Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الحجر: الآية (٩٩) -
فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله وَله: ((وما يدريك أن الله قد أكرمه))؟
فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن يكرمه الله؟! فقال: ((أما هو فقد جاءه اليقين،
وإني لأرجو له الخير .. )) الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت.
وقول من قال: إن المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا؛
لأن الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقيناً، ولقد أجاد التهامي في قوله:
والعيش نوم والمنية يقظة
والمرء بينهما خيال ساري
وقال صاحب (الدر المنثور): أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في
التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله وَلاته: ((ما
أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح ﴿يَحَمْدِ رَيِّكَ
.((((
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ
وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ لَّ
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود نظره عن النبي وَّ قال: ((ما أوحي إلي أن
أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
٩٩
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنَكَ الْيَقِيْنُ
٩٨
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء ظُله: سمعت رسول الله وَل يقول:
((ما أوحي إلي أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً، ولكن أوحي إلي أن سبح
﴿ يَحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ (@)
.
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ
(٩٩)
تنبيهان :
الأول: هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حياً وله عقل ثابت یمیز
به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته، فإن لم يستطع الصلاة قائماً فليصل قاعداً، فإن
لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام -: ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ [مريم: ٣١] وقال البخاري في
صحيحه: ((باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب)) وقال عطاء: إن لم يقدر أن يتحول
إلى القبلة صلى حيث كان وجهه، حدثنا عبدان عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان
قال: حدثني الحسين المكتب، عن بريدة، عن عمران بن حصين ضًا، قال: كانت بي
بواسير، فسألت النبي ◌َ﴿ عن الصلاة فقال: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم
تستطع فعلى جنب))، اهـ ونحو هذا معلوم؛ قال تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمُ﴾
[التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال ◌َله:
(إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم ... )) الحديث.
التنبيه الثاني: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض الزنادقة الكفرة
المدعين للتصوف، من أن معنى اليقين المعرفة بالله - جل وعلا - وأن الآية تدل على
أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين - أنه تسقط عنه
العبادات والتكاليف؛ لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة.

٣٢٢
سورة النحل: الآية (١)
إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمین،
وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلاً، بل يسمى لعباً كما قدمنا في سورة آل
عمران، ومعلوم أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - هم وأصحابهم هم أعلم
الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر
الناس عبادة لله - جل وعلا -، وأشدهم خوفاً منه وطمعاً في رحمته، وقد قال - جل
وعلا -: ﴿إِنََّا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] والعلم عند الله تعالى.
براسم الرحمن الرحيم
سورة النحل
قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. أي قرب وقت إتيان القيامة. وعبر بصيغة الماضي
تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع، واقتراب القيامة المشار إليه هنا بيّنه - جل وعلا - في
مواضع أخر، كقوله: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]،
[القمر]، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
وقوله - جل وعلا -: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴾﴾
السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:
(٥٨)﴾ [النجم]
١٧]، وقوله - جل وعلا -: ﴿أَرْفَتِ الْأَزِفَةُ ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ
إلى غير ذلك من الآيات.
والتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن، كقوله:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ
النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِاْعَهَ بِالنَّبِيْعِنَ
﴿ وَؤُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا
وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ ... ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧١].
يَفْعَلُونَ
فكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزل تحقق وقوعها منزلة الوقوع.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْتَعِْلُهُ﴾. نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن
استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم القيامة، والاستعجال هو طلبهم أن يعجل
لهم ما يوعدون به من العذاب يوم القيامة.
والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله - جل وعلا -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابٍ
وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَنَّى لَّمَ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَنَّهُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٨ يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ

٣٢٣
سورة النحل: الآية (٢)
ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُنَّةٍ مَعْدُودَةٍ
لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا فِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ
١٦)
[ص]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُهُ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
٥٠
[يونس] إلى غير ذلك من الآيات.
والضمير في قوله: فلا تستعجلوه)) في تفسيره وجهان:
أحدهما: أنه العذاب الموعد به يوم القيامة، المفهوم من قوله: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾.
وثانيهما: أنه يعود إلى الله؛ أي لا تطلبوا من الله أن يعجل لكم العذاب، قال
معناه ابن كثير.
وقال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: لما نزلت ﴿أَقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ
اُلْقَمَرُ ﴾﴾ [القمر] قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت! فأمسكوا عن بعض
ما كنتم تعملون، فأمسكوا فانتظروا فلم يروا شيئاً، فقالوا: ما نرى شيئاً! فنزلت ﴿اقْرَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة؛ فامتدت الأيام فقالوا:
ما نرى شيئاً، فنزلت ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ فوثب رسول الله وَله والمسلمون وخافوا، فنزلت
﴿فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فقال النبي وَّ: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار بأصبعيه
السبابة والتي تليها، اهـ محل الغرض من كلام القرطبي، وهو يدل على أن المراد
بقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعِْلُوَةٌ﴾؛ أي لا تظنوه واقعاً الآن عن عجل، بل هو متأخر إلى وقته
المحدد له عند الله تعالى.
وقول الضحاك ومن وافقه: إن معنى: ﴿أَ أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي فرائضه وحدوده - قول
مردود ولا وجه له، وقد رده الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره قائلاً: إنه لم يبلغنا أن
أحداً من أصحاب رسول الله و لو استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم، فيقال لهم من
أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها، أما مستعجلو العذاب من المشركين
فقد کانوا كثيراً، اهـ.
والظاهر المتبادر من الآية الكريمة - أنها تهديد للكفار باقتراب العذاب يوم القيامة
مع نهیهم عن استعجاله . .
قال ابن جرير في تفسيره: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال:
هو تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك؛
وذلك أنه عقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] فدل بذلك
على تقريعه المشركين به ووعيده لهم، اهـ.
قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد بها الوحي؛ لأن
الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام.
:

٣٢٤
-
سورة النحل: الآيتان (٢ - ٣)
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِفَأْ مَا كُنْتَ نَدْرِى مَا
اَلْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَقِ ﴿ يَوْمَ هُمْ بَِزُونَ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ
(W)﴾ [غافر].
لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ
ومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ﴾
بقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾؛ لأن الإنذار إنما يكون بالوحي، بدليل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم
بِالْوَحْيٌ﴾ [الأنبياء: ٤٥]. وكذلك إتيانه بعد قوله: ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ
عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] بقوله: ﴿لُنَّذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]؛ لأن الإنذار إنما يكون بالوحي
أيضاً. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو ((ينزل)) بضم الياء وإسكان النون وتخفيف
الزاي، والباقون بالضم والتشديد، ولفظة ((من)) في الآية تبعيضية، أو لبيان الجنس.
وقوله: ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِّ﴾ [البقرة: ٩٠]؛ أي ينزل الوحي على من اختاره
وعلمه أهلاً لذلك؛ كما بينه تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِ﴾
[الحج: ٧٥]، وقوله: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله: ﴿يُلْقِى
الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وقوله: ﴿بِثْسَمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن
يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِّ﴾ [البقرة: ٩٠].
وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اُلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوَاْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ﴾. الأظهر في ((أن)) من قوله:
﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ أنها هي المفسرة؛ لأن إنزال الملائكة بالروح - أي بالوحي - فيه معنى
القول دون حروفه فيكون المعنى: أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر بإنذار الناس
((بلا إله إلا الله)) وأمرهم بتقواه.
وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ
٢٢٥
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَأْ فَأَعْبُدُونِ
بَعَثْنَا فِى كُلّ أُنَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أُعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ﴾، وقوله: ﴿وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
[الزخرف]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا
٤٥
مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ
(١٨)﴾ [الأنبياء] إلى غير ذلك من
يُوَ إِلَىَ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ
الآيات، وقد قدمنا معنى الإنذار، ومعنى التقوى.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾. بَيّن - جل
وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه هو خالق السماوات والأرض، وأن من يخلق هذه
المخلوقات العظيمة يتنزه ويتعاظم أن يعبد معه ما لا يخلق شيئاً، ولا يملك لنفسه شيئاً .
فالآية تدل على أن من يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود، لا يصح أن يعبد معه
.

٣٢٥
سورة النحل: الآيتان (٢ - ٣)
من لا يقدر على شيء؛ ولهذا أتبع قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بقوله:
﴿تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ﴾ .
وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]. فدل على أن المعبود هو الخالق دون غيره، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ
كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَبَهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ
اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اُلْوَجِدُ اٌلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ،
لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴿﴿ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِكُ فِ
الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرً ﴾ وَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةُ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلَا يَمْلِكُنَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرََّ وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان]،
وقوله - جل وعلا -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهَّ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ اٌلَّلِمُونَ فِى
ضَلَالِ تُبِينٍ ﴾﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَّكَتَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا
خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ التَّمَوَتِ﴾ [فاطر: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ أَرُونِيِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمُمْ شِرٌْ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ
عِلْمٍ إِن كُمُ صَدِقِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقوله - جل وعلا -: ﴿أَيْرِكُنَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا
وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُمَّ إِنَ
الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهٌ﴾ [الحج: ٧٣]، وقوله: ﴿أَمْ
خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ ... الآية [الطور: ٣٥،
٣٦]، وقوله: ﴿وَلَِّينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ أَمْوَتُ غَيْرُ
أَخْيَاْءٍ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
فهذه الآيات تبيّن أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من
العدم إلى الوجود، أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه، ويدبر شؤونه.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِسَانَ مِنْ تُطْفَةٍ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا
اَلْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة.
وقال صاحب (الدر المنثور) بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط
من ماء الرجل وماء المرأة، وأخرج الطستيّ عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال:
أخبرني عن قوله: ﴿مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في
الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:
خلال النصل خالطه مشيج
كأن الريش والفوقين منه
ونسب في (اللسان) هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا:
كأن النصل والفوقين منها خلال الريش سيط به مشيج

٣٢٦
-
سورة النحل: الآية (٤)
قال: ورواه المبرد:
خلاف النصل سيط به مشيج
كأن المتن والشرجين منه
قال: ورواه أبو عبيدة:
كأن الريش والفوقين منها
خلال النصل سيط به المشيج
ومعنى (سيط به المشيج)) خلط به الخلط .
إذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بيّن أن ذلك الماء الذي هو النطفة، منه ما
هو خارج من الصلب، أي وهو ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب وهو ماء
(٤) ◌ُلِقَ مِن مَّآِ دَافِقٍ
المرأة، وذلك في قوله - جل وعلا -: ﴿فَيُنْظُرِ الْإِنسَنُ مِمَ خُلِقَ
يخرجَ مِنْ بَيْنِ السُّلَّبِ
)﴾ [الطارق]؛ لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره،
وَالتّرَائِبِ
والمراد بالترائب ترائب المرأة وهي موضع القلادة منها، ومنه قول امرئ القيس:
ترائبها مصقولة كالسجنجل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة
واستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل
أو ابن ربيعة :
والزعفران على ترائبها
شرقابه اللبات والنحر
فقوله هنا: ﴿مِنْ بَيْنِ اُلُّلْبِ وَالتَِّبِ ﴾﴾ يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط
المذكورة، وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قوله: ﴿فَيُظْرِ الْإِنسَنُ مِمَّ خُلِقَ
[الطارق] تنبيه له على حقارة ما خلق منه؛ ليعرف قدره، ويترك التكبر والعتو، ويدل على
الآية [المرسلات].
ذلك قوله: ﴿أَ نَخْلُفْكُم مِّنْ مَّآءٍ شَهِينٍ
وبيّن - جل وعلا - حقارته بقوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرٍِ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيِمٍ
(٣٨)
[المعارج] والتعبير عن النطفة بما الموصولة فى قوله:
كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ (ج)
﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان، وفي
ذلك أعظم ردع، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم.
وقوله - جل وعلا -: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾، أظهر القولين فيه أنه ذم للإنسان
المذكور. والمعنى: خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع، ففاجأ بالخصومة والتكذيب، كما
تدل عليه ((إذا)) الفجائية، ويوضح هذا المعنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات] مع قوله - جل وعلا -: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ
٥٦
خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَكُمْ قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُخْبِيهَا
﴾ [يس]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ
الَّذِىّ أَنشَأَهَآ أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُهُمْ وَلَا
اٌلْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (@)
[60])﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَهِذَا مَا مِتُ لَسَوْفَ
يَضُّهُمُّ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا (

٣٢٧
سورة النحل: الآية (٥)
أُخْرَجُ حَيًّا (٨ أَوَّلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا(٣)﴾ [مريم] إلى غير ذلك
من الآيات، وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح لهذا المبحث في ((سورة الطارق)).
)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه خلق الأنعام لبني آدم ينتفعون بها تفضلاً منه
عليهم، وقد قدمنا في ((آل عمران)) أن القرآن بيّن أن الأنعام هي الأزواج الثمانية التي
هي الذكر والأنثى من الإبل، والبقر، والضأن، والماعز، والمراد بالدفء على أظهر
القولين: أنه اسم لما يدفأ به، كالملء اسم لما يملأ به، وهو الدفاء من اللباس
المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها .
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودٍ
اُلْأَنْعَمِ بُوْنَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَتًا وَمَتَّعًا
إِلَى حِينٍ ﴾﴾ وقيل: الدفء نسلها، والأول أظهر، والنسل داخل في قوله ﴿ وَمَنَفِعُ﴾
أي من نسلها ودرها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
ومنافع الأنعام التي بيّن الله - جل وعلا - امتنانه بها على خلقه في هذه الآية
الكريمة، بينها لهم أيضاً في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُرُ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبَةً نُشْفِيكُم ◌ِمَا فِى
وَعَلَيَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُّحْمَلُونَ (4)﴾ [المؤمنون]،
بُطُونِهَا وَلَكُ فِيَهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ ®
وقوله: ﴿اَللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴾ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ
وَيُرِيَكُمْ ءَايَتِهِ فَأَىَ ءَايَتِ
٨٠
وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيَّهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
اللَّهِ تُنكِرُونَ ﴾﴾ [غافر]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا
مَلِكُونَ
وَذَلَلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌّ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
(٣)﴾ [يس] وقوله: ﴿وَأَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ (٣)
لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا
وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنَ ﴿ وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ
الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦] إلى غير ذلك من الآيات.
والأظهر في إعراب ((والأنعام)) أن عامله وهو ((خلق)) اشتغل عنه بالضمير فنصب
بفعل مقدر وجوباً يفسره ((خلق)) المذكور، على حد قول مالك في الخلاصة:
فالسابق أنصبه بفعل أضمرا
حتما موافق لما قد أظهرا
وإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع؛ لأنه معطوف على معمول فعل، وهو قوله
تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾، فيكون عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية
أولى من عطف الاسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق؛ وإلى هذا أشار ابن مالك
في الخلاصة بقوله عاطفاً على ما يختار فيه النصب:
معمول فعل مستقر أولا
وبعد عاطف بلا فصل على

٣٢٨
سورة النحل: الآية (٨)
وقال بعض العلماء: إن قوله: ((والأنعام)) معطوف على ((الإنسان)) من قوله: ((خلق
الإنسان» والأول أظهر كما تری . ..
وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ((لكم فيها دفء)) أن قوله ((دفء) مبتدأ خبره ((لكم
فيها)) وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور قبلها وهو الخبر كما هو
معروف؛ خلافاً لمن زعم أن ((دفء)) فاعل الجار والمجرور الذي هو: ((لكم)).
وفي الآية أوجه أخرى ذكرها بعض العلماء تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا،
والعلم عند الله تعالى . :
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦] يعني أن اقتناء هذه
الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس جمال؛ أي عظمة ورفعة، وسعادة في الدنيا
لمقتنيها، وكذلك قال في الخيل والبغال والحمير («لتركبوها وزينة)) فعبر في الأنعام
بالجمال، وفي غيرها بالزينة، والجمال: مصدر جمل فهو جميل وهي جميلة، ويقال
أيضاً: هي جملاء؛ وأنشد لذلك الكسائي قول الشاعر:
فهي جملاء كبدر طالع
بذات الخلق جميعاً بالجمال
والزينة: ما يتزين به. وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك، كالسلاح، ولا
تفتخر بالبقر والغنم، ويدل على ذلك قول العباس بن مرداس يفتخر بمآثر قبيلته بني سليم :
ففي سليم لأهل الفخر مفتخر
واذكر بلاء سليم في مواطنها
دين الرسول وأمر الناس مشتجر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا
ولا تخاور في مشتاهم البقر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم
في دارة حولها الأخطار والعكر
إلا سوابح كالعقبان مقربة
والسوابح: الخيل، والمقربة: المهيأة المعدة قريباً، والأخطار: جمع خطر - بفتح
السكون، أو كسر فسكون - وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره. والعكر
- بفتحتين -: جمع عكرة، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضاً على اختلاف في تحديد
قدره. وقول الآخر:
مرابط للأمهار والعكر الدثر
لعمري لقوم قد ترى أمس فيهم
يروح على آثار شائهم التمر
أحب إلينا من أناس بقنة
وقوله: ((العكر الدثر)) أي المال الكثير من الإبل، وبدأ بقوله: ﴿حِينَ تُرِيُونَ﴾
لأنها وقت الرواح أملأ ضروعاً وبطوناً منها وقت سراحها للمرعى.
وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿وَزِينَةٌ﴾ أنه مفعول لأجله، معطوف على ما
قبله؛ أي لأجل الركوب والزينة.
قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه

٣٢٩
سورة النحل: الآية (٩)
يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول
ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل
على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات
لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات، والقطارات، والسيارات.
ويؤيد ذلك إشارة النبي * إلى ذلك في الحديث الصحيح. قال مسلم بن
الحجاج تَُّ في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن
عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَ له: ((والله لينزلن ابن مريم حكماً
عادلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى
عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد))، اهـ.
ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح، قوله ويقول: ((ولتتركن القلاص فلا يسعى
عليها)) فإنه قسم من النبي ◌ّلي أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها. وهذا مشاهد الآن
للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة.
وفي هذا الحديث معجزة عظمى، تدل على صحة نبوته 18 وإن كانت معجزاته
- صلوات الله عليه وسلامه - أكثر من أن تحصر.
وهذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول،
كما أشار له صاحب (مراقي السعود)، بقوله:
أما قران اللفظ في المشهور
فلا يساوي في سوى المذكور
وصحح الاحتجاج بها بعض العلماء، ومقصودنا من الاستدلال بها هنا أن ذكر
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ في معرض الامتنان بالمركوبات لا يقل عن قرينة دالة على أن
الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض المركوبات، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان.
وقد ذكر في موضع آخر أنه يخلق ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان
بالمركوبات، وذلك في قوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ
أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [يس].
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾. اعلم أولاً - أن قصد السبيل:
هو الطريق المستقيم القاصد، الذي لا اعوجاج فيه، وهذا المعنى معروف في كلام
العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني:
وعرى أفراس الصبا ورواحله
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
على سوى قصد السبيل معادله
وأقصرت عما تعلمين وسددت
وقول امرئ القيس :
ومن الطريقة جائر وهدى
قصد السبيل ومنه ذو دخل

٣٣٠
سورة النحل: الآيات (٩ - ١١)
فإذا علمت ذلك فاعلم أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء، وكل
منهما له مصداق في كتاب الله، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر.
الأول منهما: أن معنى ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أن طريق الحق التي هي قصد
السبيل على الله، أي موصلة إليه، ليست جائرة، ولا جائزة عن الوصول إليه وإلى
مرضاته ﴿وَمِنْهَا جَآٍ﴾؛ أي ومن الطريق جائر لا يصل إلى الله، بل هو زائغ وحائد
عن الوصول إليه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَبِعُوهُ وَلَا
تَنَبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَطٌ
مُسْتَقِيمٌ (4)﴾ [يس].
ويؤيد هذا التفسير قوله بعده: ﴿وَمِنْهَا جَآٍ﴾ وهذا الوجه أظهر عندي، واستظهره
ابن کثیر وغيره، وهو قول مجاهد.
والوجه الثاني: أن معنى الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أي عليه - جل
وعلا - أن يبيّن لكم طريق الحق على ألسنة رسله.
ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ
حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]،
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى هذا القول، فمعنى قوله: ﴿وَمِنْهَا جَآٍ﴾ غير واضح؛ لأن المعنى: ومن
الطريق جائر عن الحق، وهو الذي نهاكم الله عن سلوكه، والجائر: المائل عن طريق الحق.
والوجهان المذكوران في هذه الآية جاريان في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى ﴾﴾ ... الآية [الليل].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَدِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. بيّن - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أنه لو شاء هداية جميع خلقه لهداهم أجمعين، وأوضح هذا المعنى في آيات
أخر، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]،
وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ
أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ حَمِيعًاً﴾ [يونس:
٩٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، إلى غير ذلك من
الآيات. وقد قدمنا هذا في سورة يونس.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَةَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ .
تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في سورة الحجر.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ ثُسِيمُونَ ﴿ يُنْبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ
وَالْأَغْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾﴾. بيّن - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله
المواشي من المرعى - من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه

٣٣١
سورة النحل: الآيات (٩ - ١١).
هو المستحق لأن يعبد وحده، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ
سجدة]، وقوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَّكَ لَكُمْ فِهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَّهُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِّن نَبَاتٍ شَقََّ ﴿٨ كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى
﴾ [طه]، وقوله: ﴿وَاَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا (٣٥) أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنَهَا (٨) وَاَلِبَالَ أَرْسَنُهَا
30
مَشَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمُ (®َ﴾ [النازعات]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ.
٣٢
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لََّا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق] الآية، وقوله:
جَنَّتٍ وَحَبَّ الْمَصِيدِ
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنِتُواْ شَجَرَهَأُ أَعِنْهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾﴾ [النمل]، وقوله:
﴿وَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءُ تَّجَّاجًا * لِتُخْرِجَ بِهِ، حَبًَّ وَتَبَاءًا (٣)
@﴾ [النبأ]
وَجَنَتِ الْفَافًا
والآيات بمثل هذا كثيرة جداً.
تنبيهان :
الأول: اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول ((أن صيغة
الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب))، والله - جل وعلا - أمر الإنسان
أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه ـ من
أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض من النبات وإخراجه
منها؟! ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر على تنميته حتى
يصير صالحاً للأكل؟! ﴿أَنْظُرُوْاْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾﴾ [الأنعام: ٩٩]. وذلك في قوله
تعالى: ﴿فَلَنْظُرِ اَلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ: ﴿ أَنَا صَيِّنَا اُلْمَاءَ صَبًّا (٣٥) ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا (٨٦) فَأَبَا فِيهَا
وَفَكِهَةَّ وَأَبَّا جَ مَّتَعًا لَكُمْ وَلِأَنْغَيِكُمْ
وَحَدَآبِقَ غُلَبَّ
حَبَّ ﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿ وَزَيْتُونَا وَنَخْلَا
(rt ﴾ [عبس].
فَإِذَا جَاءَتِ الصََّنَّةُ
وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْنَظُرِ الْإِسَنُ
﴾ [الطارق]. وظاهر القرآن أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك.
مِمَّ خُلِقَ
التنبيه الثاني: اعلم أنه - جل وعلا - أشار في هذه الآيات من أول سورة ((النحل))
إلى براهين البعث الثلاثة التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث:
الأول: خلق السماوات والأرض المذكور في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله: ﴿،َأَنتُمْ أَشَدُ
◌َلَقًّا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا (﴿َ رَفَعَ سَمَّكَهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَنَعَّا لَّكُمْ وَلِأَنْعَِكُ (®﴾ [النازعات]، وقوله
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْنِىَ الْمَوْقَّ
بَلَ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنَّاسِ﴾ [غافر:
٥٧]. وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ
الْخَلَقُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [يس] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.

٣٣٢ -
بـ
سورة النحل: الآية (١١)
البرهان الثاني: خلق الإنسان أولاً المذكور في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةِ﴾؛
لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانياً، وهذا يكثر الاستدلال به أيضاً على البعث،
كقوله: ﴿قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَآ أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ [يس]، وقوله:
﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ [الروم: ٢٧]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: ﴿أَفَعِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِّ بَلْ
هُمْ فِ لَبِّسِ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ ﴾﴾ [ق)، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.
البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها المذكور هنا في قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُم بِهِ
الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ﴾، فإنه يكثر في القرآن الاستدلال به على البعث أيضاً،
كقوله: ﴿فَإِذَا أَنَزْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَّتْ وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَةِ﴾ [فصلت: ٣٩]،
وقوله: ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْثًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، أي كذلك الإحياء خروجكم من
قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: ﴿وَيُحِى اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]
أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ غَيِّتٍ
فَأَنزَلْنَا بِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَنِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ اَلْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:
٥٧] وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ
زَوْجِ بَهِيجَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحِ الْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الحج]، إلى
غير ذلك من الآيات كما تقدم.
فهذه البراهين الثلاثة يكثر جداً الاستدلال بها على البعث في كتاب الله كما رأيت
وتقدم.
وهناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعث أيضاً ولا ذكر له في هذه
الآيات، وهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا، كما تقدمت الإشارة إليه في ((سورة
البقرة))؛ لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس: ﴿مَّا
خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وقد ذكر - جل وعلا - هذا البرهان في سورة البقرة، في خمسة مواضع:
الأول: قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِرْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ [البقرة].
الثاني: قوله: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِىِ اَللَّهُ الْمَوْقَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ. لَعَلَّكُمْ
﴾ [البقرة].
تَعْقِلُونَ
الثالث: قوله - جل وعلا -: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
الرابع: قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَمِّ قَالَ كَمْ لَبِثْتُّ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَأَنْقُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ وَأَنْتُظْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَمَّا
تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].

٣٣٣
سورة النحل: الآية (١٢)
الخامس: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ: أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ
جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ ثُِيمُونَ﴾ أي ترعون
مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى، والعرب تطلق اسم الشجر على ما
تنبته الأرض من المرعى، ومنه قول النمر بن تولب العكلي:
إنا أتيناك وقد طال السفر نقود خيلاً ضمراً فيها صغر
نطعمها اللحم إذا عز الشجر
والعرب تقول: سامت المواشي؛ إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر،
وأسامها صاحبها؛ أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر:
أولى لك ابن مسيمة الأجمال
مثل ابن بزعة أو كآخر مثله
يعني يا ابن راعية الجمال التي تسيمها في المرعى.
وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ قرأه شعبه عن عاصم ((ننبت)» بالنون، والباقون بالياء
التحتية .
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرْ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِةْ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (13)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه
سخر لخلقه خمسة أشياء عظام، فيها من عظيم نعمته ما لا يعلمه إلا هو، وفيها
الدلالات الواضحات لأهل العقول على أنه الواحد المستحق لأن يعبد وحده.
والخمسة المذكورة هي: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم.
وكرر في القرآن ذكر إنعامه بتسخير هذه الأشياء، وأنها من أعظم أدلة وحدانيته
واستحقاقه للعبادة وحده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّارَ يَطْلُبُ حَثِيْئًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخَّرَتِ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (@)﴾ [الأعراف] وإغشاؤه الليل
والنهار: هو تسخيرهما، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ
◌َ﴾ [إبراهيم]، وقوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظَلِّمُونَ (9َ)
وَالنَّهَارَ
وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِمِ ﴿ وَالْقَمَرَ فَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ خَّ عَادَ
كَالْعُجُونِ اَلْقَدِيمِ ﴾﴾ [يس]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَدِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا
لِشَيَطِيْنِ﴾ [الملك: ٥]، وقوله: ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وفي هذه الآية الكريمة ثلاث قراءات سبعيات في الأسماء الأربعة الأخيرة التي
هي الشمس، والقمر، والنجوم، ومسخرات؛ فقرأ بنصبها كلها نافع، وابن كثير،
وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية شعبة. وقرأ برفع الأسماء الأربعة:
ابن عامر، على أن ((والشمس)) مبتدأ وما بعده معطوف عليه و((مسخرات)) خبر المبتدأ،

٣٣٤ -
سورة النحل: الآية (١٣)
وقرأ حفص عن عاصم بنصب ((والشمس والقمر)) عطفاً على ((الليل والنهار)) ورفع
((والنجوم مسخرات)) على أنه مبتدأ وخبر، وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ((مسخرات))
على قراءة النصب أنها حال مؤكدة لعاملها، والتسخير في اللغة: التذليل.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ
يَذَّكَّرُونَ ﴾﴾. قوله: ((وما)) في محل نصب عطفاً على قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ
وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي وسخر لكم ما ذرأ لكم في الأرض، أي ما خلق لكم فيها في
حال كونه مختلفاً ألوانه.
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة امتنانه على خلقه بما سخر لهم مما خلق
لهم في الأرض، منبهاً على أن خلقه لما خلق لهم في الأرض مع ما فيه من النعم
العظام، فيه الدلالة الواضحة لمن يذكر ويتعظ على وحدانيته واستحقاقه لأن يعبد وحده،
وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
[البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]،
وقوله: ﴿وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴿ فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ﴿﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ
وَالرَّبْحَانُ ﴿﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ
١٥) ﴾ [الملك].
ذَلُولًا فَامْشُواْ فِ مَنَاكِبِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِ، وَإِلَيْهِ اُلُّشُورُ
وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس
والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده،
المستحق أن يعبد وحده.
وأوضح هذا في آيات أخر، كقوله في ((سورة فاطر)): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنَزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَّدٌ بِضُ وَحُمٌْ تُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهَا
وَغَيِبُ سُودٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]،
وقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ولا
شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك، فيه الدلالة القاطعة
على أن الله - جل وعلا - واحد، لا شبيه له ولا نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده.
وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن
الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته - جل وعلا .
كما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ وَهُنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيلٌ
صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِعَاءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الرعد] فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها
متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان
والأشكال والطعوم، والمقادير والمنافع.

٣٣٥
سورة النحل: الآية (١٤) _
فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء،
سبحانه - جل وعلا - عن الشركاء والأنداد.
ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته - جل وعلا -، أن
النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقى فيها الحطب وإبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام -، ولا شك أن الحطب أصلب وأقسى وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه؛
فأحرقت الحطب بحرها، وكانت على إبراهيم برداً وسلاماً لما قال لها خالقها: ﴿يَنَارُ
كُنِى بَرَّدًا وَسَمًا عَلَى إِنْزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فسبحان من لا يقع شيء كائناً ما كان إلا
بمشيئته - جل وعلا -، فعال لما يريد.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ أصله يتذكرون، فأدغمت التاء في
الذال، والاذكار: الاعتبار والاتعاظ.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾. ذكر
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه سخر البحر؛ أي ذلله لعباده حتى تمكنوا من
ركوبه، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية، وبلوغ الأقطار التي تحول دونها البحار،
للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك.
فتسخير البحر للركوب من أعظم آيات الله، كما بينه في مواضع أخر، كقوله:
(٤)﴾ [يس]،
﴿وَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ ٨ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَرْكَبُونَ ﴿
وقوله: ﴿اَللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَقْرِ، وَلِنَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[الجاثية] إلى غير ذلك من الآيات.
وذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه على خلقه بتسخير البحر لهم:
الأولى: قوله: ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن؛
كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله: ﴿وَمِن
كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢].
الثانية: قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضاً
في القرآن، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُولُ وَالْمَرْحَانُ (
١٣٠
، فَأَتِّ ءَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[الرحمن] واللؤلؤ والمرجان: هما الحلية التي يستخرجونها من البحر للبسها، وقوله:
﴿وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ وكرر في القرآن الامتنان بشق
أمواج البحر على السفن، كقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ﴿﴿ وَإِ نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَاَ صَرِيخَ لَمْ
وَلَا هُمْ يُقَذُونَ ﴾﴾، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهٍ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
الرابعة: الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل على السفن المذكور

٣٣٦
سورة النحل: الآية (١٤)
في قوله هنا: ﴿وَلِتَبْتَغُوْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي كأرباح التجارات، وكرر في القرآن
الامتنان بهذه النعمة أيضاً، كقوله في ((سورة البقرة)): ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا
يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقوله في ((فاطر)): ﴿وَتَرَى الْفُلَّكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْنَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ،
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]، وقوله في ((الجاثية)): ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ
فِيهِ بِأَثْرِهِ، وَلِنَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ [الجاثية: ١٢] إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه: فإن قيل: عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به، وببيان القرآن أنه
شامل للبس الفضة والشرب فيها، وقلتم: إن كونه وارداً في الشرب في آنية الفضة لا
يجعله خاصاً بذلك، فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
فالجواب: أن النبي ◌َّله سئل عما معناه: هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص
السبب؟ فأجاب بما معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سليمان
التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلاً أصاب من
امرأة قبلة، فأتى رسول الله وَ ﴿ فذكر ذلك له، فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ
وَزُلَفَّا مِّنَ اَلَيْلِّ إِنَّ الَْنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴾ [هود] قال الرجل:
ألي هذه؟ قال: ((لمن عمل بها من أمتي))، اهـ. هذا لفظ البخاري في التفسير في ((سورة
هود))، وفي رواية في الصحيح قال: ((لجميع أمتي كلهم))، اهـ.
فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال
للنبي : ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟، أو هو
على عموم لفظه؟ وقول النبي ◌َّليّ له: ((لجميع أمتي)) معناه أن العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ
اَلَْنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ [هود: ١١٤] لا بخصوص السبب، والعلم عند الله تعالى.
وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ أي السفن، وقد
دل القرآن على أن ((الفلك)) يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد
ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث، فأطلقه على المفرد مذكراً في قوله: ﴿وَءَايَةٌ لَّمْ أَنَا
حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٨ وَخَلَقْنَا لَم مِّن مِّثْلِهِ، مَا يَّكَبُونَ ﴾﴾ [يس]. وأطلقه على
الجمع مؤنثاً في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقوله: ﴿مَوَاخِرَ﴾ جمع ماخرة، وهو اسم فاعل، مخرت السفينة تمخر - بالفتح
- وتمخر - بالضم - مخراً ومخوراً: جرت في البحر تشق الماء مع صوت. وقيل:
استقبلت الريح في جريتها، والأظهر في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أنه معطوف
على قوله: ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ و((لعل)) هنا للتعليل كما تقدم.
والشكر في الشرع: يطلق من العبد لربه؛ كقوله هنا ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[البقرة: ١٨٥] وشكر العبد لربه: هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته، وأما
من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين؛ وإنما هو كنود كفور.

٣٣٧
سورة النحل: الآيتان (١٥ - ١٦)
وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن كقوله: إن ﴿اَللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤]: هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من
العمل القليل، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَذَاً وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ ذكر - جل وعلا - في هاتين الآيتين أربع نعم من
١٥
نعمه على خلقه، مبيناً لهم عظيم منته عليهم بها:
الأولى: إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك، وكرر الامتنان بهذه النعمة
في القرآن كقوله: ﴿أَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا ﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾﴾ [الأنبياء]، وقوله:
﴿وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ﴾ [المرسلات:
٢٧]، وقوله - جل وعلا -: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ
[النازعات]، والآيات بمثل ذلك كثيرة
[لقمان: ١٠]، وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا
جداً، ومعنى تميد: تميل وتضطرب.
وفي معنى قوله: ﴿أَنْ﴾ [الصف: ٣] وجهان معروفان للعلماء: أحدهما: كراهة أن
تميد بكم. وثانيهما: أن المعنى: لئلا تميد بكم؛ وهما متقاربان.
الثانية: إجراؤه الأنهار في الأرض المذكورة هنا في قوله: ﴿وَأَنْهَرًّا﴾ [الرعد: ٣]
وكرر تعالى في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه: كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ
اُلْأَنْهَرَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢، ٣٣]، وقوله: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى
ءَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُغِلُونَ ( لَوَ نَشَآءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ.
تَشْرَبُونَ
لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ،﴾ [يس: ٣٤، ٣٥].
[الواقعة]، وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣)
الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
الثالثة: جعله في الأرض سبلاً يسلكها الناس، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر في
طلب حاجاتهم المذكورة هنا في قوله: ﴿وَسُبُلًا﴾ وهو جمع سبيل بمعنى الطريق، وكرر
الامتنان بذلك في القرآن، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾
[الأنبياء: ٣١]، وقوله: ﴿وَللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿﴿ لِتَسْلُكُوْ مِنْهَا سُبُلَا فِجَاجًا
١٢٠
[نوح]، وقوله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَسَى ﴿﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اَلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَا سُبُلًا﴾ [طه: ٥٢، ٥٣]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِ مَنَاكِهَا﴾ [الملك: ١٥]، وقوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ جَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف]، إلى غير ذلك من الآيات.
الرابعة: جعله العلامات لبني آدم؛ ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا
في قوله: ﴿وَعَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾، وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في القرآن
في قوله: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُوَمَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧].

:
٣٣٨
سورة النحل: الآيات (١٧ - ٢٥)
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾، تقدم بيان مثل هذه الآية في موضعين.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء
نعم الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فدل ذلك على
تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن
يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: ﴿وَإِن
تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وبيّن في موضع آخر أن كل النعم على بني آدم منه - جل وعلا -، وذلك في قوله:
﴿وَمَا بِكُم مِّنْ نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم
جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم كما تقرر في الأصول؛ لأن ((نعمة الله)) مفرد أضيف إلى
معرفة فعم النعم؛ وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود) عاطفاً على صيغ العموم:
إذا تحقق الخصوص قد نفي
أو بإضافة إلى معرف
٢٤
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبِّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ
ذكر - جل علا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله على نبيه
محمد ول﴿ قالوا: لم ينزل عليه شيء، وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين،
نقله من كتبهم، والأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي الشيء المسطور في كتب
الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل، أصلها من سطر: إذا كتب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكتَبٍ
مَّسْطُورٍ ﴾﴾ [الطور]. وقال بعض العلماء: الأساطير: الترهات والأباطيل، وأوضح
هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ
بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
[الأنفال]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿مَاذَا﴾ [البقرة: ٢٦] يحتمل أن تكون ((ذا)) موصولة و((ما)) مبتدأ، وجملة
((أنزل)) صلة الموصول، والموصول وصلته خبر المبتدأ، ويحتمل أن يكون مجموعها
اسماً واحداً في محل نصب، على أنه مفعول ((أنزل)) كما أشار له في الخلاصة بقوله:
ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام
وبين - جل وعلا - كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله: ﴿قُلّ
أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْتِرَ﴾ [الفرقان: ٦]، وبقوله هنا: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ
عِلْمٍ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أولئك
الكفار الذين يصرفون الناس عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين، تحملوا أوزارهم -
أي ذنوبهم - كاملة، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال، كما يدل عليه
حرف التبعيض الذي هو ((من)) في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ﴾ ... الآية.

سورة النحل: الآيات (١٧ - ٢٥) .
٣٣٩
وقال القرطبي: ((من)) لبيان الجنس، فهم يحملون مثل أوزار من أضلوهم كاملة.
وأوضح تعالى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِهِمٌ وَلَيُسْئَلُنَّ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [العنكبوت] واللام في قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ تتعلق
بمحذوف دل المقام عليه، أي قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن: أساطير الأولين؛
ليحملوا أوزارهم.
تنبيه: فإن قيل: ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله: ﴿وَمِنْ
أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمَّ﴾
[العنكبوت: ١٣] مع أن الله يقول: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويقول - جل
وعلا -: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويقول ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمَّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (®)﴾ [البقرة]، إلى غير ذلك من الآيات.
فالجواب - والله تعالى أعلم - أن رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين: أحدهما:
وزر ضلالهم في أنفسهم.
وثانيهما: وزر إضلالهم غيرهم؛ لأن من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من
عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، وإنما أخذ بعمل غيره لأنه هو الذي سنه
وتسبب فيه، فعوقب عليه من هذه الجهة لأنه من فعله، فصار غير مناف لقوله: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٦٤].
وقال مسلم بن الحجاج تغلفُ في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير بن
عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، وأبي الضحى عن
عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى
رسول الله وَير عليهم الصوف: فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس
على الصدقة فأبطؤوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء
بصُرَّةٍ من وَرَق، ثم جاء آخر، ثم تَتَابعوا حتى عُرِفِ السرور في وجهه، فقال
رسول الله وَله: ((من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعُمِل بها بعده كتب له أجر من عمل
بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب
عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء))، اهـ.
أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث عن جرير بن عبد الله من طرق متعددة،
وأخرجه نحوه أيضاً من حديث أبي هريرة بلفظ: أن رسول الله وَالر قال: ((من دعا إلى
هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى
ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»، اهـ.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال بين
الآيات، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي بَّر، فله مثل

٣٤٠
--
سورة النحل: الآية (٢٦)
أجور جميعهم؛ لأنه - صلوات الله عليه وسلامه - هو الذي سنَّ لهم السنن الحسنة
جميعها في الإسلام، نرجو الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم
صلاة وأزكى سلام.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يدل على أن الكافر غير معذور بعد
ے
إبلاغ الرسول المؤيد بالمعجزات، الذي لا لبس معه في الحق، ولو كان يظن أن كفره
هدى؛ لأنه ما منعه من معرفة الحق مع ظهوره إلا شدة التعصب للكفر، كما قدمنا
الآيات الدالة على ذلك في الأعراف، كقوله: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ
وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنََّهُ بِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا (َ الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(®)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿وَبَدَا لَمْ مِنَ
اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وحملهم أوزارهم هو اكتسابهم الإثم الذي هو
سبب ترديهم في النار، أعاذنا الله والمسلمين منها؟
وقال بعض العلماء: معنى حملهم أوزارهم: أن الواحد منهم عند خروجه من قبره
يوم القيامة يستقبله شيء كأقبح صورة، وأنتنها ريحاً؛ فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما
تعرفني! فيقول: لا والله، إلا أن الله قبح وجهك! وأنتن ريحك! فيقول: أنا عملك
الخبيث، كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا! هلم أركبك اليوم؛
فيركب على ظهره، اهـ.
وقوله: ﴿أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ساء)) فعل جامد؛ لإنشاء الذم بمعنى بئس، و((ما))
فيها الوجهان المشار إليهما بقوله في الخلاصة:
وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل
وقوله: ﴿يَزِرُونَ﴾؛ أي يحملون، وقال قتادة: يعملون، اهـ.
قوله تعالى: ﴿قَدْ مَڪَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا؛ وبيّن ذلك في مواضع أخر،
كقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَللَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]، وقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ
مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾﴾ [إبراهيم].
وبيّن بعض مكر كفار مكة بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْ
يُخْرِجُولٌ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وذكر بعض مكر اليهود بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ
اَلْمَكِرِينَ ﴾﴾ [آل عمران]، وبيّن بعض مكر قوم صالح بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا
مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ
أَجْمَعِينَ (٥)﴾ [النمل].
وذكر بعض مكر قوم نوح بقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا ﴿ وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ﴾
[نوح: ٢٢، ٢٣].