل وعلا - لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئاً؛ وذلك في قوله - جل وعلا -: ﴿وَوُضِعَ
اُلْكِتَبُ فَتَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا
(٤)﴾ [الكهف].
كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (

٤٥٧
سورة الإسراء: الآية (١٣).
وبين في موضع آخر أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا
المسلمين منهم - وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حساباً يسيراً، ويرجع إلى أهله مسروراً،
وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، قال تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أُوْقِىَ كِتَبَهُ
%.
بِمِینِ
وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (ج)﴾ [الإنشقاق]، وقال
(٣) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
تعالى: ﴿فَمَا مَنْ أُوقَِ كِتَبَهُ بِمِينِهِ، فَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَةِ (٣٢) إِّ ◌َنْتُ أَنِى مُلَقٍ حِسَلِيَّة
٢٠
قُطُوِفُهَا دَانِيَّةٌ ﴾ [الحاقة].
٢٢
فَهُوَ فِى عِشَةٍ رََّضِيَةٍ ﴿ فِ جَنَّةٍ عَلِيَةٍ ®
٠٠ . وبين في موضع آخر أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى
الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعاً، وذلك في قوله:
· يَلَيْتَهَا كَانَتِ
﴿وَمَا مَنْ أُوِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ يَيْتَنِىِ لَوْ أُوْتَ كِنَبِيَهْ ﴿ وَلَّ أَدْرِ مَا حِسَلِيَةٌ (
الْقَاضِيَةَ ﴿﴿ مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَّةٌ (
﴿﴿ هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَةْ
٢٩
خُذُوهُ فَقُلُوهُ ﴿ أُمَّ الْبَحِيَمَ صَلُوهُ (® ثُمَّ
[الحاقة:] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار،
فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُُوهُ
ومما قرب إليها من قول وعمل.
وبيّن في موضع آخر أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور،
وذلك في قوله: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ، ﴿ فَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا (4) وَيَصْلَى سَعِيرًا (
[الانشقاق]، وقوله تعالى: ﴿أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾ يعني أن نفسه تعلم
أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل؛ لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا
[القيامة].
من أول عمره إلى آخره، كما قال تعالى: ﴿يُّأُ اَلْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه إن أنكر شيئاً من عمله شهدت عليه جوارحه،
كقوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴾﴾ [يس]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ
كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ
وَلَّ أَبْصَدْرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى
ظَنَفْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ (٣)﴾ [فصلت]، وقوله - جل وعلا -: ﴿بَلِ آلْإِسَنُ
(16)﴾ [القيامة]، وسيأتي - إن شاء الله - لهذا زيادة
عَلَى نَفْسِ بَصِيرَةٌ ﴿ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ
إيضاح في سورة القيامة ...
تنبيه: لفظة ((كفى)) تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين:
تستعمل متعدية، وهي تتعدى غالباً إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر
بالباء، كقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وكقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَةٌ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقوله: ﴿فَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ونحو ذلك من الآيات ... .
وتستعمل لازمة، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية، كقوله في هذه
الآية الكريمة: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَيْكَ حَسِيبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
[النساء: ٨١]، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] ونحو ذلك.

٤٥٨
سورة الإسراء: الآية (١٥)
ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء. وزعم بعض علماء العربية أن جر
فاعلها بالباء لازم، والحق أنه يجوز عدم جره بها، ومنه قول الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
عميرة ودع إن تجهزت غادياً
وقول الآخر:
ويخبرني عن غائب المرء هديه
كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا
وعلى قراءة من قرأ (يُلقَّاهُ) بضم الياء وتشديد القاف مبنياً للمفعول، فالمعنى أن الله
يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة؛ فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول.
وقراءة من قرأ: (يَخْرُجْ) - بفتح الياء وضم الراء - مضارع خرج مبنياً للفاعل،
فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل وقوله: ﴿كِتَبًا﴾ حال من ضمير الفاعل؛
أي ويوم القيامة يخرج هو أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتاباً يلقاه
منشوراً، وكذلك على قراءة (يُخْرَجْ) - بضم الياء وفتح الراء - مبنياً للمفعول، فالضمير
النائب عن الفاعل راجع أيضاً إلى الطائر الذي هو العمل؛ أي يخرج له هو أي طائره
بمعنى عمله، في حال كونه كتاباً .
وعلى قراءة ((يُخْرِج)) - بضم الياء وكسر الراء - مبنياً للفاعل، فالفاعل ضمير يعود
إلى الله تعالى، وقوله: ﴿كِتَبًا﴾ مفعول به؛ أي ويوم القيامة يخرج هو أي الله له
كتاباً يلقاه منشوراً.
وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة، فالنون في (نُخْرِجُ) نون العظمة لمطابقة قوله:
﴿أَلْزَمْنَهُ﴾ و﴿كِتَبًا﴾ مفعول به لنخرج كما هو واضح . - والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿مَنِ أُهْتَدَىْ فَإنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَاً﴾ .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله - جل
وعلا - أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه؛ لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة ذلك الاهتداء،
وثمرته في الدنيا والآخرة، وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه - جل
وعلا - أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه؛ لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة
الوخيمة، فيخلد به في النار.
وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾
[فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾﴾ [الروم]،
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَأَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ
١٠٤٦
[الأنعام]، وقوله: ﴿فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنّ
عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد قدمنا طرفاً منها في سورة (النحل)).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة

٤٥٩
سورة الإسراء: الآية (١٤)
أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى؛ بل لا تحمل نفس إلا ذنبها، فقوله: ﴿ وَلَا نَزِرُ﴾ أي لا
تحمل، من وَزَرَ يَزِرُ؛ إذا حمل، ومنه سمي وزير السلطان؛ لأنه يحمل أعباء تدبير
شئون الدولة. والوزر: الإثم؛ يقال: وزر يزر وزرا، إذا أثم. والوزر أيضاً: الثقل
المثقل، أي لا تحمل نفس وازرة أي آئمة وزر نفس أخرى؛ أي إثمها، أو حملها
الثقيل؛ بل لا تحمل إلا وزر نفسها. وهذا المعنى جاء في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَزِرَةٌ وِزْدَ أُخْرََّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَّ﴾ [فاطر: ١٨]،
وقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَهَا وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَنَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُ مَرْجِئُكُمْ﴾
[الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َا كَسَبْتُمْ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ (3)﴾ [البقرة]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في سورة ((النحل)) بإيضاح أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى:
﴿وَلَيَحْيِلْنَ أَنْقَالَمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ولا قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً
يَوْمَ الْقِيَامَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلٍْ﴾ [النحل: ٢٥]؛ لأن المراد بذلك أنهم
حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم؛ لأن من سنَّ سنة سيئة فعليه
وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً كما تقدم مستوفى.
تنبيه: يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان:
الأول: ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ◌ًا من ((أن الميت يعذب ببكاء أهله
عليه)) فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره؛ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها
من أخذ الإنسان بذنب غيره؟
السؤال الثاني: إيجاب دية الخطأ على العاقلة؛ فيقال: ما وجه إلزام العاقلة الدية
بجناية إنسان آخر؟
والجواب عن الأول: هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين: الأول: أن يكون
الميت أوصى بالنوح عليه، كما قال طرفة بن العبد في معلقته:
وشقي عليّ الجيب يابنة معبد
إذا مت فانعيني بما أنا أهله
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله
لا فعل غيره.
الأمر الثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون
عليه؛ لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ -نَارًا﴾
[التحريم: ٦] فتعذيبه إذاً بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله: ﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾
الآية [التحريم: ٦] وهذا ظاهر كما ترى.
والجواب عن الثاني: بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل،
ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني؛ لأن الجاني لم يقصد سوءاً، ولا

٤٦٠ -
سورة الإسراء: الآية (١٥)
إثم عليه البتة، فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها
على العاقلة، ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه؛ كما
أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء. وأعتقد من أوجب الدية على أهل
ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره - أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان،
ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال: ((وأجمع أهل السير والعلم أن الدية
كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله ◌َ رّ في الإسلام. وكانوا يتعاقلون
بالنصرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك؛ حتى جعل عمر الديوان، واتفق
الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله وصله، ولا
زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية
يداً، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو))، انتهى كلام القرطبي - رحمه الله تعالى -.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله
- جل وعلا - لا يعذب أحداً من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولاً
ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.
وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا
◌ُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥] فصرح في هذه
الآية الكريمة بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم
بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار.
وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، بينها في
آخر سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
([٢٤]) ﴾ [طه].
فَنَِّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى
وأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَّ أَنْ تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ
فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَّبِعَ ءَايَئِكَ وَنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [القصص]،
وقوله - جل وعلا -: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ
[الأنعام]. وقوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَّدْ سَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةِ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا
جَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وكقوله: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنزَلْنَهُ
مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿ أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن
كُنَا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوَ أَنَّآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّاَ أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم
بَيِّنَةُ مِنْ زَبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله
- جل وعلا - لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل - عليهم الصلاة
والسلام - تصريحه - جل وعلا - في آيات كثيرة بأنه لم يدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار