Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سورة إبراهيم: الآيات (١٣ - ١٦) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَ فِى ◌ِلَتِنً﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم، إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي. وقد نص في آيات أخر أيضاً على بعض ذلك مفَصَّلاً كقوله عن قوم شعيب: ﴿لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَ فِ مِلَتِنَّأْ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَِهِينَ ﴿َ قَدِ أَفْتَرَبِنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَِّكُمْ﴾ ... الآية [الأعراف: ٨٨، ٨٩] وقوله عن قوم لوط: ﴿فَمَّا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَطَهَّرُونَ ﴾﴾ [النمل] وقوله عن مشركي قريش: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ ﴾ [الإسراء] وقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٌَ إِلَّا قَلِيلًا وَيَمْكُرُونَ وُيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ اَلْمَكِرِينَ (٣)﴾ [الأنفال] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَّهُمْ لَتُلِكَنَّ الَِّمِينَ ﴾ وَُسْكِنَّنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴾﴾ . بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر لهم على أعدائهم وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنَا لِعِبَادِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (٣٩) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُ الْغَلِبُونَ ◌ِ﴾ [الصافات] وقوله ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [المجادلة] وقوله ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ ... الآية [غافر: ٥١]. وقوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَ الْأَرْضَ لِلَِّ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٣٨)﴾ [الأعراف]. وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ اَلْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا أَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهًا﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٧]. إلى غير ذلك من الآيات .. قوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. لم يبين هنا كيفية خيبة الجبار العنيد، ولكنه أشار إلى معنى خيبته وبعض صفاته القبيحة في قوله في سورة ((ق)): ﴿أَلْفِيَا فِى جَهَنَّمَ ﴿ فَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ قُرِيبٍ (٥َ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا دَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِىِ الْعَذَابِ كُلِّ كَفَّارٍ عِنْدٍ الشَّدِيدِ ﴾﴾ [ق] والجبار المتجبر في نفسه، والعنيد المعاند للحق. قاله ابن كثير. قوله تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾ ... الآية. وراء هنا بمعنى أمام كما هو ظاهر، ويدل عليه إطلاق وراء بمعنى أمام في القرآن وفي كلام العرب فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أي أمامهم ملك، وكان ابن عباس يقرؤها: ((وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً»، ومن إطلاق ((وراء)) بمعنى ((أمام)» في كلام العرب قول لبيد: لزوم العصا تجنى عليها الأصابع أليس ورائي إن تراخت منيتي وقول الآخر: ٢٨٢ سورة إبراهيم: الآية (١٨) وقومي تميم والفلاة ورائيا أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقول الآخر: ومن ورائك يوم أنت بالغه لا حاضر معجز عنه ولا باد فوراء بمعنى أمام في الأبيات. وقال بعض العلماء: معنى ﴿مِّن وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾؛ أي من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب أي ليس بعد الله مذهب، قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق. قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ آُشْتَذَتْ بِهِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾. ضرب الله تعالى لأعمال الكفار مثلاً في هذه الآية الكريمة برماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف، أي شديد الريح فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ذلك الرماد ولم تبق له أثراً، فكذلك أعمال الكفار كصلات الأرحام وقرى الضيف والتنفيس عن المكروب وبر الوالدين ونحو ذلك يبطلها الكفر ويذهبها، كما تطير تلك الريح ذلك الرماد، وضرب أمثالاً أخر في آيات أخر لأعمال الكفار بهذا المعنى كقوله: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حَقََّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا كَمَثَلِ رِيج فِهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ ... الآية [آل عمران: ١١٧]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَهُ رِئَّةَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّا لَّا 6)﴾ [البقرة] وقوله: يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنُورًا (٣)﴾ [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات. وبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهموا الشيء بنظرة، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ونظيره قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمَّثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلا أهل العلم وهو قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ (@)) [العنكبوت]. وبين في موضع آخر أن نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ المثل المضروب يجعله الله سبب هداية لقوم فهموه وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًّاً وَمَا يُضِلُّ بِهِةٍ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. وبين في موضع آخر أنه تعالى لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ولو كان المثل المضروب بعوضة فما فوقها قيل فما هو أصغر منها لأنه يفوقها في الصغر، وقيل: فما فوقها أي فما هو أكبر منها هو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ٢٨٣ سورة إبراهيم: الآيات (٢١ - ٣١) - - لَا يَسْتَحِىءٌ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]؛ ولذلك ضرب المثل بالعنكبوت في قوله: ﴿مَثَّلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُونِ أَّخَذَتْ بَيْتًا: وَإِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَيَعْتُ الْعَنْكَبُونِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وضربه بالحمار في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ... الآية [الجمعة: ٥]، وضربه بالكلب في قوله: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَثَّ﴾ [الأعراف: ١٧٦] إلى غير ذلك والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَتُؤْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾. هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بيّنها في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَلَّجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتْوَاْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَّبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ﴿﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ (٤٨)﴾ [غافر] كما تقدم إيضاحه. قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾. بِيّن في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما وعدهم. وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله في وعد الله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وقوله في وعد الشيطان: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُورًا (19)﴾ [النساء] ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿تَحِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ﴾. بَيّن في هذه الآية الكريمة أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام، وبيّن في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم بذلك، وأن بعضهم يحيي بعضاً بذلك، فقال في تحية الملائكة لهم: ﴿وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ ﴿٣ سَلَمُّ عَلَيْكُمُ بِمَا صَبْتُمْ فَعْمَ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَمُ عَلَيْكِكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: (٧٣] وقال: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةُ وَسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال في تحية بعضم بعضاً: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَحِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠] كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾. هذا تهديد منه تعالى لهم بأن مصيرهم إلى النار وذلك المتاع القليل في الدنيا لا يجدي من مصيره إلى النار، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] وقوله: ﴿نُمِنّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظِ ﴾﴾ [لقمان] وقوله: ﴿مَتَعُ فِى ﴾ [يونس] الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ ﴿١٣ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ. جَهَنَّمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَهُمْ سِرًّا وَعَلَنِيَّةً مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ ﴾﴾. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة ٢٨٤ - سورة إبراهيم: الآيات (٣٥ - ٣٦) إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا مخالّة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر، فلا يمكن أحداً أن تباع له نفسه فيفديها، ولا خليل ينفع خليله يومئذٍ، وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُمْ مِّنْ قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة:" ٢٥٤]. وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحديد: ١٥] وقوله: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. ونحو ذلك من الآيات، والخلال في هذه الآية، قيل: جمع خلة كقلة وقلال، والخلة: المصادقة، وقيل: هو مصدر خاله على وزن فاعل مخالّة وخلالاً، ومعلوم أن فاعل ينقاس مصدرها على المفاعلة والفعال. وهذا هو الظاهر، ومنه قول امرئ القيس: ولست بمقلى الخلال ولا قال صرفت الهوى عنهن من خشية الردى أي لست بمكروه المخالّة. قوله تعالى: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾. لم يبيّن هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا، ولكنه بيّن في مواضع أخر أنه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَّةٌ فِى عَقِدٍ﴾ ... الآية [الزخرف: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إن من تبعه فإنه منه، وأنه رد أمر من لم يتبعه إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له لأنه هو الغفور الرحيم. وذكر نحو هذا عن عيسى ابن مريم في قوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ اَلْحَكِيمُ (٣٨)﴾ [المائدة] وذكر عن نوح وموسى التشديد في الدعاء على قومهما، فقال عن نوح إنه قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاجِرً كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧] وقال عن موسى: أنه قال: ﴿رَبَّنَا لِضِلُّواْ عَن سَبِيلِكْ رَبَّنَا أَلْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] والظاهر أن نوحاً وموسى - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - ما دعوا ذلك الدعاء على قومهما إلا بعد أن علما من الله أنهم أشقياء في علم الله لا يؤمنون أبداً، أما نوح فقد صرح الله تعالى له بذلك في قوله: ﴿وَأُوحِى إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦] وأما موسى فقد فهم ذلك من قول قومه له: ﴿مَهْمَا تَأْنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَنَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] فإنهم قالوا هذا القول بعد مشاهدة تلك الآيات العظيمة المذكورة في الأعراف وغيرها . قوله تعالى: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَتِهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - دعا لذريته الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات. وبين في سورة البقرة ٢٨٥ سورة إبراهيم: الآية (٤٩) - أن إبراهيم خص بهذا الدعاء المؤمنين منهم، وأن الله أخبره أنه رازقهم جميعاً مؤمنهم وكافرهم ثم يوم القيامة يعذب الكافر، وذلك بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَاِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّعْرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَلَّهِ وَاَلْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]. قال بعض العلماء: سبب تخصيص إبراهيم المؤمنين، في هذا الدعاء بالرزق أنه دعا لذريته أولاً أن يجعلهم الله أئمة ولم يخصص بالمؤمنين فأخبره الله أن الظالمين من ذريته لا يستحقون ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِ أَبْتَلَّ إِبْرَهَِ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنُّ قَالَ إِنِ جَاعِلُكَ ﴾ [البقرة]، فلما أراد أن يدعو لِلنَّاسِ إِمَامًّا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ لهم بالرزق خص المؤمنين بسبب ذلك فقال: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنُ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الَّخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، فأخبره الله أن الرزق ليس كالإمامة، فالله يرزق الكافر من الدنيا ولا يجعله إماماً؛ ولذا قال له في طلب الإمامة ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ولما خص المؤمنين بطلب الرزق قال له: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُمُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَالِدَىَّ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه وبيّن في آيات أخر أن طلبه الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنه عدو الله فلما علم ذلك تبرأ منه كقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يؤخر عقاب الكفار إلى يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف، وأوضح ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ أَلْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٩٧]، ومعنى شخوص الأبصار أنها تبقى منفتحة لا تغمض من الهول وشدة الخوف. قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾. الإهطاع في اللغة: الإسراع، وقد بيّن تعالى في مواضع أخر أنهم يوم القيامة يأتون مهطعين أي مسرعين، إذا دعوا للحساب، كقوله تعالى: يوم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَهُمْ جَاهُ مُنَّشِرٌ ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى النََّعِ﴾ [القمر: ٧، ٨]. وقوله: يوم ﴿يَخْرُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاءً﴾ [المعارج: ٤٣]، ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق الإهطاع في اللغة بمعنى الإسراع قول الشاعر: بدجلة مهطعين إلى السماع بدجلة دارهم ولقد أراهم أي مسرعين إليه. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِىِ الْأَصْفَادِ (@)﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن المجرمين وهم الكفار يوم القيامة يقرنون في الأصفاد، وبيّن تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا أَلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان] ونحو ذلك من الآيات. ٢٨٦ سورة الحجر: الآية (١) والأصفاد: هي الأغلال والقيود، واحدها: صفد بالسكون، وصفد بالتحريك. ومنه قول عمرو بن كلثوم: وأبنا بالملوك مصفدينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ اَلْأَصْفَادِ (٨)﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ قوله تعالى: ﴿وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾. بين في هذه الآية الكريمة أن النار يوم القيامة تغشى وجوه الكفار فتحرقها، وأوضح ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ذ]، وقوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَنْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَلِحُونَ (® وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٣٩] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَغْ لِلنَّاسِ﴾. بيّن في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنِذِرَكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾، [الأنعام: ١٩٠] وبيّن أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائناً من كان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِىِ مِيَةٍ مِّنْهُ﴾ ... الآية [هود: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَلِعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ﴾، بين في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم العلم بأنه تعالى إله واحد، وأن من حكمه أن يتعظ أصحاب العقول، وبيّن هذا في مواضع أخر، فذكر الحكمة الأولى في سورة هود في قوله: ﴿كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿ أَلَّا تَبُّدُواْ إِلَّا اللَّهَ﴾ ... الآية [هود: ١ - ٢]. كما تقدم إيضاحه، وذكر الحكمة الثانية في قوله: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَةٌ لِيَدَّبَُّوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ ﴾﴾ [ص] وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال. وواحد الألباب: لب بالضم، والعلم عند الله تعالى. براه الرحمن الرحيم سورة الحجر قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ٢٠ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أنهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الأنعام] وقوله: ﴿حََّ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣١]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى ◌َّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٨٧ سورة الحجر : الآية (٣) _-_- [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى شيء واحد؛ لأن من يقول: إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول: إنه إذا عاين النار ووقف عليها تمنى أنه كان مسلماً، ومن يقول: إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر وتمنوا أنهم كانوا مسلمين. وقرأ نافع وعاصم ﴿رُبَمَا﴾ بتخفيف الباء، وقرأ الباقون بتشديدها، والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم وقيس وربيعة، ومن الأول قول عدي بن الرعلاء الغساني: بين بصري وطعنة نجلاء ربما ضربة بسيف صقيل والثاني كثير جداً ومنه قول الآخر: قصاراك منها أنها عنك لا تجدي ألا ربما أهدت لك العين نظرة ورب في هذا الموضع قال بعض العلماء: للتكثير أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين؛ ونقل القرطبي هذا القول عن الكوفيين قال: ومنه قول الشاعر: ألا ربما أهدت لك العين ... البيت وقال بعض العلماء: هي هنا للتقليل لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب فإن قيل: ((ربما)) لا تدخل إلا على الماضي فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟ فالجواب أن الله تعالى لما وعد بوقوع ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ... الآية [النحل: ١] ونحوها من الآيات، فعبر بالماضي تنزيلاً لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل. قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلِهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ هدد الله تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه وهو أن يتركهم يأكلون ويتمتعون فسوف يعلمون حقيقة ما يؤول إليه الأمر من شدة تعذيبهم وإهانتهم وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وقوله: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُوْ قَلِيلًا إِنَّكُ مُجِعُونَ ﴾﴾ [المرسلات] وقوله: ﴿قُلْ تَمَثَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ (٨)﴾ [الزخرف] وقوله ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ٤٥ [الطور] إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقرر في فن المعاني وفي مبحث الأمر عند الأصوليين أن من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد كما في الآية المذكورة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ذَرْهُمْ﴾ يعني اتركهم وهذا الفعل لم يستعمل منه إلا الأمر والمضارع، فماضيه ترك ومصدره الترك واسم الفاعل منه تارك، واسم المفعول منه متروك. وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بآيات السيف والعلم عند الله. قال القرطبي: ((والأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها والإعراض عن ٢٨٨ سورة الحجر: الآيتان (٦ - ٧) الآخرة)). وعن الحسن تقذفُ أنه قال: ((ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل)) وقد قدمنا علاج طول الأمل في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَكَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٣)﴾. قد يقال في هذه الآية الكريمة كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه للجنون مع ذلك، والجواب أن قولهم: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِى نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يعنون في زعمه تهكماً منهم به، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضع أخر كقوله تعالى عن فرعون مع موسى قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُرْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقوله عن قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ..... قوله تعالى: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِنَا بِلْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾. (لو ما) في هذه الآية الكريمة للتحضيض وهو طلب الفعل طلباً حثيثاً، ومعنى الآية أن الكفار طلبوا من النبي ◌َلل طلب تحضيض أن يأتيهم بالملائكة ليكون إتيان الملائكة معه دليلاً على صدقه أنه رسول الله وَله. وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر كقوله مع فرعون عن موسى: ﴿فَلَوْلَا" أُلِّفِىَ عَلَيَّهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَلَّ مَعَهُ الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقََّءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُثُوَّا كَبِيْرًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ اُلْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]، وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَئِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن ((لو)) تركب مع ((لا وما)) لمعنيين: الأول منهما التحضيض، ومثاله في ((لو ما)) في هذه الآية الكريمة ومثاله في ((لولا)) قول جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطري لولا الكمي المقنعا في لولا كثير جداً، كقول عامر بن الأكوع. يعني فهلا تعدون الكمي المقنع، المعنى الثاني: هو امتناع شيء لوجود غيره وهو نضيعبه: تالله لولا الله ما اهتدينا: ولا تصدقنا ولا صلينا ومثاله في ((لو ما)) قول ابن مقبل: ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما وأما ((هل)) فلم تركب إلا مع ((لا)) وحدها للتحضيض. تنبيه: قد ترد أدوات التحضيض للتوبيخ والتنديم فتختص بالماضي أو ما في تأويله نحو: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرِيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]، وقوله: ﴿لَّوْلَا جَّهُوٍ عَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءٌ﴾ [النور: ١٣]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةٌ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، وجعل بعضهم منه قول جرير: ٢٨٩ سورة الحجر: الآيات (٨ - ١٦). تعدون عقر النيب البيت المتقدم آنفاً. قائلاً: إن مراده توبيخهم على ترك عد الكمي المقنع في الماضي. بين - جل قوله تعالى: ﴿مَا نُغَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنَظَرِينَ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ما ينزل الملائكة إلا بالحق أي بالوحي وقيل بالعذاب، وقال الزمخشري: ((إلا تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ◌َ﴿ لأنكم حينئذٍ مصدقون عن اضطرار)) قال: ((ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقْ﴾. وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنَظَرِينَ﴾ لأن التنوين في قوله: ((إذاً)) عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقدير المعنى: ولو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين؛ أي ممهلين بتأخير العذاب عنهم. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَتَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿مَا نُنَزِلُ الْمَلَمِكَةَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي ننزل بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة مع كسر الزاي المشددة والملائكة بالنصب مفعول به لتنزل، وقرأ شعبة تنزل بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل، وقرأ الباقون تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة أصله تتنزل فحذفت إحدى التائين، والملائكة بالرفع فاعل تنزل كقوله: ﴿فَنَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَبُّ عَزِيزٌلَّا يَأْنِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَميدٍ (@)﴾ [فصلت]، وقوله: ﴿لَا تُجرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بَِّ (١) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْهَانَهُ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة] وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن وقيل الضمير راجع إلى النبي ◌َّ كقوله: وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧] والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِىِ السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل في السماء بروجاً. وذكر هذا أيضاً في مواضع أخر كقوله: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِىِ السَّمَآءِ بُرُوِجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَالتَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ [البروج]. والبروج: جمع برج. واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآيات المذكورة، فقال بعضهم: البروج الكواكب، وممن روي عنه هذا القول مجاهد وقتادة، وعن أبي صالح أنها الكواكب ٢٩٠ سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨). العظام وقيل: هي قصور في السماء عليها الحرس وممن قال به عطية، وقيل: هي منازل الشمس والقمر، قاله ابن عباس. وأسماء هذه البروج: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. قال مقيده - عفا الله عنه -: أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد؛ لأن أصل البروج في اللغة الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها، فالكواكب ظاهرة والقصور ظاهرة، ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهَا لِنَّظِرِينَ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه زين السماء للناظرين. وبين في مواضع أخر أنه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا كقوله: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الذُّنْيَا بِمَصَِيحَ﴾ ... الآية [الملك: ٥]، وقوله ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الذُّنْيَا بِنَةٍ اَلْكَوَكَبِ ﴾﴾ [الصافات]. قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ رَّجِيمٍ ﴿ إِلَّا مَنِ أَسْتَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (®). وصرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه حفظ السماء من كل شيطان رجيم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴾﴾ [الصافات] وقوله: ﴿وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِ﴾ [الملك: ٥] وقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٩] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (49)﴾ [الشعراء] وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِّهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ()﴾ [الطور: ٣٨] إلى غير ذلك من الآيات. والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُمِينٌ (4)﴾ قال بعض العلماء: هو استثناء منقطع، وجزم به الفخر الرازي أي لكن من استرق السمع، أي الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه كقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (٣٨) دُخُورًا ﴾ [الصافات] وقيل: وَهُمْ عَذَابٌ وَصِبُ ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْبَعَهُمْ شِهَابُ ثَاقِبٌ الاستثناء متصل، أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحي وغيره، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء]، قاله القرطبي. ونظيره ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ [الصافات: ١٠] فإنه استثناء من الواو في ٢١٢) قوله تعالى: ﴿لَّا يَسََّّعُونَ إِلَى الْمَلَا﴾ [الصافات: ٨]. تنبيه: يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَصَرَ كَرََّنِ يَنَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾﴾ [الملك] ووجه دلالة ٢٩١ سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) - الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] ومنه قوله وقال: ((الكلب الأسود شيطان)) وقول جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذا كنت شيطانا ولا شك أن أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولاً أولياً لعتوهم وتمردهم، وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائناً من كان في عدة آيات من كتابه، كقوله هنا: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَنِ زَّجِيمٍ ١٧ وقوله: ﴿وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] إلى غير ذلك من الآيات. وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر كقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٩] وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُمْ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ®﴾ [الصافات: ١٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢)﴾ [الشعراء] وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِّهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانِ شُِّينٍ (٨)﴾ [الطور] وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً، وقال: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلَتَّقُواْ فِىِ الْأَسْبَبِ ٣ جُنْدٌ مَّا هُنَاِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾﴾ [ص]. فقوله في هذه الآية الكريمة: فليرتقوا في الأسباب، أي فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها، وصيغة الأمر في قوله: فليرتقوا، للتعجيز، وإيرادها للتعجيز دليل على عجز البشر عن ذلك عجزاً مطلقاً. وقوله - جل وعلا - بعد ذلك التعجيز ﴿جُنِدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾﴾ يفهم منه أنه لو تنطع جند من الأحزاب الارتقاء في أسباب السماء أنه يرجع مهزوماً صاغراً داخراً ذليلاً، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه - جل وعلا - لذلك الجند بلفظة ما في قوله: ﴿جُنْدٌ مَّا﴾ وإشارته إلى مكان ذلك الجند أو مكان انهزامه إشارة البعيد في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلا الارتقاء في أسباب السموات. فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه وَ الر، وأنه وصل سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل على ذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليًّا صَلُبه هل خصهم رسول الله وَّر بشيء؟ قال له علي ظه: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً ٢٩٢ - سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) يعطيه الله رجلاً في كتاب الله وما في هذه الصحيفة الحديث. فقوله ظه: إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون. وما ذكرنا أيضاً أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية كَُّ في رسالته في علوم القرآن. وصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله: ﴿أَّ تَرَوَأْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرُ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء، ولم يبق لبس في أن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ ... الآية [الحج: ١٥]. وقد قال الشاعر: وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر تصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ اُلْقَمَرَ فِهِنَّ﴾ [نوح: ١٦] راجع إلى السبع الطباق وإطلاق المجموع مراداً بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب. ومن أصرح أدلته: قراءة حمزة والكسائي ﴿فَإِن قَتَلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] من القتل في الفعلين؛ لأن من قتل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر، وقال أبو حيان في (البحر المحيط) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]. وصح كون السمواتِ ظرفاً للقمر؛ لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه المظروف. تقول: زيد في المدينة، وهو في جزء منها. واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق؛ لأن لفظة ((جعل)) في الآية هي التي بمعنى صير، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك: جعلت الطين خزفاً، والحديد خاتماً، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: وجعل نور القمر فيهن، أما قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ ثُورًا﴾ فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر؛ ولا يجوز صرف القرآن ٢٩٣ سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) - عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُرُوُجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِبْرًا (٦)﴾ [الفرقان] وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: -١٧) ﴿وَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجَا وَزَيَّنَهَا لِنَّظِرِينَ ﴿٨ وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ وما يزعمه بعض الناس من أنه - جل وعلا - أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الشورى] يقال فيه: إن المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق عليه المفسرون، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ يِّنَاحَيْهِ إِلَّ أُ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَنِ مِن شَىَّهِ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشِّرُونَ (﴾﴾ [الأنعام]. ويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَئُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة، كقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوْعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وقوله: ﴿قُلْ @﴾ [الواقعة]، وقوله ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمِ مَعْلُوم إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهٍ﴾ [النساء: ٨٧]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ التَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وُزْلَ الْكَبِكَةُ تَنزِيلًا ﴿وَحَشَرْنَهُمْ [الفجر]، وقوله : [الفرقان]، وقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا فَلَ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. مع أن بعض العلماء قال: المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مراداً بعضه، وهو كثير في القرآن وفي (لسان العرب)، وبعضهم قال: المراد بدواب السماء الملائكة زاعماً أن الدبيب يطلق على كل حركة. قال مقيده - عفا الله عنه -: ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء دواب كما بث في الأرض دواب ولا شك أن الله قادر على جمع أهل السموات وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بيّنت أن المراد بجمعهم: حشرهم جميعاً يوم القيامة وقد أطبق على ذلك المفسرون. ولو سلمنا تسليماً جدلياً أنها تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء، بل يجوز عقلاً أن ينحدر من في السماء إلى من في الأرض، لأن الهبوط أهون من الصعود وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله تعالى من أن قوله - جل وعلا -: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْبِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنْفُذُواْ لَا تَنفُذُونَ إِلَّ بِسُلْطَانِ (٣)﴾ [الرحمن] يشير إلى الوصول إلى السماء بدعوى أن المراد بالسلطان في الآية: هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية وإذاً فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من أقطار السموات والأرض مردود من أوجه. ٢٩٤ - سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) الأول: أن معنى الآية الكريمة هو إعلام الله - جل وعلا - خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم، وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ﴾ ... الآية [النساء: ١٣٠] والسلطان: قيل الحجة والبينة، وقيل: الملك والسلطنة، وكل ذلك معدوم عندهم يوم القيامة فلا نفوذ لهم كما قال تعالى: ﴿وَجَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (َ﴾ [الفجر] وقال: ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ ٣٢ يَوْمَ تُوَلُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَصٍِ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. والوجه الثاني: أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السموات والأرض وكانوا يسترقون السمع من السماء كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] وإنما منعوا من ذلك حين بعث وَال كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن: ٩]، فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا قمر صناعي، فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب الله لم يقل - جل وعلا -: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِ﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل حدوث السلطان المزعوم. الوجه الثالث: أن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية أهون على الله - جل وعلا - من أن يطلق عليه اسم السلطان؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا ولا نظر فيه البتة لما بعد الموت؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة. وقد نصٍ تعالي على كمال حقارتها عنده في قوله - جل وعلا -: ﴿وَلَؤْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ -٣٥] وعِلْمُ هؤلاء الكفار نفى الله عنه اسم العلم الحقيقي وأثبت له أنه علم ظاهر من الحياة يَعْلَمُونَ الدنيا، وذلك في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ [الروم] فحذق الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في صناعتها بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها كما أخبرتنا الثقاة بذلك. الوجه الرابع: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن ذلك المعنى المزعوم كذباً هو معنى الآية، فإن الله أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُنَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ ... الآية [الرحمن: ٣٥]، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا النفوذ من أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس، والشواظ: اللهب الخالص، والنحاس: الدخان، ومنه قول النابغة: لم يجعل الله فيه نحاساً يضيء كضوء سراج السليط ٢٩٥ سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) وكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب الله من أن الله أشار إلى اتصال أهل السماوات وأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٤] بصيغة الأمر في لفظة ((قل)) على قراءة الجمهور وبصيغة الماضي ﴿قَالَ رَقِ يَعْلَمُ﴾ ... الآية، في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم؛ فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام؛ لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن الله - جل وعلا - أمر نبيه أن يقول: إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة الجمهور وعلى قراءة الأخوين وحفص، فمعنى الآية أنه وَلّ أخبر قائلاً: إن ربه - جل وعلا - يعلم كل ما يقال في السماء والأرض، وهذا واضح لا إشكال فيه ولا شك أنه - جل وعلا - عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. وكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب الله - جل وعلا - من أنه تعالى أشار إلى أن أهل الأرض سيصعدون إلى السموات واحدة بعد أخرى بقوله: ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقِ (4﴾ [الانشقاق]، زاعماً أن معنى الآية الكريمة: لتركبن أيها الناس طبقاً؛ أي سماء، عن طبق؛ أي بعد سماء حتى تصعدوا فوق السماوات، فهو أيضاً جهل بكتاب الله، وحمل له على غير ما يراد به. اعلم أولاً أن في هذا الحرف قراءتین سبعيتين مشهورتين : إحداهما لتركبن بفتح الباء وبها قرأ من السبعة: ابن كثير وحمزة والكسائي، وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء: الأول: وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي والر أي لتركبن أنت يا نبي الله طبقاً عن طبق أي بعد طبق أي حالاً بعد حال أي فترتقي في الدرجات درجة بعد درجة، والطبق في لغة العرب: الحال، ومنه قول الأقرع بن حابس التميمي: وساقني طبق منها إلى طبق إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره وقول الآخر: يركب على طبق من بعده طبق كذلك المرء إن ينسأ له أجل أي حال بعد حال في البيتين. وقال ابن مسعود والشعبي ومجاهد وابن عباس في [الإنشقاق] أي لتصعدن يا إحدى الروايتين والكلبي وغيرهم ﴿لَتَرَّكَبُنَّ طَبَقًّا عَنْ طَبَقٍ محمد سماء بعد سماء، وقد وقع ذلك ليلة الإسراء. والثاني: أن الفاعل ضمير السماء؛ أي لتركبن، هي؛ أي السماء طبقاً بعد طبق أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال أي تصير تارة كالدهان وتارة كالمهل وتارة تتشقق بالغمام، وتارة تطوى كطي السجل للكتب، والثالث: أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق: ٦]؛ أي لتركبن أيها الإنسان حالاً بعد حال من ٢٩.٦ - سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) صغر إلى كبر ومن صحة إلى سقم كالعكس، ومن غنى إلى فقر كالعكس، ومن موت إلى حياة كالعكس ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا .. والقراءة الثانية: وبها قرأ من السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء وهو خطاب عام للناس المذكورين في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْقَ كِتَهُ بِيَِّنِهِ، ٥) إلى قوله: ﴿وَمَّا مَنْ أُوِنِيَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ. الآية لتركبن أيها الناس حالاً بعد حال فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور وفي الآية [الانشقاق]، ومعنى ﴾﴾ ... الآخرة من هول إلى هول. فإن قيل: يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقاً بعد طبق؛ أي سماء بعد سماء حتى تصعدوا فوق السماء السابعة كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطاباً للنبي وقدسافر. وإذا كان هذا جائزاً في لغة القرآن فما المانع من حمل الآية عليه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المتنقل إليها من موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتباً له عليه بالفاء: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَإِذَا [الانشقاق] فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا قَرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ ينتقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد؟ ويؤيده أن العرب تسمي الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم. والوجه الثاني: أن الصحابة ◌ّه هم المخاطبون الأولون بهذا الخطاب وهم أولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي، ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية، ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك. الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائناً من كان، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق، والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة. وكذلك ما يزعمه بعض من ليس له علم بمعنى كتاب الله - جل وعلا - من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السماوات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ... الآية [الجاثية: ١٣] فقالوا: تسخيره - جل وعلا - ما في السموات لأهل الأرض دليل على أنهم سيبلغون السموات، والآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنها تدل عليه؛ لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل الأرض. فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم ولكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنٍّ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٢٩٧ سورة الحجر: الآيات (١٦ - ١٨) . أَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾﴾ [إبراهيم]. ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا يحصيها إلا الله كما هو معروف. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلْسِنِينَ وَالْحِسَابُ﴾ [يونس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَاُلْنَّهَارَ ءَايَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّتِلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [الإسراء: ١٢] إلى غير ذلك من الآيات. وكذلك سخر لأهل الأرض النجوم ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر كما قال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَنَِّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِبْتَدُواْ بِهَا فِى ◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿وَعَلَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾﴾ [النحل] إلى غير ذلك من الآيات. فهذا هو تسخير ما في السماء لأهل الأرض وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ومما يوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] وهم الصحابة * لم يسخر لهم شيء مما في السموات إلا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بيّنه القرآن العظيم في آيات كثيرة، فلو كان يريد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر. وكذلك قوله: ﴿وَكَأَئِنِ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ١٠٥) [يوسف]؛ فإن معنى مرورهم على ما في السموات من الآيات نظرهم إليها كما بيّنه تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقوله: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [يونس: ١٠١] وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَِنَا فِى الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]. إلى غير ذلك من الآيات. واعلم - وفقني الله وإياك - أن التلاعب بكتاب الله - جل وعلا - وتفسيره بغير معناه لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه شيء البتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة وإنما فيه فساد الدارين، ونحن إذ نمنع التلاعب بكتاب الله وتفسيره بغير معناه نحض جميع المسلمين على بذل الوسع في تعليم ما ينفعهم من هذه العلوم الدنيوية مع تمسكهم بدينهم كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوٍَّ﴾ [الأنفال: ٦٠] كما سترى بسطه - إن شاء الله - في سورة بني إسرائيل. فإن قيل: هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها من استراق السمع وذلك إنما يكون من شياطين الجن فدل ذلك على اختصاص الآيات المذكورة بشياطين الجن؟ فالجواب: إن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار، قال في (لسان العرب): والشيطان معروف، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب: شيطان، وقال في (القاموس): والشيطان معروف، وكل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة، اهـ. ٢٩٨ سورة الحجر: الآية (٢٢) ولا شك أن من أشد الكفار تمرداً وعتواً الذين يحاولون بلوغ السماء فدخلوهم في اسم الشيطان لغة لا شك فيه، وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عات، فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ رَّجِيمٍ ﴾﴾ صريح في حفظ السماء من كل متمرد عات كائناً من كان. وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجب إلا لدليل يدل على تخصيصها أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها كما هو مقرر في الأصول، وحفظ السماء من الشياطين معناه: حراستها منهم. قال الجوهري في (صحاحه): حفظت الشيء حفظاً: أي حرسته، اهـ. وقال صاحب (لسان العرب): وحفظت الشيء حفظاً: أي حرسته، اهـ. وهذا معروف في كلام العرب، فيكون مدلول هذه الآية بدلالة المطابقة ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (﴾﴾ أي وحرسناها؛ أي السماء من كل عات متمرد. تَجِيمٍ﴾ وقوله: ﴿مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]؛ لأن مثل ولا مخالفة لمفهوم قوله تعالى : ذلك من الصفات الكاشفة، فكل شيطان يوصف بأنه رجيم وبأنه مارد وإن كان بعضهم أقوى تمرداً من بعض، وما حرسه الله - جل وعلا - من كل عات متمرد لا شك أنه لا يصل إليه عات متمرد كائناً من كان ﴿ثُمَّ أَنْجِعِ الْصَرَ كَرََّنٍ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَّ حَسِيرٌ ﴾﴾ [الملك: ٤] والعلم عند الله تعالى، اهـ. قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾ . اللواقح جمع لاقح، وأصل اللاقح: التي قبلت اللقاح فحملت الجنين، ومنه قول ذي الرمة : إذا قلت عاج أو تفتيت أبرقت بمثل الخوافي لاقحاً أو تلقح وأصل تلقح: تتلقح، حذفت إحدى التائين، أي توهم أنها لاقح وليس كذلك، ووصف الرياح بكونها لواقح؛ لأنها حوامل تحمل المطر كما قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] أي حملت سحاباً ثقالاً، فاللواقح من الإبل حوامل الأجنة، واللواقح من الريح حوامل المطر، فالجميع يأتي بخير؛ ولذا كانت الناقة التي لا تلد يقال لها عقيم، كما أن الريح التي لا خير فيها يقال لها عقيم، كما قال تعالى: ﴿َوَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَ ﴾﴾ [الذاريات]. وقال بعض العلماء: اللواقح بمعنى الملاقح، أي التي تلقح غيرها من السحاب والشجر، وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد النسبة، فقوله: لواقح: أي ذوات لقاح، كما يقال سائف ورامح أي ذو سیف ورمح، ومن هذا قول الشاعر :... وغررتني وزعمت أنك لابن في الحي تامر أي ذو لبن وتمر. وعلى هذا فمعنى لواقح، أي ذوات لقاح؛ لأنها تلقح السحاب والشجر. وثانيهما: أن لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة، وملقح اسم فاعل ألقحت السحاب والشجر كما يلقح الفحل الأنثى، وغاية ما في هذا القول إطلاق لواقح وإرادة ملاقح، ونظيره قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره: ٢٩٩ سورة الحجر: الآية (٢٢) ومختبط مما تطيح الطوائح لبيك يزيد ضارع لخصومة فإن الرواية تطيح - بضم التاء - من أطاح الرباعي، والمناسب لذلك المطيحات لا الطوائح، ولكن الشاعر أطلق الطوائح وأراد المطيحات كما قيل هنا بإطلاق اللواقح وإرادة الملاقح؛ أي الملقحات باسم الفاعل، ومعنى إلقاح الرياح السحاب والشجر أن الله يجعلها لهما كما يجعل الذكر للأنثى، فكما أن الأنثى تحمل بسبب ضراب الفحل فكذلك السحاب يمتلئ ماء بسبب مري الرياح له والشجر ينفتق عن أكمامه وأوراقه بسبب إلقاح الريح له، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرْسَلْنَا اٌلْرِّيَحَ لَوَقِعَ﴾؛ أي تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتنفتح عن أوراقها وأكمامها، وقال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) عن ابن مسعود رؤيته في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا اُلْرِّيَحَ لَوَقِعَ﴾ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فيدر كما تدر اللقحة ثم يمظر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس ﴿يا قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب فتمري به السحاب فيدر كما تدر اللقحة، وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾ قال: تلقح الشجرة وتمري السحاب. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء رَُّه قال قلت للحسن ظُه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرَّحَ لَوَقِحَ﴾ قال: لواقح للشجر، قلت: أو السحاب، قال: وللسحاب تمر به حتى يمطر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾ قال: تلقح الماء في السحاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِعَ﴾ قال: الريح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف عن أبي هريرة به قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ربح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفحة منها فبردها هذا من ذلك)). وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضيُه قال: قال رسول الله وَله: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من الجنة وهي الربح اللواقح)). هذا حاصل معنى كلام العلماء في الرياح اللواقح وقد قدمنا قول من قال: إن اللواقح هي حوامل المطر وأن ذلك القول يدل عليه قوله تعالى: ﴿حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ أي حملتها. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف فيذكر بعضها في موضع، فإنا نبين بقية تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر. ومثلنا لذلك بظل أهل الجنة فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وقد ٣٠٠. سورة الحجر: الآية (٢٢) وصفه بأوصاف أخرٍ في مواضع أخر كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِرٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: [الواقعة] إلى غير ذلك من أوصافه. ١٣٠ ﴿وَظِلٍ قَمْدُودِ وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى وصف الرياح في هذه الآية بكونها لواقح وقد بينا معنى ذلك آنفاً، ووصفها بأوصاف أخر، من ذلك وصفه لها بأنها تبشر بالسحاب في قوله: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ، أَن يُرْسِلَ اُلْزِيَحَ مُبَشْرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] على قراءة من قرأها بالباء، ومن ذلك وصفه لها بإثارة السحاب كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿فَيُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨]. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبيد بن عمير قال: ((يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قمًّا، ثم يبعث المبشرة فتثير السحاب فيجعله كسفاً ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاماً ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر)). وأخرج ابن المنذر عن عبيد بن عمير قال: (الأرواح أربعة: ربح تقم، وربح تثير تجعله كسفاً، وريح تجعله ركاماً، وريح تمطر)). قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَسَقَيْتَكُمُ﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء وجعله إياه عذباً صالحاً للسقيا، وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: ﴿أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ءَنْتُمْ أَنْزَلْتُهُ مِنَ اٌلْعُزْنِ أَمْ غَحْنُ اَلْمُفِلُونَ ﴿ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ٧٠ ٦٨ [الواقعة]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَءَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ تُسِيمُونَ [النحل: ١٠، ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا (٨) لِّنُحْفِىَ بِهِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُتْقِيَهُ [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات. مِمَا خَلَقْنَاً أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَ كَثِيرًا ( والتحقيق أن أسقى وسقى لغتان معناهما واحد كأسرى وسرى، والدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِىِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُنْفِيكُمْ مِمَّا فِ بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي، وقرأه بعضهم بفتحها من سقى الثلاثي، ويدل على ذلك أيضاً قول لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى نميراً والقبائل من هلال قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ فيه للعلماء وجهان من التفسير كلاهما يشهد له قرآن؛ الأول: أن معنى ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ مِخَرِنِينَ﴾؛ أي ليست خزائنه عندكم بل نحن الخازنون له ننزله متى شئناه، وهذا الوجه تدل عليه آيات كقوله: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآئِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (®) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَآيِنُ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِ﴾ ... الآية [المنافقون: ٧] ونحو ذلك من الآيات، والوجه الثاني: أن معنى ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ◌ِخَزِنِينَ﴾ بعد أن أنزلناه عليكم؛ أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون والغدران