Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة الأنعام: الآيات (١٥٨ - ١٦٢) س.
القول الذي يشهد له القرآن - وهو قول السدي - قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنَّةٌ﴾،
اهـ. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ الآية [النحل: ٨٨].
وقد يوجه قول ابن عباس وقتادة ومجاهد بأن المراد بتكذيبه، وإعراضه؛ أنه لم
يؤمن بها قلبه، ولم تعمل بها جوارحه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّفَ وَلَ صَلَّى ﴿ وَلَكِنْ
· [القيامة]، ونحوها من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب
كَذَبَ وَتَوَلَى
بقلبه، وترك العمل بجوارحه. قال ابن كثير في تفسيره، بعد أن أشار إلى هذا: ولكن
كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم، اهـ.
وإطلاق ((صدف)) بمعنى أعرض كثير في كلام العرب، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث:
له صدفنا عن كل حق منزل
عجبت لحكم الله فينا وقد بدا
وروي أن ابن عباس أنشد بيت أبي سفيان هذا لهذا المعنى، ومنه أيضاً قول ابن الرقاع:
وهنّ عن كل سوء يتقى صدف
إذا ذكرن حديثاً قلن أحسنه
أي: معرضات.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَتِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة إتيان الله - جل وعلا - وملائكته يوم القيامة،
وذكر ذلك في موضع آخر، وزاد فيه أن الملائكة يجيئون صفوفاً، وهو قوله تعالى:
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا (٣)﴾ [الفجر]، وذكره في موضع آخر، وزاد فيه أنه - جل
وعلا - يأتي في ظللٍ من الغمام، وهو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الَّهُ فِى
◌ُكَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٠]، ومثل هذا من صفات الله تعالى التي
وصف بها نفسه يمر كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئاً من صفات
المخلوقين، فسبحان من أحاط بكل شيء علماً ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا (١)﴾ [طه].
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ﴾ الآية. قال بعض العلماء: المراد بالنّسك
هنا: النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من أعظم العبادات: هي النحر،
فأمر الله تعالى نبيّه أن يقول إن صلاته ونحره كلاهما خالص لله تعالى، ويدل على هذا
قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ [الكوثر]، وقال بعض العلماء: النّسك جميع
العبادات، ويدخل فيه النحر. وقال بعضهم: المراد بقوله: ((وانحر)) وضع اليد اليمنى
على اليسرى تحت النحر في الصلاة، والله تعالى أعلم.

١٨٢
سورة الأعراف: الآية (٢)
براس الرحمن الرحيم
سورة الأعراف
قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرَِ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ الآية.
قال مجاهد، وقتادة، والسدي: ((حرج)) أي شك؛ أي لا يكن في صدرك شكّ في
كون هذا القرآن حقاً، وعلى هذا القول فالآية، كقوله تعالى: ﴿أُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَ
مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنُ مِّنَ الْمُمْتِينَ ﴾﴾ [آل عمران]،
وقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ
اُلْحَقُّ مِن زَيِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِنَ (
٩٤) ﴾ [يونس].
والممتري: هو الشاكّ؛ لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا القول
فالخطاب للنبيّ ڭ .
والمراد نهي غيره عن الشك في القرآن، كقول الراجز:
* إياك أعني واسمعي يا جارة *
وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقوله: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله: ﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ١٢٠].
ومعلوم أنه سي لا يفعل شيئاً من ذلك، ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره
في ضمن خطابه العهد .
وجمهور العلماء: على أن المراد بالحرج في الآية الضيق؛ أي: لا يكن في صدرك
ضيق عن تبليغ ما أمرت به لشدة تكذيبهم لك؛ لأن تحمل عداوة الكفار، والتعرض لبطشهم
مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له 183 مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما
يضيق به الصدر. وقد قال ◌َ له: ((إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة)، أخرجه مسلم، والثلغ:
الشدخ، وقيل ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر.
ويدلّ على هذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٣)﴾
[الحجر]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا (٦)﴾
[الكهف]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَنَخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء].
ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب: الضيق، وذلك معروف
في كلامهم، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]؛
أي شديد الضيق، إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل:

١٨٣
سورة الأعراف: الآيات (٢ - ٤)
فعلمت أن يمينها لم تحرج
فخرجت خوف يمينها فتبسمت
وقول العرجي:
إنك إلا تفعلي تحرجي
عوجي علينا ربة الهودج
والمراد بالإحراج في البيتين: الإدخال في الحرج، بمعنى الضيق كما ذكرنا.
قوله تعالى: ﴿لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. لم يبين هنا المفعول به لقوله: ﴿لِنُنْذِرَ﴾،
ولكنه بينه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقوله: ﴿لِنُنَذِرَ قَوْمَا مَّآَ
أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، إلى غير ذلك من الآيات، كما أنه بيّن المفعول الثاني للإنذار في
آيات أخر؛ كقوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّكُنْهُ﴾ [الكهف: ٢]، وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى
﴿إِنَّا أُنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
﴾ [الليل]، وقوله :
وقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله: ﴿ِنُنذِرَ بِهِ،
وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّدًّا (١)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ
الذِّكْرَى نَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الذاريات]، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥].
ولا ينافي ما ذكرنا - من أن الإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين - أنه قصر الإنذار
على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ
(١)﴾ [يس]؛ لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً
بِالْغَيْبٍّ فَشْرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
عليهم، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم؛ لأن ما لا نفع فيه فهو كالعدم.
ومن أساليب اللغة العربية: التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء.
وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث: أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين:
أحدهما: عام لجميع الناس؛ كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ قُمْ فَأَذِرْ ﴾﴾ [المدثر]،
وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وهذا
الإنذار العام: هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَعَ
الذِّكْرَ﴾ ... الآية [يس: ١١]؛ لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم.
وثانيهما: إنذار خاص بالكفار؛ لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال
والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله: ﴿لِتُبَشِرَ
بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لًُّّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقوله هنا: ﴿لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، اهـ.
والإنذار في اللغة العربية: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل
إعلام إنذاراً
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾. خوف الله
تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوه وَل#، بأنه أهلك كثيراً من القرى بسبب

١٨٤ -
سورة الأعراف: الآيتان (٥ -٦)
تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها بياتاً، أي ليلاً، ومنهم من أهلكها وهم قائلون، أي
في حال قيلولتهم، والقيلولة: الاستراحة وسط النهار. يعني: فاحذروا تكذيب رسولي وقليل
لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر؛ كقوله: ﴿وَلَقَدِ
أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِأَلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ [الأنعام]،
وقوله: ﴿فَكَيِّنٍ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطّلَةِ
وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾﴾ [الحج]، وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ
﴾ [القصص]، وقوله: ﴿أَفَكَرْ
(٥٨)
مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُتْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ
يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْ﴾ [محمد: ١٠]، ثم بيّن أنه
يريد تهديدهم بذلك، بقوله: ﴿وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد هدّد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم عذابه ليلاً في حالة النوم، أو ضحى في
حالة اللعب، في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتًا وَهُمْ نَآَيِمُونَ (١) أَوَ
أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحِّى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٣)﴾. وهدّد أمثالهم من الذين
مكروا السيّئات بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ® أَوْ يَأْخُذَّهُمْ عَى
تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمُ (﴾﴾ [النحل).
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَهُم بَأْسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في حال
البيات، أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين.
وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَقِ كَنَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا
◌َخَرِينَ ﴿ فَلَّآ أَحَسُواْ بَأَسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ ﴿ لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَا أُرِفْتُمْ فِيهِ
قَالُواْ يَوَيِلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ ﴿ فَمَا زَالَتَ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى
وَمَسَكِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتَلُونَ
[الأنبياء].
جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ (9)﴾
قال ابن جرير تقذفه: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به
الرواية عن رسول الله ولير: ((ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم))، حدثنا بذلك ابن
حميد، حدثنا جرير عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله بن
مسعود: قال رسول الله وَلجر: ((ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم))، قال: قلت
لعبد الله: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآَ إِلََّ
أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَا ظَلِينَ
قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾. لم يبيّن هنا
الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم.
وبيّن في مواضع أُخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم
عما أجابوا به رسلهم.

١٨٥
سورة الأعراف: الآية (٧) ـ
قال في الأول: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩].
[القصص].
وقال في الثاني: ﴿وَبَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبَنتُمُ الْمُرْسَلِينَ
وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعملون، وهو قوله تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣].
وهنا إشكال معروف: وهو أنه تعالى قال هنا: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ
• وقال أيضاً: ﴿فَوَرَبِّكَ لَمْثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤) عَمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)؛
[الحجر]، وقال: ﴿وَقِفُوُمْ إِنَّهُم ◌َسْتُولُونَ ﴾ [الصافات]، وهذا صريح في إثبات سؤال
الجميع يوم القيامة، مع أنه قال: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]،
وقال: ﴿فَوَّمَِذٍ لَّا يُثَلُّ عَنَ ذَلِهِ، إِسُ وَلَا جَآَنٌّ (﴾﴾ [الرحمن].
وقد بيّنا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن
آيات الكتاب) وسنزيده إيضاحاً هنا إن شاء الله تعالى.
اعلم أولاً: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة أخص من السؤال المثبت
فيها؛ لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالاً عن ذنوب خاصة؛ فإنه قال: ﴿وَلَا
يُسْشَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، فخصّه بكونه عن الذنوب، وقال: ﴿فَهِدٍ لَّا
يُكَلُّ عَنْ ذَنْبِهِ: إِنسُ وَلَا جَآَنُّ (﴾﴾ [الرحمن]، فخصّه بذلك أيضاً، فيتضح من ذلك أن
سؤال الرسل والموءودة مثلاً ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه؛ لأن المنفي
خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحاً قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن
صِدْقِهِمْ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٨]، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله: ﴿وَأَنتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ اَِّذُونِ وَأَقِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ... الآية [المائدة: ١١٦]، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ
يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ١١٩]، والسؤال عن الذنوب المنفي في
الآيات: المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأنه - جل وعلا - محيط علمه بكل
شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ
والتقريع؛ لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل على هذا أن سؤال الله للكفار في القرآن
كله توبيخ وتقريع؛ كقوله: ﴿وَقِفُوُّ ◌َِهُم ◌َسْئُولُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ (٥)﴾ [الصافات]،
وقوله: ﴿أَفَسِحُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَاَ نْصِرُونَ ﴾﴾ [الطور]، إلى غير ذلك من الآيات،
وباقي أوجه الجمع مبيّن في كتابنا المذكور - والعلم عند الله تعالى ..
قوله تعالى: ﴿فَلَقُضَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعٍِّ وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ ﴾﴾.
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقص على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه
في الدنيا، وأخبرهم بأنه - جل وعلا - لم يكن غائباً عما فعلوه أيام فعلهم له في دار
الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكل ما فعلوه من صغير
وكبير، وجليل وحقير، وبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى

١٨٦ -
سورة الأعراف: الآيات: (٨ - ١٠)
ثَثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا
كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا
يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَغْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَّا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾
[الحديد: ٤]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَآَ
أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِنَبٍ ◌ُینِ ﴾﴾ [يونس].
تنبيه: في هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة النافين صفات المعاني،
القائلين: إنه تعالى عالم بذاته، لا بصفة قامت بذاته، هي العلم، وهكذا في قولهم:
قادر، مريد، حيّ، سميع، بصير، متكلم، فإنه هنا أثبت لنفسه صفة العلم بقوله:
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ ... الآية [النساء: ١٦٦] ..
وهي أدلة قرآنية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك عاقل في بطلانه وتناقضه.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقِّ﴾ .
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق، أي لا جور
فيه، ولا ظلم، فلا يزاد في سيئات مُسِيء، ولا ينقص من حسنات محسن.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أُخر؛ كقوله: ﴿وَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ
نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرََّلٍ أَيْنَا بِهَاْ وَكَفَى بِنَا حَسِينَ
[الأنبياء]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَّةً يُضَعِفْهَا﴾ ... الآية
[النساء: ٤٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِيِثُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِحَايَتِنَا يَظْلِمُونَ
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة: أنّ من ثقلت موازينهم أفلحوا، ومن خفت
موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، ولم يفصل الفلاح والخسران هنا .
وقد جاء في بعض المواضع ما يدل على أن المراد بالفلاح هنا كونه في عيشة
راضية في الجنة، وأن المراد بالخسران هنا كونه في الهاوية من النار، وذلك في قوله:
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ ﴾ فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
٨
وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهٌ
فَأُمُّمُ هَاوِيَةٌ ﴿﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَهْ جَ نَارَ حَامِيَةٌ
(١)﴾ [القارعة].
وبيّن أيضاً خسران من خفت موازينه بقوله: ﴿وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِيتُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ
خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ﴿٨ تَلْفَعُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيَهَا كَلِحُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون]
إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَرْ﴾ الآية. لم يبين هنا كيفية هذه المعايش التي
جعل لنا في الأرض، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر؛ كقوله: ﴿فَلْتُطُرِ الْإِنْسَنُ إِلَ طَعَامِهِ»

١٨٧
سورة الأعراف: الآيتان (١٢ - ١٣).
﴿ أَنَا صَبَيْنَا الْمَاءُ صَبَّا (٥) ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا (٣٦) فَأَنْبَا فِيهَا حَبََّ ﴿ وَعِنَبًا وَقَضْبَا رَهَ وَزَيْتُونَا
وَفَكِهَةٌ وَأَبََّ ﴿جَ مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ (39)﴾ [عبس).
وَنَخْلَا (١٠) وَحَدَابِقَ غُلَبًا
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَتْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾ [السجدة]، وقوله: ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ- أَزْوَجَا
مِّنْ تَبَاتٍ شَقَ ﴿٨ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَى (@)﴾ [طه].
وذكر كثيراً من ذلك في سورة النحل؛ كقوله: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا رِفْءٌ
وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾﴾ [النحل]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكٌ﴾. قال بعض العلماء: معناه: ما منعك
أن تسجد، و((لا)) صلة، ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة ((صّ)): ﴿قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ
تَسْجُدُ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقد أوضحنا زيادة لفظة ((لا)) وشواهد ذلك من
القرآن، ومن كلام العرب في سورة البلد، في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب)، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ .
ذكر في هذه الآية الكريمة: أن إبليس - لعنه الله - خلق من نار، وعلى القول أن
إبليس هو الجانّ الذي هو أبو الجنّ، فقد زاد في مواضع أخر أوصافاً للنار التي خلقه
منها، من ذلك أنها نار السَّمَوم، كما في قوله: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ
[الحجر]، ومن ذلك أنها خصوص المارج، كما في قوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن فَارِجٍ مِّن
نَارٍ ﴾﴾ [الرحمن]، والمارج أخص من مطلق النار؛ لأنه اللهب الذي لا دخان فيه.
وسمّيت نار السموم؛ لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها، وفي (صحيح مسلم)
عن عائشة ثا مرفوعاً: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق
آدم مما وصف لكم)). ورواه عنها أيضاً الإمام أحمد.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْيِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِنَ
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده؛ حيث
كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغراً حقيراً ذليلاً، متصفاً بنقيض ما كان
يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّفِرِينَ﴾، والصغار: أشدّ الذل
والهوان، وقوله: ﴿أَخُْجْ مِنْهَا مَذْهُومًا مَّدْخُورًا﴾، ونحو ذلك من الآيات، ويُفهم من الآية،
أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك؛ وصرح
تعالى بهذا المعنى في قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِكَلِغِيةٍ﴾ [غافر: ٥٦].
وبيّن في مواضع أخر كثيراً من العواقب السيئة التي تنشأ عن الكبر - أعاذنا الله
والمسلمين منه - فمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، والاهتداء بها كما
في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَِىَ الَّذِينَ بَتَكَّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، ومن ذلك أنه من

١٨٨
سورة الأعراف: الآيات (١٥ - ١٨)
أسباب الثواء في النار، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِّينَ﴾ [الزمر:
٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَّ إِلَهَ إلَّ اَللَّهُ يَسْتَكْبُونَ (٣٥)﴾ [الصافات]، ومن ذلك
أن صاحبه لا يحبه الله تعالى، كما في قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِنَ ﴾ [النحل]، ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به،
ولا يستعاذ إلا مما هو شرّ، كما في قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٌّ إِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن ◌ُلِّ
مُتَكَبٍِّ لَا يُؤْمِنُ بِيَّوْمِ لْمِسَابِ ﴾ [غافرا، إلى غير ذلك من نتائجه السيّئة، وعواقبه
الوخيمة، ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية: أن المتواضع لله - جل وعلا - يرفعه الله.
وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أُخر؛ كقوله: ﴿وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،
وقوله: ﴿وَتِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ
(٨٧)) [القصص]، وقد صح عنه ولو أنه قال: ((إنه أوحي إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر
أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد))، وقد قال الشاعر:
على صفحات الماء وهو رفيع
تواضع تكن كالبدر تبصر وجهه
إلى صفحات الجو وهو وضيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه
وقال أبو الطيب المتنبي:
ولو لم يعل إلا ذو محل
تعالى للجيش وانحط القتام
١٥
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْفِيٌّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
لم يبيّن هنا في سورة الأعراف الغاية التي أنظره إليها، وقد ذكرها في ((الحجر))
و((صّ)) مبيّناً أن غاية ذلك الإنظار هو يوم الوقت المعلوم؛ لقوله: في سورة ((الحجر))
و ((صَ)): ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ﴿٧َ إِلَ يَّوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ [الحجر]، فقد طلب
الشيطان الإنظار إلى يوم البعث، وقد أعطاه الله الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم.
وأكثر العلماء يقولون: المراد به وقت النفخة الأولى. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾. هذا الذي ذكر إبليس أنه سيوقع بني آدم
فيه، قاله ظنّاً منه أنهم سيطيعونه فيما يدعوهم إليه حتى يهلكهم، وقد بيّن تعالى في
سورة ((سبأ)) أن ظنه هذا صدق فيهم، بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَهِمْ إِيْلِسُ ظَنَهُ فَأَتَّبَعُوهُ﴾
[سبأ: ٢٠]، كما تقدمت الإشارة إليه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومَا مَّدْحُورًاً لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
بين في هذه الآية الكريمة أنه قال لإبليس: اخرج منها في حال كونك مذءوماً
مدحوراً، والمذءوم: المعيب أو الممقوت، والمدحور: المبعد عن الرحمة، المطرود،
وأنه أوعده بملء جهنم منه، وممن تبعه. وأوضح هذا المعنى في آيات أُخر، كقوله
تعالى: ﴿قَالَ فَأْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ الَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمَّن تَبِّعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٣)﴾ [صّ]،
١٨

١٨٩
سورة الأعراف: الآيات (٢٧ - ٣٠).
وقوله: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّاءُ فَوْفُورًا () وَأَسْتَغْرِزْ مَنِ
اَسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وََّلِبْ عَلَيْهِمِ إِخَيْلِكَ وَرَجِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا ﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْعَلُونَ ﴿ وَحُنُودُ إِيسَ
أَجْمَعُونَ ﴾﴾ [الشعراء}، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿يَبَفِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كُمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾.
حذّر تعالى في هذه الآية الكريمة بني آدم أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم،
وصرح في موضع آخر، أنه حذّر آدم من مكر إبليس قبل أن يقع فيما وقع فيه، ولم يُنجه
ذلك التحذير من عدوّه، وهو قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا
يُخْرِجَتَُّهَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْفََّ (٣٧)﴾ [طه].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآَنَا﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا فعلوا فاحشة، استدلوا على أنها
حق وصواب، بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأنهم ما فعلوها إلا لأنها صواب ورشد.
وبيّن في موضع آخر: أن هذا واقع من جميع الأمم، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَفُهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابََّنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى مَاثَِّهِم
مُقْتَدُونَ (ما)﴾ [الزخرف].
وردَّ الله عليهم هذا التقليد الأعمى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقوله: ﴿أَوَلَوْ كَنَ ءَبَلْؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقوله: ﴿قَلَ أَوَلَوْ جِثْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدِّثُمْ عَلَيْهِ مَابَدَكُمْ﴾
[الزخرف: ٢٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْقَوْ ءَبََّهُمْ ضَآَلَيْنَ (٦﴾ فَهُمْ عَلَى مَاتَرِهِمْ يُهْرَعُونَ
[الصافات: ٦٩، ٧٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ السَّلَلَةُ﴾
في هذه الآية الكريمة للعلماء وجهان من التفسير:
الأول: أن معنى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾؛ أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة
أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه؛ فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن
سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، ويدل على هذا الوجه قوله بعده: ﴿فَرِيقًا هَدَى
وَفَرِيقًا حَقِّ عَلَيْهِمُ الضَلَلَةُ﴾، وهو ظاهر كما ترى، ومن الآيات الدالة عليه أيضاً قوله
تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُرْ كَاِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]؛ أي ولذلك الاختلاف - إلى شقي وسعيد - خلقهم.
الوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾؛ أي كما خلقكم أولاً، ولم
تكونوا شيئاً، فإنه يعيدكم مرة أخرى، ويبعثكم من قبوركم أحياء بعد أن متم وصرتم
عظاماً رميماً، والآيات الدالة على هذا الوجه كثيرة جداً، كقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَاً أَوَّلَ خَلْقٍ

١٩٠
سورة الأعراف: الآيات (٣٠ - ٣٢)
تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:
٢٧]، وقوله: ﴿قُلْ يُحِبِهَا الَّذِىّ أَشَأَهَآ أَوْلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه قد يكون في الآية وجهان، وكل واحد
منهما حقّ، ويشهد له القرآن؛ فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمُ أَخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ .
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله،
ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما يخالف ما شرعه الله تعالى، ومع ذلك يظنون
أنفسهم علی هدی.
وبيّن في موضع آخر: أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملاً، والعياذ بالله
تعالى، وهو قوله - جل وعلا -: ﴿قُلْ هَلْ نُنِّئُكُمْ بِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا (٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْهُمْ فِي الْحَيَوَةِ
اُلُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (13)﴾ [الكهف].
تنبيه: هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى؛ لأن
الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبساً ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة
تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار؛ لجاجاً في
الباطل، وعناداً؛ فلذلك كان غير معذور. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ أَلَِّىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. أمر الله
تعالى في هذه الآية الكريمة نبيّه وَ لّ: أن يسأل سؤال إنكار: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾، كاللباس في الطواف، ﴿وَالطِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ كالأنعام، والحرث التي
حرّمها الكفار، وكاللحم والودك الذي حرّمه بعض العرب في الجاهلية في الحج ...
وصرح في مواضع أخر: أن من قال ذلك على الله فهو مفتر عليه - جل وعلا -،
كقوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٣)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ
أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
[الأنعام]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَا
قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتُونَ ﴾﴾ [يونس]، وطلبهم في موضع آخر طلب
إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون لهم أن الله حرم هذا، ونهى نبيه وَلا إن شهد
لهم شهود زور أن يشهد معهم، وهو قوله تعالى: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ
حَزَّمَ هَذَأْ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَدَّارَكُوْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا

١٩١
سورة الأعراف: الآيات: (٣٨ - ٤٦) .
فَقَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾. لم يبين هنا السبب الذي مكنهم من إضلالهم، ولكنه بين
في موضع آخر: أن السبب الذي مكنهم من ذلك هو كونهم سادتهم وكبراءهم، ومعلوم
أن الأتباع يطيعون السادة الكبراء فيما يأمرونهم به، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّاَ
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَاَ السَّبِيلَا ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الآية [الأحزاب:
٦٧، ٦٨]. وبسط ذلك في سورة ((سبأ)) بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظِّمُونَ مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ اُلْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ اُلْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَّكُ بَلْ كُم
تُجْرِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّكْفُرَ
بِاَللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣].
قوله تعالى: ﴿فَاتِهِمْ عَذَابً ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾. بين تعالى في هذه الآية الكريمة،
وأمثالها من الآيات: أن الأتباع يسألون الله يوم القيامة أن يضاعف العذاب للمتبوعين،
وبين في مواضع أخر: أن مضاعفة العذاب للمتبوعين لا تنفع الأتباع، ولا تخفف عنهم من
العذاب، كقوله: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (®)﴾ [الزخرف]،
وقوله هنا: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ
عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (9)﴾، وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلّ
فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾﴾ [غافر]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرٌ﴾. ذكر تعالى في هذه
الآية الكريمة: أنه - جل وعلا -، ينزع ما في صدور أهل الجنة من الحقد والحسد الذي
كان في الدنيا، وأنهم تجري من تحتهم الأنهار في الجنة، وذكر في موضع آخر أن نزع
الغل من صدورهم يقع في حال كونهم إخواناً على سرر متقابلين آمنين من النصب،
والخروج من الجنة. وهو قوله تعالى، في ((الحجر)): ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنًا
﴾ [الحجر].
١٤٨
عَلَى سُرُرٍ مُنَفَكِلِينَ ﴿ لَا يَمَتُهُمْ فِيهَا نَصَبٌّ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَحِينَ
قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حَارٌ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بين أهل الجنة
وأهل النار حجاباً يوم القيامة، ولم يبين هذا الحجاب هنا، ولكنه بينه في سورة الحديد بقوله:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِنُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ... الآية [الحديد: ١٣].
قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب
الأعراف، يعرفون كلاً - من أهل الجنة وأهل النار - بسيماهم. ولم يبين هنا سيما أهل
الجنة، ولا أهل النار، ولكنه أشار لذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ
وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٠٦].
فبياض الوجوه وحسنها: سيما أهل الجنة، وسوادها وقبحها وزرقة العيون: سيما
أهل النار. كما قال أيضاً في سيما أهل الجنة: ﴿تَعرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ النَّعِيمِ

١٩٢
سورة الأعراف: الآيات (٤٨ - ٥٣)
[المطففين]، وقال: ﴿وُجُوهُ يَؤمَيِذٍ نَاضِرَةُ (49)﴾ [القيامة]، وقال في سيما أهل النار: ﴿كَأَنَّمَاً
أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمَاً﴾ ... الآية [يونس: ٢٧]. وقال ﴿وَوُجُوهٌ يُؤَمَيِذٍ عَلَيْهَا
غَرَةٌ (٥)) ... الآية [عبس]، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢].
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنْكُمْ جَمْمُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية
الكريمة: أن أصحاب الأعراف قالوا لرجال من أهل النار يعرفونهم بسيماهم: لم ينفعكم ما
كنتم تجمعونه في الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا .
وبين في مواضع أخر وجه ذلك - وهو أن الإنسان يوم القيامة، يحشر فرداً، لا
مال معه، ولا ناصر، ولا خادم، ولا خول - وأن استكباره في الدنيا يجزى به عذاب
الهون في الآخرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُوْنَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكِّتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءُ
◌ُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله: ﴿وَذَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِنَا فَرْدًا ﴾﴾ [مريم]، وقوله:
(٥)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُمْ
تَسْتَكْبُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحِ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ فَرْدًّا
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ بَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل
أَنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَّةُ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار، إذا عاينوا الحقيقة يوم القيامة يقرون
بأن الرسل جاءت بالحق، ويتمنون أحد أمرين: أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو
يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل، ويعملوا بما يرضي الله، ولم يبين هنا هل يشفع لهم
أحد؟ وهل يردون؟ وماذا يفعلون لو ردوا؟ وهل اعترافهم ذلك بصدق الرسل ينفعهم؟
ولكنه تعالى بين ذلك كله في مواضع أخر، فبين أنهم لا يشفع لهم أحد بقوله: ﴿فَمَا لَنَا
مِن شَفِعِينَ ﴾ الآية [الشعراء]، وقوله: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ (@)﴾ [المدثر]،
وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
اُلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقوله: ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
وبين أنهم لا يردون، في مواضع متعددة، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ تَّاكِسُواْ
رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَثَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٣) وَلَوْ شِئْنَا لَنِيْنَا
كُلَّ نَفْسِ هُدَنِهَا وَلَكِنْ حَقُّ الْقَوْلُ مِنِىِ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنُّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٣)،
[السجدة]. فقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ... الآية. دليل على أن النار
وجبت لهم، فلا يردون، ولا يعذرون، وقوله ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيَهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَمَ نُعَمَِّّكُم ◌َا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَّكَرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ﴾
[فاطر: ٣٧]. فصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا بالإمهال مدة يتذكرون فيها، وإنذار
الرسل، وهو دليل على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى، وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمَّ
تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَّا لَّعْكُم مِّنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، جواباً لقولهم: ﴿أَخِرَبَآ إِلَى

١٩٣
سورة الأعراف: الآيتان (٥٣ - ٥٤)
أَلٍ فَرِيبٍ يُحِبِ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلِ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ
وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ [غافر: ١٢]، بعد قوله تعالى عنهم: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا
فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّنِ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، وقوله: ﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ ... الآية [الشورى: ٤٥]، بعد قوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِينَ لَمَّا رَأَوْاْ
اَلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]، وقوله هنا: ﴿قَدْ خَسِرُوّا
أَنْفُسَهُمْ﴾ ... الآية، بعد قوله: ﴿فَهَّل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَةُّ﴾ ... الآية.
فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا، وعلى وجوب العذاب، وأنه لا محیص لهم عنه.
وبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى الكفر والطغيان؛ وهو قوله: ﴿وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ ... الآية [الأنعام: ٢٨]، وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على
أنه تعالى يعلم المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد کیف یکون لو وجد،
فهو تعالى يعلم أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو
وقع كيف يكون، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾
[الأنعام: ٢٨]، ويعلم أن المتخلفين من المنافقين عن غزوة تبوك لا يحضرونها؛ لأنه هو
الذي ثبطهم عنها لحكمة، كما بينه بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ أَنْبِعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ﴾ ...
الآية [التوبة: ٤٦]. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون، لو وقع كيف يكون، كما
صرح به في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوَكُمْ إِلَّا خَالًا وَلَوَضَعُواْ خِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾
[التوبة: ٤٧]، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرِّ لَّلَجُواْ فِي ◌ُغْيَكِهِمْ
يَعْمَهُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات.
وبين في مواضع أخر: أن اعترافهم هذا بقولهم: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ﴾ لا
ينفعهم، كقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَفُواْ بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك]، وقوله: ﴿بَلَى
وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾. لم يفصل
هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة ((فصلت)) بقوله: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى
يَوْمَيْنِ وَّحْعَلُونَ لَهُ: أَبْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيَهَا أَقْوَتَهَا
فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَءٍ لِلسَِّنَ * ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهاً
قَالَآ أَنَيْنَا طَبِعِينَ ﴾ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَنَاتٍ فِى يَوْمَيِنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ -١٢].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة
وأمثالها من آيات الصفات كقوله ﴿يَدُ اُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ونحو ذلك؛ أشكلت
على كثير من الناس إشكالاً ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة، فصار قوم إلى التعطيل
وقوم إلى التشبيه - سبحانه وتعالى علواً كبيراً عن ذلك كله - والله - جل وعلا - أوضح
هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال. وحاصل تحرير ذلك أنه - جل
وعلا - بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين:

١٩٤
-
سورة الأعراف: الآية (٥٦)
أحدهما: تنزيه الله - جل وعلا - عن مشابهة الحوادث في صفاتهم، سبحانه
وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وثانيهما: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله وَله؛ لأنه
لا يصف الله أعلم بالله من الله ﴿ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ولا يصف الله بعد الله
أعلم بالله من رسول الله وَل ◌َه الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
[النجم]، فمن نفى عن الله وصفاً أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له رسول الله ولو
زاعماً أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله - جل وعلا -، فقد جعل نفسه أعلم من الله
ورسوله بما يليق بالله - جل وعلا -، ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَؤُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] !.
ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبِّه ملحد ضال، ومن
أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله وَّ ر مع تنزيهه - جل وعلا - عن مشابهة الخلق،
فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق،
سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا، هي قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فنفى عن نفسه - جل وعلا -
مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وأثبت لنفسه صفات
الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فصرح في هذه الآية
الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال.
والظاهر أن السر في تعبيره بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] دون أن
يقول مثلاً: وهو العلي العظيم، أو نحو ذلك من الصفات الجامعة: أن السمع والبصر
يتصف بهما جميع الحيوانات، فبين أن الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس
نفي المماثلة بين وصفه تعالى وبين صفات خلقه؛ ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ففي هذه
الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة، وسنوضح
- إن شاء الله - هذه المسألة إيضاحاً تاماً بحسب طاقتنا، وبالله - جل وعلا - التوفيق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة: أن
رحمته - جل وعلا - قريب من عباده المحسنين، وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين
سيكتبها لهم في قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُنَ الزَّكَوَةَ﴾.
ووجه تذكير وصف الرحمة مع أنها مؤنثة في قوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم
يقل قريبة، فيه للعلماء أقوال تزيد على العشرة، نذكر منها - إن شاء الله - بعضاً، ونترك
ما يظهر لنا ضعفه أو بعده عن الظاهر.
منها: أن الرحمة مصدر بمعنى الرحم، فالتذكير باعتبار المعنى.
ومنها: أن من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث

١٩٥
سورة الأعراف: الآيات (٥٧ - ٦٣).
فيها في الأنثى فتقول: هذه المرأة قريبتي أي في النسب، ولا تقول: قريب مني، وإن
كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث، فتقول: داره قريب وقريبة مني، ويدل لهذا
الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقول امرئ القيس:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
ومنها: أن وجه ذلك إضافة الرحمة إلى الله - جل وعلا -.
ومنها: أن قوله ﴿قَرِيبٌ﴾ صفة موصوف محذوف؛ أي شيء قريب من المحسنين.
ومنها: أنها شبهت بفعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه الذكر والأنثى.
ومنها: أن الأسماء التي على فعيل ربما شبهت بالمصدر الآتي على فعيل،
فأفردت لذلك، قال بعضهم: ولذلك أفرد الصديق في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ؟
أَوْ صَدِيقِكٌ﴾ [النور: ٦١]، وقول الشاعر:
وهن صديق لمن لم یشب، اهـ.
والظهير في قوله: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ﴾ [التحريم: ٤] إلى غير ذلك من الأوجه.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْزِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيِّةٍ﴾. على قراءة
عاصم: ﴿بُشْرًّا﴾ بضم الباء الموحدة، وإسكان الشين: جمع بشير؛ لأنها تنتشر أمام
المطر مبشرة به، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ أَن يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشْرَتٍ﴾
[الروم: ٤٦]، وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾، يعني برحمته المطر، كما جاء مبيناً في غير
هذا الموضع كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:
٢٨] وقوله: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ [الروم: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿حَّةَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا نِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ غَيِّتٍ﴾ الآية.
بين في هذه الآية الكريمة أنه يحمل السحاب على الريح، ثم يسوقه إلى حيث يشاء
من بقاع الأرض، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَاللَّهُ الَِّّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا
فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ تَّيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]، وقوله: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرُِ بِهِ،
زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلاَ يُصِرُونَ ®
﴾ [السجدة]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُتْ لِيُنذِرَكُمْ﴾. أنكر تعالى
في هذه السورة الكريمة على قوم نوح، وقوم هود عجبهم من إرسال رجل؛ وبين في
مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك، قال في عجب قوم نبينا وّ من ذلك:
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿بَلِّ عَبُواْ أَنْ
جَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ق: ٢]، وقال عن الأمم السابقة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم ◌ِلْبِنْتِ
فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَهَدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَوَلَواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ [التغابن]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ
بِالنُّذُرِ ﴿ فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا نََّّهُهُ﴾ [القمر: ٢٣، ٢٤]، وقال: ﴿لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا

١٩٦
سورة الأعراف: الآيات (٦٤ - ٧٩)
أَخَسِرُونَ﴾، وصرح بأن هذا العجب من إرسال بشر مانع للناس من الإيمان بقوله: ﴿وَمَا
مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٣)﴾ [الإسراء].
ورد الله عليهم ذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية
[الأنبياء: ٧]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِنَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان:
٢٠]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكَّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَُّواْ بِهَايَئِنَا﴾. لم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه
بينها في مواضع أخرِ كقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ
﴾ [القمر]، وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ
اُلُوْفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤].
قوله تعالى: ﴿أَتُجَدِلُونَنِى فِىَ أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ الآية. لم يبين هنا شيئاً
من هذا الجدال الواقع بين هود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وبين عاد، ولكنه
أشار إليه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّ ◌َالِهَنِنَا عَن
إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ
OF
قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (
وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونٍِّ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُظِرُونِ ﴿ إِ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ
رَبِّ وَرَبِّكُمْ بَّا مِن دَآَبَّةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَةٍ مُسْتَقِيمِ
﴾ [هود].
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَيْنَا﴾ الآية. لم يبين هنا كيفية قطعه دابر
عاد. ولكنه بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجٍ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ
[الحاقة]، وقوله: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴾﴾ [الذاريات]، ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ الآية.
ظاهر هذه الآية الكريمة أن عقرها باشرته جماعة، ولكنه تعالى بين في سورة
القمر أن المراد أنهم نادوا واحداً منهم، فباشر عقرها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَادَوّا
صَاِحِكٌ فَعَى فَقَرَ (®
﴾ ... [القمر].
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ الآية. لم يبين هذا الذي يعدهم به.
ولكنه بين في مواضع أخر أنه العذاب كقوله: ﴿وَلَا تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾
[هود: ٦٤]، وقوله هنا: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿تَمَثَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ (®﴾. لم يبين هنا سبب
رجفة الأرض بهم، ولكنه بين في موضع آخر أن سبب ذلك صيحة الملك بهم، وهو قوله:
﴿وَأَخَذَ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ ... الآية [هود: ٦٧]، والظاهر أن المَلَكَ لما صاح بهم
رجفت بهم الأرض من شدة الصيحة، وفارقت أرواحهم أبدانهم، والله - جل وعلا - أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَنَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَفْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِ﴾ الآية. بين تعالى هذه
الرسالة التي أبلغها نبيه صالح إلى قومه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمٌّ هَذِهِ، نَاقَةُ

١٩٧
سورة الأعراف: الآيات (٨٠ - ٨٧)
اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَّمِينَ﴾.
بين تعالى أن المراد بهذه الفاحشة اللواط بقوله بعده: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً
مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ ... الآية، وبين ذلك أيضاً بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
(Mo)
[الشعراء]، وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿فَأَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أنه لم ينج مع لوط إلا
خصوص أهله، وقد بين تعالى ذلك في ((الذاريات)) بقوله: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ ﴿ي ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ [الذاريات]، وقوله هنا: ﴿إِلَّا أَمْرَ أَتَهُم
كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ﴾ أوضحه في مواضع أخر، فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار،
وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، قال فيها، هي وامرأة نوح: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَتَاهُمَا فَلَمْ
[التحريم]، وقال فيها
يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّاِينَ
وحدها - أعني امرأة لوط - ﴿إِلَّ أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١].
قوله تعالى: في قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَدِقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ
(®﴾. لم يبين هنا هذا المطر ما هو، ولكنه بين في مواضع أخر أنه مطر حجارة أهلكهم
الله بها كقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، وأشار إلى أن السجيل الطين
بقوله في ((الذاريات)): ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣)﴾ [الذاريات]، وبين أن هذا المطر مطر
سوء لا رحمة بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنَوْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، وقوله
تعالى في ((الشعراء)): ﴿وَمَطَرْنَا عَلَهِمِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (٣٦)﴾ [الشعراء].
قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. الضمير
في قوله: ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ راجع إلى السبيل وهو نص قرآني على أن السبيل مؤنثة، ولكنه
جاء في موضع آخر ما يدل على تذكير السبيل أيضاً، وهو قوله تعالى في هذه السورة
الكريمة: ﴿وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الْفِىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ
فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَّأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
بين تعالى حكمه الذي حكم به بينهم بقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]: وقوله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ ﴿﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ﴿﴾﴾، وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الْقُلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩].
فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر تعالى في الأعراف أنه رجفة، وذكر في
هود أنه صيحة، وذكر فى الشعراء أنه عذاب يوم الظلة.
فالجواب: ما قاله ابن كثير كُّ في تفسيره، قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله،

١٩٨
-- سورة الأعراف: الآيات (٩٣ - ١٠١)
أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم
جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت
الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام، اهـ. منه.
قوله تعالى: ﴿فَنَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَى
عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾﴾. بين - جل وعلا - الرسالات التي أبلغها رسوله شعيب إلى قومه في
آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا
تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَاَلْمِيزَانَ إِ﴾ [هود: ٨٤]، ونحوها من الآيات، وبين نصحه لهم في آيات
كثيرة، كقوله: ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ
صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾﴾ [هود]. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ
كَفِينَ﴾ أنكر نبي الله شعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - الأسى؛ أي الحزن على
الكفار إذا أهلكهم الله بعد إبلاغهم، وإقامة الحجة عليهم مع تماديهم في الكفر والطغيان
لجاجاً وعناداً، وإنكاره لذلك يدل على أنه لا ينبغي، وقد صرح تعالى بذلك فنهى نبينا وصل
عنه في قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َبِّكَ تُغْيَانًا وَكُغَرَا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، ومعنى لا تأس: لا تحزن، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨].
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا﴾ الآية.
ذكر أنباءهم مفصلة في مواضع كثيرة، كالآيات التي ذكر فيها خبر نوح، وهود،
وصالح، ولوط، وشعيب، وغيرهم، مع أممهم صلوات الله وسلامه عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا حَذَّبُواْ مِنْ قَبْلٌ ﴾ الآية.
في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه من التفسير، بعضها يشهد له القرآن:
منها: أن المعنى فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم
يكذبون به، ولم يؤمنوا به، لاستحالة التغير فيما سبق به العلم الأزلي، ويروى هذا عن
أبي بن كعب، وأنس، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا الوجه آيات كثيرة كقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِ اُلْآَيَتُ
وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ونحو ذلك من الآيات.
ومنها: أن معنى الآية أنهم أخذ عليهم الميثاق، فآمنوا كرهاً، فما كانوا ليؤمنوا
بعد ذلك طوعاً، ويروى هذا عن السدي، وهو راجع في المعنى إلى الأول.
ومنها: أن معنى الآية أنهم لو ردوا إلى الدنيا مرة لكفروا أيضاً، فما كانوا ليؤمنوا
في الرد إلى الدنيا بما كذبوا به من قبل؛ أي في المرة الأولى، ويروى هذا عن
مجاهد، ويدل لمعنى هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]،
لكنه بعيد من ظاهر الآية.
ومنها: أن معنى الآية فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم

١٩٩
-
سورة الأعراف: الآيات (١٠٣ - ١٢٦)
بالحق أول ما ورد عليهم، وهذا القول حكاه ابن عطية، واستحسنه ابن كثير، وهو من
أقرب الأقوال لظاهر الآية الكريمة، ووجهه ظاهر؛ لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل
سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة؛
كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقوله: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اَللَّهُ
قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا﴾ [البقرة: ١٠]، وقوله:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْيَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد تكون فيها أوجه من
التفسير، كلها يشهد له قرآن، وكلها حق، فنذكر جميعها، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهِّ﴾ الآية.
بين تعالى هنا أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى، وصرح في
النمل بأنهم فعلوا ذلك جاحدين لها، مع أنهم مستيقنون أنها حق لأجل ظلمهم
وَحَحَدُواْ بِهَا
وعلوهم، وذلك في قوله: ﴿فَمَّا جَتْهُمْ مَتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ تُبِينٌ ()
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ [النمل: ١٣، ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ (®)﴾. ذكر تعالى هنا أن موسى نزع يده
فإذا هي بيضاء، ولم يبين أن ذلك البياض خال من البرص، ولكنه بين ذلك في سورة ((النمل))
و ((القصص) في قوله فيهما: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ [طه: ٢٢]، أي من غير برص.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ
١٠٩
بين هنا أن موسى لما جاء بآية العصا واليد قال الملأ من قوم فرعون: إنه ساحر،
ولم يبين ماذا قال فرعون؟ ولكنه بين في ((الشعراء)) أن فرعون قال مثل ما قال الملأ من
قومه، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَِّ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَخِرُ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الشعراء].
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَهَبُهُمْ وَجَآءُو بِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
لم يبين هنا هذا السحر العظيم ما هو؟ ولم يبين هل أوجس موسى في نفسه
الخوف منه؟ ولكنه بين كل ذلك في ((طه)) بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ
◌َ وَأَلْقِ مَا فِ
أَّا تَبْعَى ﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً قُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَحَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ (٣)﴾ [طه] ولم يبين هنا
أنهم تواعدوا مع موسى موعداً لوقت مغالبته مع السحرة، وأوضح ذلك في سورة ((طه))
في قوله عنهم: ﴿فَلَتَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ
مَكَانَا سُوَّىٌ ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٨، ٥٩].
قوله تعالى: ﴿ثمَّ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. لم يبين هنا الشيء الذي توعدهم بأنهم
يصلبهم فيه، ولكنه بينه في موضع آخر، كقوله في ((طه)): ﴿وَلَأُصَلْنَّكُمْ فِي جُذُوع
النَّخْلِ﴾ ... الآية [طه: ٧١].

سورة الأعراف: الآيات (١٣١ - ١٤٣)
:قوله تعالى: ﴿وَإِنَ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَرُواْ بِمُوسَى وَمَن تَعَهُ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية
الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة؛ أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا
بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا
عن بعض الكفار مع نبينا وَ لَ في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِلَ﴾ [النساء:
٧٨] . وذكر نحوه أيضاً عن قوم صالح مع صالح في قوله: ﴿قَالُواْ الطَّيَّنَا بِكَ وَبِمَن مَّمَكَ﴾
[النمل: ٤١]، وذكر نحو ذلك أيضاً عن القرية التي جاءها المرسلون في قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا
تَطَيَّنَا بِكُمْ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهُوْ لَنَّجُمَنَّكُمْ﴾ [يس: ١٨]، وبين تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم
ومعاصيهم، لا من قبل الرسل، قال في ((الأعراف)): ﴿أَلَآ إِنَّمَا طَهِرُهُمْ عِندَ الَهِ﴾ وقال
في سورة (النمل)) في قوم صالح: ﴿قَالُواْ الطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَّ قَالَ طَُِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ
قَوْمُ تُقْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]. وقال في ((يس)): ﴿قَالُواْ طَِرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩].
قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ . لم يبين
هنا من هؤلاء القوم، ولكنه صريح في سورة ((الشعراء)) بأن المراد بهم بنو إسرائيل، لقوله في
﴾ .... الآية [الشعراء]، وأشار إلى ذلك هنا
٥٩
القصة بعينها: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
بقوله بعدهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية.
قوله تعالى: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىَ إِسْرَِّيَلَ﴾ الآية.
لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم، ولكنه بينها في القصص بقوله:
وَنُمَكِّنَ
﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُوْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِينَ (
لَّمْ فِ الْأَرْضِ وَثُرِيِّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا كَانُواْ يَحْذَرُونَ (٣)﴾ [القصص].
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَئِ﴾. استدل المعتزلة النافون
لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل
على أن نفي الرؤية المذكور، إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه
إِلَى رَبِهَا
- جل وعلا - بأيصارهم، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وُجُرٌ ◌َِذٍ نَاضِرَةُ ◌ّ
نَاظِرَةٌ: ﴿4﴾ [القيامة]، وقوله في الكفار: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّتِهِمْ يَوْمَذٍ لََّحْبُوُونَ
[المطففين]، فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه - جل وعلا -.
وقد ثبت عن النبي ◌َّ أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
[يونس: ٢٦] الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم؛ وذلك هو أحد
القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، وقد تواترت الأحاديث عن النبي وَل
أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وتحقيق المقام في المسألة أن رؤية الله
- جل وعلا - بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها
عقلاً في دار الدنيا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى لا يخفى عليه
الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعاً فهي جائزة وواقعة في الآخرة كما