Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة الإسراء: الآيتان (٣ - ٤) وقال القرطبي: ﴿وَكِيلًا﴾ أي شريكاً، عن مجاهد. وقيل: كفيلاً بأمورهم؛ حكاه الفراء. وقيل: رباً يتوكلون عليه في أمورهم؛ قاله الكلبي. وقال الفراء: كافياً. اهـ. والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل: من يتوكل عليه؛ فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع الشر، وهذا لا يصح إلا الله وحده - جل وعلا - ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه؛ لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كافي إلا هو وحده - جل وعلا - عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح؛ تنبيهاً على النعمة التي نجاهم بها من الغرق؛ ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله؛ أي يا ذرية من حملنا مع نوح فنجيناهم من الغرق، تشبهوا بأبيكم، فاشكروا نعمنا، وأشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَِّنَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَتِهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةٍ مَدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوْجٌ﴾ [مريم: ٥٨]. وبيّن في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم، وبيّن الشيء الذي حملهم فيه، وبيّن من بقي له نسل وعقب منهم، ومن انقطع ولم يبق له نسل ولا عقب. فبيّن أن الذين حملهم مع نوح هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله: ﴿قُلْنَا أُحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ﴾ [هود: ٤٠]. وبيّن أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠]. وبيّن أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه، قال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. وقال في ابنه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقال فيه أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكْ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَِجْ﴾ [هود: ٤٦]. وقوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ أي الموعود بنجاتهم في قوله: ﴿فَأُسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ونحوها من الآيات. وبيّن أن الذي حملهم فيه هو السفينة في قوله: ﴿قُلْنَا أُحِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠]؛ أي السفينة، وقوله: ﴿فَأُسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾؛ أي أدخل فيها - أي السفينة - ﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. وبيّن أن ذرية من حمل مع نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيََّهُ هُمُ الْبَاقِينَ W﴾ [الصافات: ٧٧]، وكان نوح يحمد الله على طعامه وشرابه، ولباسه وشأنه كله؛ فسماه الله عبداً شكوراً. وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا﴾، أنه منادى بحرف محذوف. قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآَ إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ . ٤٢٢ سورة الإسراء: الآية (٧) أظهر الأقوال فيه: أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم. ومن معاني القضاء: الإخبار والإعلام؛ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ (®)﴾ [الحجر] والظاهر أن تعديته بـ((إلى)) لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل: مضمن معنى: تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَاَ﴾ . بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن - أي بالإيمان والطاعة - فإنه إنما يحسن إلى نفسه؛ لأن نفع ذلك لنفسه خاصة، وأن من أساء - أي بالكفر والمعاصي - فإنه إنما يسيء على نفسه؛ لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة. وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة]، وقوله: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَةٍ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾﴾ [الروم] إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ بمعنى على؛ أي فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. ومن إتيان اللام بمعنى (على)) قوله تعالى: ﴿وَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ أي عليها، وقوله: ﴿فَسَلَهٌ لَّكَ﴾ [الواقعة: ٩١]؛ أي سلام عليك، على ما قاله بعض العلماء، ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزنى أو غيرهم: تناوله بالرمح ثم انثنى له فخر صريعاً لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم، والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة؛ كما قدمنا في نحو: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُُواْ وُجُوهَكُمْ﴾، جواب ((إذا)) في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: ((ليسئوا)) وتقديره: إذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسؤوا وجوهكم؛ بدليل قوله في الأولى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَآَ﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، قال ابن قتيبة في (مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حمید بن ثور: رأتني بحبليها فصدت مخافة وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق أي رأتني أقبلت، أو مقبلاً. وفي هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات: قرأه علي الكسائي ((لنسوء وجوهكم)) بنون العظمة وفتح الهمزة؛ أي لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم ((ليسوء وجوهكم)) بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله؛ أي ليسوء هو؛ أي اللهُ، وجوهَكُمْ بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون ((ليسئوا وجوهكم)) بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف النون، وضمير الفاعل الذي هو الواو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم ليسؤوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل. ٤٢٣ سورة الإسراء: الآية (٨) . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ لما بيّن - جل وعلا - أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما بعث عليهم عباداً له أولي بأس شديد فاحتلوا بلادهم وعذبوهم. وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قوماً ليسؤوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيراً. وبين أيضاً أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه - جل وعلا - يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم؛ وذلك في قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ولم يبيّن هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة أم لا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول وَله، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة. فعاد الله - جل وعلا - للانتقام منهم تصديقاً لقوله: ﴿وَإِنّ عُدُمْ عُدْنَا﴾ فسلط عليهم نبيه مَّ والمسلمين؛ فجرى على بني قريظة والنضير، وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة. فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ بِتْسَمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِةٍ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَاً أَنْزَلَ ٨٩ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ اَللَّهُ بَغْيَا أَنْ يُنَزِّلَ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِّ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، ونحو ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُوُهُم مِّنَ اَللَّهِ فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَنَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَأُ وَهُمْ فِ آلْأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهْ وَمَنْ يُنَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ الْعِقَابِ ﴾﴾ [الحشر]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ٨ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُّوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]، ونحو ذلك من الآيات. وتركنا بسط قصة الذين سلطوا عليهم في المرتين؛ لأنها أخبار إسرائيلية؛ وهي مشهورة في كتب التفسير والتاريخ، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِنَ حَصِيرًا﴾. في قوله: ﴿حَصِيرًا﴾ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه وكلها صحیح ویشهد له قرآن؛ فنورد جمیع ذلك لأنه کله حق: ٤٢٤ سورة الإسراء: الآية (٩) الأول: أن الحصير: المحبس والسجن؛ من الخصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال حصره يحصره حصراً: ضيق عليه وأحاط به. وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ تُبُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن معنى ((حصيراً)) أي فراشاً ومهاداً؛ من الحصير الذي يفرش؛ لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيراً. قال الثعلبي: وهو وجه حسن، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١]، ونحو ذلك من الآيات، والمهاد: الفراش. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهداً برب العالمين - جل وعلا - يهدي للتي هي أقوم؛ أي الطريقة التي هى أسدّ وأعدل وأصوب، فـ((التي)) نعت لموصوف محذوف، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفى النعت يقل وقال الزجاج والكلبي والفراء: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وهذه الآية الكريمة أجمل الله - جل وعلا - فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. ولكننا - إن شاء الله تعالى - سنذكر جملاً وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بياناً لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيهاً ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التى أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة. فمن ذلك توحيد الله - جل وعلا - فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده - جل وعلا - في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته، وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَيِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ( ﴾ [يونس]. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الشعراء] تجاهل من عارف أنه عبد مربوب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ٤٢٥ سورة الإسراء: الآية (٩) بَصَابِرَ﴾، وقوله: ﴿وَحَمَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤] وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف]، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًّا. الثاني: توحيده - جل وعلا - في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى ((لا إله إلا الله)) وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله، كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها؛ إفراد الله - جل وعلا - وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله - عليهم الصلاة والسلام -، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ اَلَلِمَةَ إِلَهَا وَبِّدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ ﴿َ﴾ [ص: ٥]. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَتَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ (9)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن [الزخرف]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَى ٤٥ ◌ُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةٌ يُعْبَدُونَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ (٣)﴾ [الأنبياء] فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: أنّ ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة ((لا إله إلا الله)) لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده. فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث: توحيده - جل وعلا - في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين: الأول: تنزيه الله - جل وعلا - عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله وَ ل على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهٍ، عِلْمًا (٣)﴾ [طه] وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحاً بالآيات القرآنية ((في سورة الأعراف)). ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته - جل وعلا - على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، ٤٢٦ سورة الإسراء: الآية (٩) فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده. ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاْأَبْصَرَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ [يونس: ٣١]، فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]. ومنها قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما اعترفوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَـ منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِدِهِ مَلَكُونُ كُلِّ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم شَىْءٍ وَهُوَ يُجِبْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] فلما صح الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ، أَوْلِيَّءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَهْسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ [الرعد: ١٦]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿فَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلِ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْتَهُ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣]. وقوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ الَمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿َ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِتُواْ شَجَرَهَاً﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠] ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها، خير من جماد لا يقدر على شيء، فلما تعين اعترافهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أََِةٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً ٤٢٧ سورة الإسراء: الآية (٩) عليهم بقوله: ﴿أَعِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ثم قال - جل وعلا -: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ﴾ [الصافات: ٦٢] ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَأَلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣] ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَوِلَهٌ مَعَ الَهِّ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ثم قال - جل وعلا -: ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَِلَهٌ مَعَ الله﴾ ولا شك أن الجواب كما قبله. فلما تعين الاعتراف وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿قُلّ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَآَيَكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا! أي ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] .. والآيات بنحو هذا كثيرة جدًّا، ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع: أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة، نحو قوله تعالى: ﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْغِى رَبَّ﴾ [الأنعام: ١٦٤] وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير، وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه. والكلام على أقسام التوحيد ستجده - إن شاء الله - في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: جعله الطلاق بيد الرجل، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ ... الآية [الطلاق: ١]، ونحوها من الآيات؛ لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق أن الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب الزراعة فيه لأنه يراه غير صالح له، والدليل الحسي القاطع على ما جاء به القرآن من أن الرجل زارع، والمرأة مزرعة وأن آلة الازدراع مع الرجل؛ فلو أرادت المرأة أن تجامع الرجل وهو كاره لها، لا رغبة له فيها لم ينتشر، ولم يقم ذكره إليها فلا تقدر منه على شيء، بخلاف الرجل فإنه قد يرغمها وهي كارهة فتحمل وتلد؛ كما قال أبو كبير الهذلي: ٤٢٨ سورة الإسراء: الآية (٩) حبك النطاق فشب غير مهبل ممن حملن به وهن عواقد فدلت الطبيعة والخلقة على أنه فاعل وأنها مفعول به؛ ولذا أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا لها . وتسوية المرأة بالرجل في ذلك مكابرة في المحسوس، كما لا يخفى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن، لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَّا نُقْسِطُواْ فِى الْمَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌّ فَإِنْ خِفْتُ أَلَّ تَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء. منها: أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلاً في غير ذنب. ومنها: أن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عدداً من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضاً لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة، فلو قصر الرجل على واحدة، لبقي عدد ضخم من النساء محروماً من الزواج، فيضطرون إلى ركوب الفاحشة، فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق، والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة، والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق! فسبحان الحكيم الخبير! ﴿الَرَ كِنَبُّ أُشْكِمَتْ ءَُمُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [هود]. ومنها: أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم. فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء؛ لأن المرأة لا عائق لها، والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح؛ فلو قصر الواحد على الواحدة، لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضاً بعدم وجود أزواج؛ فيكون ذلك سبباً لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة، والانحطاط الخلقي، وضياع القيم الإنسانية، كما هو واضح، فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن، وجب عليه الاقتصار على واحدة، أو ما ملك يمينه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]. والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ [النساء: ١٢٩]، أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض، فهو غير مستطاع دفعه للبشر، لأنه انفعال وتأثر نفساني لا فعل، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ اُلْنِسَآَءِ﴾ [النساء: ١٢٩]، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. وما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام، من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة؛ لأنه كلما أرضى ٤٢٩ سورة الإسراء: الآية (٩) - إحدى الضرتين سخطت الأخرى؛ فهو بين سخطتين دائماً، وأن هذا ليس من الحكمة، فهو كلام ساقط، يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه البتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة؛ فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام كلا شيء؛ لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة الصغرى. فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا، كما هو معروف في الأصول. قال في (مراقي السعود) عاطفاً على ما تلغى فيه المفسدة المرجوحة فى جنب المصلحة الراجحة. تقدي بما ينفع للنصارى أو رجح الإصلاح كالأسارى في كل مشرق وكل مغرب وانظر تدلى دوالي العنب ففداء الأسارى مصلحة راجحة، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة، فتقدم عليها المصلحة الراجحة، أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح كفداء الأسارى بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قدر الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة، كما قال في (المراقي): اخرم مناسبا بمفسد لزم للحكم وهو غير مرجوح علم وكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث، إلا أن مصلحة وجود العنب والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر منها، ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة، واجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون سبباً لحصول الزنى إلا أن التعاون بين المجتمع من ذكور وإناث مصلحة أرجح من تلك المفسدة، ولذا لم يقل أحد من العلماء: إنه يجب عزل النساء في محل مستقل عن الرجال، وأن يجعل عليهن حصن قوي لا يمكن الوصول إليهن معه، وتجعل المفاتيح بيد أمين معروف بالتقى والديانة كما هو مقرر في الأصول. فالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر. وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير، وهو أمر وسط بين القلة المفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل، وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع، والعلم عند الله تعالى. ٤٣٠ - سورة الإسراء: الآية (٩) ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يبيّن لخلقه هذا البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا يضلوا، فمن سوّى بينهما فيه فهو ضال قطعاً. ثم بين أنه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء من خلقه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِّ﴾ ... الآية [النساء: ١١]. ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث الذي ذكره الله تعالى؛ كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى اُلِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾ أي وهو الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍٍ﴾ [النساء: ٣٤] أي وهو النساء، وقوله: ﴿وَلِلِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، وشرف وجمال، والأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، لا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس. وقد أشار - جل وعلا - إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِىِ الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾﴾ [الزخرف: ١٨]؛ لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة أنهم نسبوا له ما لا يليق به من الولد، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما؛ ولذلك ينشأ في الحلية أي الزينة من أنواع الحلي والحلل ليجبر نقصه الخلقي الطبيعي بالتجميل بالحلي والحلل وهو الأنثى، بخلاف الرجل، فإن كمال ذكورته وقوتها وجمالها يكفيه عن الحلي، كما قال الشاعر: يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وما الحلي إلا زينة من نقيصة كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا وأما إذا كان الجمال موفراً [النجم] وإنما وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىِ ﴿ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيْرَ ® كانت هذه القسمة ضيزى؛ أي غير عادلة؛ لأن الأنثى أنقص من الذكر خلقة وطبيعة؛ فجعلوا هذا النصيب الناقص لله - جل وعلا - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً! وجعلوا الكامل لأنفسهم كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي وهو البنات. وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]، وقال: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أي وهو الأنثى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]. وكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة والطبيعة، وأن الذكر أفضل وأكمل منها؛ ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (63)﴾ [الصافات] ﴿أَفَأَصْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَنَا﴾، والآيات الدالة على تفضيله عليها كثيرة جدًّا. ٤٣١ سورة الإسراء: الآية (٩) ومعلوم عند عامة العقلاء أن الأنثى متاع لا بد له ممن يقوم بشؤونه ويحافظ عليه. وقد اختلف العلماء في التمتع بالزوجة هل هو قوت؟ أم تفكه؟ وأجرى علماء المالكية على هذا الخلاف حكم إلزام الابن بتزويج أبيه الفقير قالوا: فعلى أن النكاح قوت فعليه تزويجه؛ لأنه من جملة القوت الواجب له عليه، وعلى أنه تفكه لا يجب عليه على قول بعضهم، فانظر شبه النساء بالطعام والفاكهة عند العلماء. وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان في الجهاد؛ لأنهما من جملة مال المسلمين الغانمين، بخلاف الرجال فإنهم يقتلون. ومن الأدلة على أفضلية الذكر على الأنثى أن المرأة الأولى خلقت من ضلع الرجل الأول؛ فأصلها جزء منه. فإذا عرفت من هذه الأدلة أن الأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي، فاعلم أن العقل الصحيح الذي يدرك الحكم والأسرار، يقضي بأن الناقص الضعيف بخلقته وطبيعته، يلزم أن يكون تحت نظر الكامل في خلقته، القوي بطبيعته؛ ليجلب له ما لا يقدر على جلبه من النفع، ويدفع عنه ما لا يقدر على دفعه من الضر؛ كما قال تعالى: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]. وإذا علمت ذلك، فاعلم أنه لما كانت الحكمة البالغة، تقتضي أن يكون الضعيف الناقص مقوماً عليه من قبل القوي الكامل، اقتضى ذلك أن يكون الرجل ملزماً بالإنفاق على نسائه، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة؛ كما قال تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] ومال الميراث ما مسحا في تحصيله عرقاً، ولا تسببا فيه البتة، وإنما هو تمليك من الله ملكهما إياه تمليكاً جبرياً؛ فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يؤثر الرجل على المرأة في الميراث وإن أدليا بسبب واحد؛ لأن الرجل مترقب للنقص دائماً بالإنفاق على نسائه، وبذل المهور لهن، والبذل في نوائب الدهر، والمرأة مترقبة للزيادة بدفع الرجل لها المهر، وإنفاقه عليها وقيامه بشؤونها. وإيثار مترقب النقص دائماً على مترقب الزيادة دائماً لجبر بعض نقصه المترقب، حكمته ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي؛ ولذا قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اُلْأُنْشَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ولأجل هذه الحكم التي بينا بها فضل نوع الذكر على نوع الأنثى في أصل الخلقة والطبيعة، جعل الحكيم الخبير الرجل هو المسؤول عن المرأة في جميع أحوالها. وخصه بالرسالة والنبوة والخلافة دونها، وملكه الطلاق دونها، وجعله الولي في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادته في الأموال بشهادة امرأتين في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجعل شهادته تقبل في الحدود والقصاص دونها، إلى غير ذلك من الفوارق الحسية والمعنوية والشرعية بينهما . ألا ترى أن الضعف الخلقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب، قال جرير: ٤٣٢ سورة الإسراء: الآية (٩) قتلننا ثم لم يحيين قتلانا إن العيون التي في طرفها حور وهن أضعف خلق الله أركانا يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به وقال ابن الدمينة : ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له به سكتة حتى يقال مريب فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل فالأول: تشبب بهن بضعف أركانهن، والثاني: بعجزهن عن الإبانة في الخصام، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين، صح عن النبي ◌َ ﴿ اللعن على من تشبه منهما بالآخر، قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس رضيها قال: ((لعن رسول الله وَلقر المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) هذا لفظ البخاري في صحيحه، ومعلوم أن من لعنه رسول الله وَيّ فهو ملعون في كتاب الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. كما ثبت عن ابن مسعود نظرته كما تقدم. فلتعلمن أيتها النساء اللاتي تحاولن أن تكن كالرجال في جميع الشؤون أنكن مترجلات متشبهات بالرجال، وأنكن ملعونات في كتاب الله على لسان رسوله وَاخيه، وكذلك المخنثون المتشبهون بالنساء، فهم أيضاً ملعونون في كتاب الله على لسانه وَله، ولقد صدق من قال فيهم: ولكن تأنيث الرجال عجاب. وما عجب أن النساء ترجلت واعلم - وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه - أن هذه الفكرة الكافرة، الخاطئة الخاسئة، المخالفة للحس والعقل، وللوحي السماوي وتشريع الخالق البارئ من تسوية الأنثى بالذكر في جميع الأحكام والميادين، فيها من الفساد والإخلال بنظام المجتمع الإنساني ما لا يخفى على أحد إلا من أعمى الله بصيرته، وذلك لأن الله - جل وعلا - جعل الأنثى بصفاتها الخاصة بها صالحة لأنواع من المشاركة في بناء المجتمع الإنساني؛ صلاحاً لا يصلحه لها غيرها كالحمل والوضع، والإرضاع وتربية الأولاد، وخدمة البيت، والقيام على شؤونه: من طبخ وعجن وكنس ونحو ذلك. وهذه الخدمات التي تقوم بها للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة، وعفاف ومحافظة على الشرف والفضيلة والقيم الإنسانية، لا تقل عن خدمة الرجل بالاكتساب؛ فزعم أولئك السفلة الجهلة من الكفار وأتباعهم أن المرأة لها من الحقوق في الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل، مع أنها في زمن حملها ورضاعها ونفاسها، لا تقدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقة كما هو مشاهد، فإذا خرجت هي وزوجها بقيت خدمات البيت كلها ضائعة من حفظ الأولاد الصغار، وإرضاع من هو في زمن الرضاع منهم، وتهيئة الأكل ٤٣٣٠ سورة الإسراء: الآية (٩) والشرب للرجل إذا جاء من عمله. فلو أجروا إنساناً يقوم مقامها، لتعطل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطل الذي خرجت المرأة فراراً منه؛ فعادت النتيجة في حافرتها، على أن خروج المرأة وابتذالها فيه ضياع المروءة والدين؛ لأن المرأة متاع، هو خير متاع الدنيا، وهو أشد أمتعة الدنيا تعرضاً للخيانة؛ لأن العين الخائنة إذا نظرت إلى شيء من محاسنها فقد استغلت بعض منافع ذلك الجمال خيانة ومكراً؛ فتعريضها لأن تكون مائدة للخونة فيه ما لا يخفى على أدنى عاقل، وكذلك إذا لمس شيئاً من بدنها بدن خائن سرت لذة ذلك اللمس في دمه ولحمه بطبيعة الغريزة الإنسانية؛ ولا سيما إذا كان القلب فارغاً من خشية الله تعالى، فاستغل نعمة ذلك البدن خيانة وغدراً. وتحريك الغرائز بمثل ذلك النظر واللمس يكون غالباً سبباً لما هو شر منه؛ كما هو مشاهد بكثرة في البلاد التي تخلت عن تعاليم الإسلام، وتركت الصيانة؛ فصارت نساؤها يخرجن متبرجات عاريات الأجسام إلا ما شاء الله؛ لأن الله نزع من رجالها صفة الرجولة والغيرة على حريمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! نعوذ بالله من مسخ الضمير والذوق، ومن كل سوء، ودعوى الجهلة السفلة أن دوام خروج النساء بادية الرؤوس والأعناق والمعاصم والأذرع والسوق، ونحو ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال؛ لأن كثرة الإمساس تذهب الإحساس. كلام في غاية السقوط والخسة؛ لأن معناه: إشباع الرغبة مما لا يجوز، حتى يزول الأرب منه بكثرة مزاولته وهذا كما ترى؛ ولأن الدوام لا يذهب إثارة الغريزة باتفاق العقلاء؛ لأن الرجل يمكث مع امرأته سنين كثيرة حتى تلد أولادهما، ولا تزال ملامسته لها، ورؤيته لبعض جسمها تثير غريزته، كما هو مشاهد لا ينكره إلا مكابر: لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي وقد أمر رب السموات والأرض، خالق هذا الكون ومدبر شؤونه، العالم بخفايا أموره، وبكل ما كان وما سيكون بغض البصر عما لا يحل؛ قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَبَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ الآية [النور: ٣٠ - ٣١]. ونهى المرأة أن تضرب برجلها لتسمع الرجال صوت خلخالها في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ونهاهن عن لين الكلام؛ لئلا يطمع أهل الخنى فيهن؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوَلِ فَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تحقيق المقام في مسألة الحجاب (في سورة الأحزاب) كما قدمنا الوعد بذلك في ترجمة هذا الكتاب المبارك. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: ملك الرقيق المعبر عنه في القرآن بملك اليمين ٤٣٤ سورة الإسراء: الآية (٩) في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾﴾ [المؤمنون] ((في سورة قد أفلح المؤمنون، وسأل سائل))، وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضََّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَّذِينَ يَتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وقوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجِ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْتُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِنُكْ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ اَلَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُبَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقوله - جل وعلا -: ﴿أَوْ نِسَآءِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله: ﴿فَمَا الَِّنَ فُضِّلُواْ بِرَآِى رِزْقِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، وقوله: ﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات. فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات ونحوها: ملك الرقيق بالرق، ومن الآيات الدالة على ملك الرقيق قوله: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُونًا﴾ [النحل: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ونحو ذلك من الآيات. وسبب الملك بالرق هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر الله المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأموالهم، وجميع قواهم، وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على الكفار - جعلهم ملكاً لهم بالسبي؛ إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء؛ لما في ذلك من المصلحة على المسلمين. وهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها وأظهرها حكمة، وذلك أن الله - جل وعلا - خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٨٩) مَا أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ [الذاريات]. وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، كما قال: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وفي الآية الأخرى ((في سورة النحل)): ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [إبراهيم]. وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَلِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (®﴾ [النحل]. فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا، وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا، واستعملوا جميع المواهب التي أنعم عليهم بها في محاربته، وارتكاب ما ٤٣٥ سورة الإسراء: الآية (٩)- يسخطه، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان. فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير - جل وعلا - عقوبة شديدة تناسب جريمتهم فسلبهم التصرف، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، فأجاز بيعهم وشراءهم، وغير ذلك من التصرفات المالية، مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلباً كلياً، فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم، وأن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم أعانوهم، كما هو معروف في السنة الواردة عنه رَّة، مع الإيصاء عليهم في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَتَمَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُّكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] كما تقدم. وتشوف الشارع تشوفاً شديداً للحرية والإخراج من الرق؛ فأكثر أسباب ذلك، كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظهار ويمينٍ وغير ذلك، وأوجب سراية العتق، وأمر بالكتابة في قوله: ﴿فَكَلِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ورغب في الإعتاق ترغيباً شديداً، ولو فرضنا - ولله المثل الأعلى - أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق، وتشنع في ذلك على دين الإسلام - قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها، وعدم نفوذ كلمتها، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها، التي يظهر لها أن بهما صلاح المجتمع، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة، ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه؛ فهو أشد سلباً لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل، والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعه؛ ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينة؛ والرخاء والعدالة، والمساواة في الحقوق الشرعية، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَاُلْإِحْسَنِ وَإِيَتَآَيَّ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى ١٩٠﴾ [النحل] فعاقبه الله هذه عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذََُّّونَ المعاقبة بمنعه التصرف، ووضع درجته وجريمته تجعله يستحق العقوبة بذلك. فإن قيل: إذا كان الرقيق مسلماً فما وجه ملكه بالرق؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة الله ورسله قد زال؟. فالجواب: أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق، والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها، فالمسلمون عندما غنموا الكفار بالسبي ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع، وهو الحكيم الخبير، فإذا استقر هذا الحق وثبت، ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقاً بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه، كما هو معلوم عند العقلاء، نعم، يحسن بالمالك . . : ٤٣٦ سورة الإسراء: الآية (٩). ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم، وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه، وفتح الأبواب الكثيرة كما قدمنا - فسبحان الحكيم الخبير ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْفًا وَعَدْلًاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهْ وَهُوَ ﴾ [الأنعام]. فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ أي في الأخبار، وقوله: ﴿وَعَدّلًا﴾ أي في ١١٥) السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( الأحكام، ولا شك أن من ذلك العدل الملك بالرق وغيره من أحكام القرآن. وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: القصاص؛ فإن الإنسان إذا غضب وهمَّ بأن يقتل إنساناً آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل؛ فحيي ذلك الذي كان يريد قتله، وحيي هو؛ لأنه لم يقتل فيقتل قصاصاً، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِى الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة] ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها؛ ولذلك يشاهد في ١٧٩) أقطار الدنيا قديماً وحديثاً قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله؛ لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفاً. وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة؛ لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع كله كلام ساقط، عار من الحكمة! لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإن السفهاء يكثر منهم القتل؛ فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءٌ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ [المائدة]، وقال النبي ◌َّير: ((لو سرقت فاطمة لقطعت يدها)). ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: رجم الزاني المحصن ذكراً كان أو أنثى، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكراً كان أو أنثى. أما الرجم فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم، وهي قوله تعالى: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)). وقد قدمنا ذم القرآن للمعرض عما في التوراة من حكم الرجم؛ فدل القرآن في آيات محكمة كقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اٌلَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] - على ثبوت حكم الرجم في شريعة نبينا وَّية لذمه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدم. وما ذكرنا من أن حكم الرجم ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي ظله، حين رجم امرأة يوم الجمعة: ((رجمتها بسنة رسول الله (وَل))؛ لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها . ٤٣٧ سورة الإسراء: الآية (٩)- ويدل على ذلك قول عمر له في حديثه الصحيح المشهور: ((فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله وَلّ ورجمنا بعده ... )) الحديث. والملحدون يقولون: إن الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية، ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان؛ لقصور إدراكهم عن فهم حكم الله البالغة في تشريعه . والحاصل أن الرجم عقوبة سماوية معقولة المعنى؛ لأن الزاني لما أدخل فرجه في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر، فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض، وتقذير الحرمات، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني، والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله. ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة؛ فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة، وشر أمثاله عن المجتمع. ويطهره هو من التنجيس بتلك القاذورة التي ارتكب، وجعل قتلته أفظع قتلة؛ لأن جريمته أفظع جريمة، والجزاء من جنس العمل. وقد دل الشرع المُطَهّر على أن إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعاً يوجب الغسل، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء. فدل ذلك على أن الفعل يتطلب طهارة في الأصل، وطهارته المعنوية إن كان حراماً قتل صاحبه المحصن؛ لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب الزنى، ويبقى عليه حق الآدمي؛ كالزوج إن زنى بمتزوجة، وحق الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا إليه سابقاً. وشدة قبح الزنى أمر مركوز في الطبائع، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة: ما أقبح ذلك الفعل حلالاً! فكيف به وهو حرام! وغلظ - جل وعلا - عقوبة المحصن بالرجم تغليظاً أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة؛ لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن. فلمّا كان الداعي إلى الزنى أعظم، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم. وأما جلد الزاني البكر ذكراً كان أو أنثى مائة جلدة، فهذا منصوص بقوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَلْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةَ جَلْدَّةٍ﴾ [النور: ٢]؛ لأن هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى، وتطهره من ذنب الزنى كما تقدم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيل ما يلزم الزناة من ذكور وإناث، وعبيد وأحرار ((في سورة النور)). وتشريع الحكيم الخبير - جل وعلا - مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح، والجري على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، ولا شك أن من أقوم الطرق معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقاً . ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين، فما خيّله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام - باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم ٤٣٨ سورة الإسراء: الآية (٩) في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين، ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوٍَّ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]. وقال: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرٌّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿ أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ ... الآية [سبأ: ١٠ -١١]. فقوله: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ يدل على الاستعداد لمكافحة العدو، وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا﴾ [النمل: ١٩] يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف. وداود من أنبياء ((سورة الأنعام)) المذكورين فيها في قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. وقد قال تعالى مخاطباً لنبينا وَّر وعليهم بعد أن ذكرهم: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس ◌ًّا من أين أخذت السجدة ((في ص)) فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ﴾ ... [الأنعام: ٨٤] ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠] فسجدها داود، فسجدها رسول الله وَله. فدل ذلك على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود، فعلينا أن نستعد الكفاح العدو مع التمسك بديننا، وانظر قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت، فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين. ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو، وبين القيام بما شرعه الله - جل وعلا - من دينه، فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدل على ذلك دلالة في غاية الوضوح، وقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (®)﴾ [الأنفال] فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله عند التحام القتال يدل على ذلك أيضاً دلالة واضحة. فالكفار خيلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين، والسمت الحسن والأخلاق الكريمة - تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود، والنفي الإثبات أو الضدين كالسواد والبياض، والحركة والسكون، أو المتضائفين كالأبوة والبنوة، والفوق والتحت. أو العدم والملكة كالبصر والعمى. فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة، وكذلك الحركة والسكون مثلاً. وكذلك الأبوة والبنوة. فكل ذات ثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها البنوة لها، بحيث يكون شخص أباً و ابناً لشخص واحد؛ كاستحالة ٤٣٩ سورة الإسراء: الآية (٩) - اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة، أو الحركة والسكون في جرم، وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان. فخيلوا لهم أن التقدم والتمسك بالدين. متباينان تباين مقابلة، بحيث يستحيل اجتماعهما؛ فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم؛ فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. والتحقيق أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين بالنظر إلى العقل وحده، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة إنما هي تباين المخالفة، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلاً في ذات أخرى؛ كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة. فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعهما في ذات واحدة كالثلج، وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعداً متكلماً في وقت واحد، وهكذا، فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلاً أن يكون بارداً كالثلج، والإنسان القاعد يجوز عقلاً أن يكون متكلماً، فكذلك المتمسك بالدين يجوز عقلاً أن يكون متقدماً؛ إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلاً في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفى، وكما عرفه التاريخ للنبي وهي وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ؟﴾ الآية [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقوله: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصافات]، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (®﴾ [المجادلة]، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [غافر: ٥١]، وقوله: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ ١٤) [التوبة]، ونحو ذلك من الآيات، وما في معناها من الأحاديث .. فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم، كما صرحت به الآيات المذكورة. ومعلوم أن النسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة أو الخصوص المطلق؛ لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعم من لازمه، وقد يجوز أن يكون مساوياً أو أخص منه، ولا يتعدى ذلك. ومثال ذلك: الإنسان مثلاً، فإنه ملزوم للبشرية والحيوانية، بمعنى أن الإنسان يلزم على كونه إنساناً أن يكون بشراً وأن يكون حيواناً، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصدق وهو البشر. والثاني أعم منه ماصدقاً وهو الحيوان، فالإنسان أخص منه خصوصاً مطلقاً كما هو معروف. ٤٤٠ - سورة الإسراء: الآية (٩) فانظر كيف خيلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين، وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمي بصائرهم، فهم ما تقولوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي للإسلام ليمكنهم الاستيلاء عليهم؛ لأنهم لو عرفوا الدين حقًّا واتبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم، فالدين هو هو وصلته بالله هي هي، ولكن المنتسبين إليه في جل أقطار الدنيا تنكروا له، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء؛ فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة؛ ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزهم ومجدهم، وقادوا جميع أهل الأرض، وهذا مما لا شك فيه ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: بيانه أن كل من اتبع تشريعاً غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، مخرج عن الملة الإسلامية، ولما قال الكفار للنبي وَله: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم: ((الله قتلها)) فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله!؟ أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَّآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُتْرِكُونَ ﴾ [الأنعام] وحذف الفاء من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ يدل على قسم محذوف على حد قوله في الخلاصة: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم إذ لو كانت الجملة جواباً للشرط لاقترنت بالفاء على حد قوله في الخلاصة أيضاً: واقرن بفا حتماً جواباً لو جعل شرطاً لإن أو غيرها لم ينجعل فهو قسم من الله - جل وعلا - أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله: ﴿أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس]؛ لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته، وقال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ ﴾ [النساء] أي ما يعبدون إلا مِن دُونِهِةٍ إِلَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا شيطاناً، وذلك باتباعهم تشريعه. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، فسماهم شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وقال عن خليله: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ﴾ [مريم: ٤٤]، أي بطاعته في الكفر والمعاصي، ولما سأل عدي بن حاتم النبي ◌َّر عن قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا﴾ ... الآية [التوبة: ٣١]، بيّن له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم، والآيات بمثل هذا كثيرة. والعجب ممن يحكم غير تشريع الله ثم يدّعي الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ