Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة النساء: الآيات (١١٩ - ١٢٣)
الآيات ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر
أنه هو الأكثر كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] وقوله: ﴿وَمَآَ
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [يوسف] وقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى
اُلْأَرْضِ يُضِلُّكَ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
[الصافات]. وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في النار.
قوله تعالى: ﴿وَلَّمُهَهُمْ فَلَيُغَيْنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال بعض العلماء: معنى هذه الآية
أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم الله عليها، وهذا القول يبينه
ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] إذ المعنى على التحقيق لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها
بالكفر. فقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَلَهُ﴾ [الروم: ٣٠] خبر أريد به الإنشاء إيذاناً: بأنه لا ينبغي
إلا أن يمتثل حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا
فُسُوقَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧] أي لا ترفئوا، ولا تفسقوا، ويشهد لهذا ما ثبت في
الصحيحين من حديث أبي هريرة نظ ◌ُبه قال: قال النبي وَلّ: ((كل مولود يولد على
الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل
تجدون فيها من جدعاء)) وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار بن أبي حمار
التميمي. قال: قال رسول الله وَله: ((إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)).
· وأما على القول بأن المراد في الآية بتغيير خلق الله خصاء الداوب، والقول بأن
المراد به الوشم، فلا بيان في الآية المذكورة، وبكل من الأقوال المذكورة. قال جماعة
من العلماء، وتفسير بعض العلماء لهذه الآية بأن المراد بها خصاء الدواب يدل على
عدم جوازه؛ لأنه مسوق في معرض الذم واتباع تشريع الشيطان، أما خصاء بني آدم فهو
حرام إجماعاً؛ لأنه مثلة وتعذيب وقطع عضو، وقطع تسل من غير موجب شرعي، ولا
يخفى أن ذلك حرام.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَبِّ﴾ الآية.
لم يبين هنا شيئاً من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض
ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلًا وَأَوْلَدًا
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥)﴾ [سبأ] وقوله عنهم: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
[الأنعام: ٢٩] ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ
الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]. وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
وَالتَّصَدَرَى غَحْنُ أَبْتَوْأُ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ونحو ذلك من الآياتِ.
وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب

١٢٢ -
سورة النساء: الآيات (١٢٥ - ١٢٧)
تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله
منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على
.. الآية. لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن
الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ .
العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله في
حال كونه محسناً؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن
من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى
اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَّ﴾ [لقمان: ٢٢] ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته
وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسناً؛ أي
مخلصاً عمله لله لا يشرك فيه به شيئاً مراقباً فيه لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله
تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التام، ومنه قول
زيد بن نفيل العدوي:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى اُلْنِسَآءِ﴾ الآية.
لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة وهو
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الَْى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِسَآءِ﴾ الآية. كما قدمناه
عن أم المؤمنين عائشة رضيّا فقوله هنا: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ في محل رفع معطوفاً على الفاعل الذي
هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن أيضاً: ﴿وَمَا يُتْلَ
عَلَيَكُمْ فِ الْكِتَبِ فِ يَتَلَمَى النِّسَآءِ﴾ الآية. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
اٌلْيَ﴾ الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق
اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره فليتركها ولينكح ما طاب له
سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في
قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ هو عن أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن؛ أي
كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن
ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن فى حقوقهن كما تقدم عن عائشة
وقال بعض العلماء: الحرف المحذوف هو في، أي ترغبون في نكاحهن إن كن
متصفات بالجمال وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون فيهن، والذين قالوا بالمجاز
واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً أجازوا ذلك في المجاز العقلي
كقولك: أغناني زيد وعطاؤه، فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء

١٢٣
سورة النساء: الآيات (١٢٥ - ١٢٧)
مجاز، فجاز جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز
عقلي عندهم؛ لأنه سببه فيجوز جمعهما .
وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في محل جر معطوفاً على
الضمير، وعليه فتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيما يتلى عليكم وهذا الوجه
يضعفه أمران :
الأول: أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا يفتي فيه لظهور أمره.
الثاني: أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير
واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلاً بقراءة حمزة، والأرحام بالخفض
عطفاً على الضمير من قوله: تساءلون به، وبوروده في الشعر كقوله: ،
فاذهب فما بك والأيام من عجب
فاليوم قربت تهجوناً وتشتمنا
بجر الأيام عطفاً على الكاف، ونظيره قول الآخر:
وما بينها والكعب مهوى نفانف
نعلق في مثل السواري سيوفنا
بجر الكعب معطوفاً على الضمير قبله، وقول الآخر:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعداً فيها ولا الأرض مقعدا
فقوله: ولا الأرض بالجر معطوفً على الضمير، وقول الآخر:
أحتفي كان فيها أم سواها
أمر على الكتيبة لست أدري
فسواها في محل جر بالعطف على الضمير، وأجيب عن الآية بجواز كونها قسماً،
والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في قوله تعالي:
الآية [الحاقة].
وَمَا لَ نُبُّصِرُونَ
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ
وعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ، ولا يقاس عليه، وصحح العلامة ابن القيم تَظّهُ
جواز العطف على الضمير المخفوض من غيّر إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى:
﴿حَسْبُكُ اللَّهُ وَمَنْ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] فقال: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾ في محل جر عطفاً
على الضمير المجرور في قوله: ﴿حَسُكَ﴾ وتقریر المعنی علیه حسبك الله؛ أي کافیك،
وكافي من اتبعك من المؤمنين، وأجاز ابن القيم والقرطبي في قوله: ﴿وَمِّنْ أَبَعَكَ﴾ أن يكون
منصوباً معطوفاً على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل نصب ونظيره قول الشاعر :
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا
فحسبك والضحاك سيف مهند
بنصب الضحاك كما ذكرنا، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا
مَعَِشَ وَمَنْ لَّشْتُمْ لَهُمْ بِرَزِقِينَ (٥)﴾ [الحجر] فقال: ومن عطف على ضمير الخطاب في قوله لكم
وتقرير المعنى عليه، وجعلنا لكم ولمن لستم له برازقين فيها معايش، وكذلك إعراب وما
يتلى بأنه مبتدأ خبره محذوف أو خبره في الكتاب، وإعرابه منصوباً على أنه مفعول لفعل

١٢٤
سورة النساء: الآية (١٢٩)
محذوف تقديره، ويبين لكم ما يتلى، وإعرابه مجروراً على أنه قسم، كل ذلك غير ظاهر.
وقال بعض العلماء: إن المراد بقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ﴾ آيات
المواريث؛ لأنهم كانوا لا يورثون النساء فاستفتوا رسول الله ﴿ في ذلك فأنزل الله
آیات المواريث.
وعلى هذا القول فالمبين لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ﴾ هو قوله:
﴿يُوصِيكُ اللّهُ فِىّ أَوْلَئِكُمْ﴾ الآيتين. وقوله في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ
فِى اُلْكَلَلَةِ﴾ والظاهر أن قول أم المؤمنين أصح وأظهر.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطٍ﴾. القسط العدل، ولم يبين هنا هذا
القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
الْيَقِيمِ إِلَّا بِلِّى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَانُكُمُّ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقوله: ﴿فَمَّا أَلْيَنِيْمَ فَلَا نَقْهَرْ
(٢﴾ [الضحى]، وقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى﴾ [البقرة: ١٧٧].
ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن
الأنفس أحضرت؛ الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها؛ لأنها
جبلت عليه. وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه، وهو
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ومفهوم الشرط أن
من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع
الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل
وهو رذيلة. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ .
هذا العدل الذي ذكره تعالى هنا أنه لا يستطاع هو العدل في المحبة، والميل
الطبيعي؛ لأنه ليس تحتَ قدرة البشر بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع،
وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ مَا مَّلَكَتْ أَيَّمَنَّكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلَّا
تَعُولُواْ﴾؛ أي تجوروا في الحقوق الشرعية، والعرب تقول: عال يعول إذا جار ومال،
وهو عائل، ومنه قول أبي طالب:
له شاهد من نفسه غير عائل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة
أي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر:
قول الرسول وعالوا في الموازين
قالوا تبعنا رسول الله واطرحوا
أي: جاروا وقول الآخر:
ثلاثة: أنفس وثلاث ذود
لقد عال الزمان على عيالي

١٢٥
سورة النساء: الآيات (١٣٠ - ١٣٩).
أي: جار ومال. أما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:
وما يدري الغني متى يعيل
وما يدري الفقير متى غناه
وقول جرير:
الله نزل في الكتاب فريضة
لابن السبيل وللفقير العائل
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ [التوبة:
٢٨]. فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين. وقال
الشافعي تقذفه: معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُواْ﴾؛ أي يكثر عيالكم من عال الرجل يعول إذا كثر
عياله، وقول بعضهم: إن هذا لا يصح وإن المسموع أعال الرجل بصيغة الرباعي على
وزن أفعل فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأن الشافعي من أدرى الناس باللغة
العربية؛ ولأن عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر:
٤٠
وأن الموت يأخذ كل حي
بلا شك وإن أمشي وعالا
يعني: وإن كثرت ماشيته وعياله، وقرأ الآية طلحة بن مصرف ألا تعيلوا بضم التاء
من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهِ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن
الزوجين إن افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن
جعل أحدهما شرطاً والآخر جزاء. وقد ذكر أيضاً أن النكاح سبب للغنى بقوله: ﴿وَأَنكِحُواْ
اُلْأَيَعَى مِنْكُرْ وَالصَّلِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمَّ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأَ يُدْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بَِاخَِينٌ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت
نزولها، وأتى بغيرهم بدلاً منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل
هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم وهو قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ وَخَرِنَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
وذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك المبدلين لا يكونون
مثل المبدل منهم، بل يكونون خيراً منهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْيِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير
صعب وهو قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُدْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍوَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
[إبراهیم] أي: ليس بممتنع ولا صعب.
قوله تعالى: ﴿أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له - جل وعلا .. وبين في موضع آخر:

١٢٦
سورة النساء: الآيتان (١٤٠ - ١٤١)
أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله، والمؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] أي وذلك بإعزاز الله لهم والعزة الغلبة، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَعَزَّبِ فِىِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. أي غلبني في الخصام، ومن كلام العرب من
عزيز يعنون من غلب استلب ومنه قول الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يختشى
. إذ الناس إذ ذاك من عزيزا
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ إلى قوله
﴿إِنَّكُ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾. هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ خَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ﴾
[الأنعام: ٦٨] وقوله هنا: ﴿فَلَ نَقَعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى
قعدوا معهم، ولكنه بينه في الأنعام بقوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَتَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ
اُلْقَوْمِ الَّكَلِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
في معنى هذه الآية أوجه للعلماء:
منها: أن المعنى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يوم القيامة ﴿سَبِيلًا﴾
وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس ثه ويشهد له قوله في أول الآية:
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ﴾. وهو ظاهر.
قال ابن عطية: وبه قال جميع أهل التأويل كما نقله عنه القرطبي وضعفه ابن
العربي زاعماً أن آخر الآية غير مردود إلى أولها. ومنها أن المراد بأنه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلًا﴾ يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم كما
ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه والر من حديث ثوبان أنه قال: (وإني سألت ربي ألا
يهلك أمتي بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم وإن الله
قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبى بعضهم بعضاً) ويدل لهذا
الوجه آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا لَنْنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١].
وَقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقوله: ﴿وَعَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُرْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَيَسْتَبِّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَِّينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِي أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ، مِنَّ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَفِ لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئً﴾ [النسور: ٥٥]
إلى غير ذلك من الآيات.
ومنها: أن المعنى أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلاً إلا أن يتواضوا بالباطل ولا
يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
قال ابن العربي: وهذا نفيس جدًّا وهو راجع في المعنى إلى الأول؛ لأنهم
منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في الأمرين.

١٢٧
سورة النساء: الآيات (١٤٢ - ١٥٤)
ومنها: أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلاً شرعاً، فإن وجد فهو بخلاف الشرع،
ومنها: أن المراد بالسبيل الحجة أي: ولن يجعل لهم عليهم حجة، ويبينه قوله تعالى:
[الفرقان] وأخذ بعض العلماء من
(٣٣)
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر للعبد المسلم. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
بين في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء،
ولا يذكرون الله فيها إلا قليلاً، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة قوله تعالى:
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ ﴿ الَّذِينَ
هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون]. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة
المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى
﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿يُسَيِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ ®َ رِجَالٌ لَّا
صَلَوَتِهِمْ ثُحَافِقُونَ (
نُلْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اٌلُِّْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الآية.
ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذاً بالله تعالى.
وذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْنِظُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَذَ اٌلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وذكر في موضع آخر: أنه يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذاباً لا يعذبه أحداً
من العالمين وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرَ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ
عَذَابًا لََّ أُعَذِبُهُ: أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ (19)﴾ [المائدة). فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار
عذاباً المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أصحاب المائدة، كما قاله ابن عمر
والدرك: بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَغْتَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ﴾ الآية.
لم يبين هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلهاً ولكنه بينه في سورة البقرة
بقوله: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيَكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّبُ
الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ﴾ الآية.
لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أولا، ولكنه بين في
مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
اُعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى الَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥]. وقوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ
الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣].

١٢٨
سورة النساء: الآيات (١٥٦ - ١٧١)
١٥٦
قوله تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا.
لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه
أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رشده في
زعمهم الباطل لعنهم الله - وذلك في قوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئًا فَرِيًّا ﴿4﴾ [متريما يعنون ارتكاب الفاحشة ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَنَّ أَبُوءِ آَمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا
كَانَتْ أُمُكِ بَغِيًّاً ﴾﴾ [مريم) أي: زانية فكيف تفجرين ووالداك ليسا كذلك؟! وفي القصة
أنهم رموها بيوسف النجار وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يتعجب منه.
قوله تعالى: ﴿فَيُظْرٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ طَيْبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ﴾.
لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ظلمهم ولكنه بينها في سورة
الأنعام بقوله: ﴿وَعَلىَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفٍُّّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنُا
عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً إِلَّا مَا جَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَّا أَوِ الْحَوَابَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ
وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام].
قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾.
لم يبين هنا ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على
ألسنة الرسل، ولكنه بينها في سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ
رَبَّا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَّعَ ءَايَِّئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَغَخْرَى (٣)﴾ [طه] وأشار لها
في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا فَدَّمَتْ أَبْدِيْهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً
﴾ [القصص].
٤٧
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَّعَ مَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقِّ﴾ .
هذا الغلو الذي نهوا عنه هو وقول غير الحق، هو قول بعضهم إن عيسى ابن الله، وقول
بعضهم هو الله، وقول بعضهم هو إله مع الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً
كما بينه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقوله: ﴿لَّقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ [المائدة: ١٧] وقوله: ﴿لَّقَدُْ كَفَرَ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾ [المائدة: ٧٣]. وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات
بقوله: ﴿إِنَّهَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلَقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿لَّن
يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، وقوله: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَّرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُهُمٍ صِدِّيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ الطَّعَامُ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقوله:
﴿قُلْ فَمَنِ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُ وَمَنْ
فِي الْأَرْضِ حَيْمًا﴾ [المائدة: ١٧].
- وقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا
من البهتان على مريم أيضاً، واعتمده القرطبي وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملاً

١٢٩
سورة النساء: الآيات (١٧١ - ١٧٤).
للتفريط والإفراط. وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط وهو معنى
قول مطرف بن عبد الله. الحسنة بين سيئتين، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط
فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد کلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد ثبت في الصحيح عنه وسلم أنه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى،
وقولوا عبد الله ورسوله)).
قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾
ليست لفظة من في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله،
ولكن من هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حياً من الله
تعالى؛ لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن ((من)) هنا لابتداء الغاية.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
أي: كائناً مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه
قال: ((خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك
عنده روح عيسى عليه الصلاة والسلام))؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان
منه عيسى عليلا، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا كقوله:
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآيِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وقوله: ﴿نَاقَةُ اُللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقيل: قد يسمى
من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله، فيقال هذا روح من الله أي: من
خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم،
وقيل: سمي روحاً بسبب نفخة جبريل عليه المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب
تسمي النفخ روحاً؛ لأنه ربح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة.
فقلت له ارفعها إليك وأحيها
بروحك واقتته لها قيتة قدرا
وعلى هذا القول فقوله ((وروح)) معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو
فاعل ألقاها، قاله القرطبي والله تعالى أعلم.
وقال بعض العلماء: وروح منه، أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لَمَن
اتبعه، قيل: ومنه وأيده بروح منه، أي برحمة منه، حكاه القرطبي أيضاً، وقيل: روح
منه، أي: برهان منه وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ .
المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما
يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
مِنْ أَمْرِنَّأْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله:
﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اَلَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ونحو ذلك من الآيات.

١٣٠
سورة المائدة: الآية (١)
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اَلْتُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكْ﴾ الآية.
صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين ترثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير
أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من
الأخوات فصاعداً، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين،
ولو بلغ عددهن ما بلغ وهو قوله تعالى في البنات: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا
مَا تَرَكَ﴾ ومعلوم أن البنات أمس رحماً وأقوى سبباً في الميراث من الأخوات، فإذا كن
لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب أولى.
وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني: مفهوم الموافقة الذي
المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل القياس،
خلافاً للشافعي وقوم، وكذلك المساوي على التحقيق فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَّ
أُنٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ٢٣] يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما وقوله: ﴿فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾﴾ ... الآية [الزلزلة]. يفهم منه من باب أولى أن من
عمل مثقال جبل يراه من خير وشر وقوله: ﴿وَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ... الآية
[الطلاق: ٢] يفهم منه من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلاً من العدول،
ونهيه ◌َّله عن التضحية بالعوراء، يفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء،
وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم يفهم منه بالمساواة منع إحراقه وإغراقه،
ونهيه ﴿ عن البول في الماء الراكد، يفهم منه كذلك أيضاً النهي عن البول في إناء
وصبه فيه، وقوله مَّة: ((من أعتق شركاً له في عبد)) الحديث. يفهم منه كذلك أن الأمة
كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء وإنما خالف فيه بعض الظاهرية.
ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا لا أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن
البنات وإن كثرن ليس لهن غير الثلثين، علم أن الأخوات كذلك من باب أولى. والعلم
عند الله تعالى.
براسه الرحمن الرحيم
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لم يبين هنا ما هذا الذي
يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام؛ ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالذَّمُ
وَمُ الْخِزِيرِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. فالمذكورات في هذه الآية الكريمة
كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام؛ فإنها تحرم بهذه العوارض.
والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد

١٣١
سورة المائدة: الآية (٢) -
استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين
إذا ذكيت أمه ووجد في بطنها ميتاً. وجاء عن النبي - ل# ((أن ذكاة أمه ذكاة له)) كما
أخرجه أبو داوود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي: إنه
حسن، ورواه أبو داوود عن جابر عن النبي وَّر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَاِدُواْ﴾. يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على
إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل عليه الاستقراء في القرآن، فإن كل شيء كان
جائزاً، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في
"القرآن للجواز، نحو قوله هنا: ﴿وَإِذَا حَلُ فَاصْطَادُواْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله: ﴿فَالْثَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وقوله:
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُرُبَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ ... الآية
.[التوبة: ٥]؛ لأن قتلهم كان واجباً قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة، سواء
قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]
أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء
بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب،
فالصيد قبل الإحرام كان جائزاً؛ فمنع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿وَإِذَا
حَلَلْتُ فَاصْطَادُواْ﴾ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان
واجباً قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله:
﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ﴾ [التوبة: ٥]، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الواجب.
وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعيد الحظر، والصحيح الذي يثبت
على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن
كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح. ومن قال: إنه للوجوب؛ ينتقض عليه بآيات
كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة؛ يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا
الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف،
بـ ((إلحاق الفرد بالأغلب)) حجة ظنية، كما عقده في (مراقي السعود) في كتاب
الاستدلال بقوله :
على ثبوت الحكم للكلي
ومنه الاستقراء بالجزئي
فهو حجة بالاتفاق
فإن يعم غير ذي الشقاق
يسمى لحوق الفرد بالذي غلب
وهو في البعض إلى الظن انتسب

١٣٢
سورة المائدة: الآية (٢)
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء التام في القرآن دل على ما اخترنا،
واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم
إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْرٍ أَنَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ ﴾ الآية.
نهى الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار؛ لأجل أن صدوهم
عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعاً .
كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال: ((كان
رسول الله ﴾﴾ وأصحابه بالحديبية حین صدهم المشركون عن البیت، وقد اشتد ذلك عليهم،
فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ◌َلهو :
نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية)). اهـ بلفظه من ابن كثير.
ويدل لهذا قوله قبل هذا: ﴿وَلَآ ءَآَمِيْنَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾، وصرح بمثل هذه الآية في
قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ﴾ الآية، وقد ذكر تعالى في هذه
الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ بفتح
الهمزة؛ لأن معناها: لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر
أنهم صدوا معهم الهدي معكوفاً أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم
الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن
الكفار في ذلك الوقت، بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ
مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّمْ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُهُمْ أَنْ تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم
مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِ رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا ﴾﴾ [الفتح]؛ وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من
عصی الله فيه، بأن یطیع الله فيه.
وفي الحديث: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن ما يدعو إليه من مكارم
الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على
أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملتهم على أن يغضبوا.
وقال بعض العلماء: ﴿لَا يَحْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف
الجر في قوله: ﴿أَن تَعْتَدُواَ﴾؛ أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم.

١٣٣
سورة المائدة: الآيتان (٥ - ٦)
وقرأ بعض السبعة ((شَنْآن)) بسكون النون؛ ومعنى الشنآن على القراءتين - أي بفتح
النون، وبسكونها ـ: البغض. مصدر ((شنأه)) إذا أبغضه.
وقيل: على قراءة سكون النون يكون وصفاً كالغضبان، وعلى قراءة ((إِن صَدُّوكُم))
بكسر الهمزة؛ فالمعنى: إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم
ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم.
وإبطال هذه القراءة بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النبي وسلم وأصحابه
بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه - مردود من وجهين :
الأول منهما: أن قراءة ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بصيغة الشرط قراءة سبعية متواترة لا يمكن
ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة.
الثاني: أنه لا مانع من أن يكون معنى هذه القراءة: إن صدوكم مرة أخرى على
سبيل الفرض، والتقدير كما تدل عليه صيغة ((إن))؛ لأنها تدل على الشك في حصول
الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيء على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم. والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ﴾.
ظاهر هذه الآية الكريمة أن المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد،
ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله: ﴿وَمَن
يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَاِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت
على الكفر، وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافاً لمالك القائل بإحباط الردة العمل
مطلقاً. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ .
في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءات: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان.
أما الشاذة: فقراءة الرفع، وهي قراءة الحسن. وأما المتواترتان: فقراءة النصب،
وقراءة الخفض.
أما النصب: فهو قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وعاصم في رواية حفص
من السبعة، ويعقوب من الثلاثة.
وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر.
أما قراءة النصب: فلا إشكال فيها؛ لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه،
وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين
وامسحوا برؤوسكم.

١٣٤
سورة المائدة: الآيتان (٥ - ٦)
وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب؛ لأن الرأس
يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء
الوضوء حسبما ذكر في الآية الكريمة.
وأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء
بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع الأحاديث الصحيحة
الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله ولايته:
((ويل للأعقاب من النار)).
اعلم أولاً أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما
هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح
في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تُفهِم أن قراءة الخفض إنما هي المجاورة
المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة
لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب، والرفع.
وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل
لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس،
فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه. وممن صرح به الأخفش، وأبو
البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب،
وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعاً كافياً.
والتحقيق: أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في
القرآن لأنه بلسان عربي مبين.
فمنه في النعت، قول امرئ القيس:
كبير أناس في بجاد مزمل
كأن ثبيرا في عرانين ودقه
بخفض ((مزمل)) بالمجاورة، مع أنه نعت ((كبير)) المرفوع بأنه خبر ((كأن)).
وقول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة
ملساء ليس بها خال ولا ندب
إذ الرواية بخفض ((غير))، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت ((سنة))
المنصوب بالمفعولية.
ومنه في العطف قول النابغة:
وموثق في حبال القد مجنوب
لم يبق إلا أسير غير منفلت
بخفض (موثق)) لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على ((أسير)) المرفوع بالفاعلية.
..
وقول امرئ القيس :

١٣٥
سورة المائدة: الآيتان (٥ - ٦) -
صفيف شواء أو قدير معجل
وظل طهاة اللحم ما بين منضج
بجر ((قدير)) لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على ((صفيف)) المنصوب بأنه
مفعول اسم الفاعل الذي هو ((منضج))، والصفيف: فعيل بمعنى مفعول وهو المصفوف
من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في
القدر من اللحم لينضج بالطبخ.
وهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق؛ لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف
والقدير، فما زعمه ((الصبان)) في حاشيته على ((الأشموني)) من أن قوله ((أو قدير))
معطوف على ((منضج)) بتقدير المضاف، أي وطابخ قدير ... إلخ ظاهر السقوط؛ لأن:
المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير. فلا حاجة إلى عطف الطابخ على
المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير ((طابخ)) محذوف.
وما ذكره العيني من أنه معطوف على ((شواء)»، فهو ظاهر السقوط أيضاً؛ وقد رده
عليه ((الصبان))؛ لأن المعنى يصير بذلك: وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفاً.
والتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني.
ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير:
بعدي سوافي المور والقطر
لعب الزمان بها وغيرها
بجَرِّ ((القطر)) لمجاورته للمخفوض مع أنه معطوف على ((سوافي)) المرفوع، بأنه
فاعل غير.
ومنه في التوكيد قول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
بجرِّ ((كلهم)) على ما حكاه الفراء لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد ((ذوي))
المنصوب بالمفعولية.
ومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف - كالآي التي نحن بصددها - قوله
كَأَمَثَلِ الََّلُوِ الْمَكْتُونِ (٣)﴾ [الواقعة]، على قراءة حمزة،
تعالى: ﴿وَحُورُ عِينُ
والكسائي.
ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَخْرِ
طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ (4)﴾ [الواقعة] مع أن قوله: ﴿وَحُورُ عِينُ (٣)﴾ [الواقعة] حكمه الرفع؛
فقيل: إنه معطوف على فاعل ((يطوف)) الذي هو ﴿وِلْدَنْ تُخْلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧].
وقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل المقام عليه. أي: وفيها حور
عين، أو لهم حور عين.
وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.

١٣٦
سورة المائدة: الآيتان (٥ - ٦)
وقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة:
بادت وغير آيهن مع البلا. إلا رواكد جمرهن هباء
فبدا وغيب ساره المعزاء.
ومشجج أما سواء قذاله ..
لأن الرواية بنصب ((رواكد)) على الاستثناء، ورفع مشجج عطفاً عليه؛ لأن المعنى
لم يبق منها إلا رواكد ومشجج؛ ومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء،
وبه تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما
ذكرنا خلافاً لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي: يطاف عليهم
بأكواب وبحور عين. ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي: هم في جنات
النعيم، وفي حور على تقدير حذف مضاف، أي: في معاشرة خور.
ولا يخفى ما في هذين الوجهين :
لأن الأول يرد بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب؛ لقوله تعالى: ﴿حُرٌ
مَّقْصُورَاتٌ فِ الخِيَامِ (٣)﴾ [الرحمن].
والثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي حور ظاهر السقوط كما ترى،
وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له.
وأجيب عن الأول بجوابين:
الأول: أن العطف فيه بحسب المعنى؛ لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة
ولحم وحور: قاله الزجاج وغيره.
الجواب الثاني: أن الحور قسمان: ١ - حور مقصورات في الخيام، ٢ - وحور يطاف
بهن عليهم. قاله الفخر الرازي وغيره، وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات
الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا ..
وكلام الفراء وقطرب، يدل عليه، وما رد به القول بالعطف على أكواب من كون
الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على ﴿وِلْدَنٌ تُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، في قراءة
الرفع؛ لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك.
وممن جزم بأن خفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ المجاورة المخفوض البيهقي في ((السنن
الكبرى))، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ((وأرجلكم)) نصباً، وأن الأمر رجع إلى
الغسل وأن من قرأها خفضاً، فإنما هو المجاورة. ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس،
وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وعطاء، والأعرج، وعبد الله بن
عمرو بن غيلان، وناقع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، وأبي محمد يعقوب بن
إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرؤوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.
قال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصباً، وعن عبد الله بن
عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى،
وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها .

١٣٧
سورة المائدة: الآيتان (٥ - ٦)
ومن خفضها فإنما هو المجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرؤونها بالخفض، وكانوا
يغسلون. اهـ كلام البيهقي.
ومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] بخفض محيط مع أنه نعت للعذاب. وقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود
الألم في القرآن نعتاً للعذاب. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قَُّانٌ تَجِيدٌ ﴾ فِ لَّوْج ◌َحْفُوظِ
٢٢
[البروج] على قراءة من قرأ بخفض ((محفوظ)) كما قاله القرطبي. ومن كلام العرب ((هذا
جحر ضب خرب)) بخفض خرب المجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ، وبهذا
تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحناً لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة،
والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله
التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح، وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا. فإن
قيل: قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن
تجعل قراءة النصب عطفاً على المحل؛ لأن الرؤوس مجرورة بالباء في محل نصب على
حد قول ابن مالك في الخلاصة:
وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن
وابن مالك وإن كان أورد هذا في (إعمال المصدر)) فحكمه عام، أي: وكذلك
الفعل والوصف كما أشار له في الوصف بقوله:
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض
كمبتغي جاه ومالاً من نهض
فالجواب: أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر - كما ذكر - تأباه السنة الصريحة
الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار، بخلاف بيان قراءة الخفض
بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله وَ* الثابتة عنه قولاً وفعلاً.
فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمرو طهًا قال: تخلف عنا
رسول الله ◌َ في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة؛ صلاة العصر، ونحن
نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب
من النار)) وكذلك هو في الصحيحين، عن أبي هريرة ◌ُته
وفي صحيح مسلم عن عائشة ثا أن النبي وَ ل قال: ((أسبغوا الوضوء، ويل
للأعقاب من النار))، وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن
جزء، أنه سمع رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار)).
وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن جرير، عن جابر ظته أن النبي وَّ قال:
((ويل للأعقاب من النار)).

١٣٨
سورة المائدة: الآية (١٥)
وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النبي بَلٍ قال: ((ويل للأعقاب من النار)).
وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله وَله: ((ويل للأعقاب من النار))،
قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما.
وثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي، وابن
عباس، ومعاوية، وعبد الله بن زيد بن عاصم، والمقداد بن معد يكرب: ((أن رسول الله وَله
غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو مرتين أو ثلاثاً)) على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله مَلّ توضأ فغسل
قدميه. ثم قال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وهي صحيحة صريحة في وجوب غسل الرجلين
في الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما .
قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية.
اعلم أن لفظة ((من)) في هذه الآية الكريمة محتملة لأن تكون للتبعيض، فيتعين في
التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد؛ ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية؛ أي مبدأ ذلك
المسح كائن من الصعيد الطيب، فلا يتعين ما له غبار. وبالأول قال الشافعي، وأحمد،
وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعاً.
فإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير،
وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ فقوله: ﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾
نكرة في سياق النفي زيدت قبلها ((من))، والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في
العموم، كما تقرر في الأصول، قال في (مراقي السعود) عاطفاً على صيغ العموم:
وفي سياق المنفي منها يذكر إذا بنى أو زيد من منكر
فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون ((من))
لابتداء الغاية؛ لأن كثيراً من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص
ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة.
ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله
ـّا،
قال: قال رسول الله وله: («أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة
شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل))
وفي لفظ: ((فعنده مسجده وطهوره)) ... الحديث.
فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال
أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد.
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا
كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ الآية.

١٣٩
سورة المائدة: الآيات (٢٧ - ٣٢)
لم يبين هنا شيئاً من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول # مما كانوا يخفون من
الكتاب، يعني التوراة والإنجيل، وبين كثيراً منه في مواضع أخر.
فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله
تعالى: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَى
فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [آل عمران].
يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم
معرضون عن ذلك منكرون له. ومن ذلك. ما أخفوه من صفات الرسول و183 في كتابهم،
وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَىَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بٍِّ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
ومن ذلك إنكارهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم، كما قال
تعالى: ﴿فَيُطَلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وقوله: ﴿وَعَلَى
اُلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى نُفِّرٍ وَمِنَ الْبَغَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّ مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام].
فإنهم أنكروا هذا، وقالوا لم يحرم علينا إلا ما كان محرماً على إسرائيل، فكذبهم
القرآن في ذلك في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلٌ عَلَى
(٩٣) ﴾ [آل عمران].
نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ الثَّوْرَنَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِلِتَّوَّرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
ومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد ◌ّه، وقد بينها تعالى
بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ
يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُنْ أَعْمَدٌ﴾ [الصف: ٦]، إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. قال جمهور العلماء: إنهما
ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل، وقابيل.
وقال الحسن البصري تخلفه: هما رجلان من بني إسرائيل، ولكن القرآن يشهد
لقول الجماعة، ويدل على عدم صحة قول الحسن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ
غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ, كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيةٍ﴾، ولا يخفى على أحد أنه ليس في
بني إسرائيل رجل يجهل الدفن حتى يدله عليه الغراب، فقصة الاقتداء بالغراب في
الدفن، ومعرفته منه تدل على أن الواقعة وقعت في أول الأمر قبل أن يتمرن الناس على
دفن الموتى، كما هو واضح، ونبه عليه غير واحد من العلماء. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِى الأَرْضِ﴾ .
صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو
فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ولم يتعرض هنا لحكم من قتل نفساً بنفس،

١٤٠ -
سورة المائدة: الآية (٣٢)
أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز،
في قوله: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وفي قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ
الْقَلْلِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ قُثِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينته السنة، وحاصل تحرير المقام
فيها أن الذَّكَر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعاً، وأن المرأة كذلك تقتل
بالمرأة كذلك إجماعاً. وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعاً، وإنما لم نعتبر قول عطاء
باشتراط تساوي قيمة العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس: ليس بين
العبيد قصاص؛ لأنهم أموال، لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصَاصُ
فِي الْقَتْلِى الْمُّ بِالْحُرُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وأن المرأة تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت
بالمرأة فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما .
وللعلماء في المسألة أقوال يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل .. .
قوله تعالى ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَّفْسٍ﴾. فاعلم أن مفهوم قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِ
اُلْأَرْضِ﴾، هو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾.
قال ابن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على
الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع
من الشر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
) ﴾ [البقرة].
وَالشَّسْلُّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ®
فإذا علمت ذلك فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل، ذكر
الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. وظاهر هذه الآية الكريمة: أن الإمام مخير
فيها، يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول، أو لأنها تدل على التخيير.
ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ
تَحْزِيرُ رَقَّبَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ
اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾
واعلم أن الصَّلْب المذكور في قوله ﴿أَوْ يُصَلَُّواْ﴾، اختلف فيه العلماء. فقيل:
يصلب حياً، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حياً، ثم يقتل
برمح، ونحوه، مصلوباً، وقيل: يقتل أولاً، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة
أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده. والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمناً يحصل فيه
اشتهار ذلك؛ لأن صلبه ردع لغيره.