Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة آل عمران: الآية (٧) -
وما ينافى الحرة الكبيرة.
كحمل مرأة على الصغيرة.
على القضاء مع الالتزام
وحمل ما ورد في الصيام
أما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره، فهو
عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك تقذفُهُ وأشار له في (المراقي) بقوله:
إياه تأويلا لدى المختصر
والخلف في فهم الكتاب صير
والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية المدونة.
قوله تعالى: ﴿وَالزَّسِحُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ ... الآية. لا يخفى أن هذه الواو.
محتملة للاستئناف فيكون قوله: ﴿وَاُلْزَّسِخُونَ فِى الْعِلْرِ﴾ مبتدأ، وخبره يقَولون، وعليه
فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة ومحتملة
لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: ﴿وَالَّسِخُونَ﴾ معطوفاً على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه
يعلم تأويله الراسخون في العلم أيضاً، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا
عاطفة، قال ابن قدامة: في روضة الناظر ما نصه: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله
سبحانه متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ، إِلَّا
اللّهُ﴾ لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون آمنا به بالواو
أما المعنى فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوماً لكان مبتغيه ممدوحاً
لا مذموماً؛ ولأن قولهم آمنا به، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه
لا سيما إذا تبعوه بقولهم: كل من عند ربنا، فذكرهم ربهم هاهنا يعطي الثقة به والتسليم
لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم؛ ولأن لفظة أما لتفصيل الجمل
فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه إياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله يدل
على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون. ولو كانوا يعلمون تأويله لم
يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا
يجوز حمله على غير ما ذكرناه. اهـ من الروضة بلفظه.
ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا
نفى عن الخلق شيئاً وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله: ﴿قُل
لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. وقوله: ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا
هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمٌ﴾ [القصص: ٨٨]. فالمطابق
لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما
قاله الخطابي وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّسِجُونَ﴾ للنسق لم يكن لقوله: ﴿كُلُّ
مِنْ عِندِ رَيِّنَاً﴾ فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وأن قوله: ﴿وَالزَّسِحُونَ﴾
ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء، للأدلة القرآنية التي ذكرنا .
وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز،

٨٢
-
سورة آل عمران: الآية (٧)
وابن مسعود، وأبي بن كعب، نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير، عن يونس، عن
أشهب، عن مالك بن أنس، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد.
وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم
الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضاً
عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن
محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال
الاستئناف والعطف قول الشاعر:
الريح تبكي شجوها
والبرق يلمع في الغمامة
فيحتمل أن يكون والبرق مبتدأ والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعاً مما
قبله، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني
أي: لا معاً.
واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله - سبحانه وتعالى - مدحهم بالرسوخ في
العلم، فکیف یمدحهم بذلك وهم جهال.
قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو: هذا القول هو الصحيح فإن
تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم
كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه .
قال مقيده - عفا الله عنه -: يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم
في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم، ويقولون فيما لم يقفوا
على علم حقيقته من كلام الله - جلّ وعلا -: ﴿ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾ بخلاف غير
الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا ظاهر.
وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم
ونسبة العلم إليه أسلم.
وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا
معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النبي وَالر: ((اللهم علمه التأويل)) أي التفسير
وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علماً بحقائق
الأشياء على كنه ما هي عليه. والذين قالوا: هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما
يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه إلا الله، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران: الأول
قول ابن عباس : التفسير على أربعة أنحاء: تفسير: لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير
تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله. فهذا تصريح من
ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر.
وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور. الثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور

٨٣
سورة آل عمران: الآيتان (١٠ - ١١)
لا يعلم المراد بها إلا الله إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا
سنة ولا إجماع ولا لغة العرب. فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا
وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني
عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً، وذكر أنهم وقود النار أي: حطبها الذي تتقد فيه، ولم
يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وبين في مواضع
أخر أنهم ادعوا ذلك ظناً منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم
عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضاً فكذبهم في آيات .
كثيرة فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا
وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣)﴾ [سبأ] وقوله: ﴿ أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وقال لَأُوْتَ مَالًا
وَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا وقوله: ﴿وَلَيْن ◌ُّجِعْتُ إِلَى رَبِ
إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا، وقوله: ﴿وَلَيْن
رُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] قياساً منه للآخرة على الدنيا. ورد الله
عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ
أَمْوَلُهُمْ﴾. وقوله: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَيْنٌّ ﴿ّ ◌َُّارِعُ لَهُمْ فِىِ الْخَيْرَتَّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِلَِّى تُقَرِّيَكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧]،
وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنََّا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ (4)﴾، وقوله: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨َ وَأُمَلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ
[الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات.
وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ الَِّ شَيْئًا وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ
(١١٦)
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بَِايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِةٌ﴾ لم
يبين هنا من هؤلاء الذين من قبلهم وما ذنوبهم التي أخذهم الله بها .
.. وبين في مواضع أخر أن منهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم
شعيب، وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله وتكذيب الرسل وغير ذلك من
المعاصي، كعقر ثمود للناقة وكلواط قوم لوط، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان،
وغير ذلك كما جاء مفصلاً في آيات كثيرة كقوله في نوح وقومه: ﴿فَلَيْثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الْتُوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] ونحوها من الآيات، وكقوله في
قوم هود: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم
صالح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم لوط:

٨٤ -
- سورة آل عمران: الآيات (١٣ - ٣١)
﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤] ونحوها من الآيات وكقوله في قوم شعيب: ﴿فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ([®)﴾ [الشعراء] ونحوها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِشَتَيْنِ الْتَقَتَّ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية
الكريمة أن وقعة بدر آية؛ أي علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما
غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.
وصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة؛ أي لا لبس في الحق معها وذلك في
قوله: ﴿لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
وصرح أيضاً بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنْعَمِ وَالْعَرْثِ﴾. لم يبين هنا كم يدخل تحت
لفظ الأنعام من الأصناف.
ولكنه قد بين في مواضع أخر أنها ثمانية أصناف هي الجمل، والناقة، والثور،
والبقرة، والكبش، والنعجة، والتيس، والعنز، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةً
وَفَرْشَآَ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. ثم بين الأنعام بقوله: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ﴾
[الأنعام: ١٤٣] يعني الكبش والنعجة ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] يعني: التيس
والعنز إلى قوله: ﴿وَمِنَ اَلْإِبِلِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] يعني: الجمل والناقة ﴿وَمِنَ الْبَفَرِ
اثْنَبْنُ﴾ [الأنعام: ١٤٤] الثور والبقرة وهذه الثمانية هي المرادة بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ
اْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةً أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦] وهي المشار إليها بقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ جَعَلَ
لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا ﴾ الآية [الشورى: ١١].
تنبيه: ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ومنه قوله وَلة: ((من
حمر النعم)) يعني: الإبل وقول حسان رظ
خلال مروجها نعم وشاء
وكانت لا يزال بها أنيس
أي: إبل وشاء.
قوله تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
صرح تعالى: في هذه الآية الكريمة أن اتّباع نبيه موجب لمحبته - جلّ وعلا -
ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسوله وَ ل هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا
المدلول في قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى:
﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
تنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله وصقل هي
اتباعه والقر، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محباً له لأطاعه،
ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة ومنه قول الشاعر:

٨٥
سورة آل عمران: الآيات (٤٠ - ٤٦)
إن المحب لمن يحب مطيع
لو كان صادقاً لأطعته
وقول ابن أبي ربيعة المخزومي:
ومن لونهاني من حبه
وقد أجاد من قال:
عن الماء عطشان لم أشرب
بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
قالت: وقد سألت عن حال عاشقها
وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد
فقلت: لو كان رهن الموت من ظمأ
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ اُلْكِبَرُ﴾.
لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر
عتياً. وذلك في قوله تعالى عنه: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا﴾ [مريم: ٨] والعتي:
الييس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر. وقال ابن جرير في تفسيره: وكل
متناه إلى غايته في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس.
قوله تعالى عن زكريا : ﴿وَأَمْرَأَتِ عَاقِرٌ﴾ لم يبين هنا هل كانت كذلك أيام شبابها، ولكنه
بين في سورة مريم أنها كانت كذلك قبل كبرها بقوله عنه. ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥].
قوله تعالى: ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلَِّ النَّاسَ ثَلَنَّةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًّا﴾ .
لم يبين هل المانع له من كلام الناس بكم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك. أو لا
مانع له إلا الله وهو صحيح لا علة له. ولكنه بين في سورة مريم، أنه لا بأس عليه،
وأن انتفاء التكلم عنه لا لبكم، ولا مرض وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ لأن قوله سوياً حال من فاعل تكلم مفيد لكون
انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي يتعذر عليك
تكليمهم ولا تطيقه، في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم ولا
خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِ
وَاْإِبْكَرِ﴾. وعن ابن عباس: أن سوياً عائد إلى الليالي. أي: كاملات مستويات،
فيكون صفة الثلاث، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ .
لم يبين هنا هذه الكلمة التى أطلقت على عيسى؛ لأنها هي السبب في وجوده من
إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين في موضع آخر. أنها لفظة كن وذلك في قوله:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وقيل: الكلمة بشارة
الملائكة لها بأنها ستلده واختاره ابن جرير، والأول قول الجمهور.
قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ﴾ .
لم يبين هنا ما كلمهم به في المهد، ولكنه بينه في سورة مريم بقوله: ﴿فَأَشَارَتْ

٨٦
سورة آل عمران: الآيات (٥٢ - ٩٠)
قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِىِ نِيًّا
إِلَيّْةٍ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
وَجَعَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيََّ ﴿ وَبَرَّأَ بِوَالِدَتِىِ وَلَمْ
٣٠
يَجْعَلْنِ جَبَارًا شَفِيًّا ﴿ وَالسّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيَّا (٣)﴾ [مريم].
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِىِ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ .
أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله:
﴿وَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرْفِيًّا (٨ فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾
[مريم: ١٦، ١٧]. إلى آخر القصة وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، معبراً في
التحريم بالنفخ في فرجها، وفي الأنبياء بالنفخ فيها .
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِثُونَ
نَحْنُ أَضَارُ اَللَّهِ﴾. لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى. ولكنه بين في
سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد ويّة في نصرة الله
ودينه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَِّ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْتَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ
مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى الَّهِ﴾ [الصف: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (@)﴾. لم يبين هنا مكر
اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم
قتله، وذلك في قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَنَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ [النساء: ١٥٧]،
وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُِّّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وقوله:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا بَل رَّفَعَهُ اَللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ... الآية [النساء: ١٥٧].
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِنِّ مُتَوَفِيكَ﴾. قال: بعض العلماء أي: منجيك
ورافعك إلي؛ أي في تلك النومة ويستأنس لهذا التفسير بالآيات التي جاء فيها إطلاق
الوفاة على النوم كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ﴾ الآية [الأنعام: ٦٠]. وقوله: ﴿اللَّهُ
يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىِّ إِبْرَهِيمَ﴾ الآية. لم يبين هنا ما وجه
محاجتهم في إبراهيم، ولكنه بين في موضع آخر أن محاجتهم في إبراهيم هي قول اليهود:
أنه يهودي، والنصارى إنه نصراني وذلك في قوله: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِزَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الهَ﴾ [البقرة: ١٤٠]. وأشار
إلى ذلك هنا بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًّا لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ﴾. قال
بعض العلماء: يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، وهذا التفسير
يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ

٨٧
سورة آل عمران: الآيات (٩٠ - ٩٧) -
اَلْمَوْثُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨]. وقد تقرر في
ج
الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا .
وقال بعض العلماء: معنى ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ لن يوفقوا للتوبة حتى تقبل منهم
ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَّمْ
(١)﴾ [النساء] فعدم غفرانه لهم لعدم هدايتهم السبيل
يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَمُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
الذي يغفر لصاحبه ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ
ذَهَبًا﴾. صرح في هذه الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة لا يقبل من أحدهم ملء
الأرض ذهباً ولو افتدى به. وصرح في مواضع أخر أنه لو زيد بمثله لا يقبل منه أيضاً
كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ
عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]. وبين في مواضع أخر أنه لا يقبل فداء
في ذلك اليوم منهم بتاتاً كقوله: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحديد:
١٥] وقوله: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا
عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] والعدل الفداء.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾. صرح في هذه الآية، أنه غني
عن خلقه، وأن كفر من كفر منهم لا يضره شيئاً، وبين هذا المعنى في مواضع متعددة،
كقوله عن نبيه موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَّ إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حِيدُّ
: [إبراهيم]، وقوله: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر:
٧]، وقوله: ﴿فَكَفَرُواْ وَقَوَلَّأْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، وقوله: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ
اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ اُلْغَنِىُّ﴾ [يونس: ٦٨] إلى غير ذلك من الآيات، فالله تبارك وتعالى
يأمر الخلق وينهاهم؛ لا لأنه تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم، بل نفع طاعتهم لهم
وضرر معصيتهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَأَ﴾
[الإسراء: ٧] وقال: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقال:
يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾﴾ [فاطر].
وثبت في صحيح مسلم عن رسول الله وَ الر، فيما يرويه عن ربه أنه قال: ((يا عبادي
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد
ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر
قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) ... الحديث.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَمَنِ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ يدل على أن من لم يحج كافر والله غني عنه.

٨٨
سورة آل عمران: الآيات (٩٠ - ٩٧)
وفي المراد بقوله: ومن كفر أوجه للعلماء.
الأول: أن المراد بقوله ومن كفر أي: ومن جحد فريضة الحج، فقد كفر والله
غني عنه، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد قاله ابن كثير .. ويدل لهذا الوجه ما
روي عن عكرمة ومجاهد من أنهما قالا لما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ
مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال النبي والر: ((إن الله فرض على المسلمين حج
البيت من استطاع إليه سبيلا)) فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا)). قال الله
تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ .
الوجه الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] أي: ومن لم يحج على
سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة كقوله للمقداد الثابت في
الصحيحن حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: ((لا
تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال)).
الوجه الثالث: حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر.
وقد روي عن النبي وسلم أنه قال: ((من ملك زاداً وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره
مات يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ وذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ أَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾)).
روی هذا الحدیث الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه كما نقله
عنهم ابن كثير وهو حديث ضعيف ضعفه غير واحد بأن في إسناده هلال بن عبد الله
مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، وهلال هذا.
قال الترمذي: مجهول، وقال البخاري: منكر الحديث، وفي إسناده أيضاً
الحارث الذي رواه عن علي رقڅته.
وقال الترمذي: إنه يضعف في الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس
بمحفوظ، اهـ بالمعنى من ابن كثير.
وقال ابن حجر: في الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف. في هذا الحديث
أخرجه الترمذي من رواية هلال بن عبد الله الباهلي، حدثنا أبو إسحاق، عن الحارث، عن
علي رفعه: ((من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًّا
أو نصرانيًّا)). وقال: غريب وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث
يضعف، وأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال: لا نعلمه عن علي إلا من هذا الوجه،
وأخرجه ابن عدي، والعقيلي في ترجمة هلال، ونقلاً عن البخاري أنه منكر الحديث.
وقال البيهقي في الشعب: تفرد به هلال وله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه
الدارمي بلفظ ((من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس،
فمات فليمت إن شاء يهوديًّا، أو إن شاء نصرانيًّا)) أخرجه من رواية شريك، عن ليث بن

٨٩
سورة آل عمران: الآيات (١٠٢ - ١٠٦) -
أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب،
وأخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث، عن عبد الرحمن مرسلاً لم يذكر
أبا أمامة وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وابن عدي أورده
في الكامل في ترجمة أبي المهزوم يزيد بن سفيان عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. ونقل
عن القلاس أنه كذب أبا المهزوم، وهذا من غلط ابن الجوزي في تصرفه؛ لأن الطريق
إلى أبي أمامة ليس فيها من اتهم بالكذب.
وقد صح عن عمر بن الخطاب عنه أنه قال: من أطاق الحج فلم يحج فسواء
مات يهوديًّا أو نصرانيًّا. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾.
أكثر العلماء على أنها منسوخة بقوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال
بعضهم: هي مبينة للمراد منها فقوله حق تقاته. أي: بقدر الطاقة. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ الَِّ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ:
إِخْوَنًا﴾. لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة، ولكنه بين في موضع آخر أن
معاداتهم بلغت من الشدة أمراً عظيماً حتى لو أنفق ما في الأرض كله؛ لإزالتها
وَللتأليف بين قلوبهم لم يفقد ذلك شيئاً وذلك في قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُوّأْ أَنْ يَحْدَهُوَكَ فَإِنَ
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنَفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا
حَسْبَكَ اللَّهَ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ
[الأنفال].
مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَتَسْوَذُ وُجُوهٌ﴾. بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد
الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله: ﴿فَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرَتُ
بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾. وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله تعالى وهو قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. وبين في
موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ
سَيْتَهِ بِثْلِهَا وَزْهَقُّهُمْ زِلَّهُ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِّ كَأَنَمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ فِطَعًا مِّنَ الَتْلِ مُظْلِمَاً﴾
[يونس: ٢٧] وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور وهو قوله تعالى:
﴿وَوُجُوهُ يَؤْمَيِدٍ عَلَيْهَا غَةٌ ﴿٤ تَرْهَقُهَا قَرَةُ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجْرَةُ (49)﴾ [عبس].
وهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، وهو الكفر بالله
تعالى، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله: ﴿وَنَحْشُرُ
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] وأقبح صورة أن تكون الوجوه سوداً والعيون زرقاً، ألا
ترى الشاعر لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة
العیون، واسوداد الوجوه في قوله:
وللبخيل على أمواله علل
زرق العيون عليها أوجه سود

٩٠
سورة آل عمران: الآيات (١١٣ - ١٤٠)
قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَّءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ .
ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي: مستقيمة
على الحق وأنها تتلو آيات الله آناء الليل وتصلي وتؤمن بالله وتأمر بالمعروف وتنهى عن
المنكر. وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن بالله وهو قوله: ﴿الَّذِينَ
ءَتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَّ تِلَاوَيِة أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٢١].
وذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم وأنهم خاشعون الله
لا يشترون بآياته ثمناً قليلاً. وهو قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وذكر في موضع آخر
أنهم يفرحون بإنزال القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكٌ﴾
[الرعد: ٣٦]. وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق، وهو قوله:
﴿وَأَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِالِّْ﴾ الآية [الأنعام: ١١٤]. وذكر في
موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجداً وسبحوا ربهم وبكوا، وهو
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًّا وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ
) وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (٢)﴾ [الإسراء]. وقال في
وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا
بكائهم عند سماعه أيضاً: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب،
تؤتى أجرها مرتين وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٨َ الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ
اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بٍِ إِنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ زَيِّنَا إِنَّا كُنَا مِن
قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص].
قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِِّ﴾ .
يعني: وتؤمنون بالكتب كلها كما يدل له قوله تعالى: ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن
كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥] وقوله: ﴿كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ، وَكُهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ..
قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. يعني عرضها كعرض السموات
والأرض كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية
الحديد جنسها الصادق بجميع السموات كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى . ..
قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْعٌ مِّثْلُهُ﴾. المراد بالقرح الذي
مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجراح، كما أشار له تعالى في هذه
السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ
رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٤) وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءٌ﴾ الآية وَقوله: ﴿حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَن يُرِيدُ

٩١
سورة آل عمران: الآيات (١١٣ - ١٤٠)
الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ نُصْعِدُونَ
وَلَا تَلْؤُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَانِكُمْ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر
من القتل والأسر، وعليه فإليه الإشارة بقوله: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ
بَنَانٍ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُواْ اللّهَ وَرَسُولَةٍ وَمَن يُشَاقِقِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابٍ
[الأنفال] .. ويحتمل أيضاً أنه هزيمة المشركين أولاً يوم أحد كما سيأتي قريباً - إن
شاء الله تعالى -، وقد أشار إلى القرحين معاً بقوله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمُ
مِثْلَيْهَا﴾ فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أحد، والمراد بمصيبة الكفار
بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر؛ لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون
والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون، وأسر سبعون.
وهذا قول الجمهور، وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي
ما أصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة، حيث قتل حملة اللواء من بني عبد الدار، وانهزم
المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة وبقي لواؤهم ساقطاً حتى رفعته عمرة بنت علقمة
الحارثية وفي ذلك يقول حسان:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب
وعلى هذا الوجه: فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَنَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾ ... الآية. ومعنى تحسونهم:
تقتلونهم وتستأصلونهم، وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسه أذهب
حسه بالقتل ومنه قول جرير:
حريق النار في أجم الحصيد
تحسهم السيوف كما تسامى
وقول الآخر:
بقيتهم قد شردوا وتبددوا
حسسناهم بالسيف حساً فأصبحت
وقول رؤبة :
إذا شكونا سنة حسوسا
تأكل بعد الأخضر اليبيسا
يعني بالسنة الحسوس: السنة المجدبة التي تأكل كل شيء، وقد قدمنا في ترجمة
هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن، وكلاهما حق
فنذكرهما معاً، وما يشهد لكل واحد منهما .
قال بعض العلماء: وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما
وقع بهم يوم أحد؛ لأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله: مثليها تدل على أن

٩٢
سورة آل عمران: الآية (١٤٢)
القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر؛ لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم
أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون، ولا حجة في قوله: ﴿تَحُسُّونَهُم﴾؛ لأن ذلك
الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين، وهم أقل ممن قتل من
المسلمين يوم أحدٍ، كما هو معلوم.
فإن قيل: ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله: ﴿قَرْعٌ مِّثْلُهُ﴾ وبين التثنية في
قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَّهَا﴾ فالجواب - والله تعالى أعلم - أن المراد بالتثنية: قتل سبعين
وأسر سبعين يوم بدر، في مقابلة سبعين يوم أحد، كما عليه جمهور العلماء.
والمراد بإفراد المثل: تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم، والقراءتان
السبعيتان في قوله: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْعٌ فَقَدْ مَسَّ اُلْقَوْمَ فَرْحٌ﴾ بفتح القاف وضمها في
الحرفين معناهما واحد فهما لغتان كالضعف والضعف.
وقال الفراء: القرح بالفتح: الجرح، وبالضم ألمه. اهـ. ومن إطلاق العرب
القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي :
قعيدك ألا تسمعيني ملامة
ولا تنکئ قرح الفؤاد فييجعا
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِرِينَ ﴾. أنكر الله في هذه الآية. على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى
بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه، وبين غيره،
وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلِْلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ
اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ الَّهِ قَرِبُ
قِ﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
(13)﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿الَّّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُواْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ [العنكبوت].
وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة، وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل
منها رغداً حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور، وأرغد عيش. كما قال له ربه: ﴿إِنَّ لَكَ
) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى(13)﴾ [طه] ولو تناسلنا فيها لكنا
أَلَّا تَجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى
في أرغد عيش وأتم نعمة، ولكن إبليس - عليه لعائن الله - احتال بمكره وخداعه على
أبوينا حتى أخرجهما من الجنة، إلى دار الشقاء والتعب. وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته
لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف. فعلى العاقل منا - معاشر
بني آدم - أن يتصور الواقع ويعمل، أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من
وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء حتى
يرجع إلى الوطن الأول الكريم، كما قال العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته:

٩٣
سورة آل عمران: الآية (١٤٦)
نرد إلى أوطاننا ونسلم
ولكننا سبي العدو فهل ترى
ولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب
أعيننا دائماً .
قوله تعالى: ﴿وَأَِّن مِّن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُ رِبُّونَ كَثِيرٌ﴾.
هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ ﴿قَتَلَ﴾ بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل
فيها أن يكون لفظة ربيون وعليه فليس في قتل ضمير أصلاً، ويحتمل أن يكون نائب
الفاعل ضميراً عائداً إلى النبي، وعليه فمعه خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء
به اعتماده على الظرف قبله ووصفه بما بعده والجملة حالية والرابط الضمير وسوغ إتيان
الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً، وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة
في الآية على هذا القول، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في
الآية إجمالاً. والآيات القرآنية مبينة أن النبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب كما
صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]. وقال قبل
هذا: ﴿أُوْلَكَ فِ اٌلْأَذَلِينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] وقال بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ
عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِنَتَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال:
٦٥]، وقوله: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّْتَهُ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ﴾
[الأنفال: ٦٦]، وقوله: ﴿الّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ فِ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَيْهِمْ
سَيَغْلِبُونَ ﴿ فِ بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وقوله: ﴿كَم مِّن فِتَةٍ فَلِيلَةٍ غَتْ فِئَةٌ
كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: ﴿وَمَنْ يُقَتِلْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على
النبي المقاتل؛ لأن الله كتب وقضىّ له في أزله أنه غالب، وصرح بأن المقتول غير غالب.
وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين، غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة
لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في
سبيل الله؛ لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب؛ لأنه لم يغالب في شيء
وتصريحه تعالى بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا
أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن
نصر الرسل المذكور في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية [غافر: ٥١]، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ
إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ (2)﴾ [الصافات] أنه نصر غلبة بالسيف
١٧١)
سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد؛ لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق
النصر؛ لأنها نصر خاص، والغلبة لغة القهر، والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان
هذا الأعم بذلك الأخص.

٩٤
سورة آل عمران: الآية (١٤٦)
وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير كَُّ ومن تبعه في تفسير قوله: ﴿إِنَّا
لَنَنصُرُ﴾ ... الآية [غافر: ٥١]. من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن
نصره المنصوص في الآية، حينئذ يحمل على أحد أمرين:
أحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما
فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك.
ثانيهما: حمل الرسل في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] على خصوص
نبينا وَ﴾ وحده، أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين:
أحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب، ولا
سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً، غير
معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل
على نبينا وحده وَّله فهو بعيد جدًّا أيضاً، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر
لجميع الرسل كثيرة، لا نزاع فيها .
ثانيهما : أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة
المظلوم، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِبَرَ أَنَا وَرُسُلِىَّ﴾ ... الآية [المجادلة: ٢١]، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر
عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، وصرح تعالى: بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله
بقوله - جل وعلا -: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ
نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ الَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الأنعام]. ولا شك أن قوله
تعالى: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١] من كلماته التي صرح بأنها لا
مبدل لها وقد نفى - جل وعلا -: عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله: ﴿إِن
يَنْصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِيَنَ﴾ الآية [المجادلة: ٢١]. أن بعض الناس قال: أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا
الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي ◌َّ لكثرتهم
وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان؛
لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها، ويدل له قوله قبله: ﴿أُوْلَئِكَ فِى الْأَذَلِّينَ﴾
[المجادلة: ٥٨] وقوله بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة،
فيشهد للبيان الذي بينا به، أن نائب الفاعل ربيون، وأن بعض القراء غير السبعة قرأ قتل معه
ربيون بالتشديد؛ لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين.
ولهذه القراءة رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جني أن نائب الفاعل ربيون،

٩٥
سورة آل عمران: الآية (١٤٦)
ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبيناً أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل
على النبي؛ لأن كأين إخبار بعدد كثير أي: كثير من أفراد النبي قتل خلاف الظاهر،
وهو كما قال، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين، وقد ادعيتم
أن القرآن دل على أنه ربيون لا ضمير النبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير
غالب، ونحن نقول: دل القرآن في آيات أخر، على أن نائب الفاعل ضمير النبي،
لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَّقْتُلُونَ﴾
[البقرة: ٨٧] وقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِاَلْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ،
فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب ربيون، على ما استدللنا به على أن
النائب ضمير النبى فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم على الأعم، ولا
يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر
بالمبالغة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقاً لربنا في قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِيَّ﴾ [المجادلة: ٢١] سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم
بالسيف والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا؛ لأن الآيات التي دلت على قتل بعض
الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير جهاد، كما يوضحه.
الوجه الثاني: وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله،
كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم، في غير جهاد، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده.
الوجه الثالث: أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل ربيون، تتفق عليه آيات القرآن
اتفاقاً واضحاً، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه
آيتان، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال
فيه، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله؛ لأن الله حكم للرسل بالغلبة،
والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر بها في شيء
لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النبي لصار المعنى أن كثيراً من الأنبياء
المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة (وكأين) المميزة بقوله: من نبي،
وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة
صريحة لقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١] وقد عرفت معنى الغلبة
في القرآن، وعرفت أنه تعالى، بين أن المقتول غير الغالب، كما تقدم، وهذا الكتاب
العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضاً، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، فاتضح أن القرآن
ذل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل ربيون، وأنه لم يقتل رسول في جهاد، كما جزم
به الحسن البصري وسعيد بن جبير، والزجاج، والفراء، وغير واحد، وقصدنا في هذا
الكتاب البيان بالقرآن، لا بأقوال العلماء؛ ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا ..

٩٦
-
سورة آل عمران: الآيتان (١٥٦ - ١٥٧)
وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النبي من أن سبب النزول يدل
على ذلك؛ لأن سبب نزولها أن الصائح صاح قتل محمد رَ له وأن قوله: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ
أَوْ قُتِلَ﴾ يدل على ذلك وأن قوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يدل على أن
الربيين لم يقتلوا لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ ... الآية. فهو
كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها، فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول
لو كان يقتضي تعيس ذكر قتل النبي لكانت قراءة الجمهور قاتل بصيغة الماضي من
المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله:
﴿أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ظاهر السقوط؛ لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا يدل
على وقوع نسبة أصلاً لا إيجاباً ولا سلباً حتى يرجح بها غيرها .
وإذا نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم ظل في ذلك الوقت لم يقتل
ولِم يمت والترجيح بقوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ سقوطه كالشمس في رابعة النهار، وأعظم
دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة والكسائي ﴿وَلَا نُقَدِلُهُمْ عِنْدَ الْسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ
فِيَةٍ فَإِن قَلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] كل الأفعال من القتل لا من القتال وهذه القراءة
السبعية المتواترة فيها. فإن قتلوكم بلا ألف بعد القاف فعل ماضٍ من القتل فاقتلوهم
أفتقولون هذا لا يصح لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله. بل المعنى قتلوا
بعضكم وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون: قتلونا وقتلناهم يعنون وقوع القتل
على البعض كما لا يخفى. وقد أشرئًا إلى هذا البيان في كتابنا دفع إيهام الاضطراب
عن آيات الكتاب. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا
مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا مات بعض إخوانهم يقولون
لو أطاعونا فلم يخرجوا إلى الغزو ما قتلوا، ولم يبين هنا هل يقولون لهم ذلك قبل
السفر إلى الغزو لينبطوهم أو لا؟ ونظير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَِهِمْ
وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولكنه بين في آيات أخر أنهم يقولون لهم
ذلك قبل الغزو وليثبطوهم كقوله: ﴿وَقَالُواْ لَا نَفِرُواْ فِى الْخَرِّ﴾ [التوبة: ٨١]. وقوله: ﴿قَّدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَيِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨] وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ
لَبَطِيَنٌ﴾ [النساء: ٧٢] إلى غير ذلك من الآيات.
". قوله تعالى: ﴿وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ (4)). ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال
مغفرة من الله ورحمة خيراً له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في آية
أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية
لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه مالاً قليلاً فانياً بملك لا ينفد ولا
ينقضي أبداً وهي قوله: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ

٩٧
سورة آل عمران: الآيات (١٥٩ - ١٦٥) -
الْجَنَّةٌ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقْسُلُونَ: وَيُقْتَلُونَبُّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّاً فِى الْتَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ
وَالْقُرْءَانِ وَمِّنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهُّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِدِّ وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَّمَّا وَمُلَكًا كَبِيرًا ﴾﴾ [الإنسان] وبين
في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها، وزاد فيها
الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
[يونس] وتقديم المعمول يؤذن بالحصر
وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ
أعني قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] أي: دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي
يجمعونه. قال تعالى: ﴿فَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزَخْرِف: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية.
قد قدمنا في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْهُمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أن الجموع المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة العقلاء من الذكور
إذا وردت في كتاب الله تعالى أو سنّة نبيه * اختلف العلماء فيها هل يدخل فيها النساء
أو لا يدخلن؟ إلا بدليل على دخولهن. وبذلك تعلم أن قوله تعالى: ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
يحتمل دخول النساء فيه وعدم دخولهن بناء على الاختلاف المذكور ولكنه تعالى بين في
موضع آخر أنهن داخلات في جملة مَنْ أَمَرَ بَ له بالاستغفار لهم وهو قوله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ
أَنَّهُ لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الَّهِ﴾ الآية.
ذكر في هذه الآية أن من اتبع رضوان الله ليس كمن باء بسخط منه؛ لأنّ همزة
الإنكار بمعنى النفي ولم يذكر هنا صفة من اتبع رضوان الله، ولكن أشار إلى بعضها في
موضع آخر وهو قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًّا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿ فَأَنْقَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَعُواْ
(٧٤)
رِضْوَّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
وأشار إلى بعضٍ صفات من باء بسخط من الله بقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِتْسَ مَا قَدَمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيَّهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ
(9) [المائدة] وبقوله هنا: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ﴾ الآية.
خَلدُونَ
قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمََّ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنفُسِكُمْ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن ما أصاب المسلمين يوم أحد إنما جاءهم من قبل
أنفسهم، ولم يبين تفصيل ذلك هنا، ولكنه فصله في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ
صَدَّفَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرٍ وَعَصَيْتُم ◌ِنْ
بَعْدِ مَا أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَّ ثُمَّ صَرَّنَّكُمْ
عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. وهذا هو الظاهر في معنى الآية؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن.

٩٨
- سورة آل عمران: الآيات (١٦٩ - ١٧٣)
وأما على القول الآخر فلا بيان بالآية، وهو أن معنى؛ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾
أنهم خيروا يوم بدر بين قتل أسارى بدر، وبين أسرهم وأخذ الفداء على أن يستشهد
منهم في العام القابل قدر الأسارى، فاختاروا الفداء على أن يستشهد منهم في العام
القابل سبعون قدر أسارى بدر، كما رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن عمر بن
الخطاب، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله:
وقدرهم في قابل يستشهدا
والمسلمون خيروا بين الفدا
لأنه على القتال عضدا
وبين قتلهم فمالوا للفدا
وهي قصارى الفوز والسعاده
وأنه أدى إلى الشهاده
ونظمه هذا للمغازي جل اعتماده فيه على عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري،
قال في مقدمته :
أرجوزة على عيون الأثر
جل اعتماد نظمها في السير
وذكر شارحه أن الألف في قوله: يستشهدا مبدلة من نون التوكيد الخفيفة وأنها في
البيت كقوله:
ترفعن ثوبي شمالات
ربما أوفيت في علم
وعلى هذا القول: فالمعنى قل هو من عند أنفسكم حيث اخترتم الفداء واستشهاد
قدر الأسارى منكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾. نهى الله تبارك وتعالى في
هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم
فرحون بما آتاهم الله من فضله، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف
عليهم ولا هم يحزنون. ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا
حقيقتها أو لا؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ
[البقرة] لأن نفي الشعور يدل على نفي
فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيٌَّ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ لَّ
الإدراك من باب أولى كما هو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ الآية.
قال جماعة من العلماء: المراد بالناس القائلين: إن الناس قد جمعوا لكم،
نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزاعة. كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي
رافع ويدل لهذا توحيد المشار إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ﴾ الآية.
قال صاحب الإتقان: قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد به واحد قوله: ﴿إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فوقعت الإشارة بقوله: ذلكم إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعاً
لقال: إنما أولئكم الشيطان. فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ. اهـ منه بلفظه.

٩٩
سورة آل عمران: الآيات (١٧٨ - ١٨٦).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمَّ إِنََّا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ
إِثْمَّأْ وَلَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (﴿٣)﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين ويمهلهم
لزيادة الإثم عليهم وشدة العذاب، وبين في موضع آخر: أنه لا يمهلهم متنعمين هذا
الإمهال إلا بعد أن يبتليهم بالبأساء والضراء، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم
وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة، كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا
بَلْبَأْسَآءِ وَالضَّرَِّ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَشَ
ءَبَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ (٥)﴾ [الأعراف]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ
إِلَى أُمَرٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ بَّعُونَ (٧) فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ إلى
قوله: ﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ قُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤].
وبيّن في موضع آخر: أن ذلك الاستدراج من كيده المتين، وهو قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم
مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) وَأُمَلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَنِينُ ﴾﴾ [الأعراف].
وبين في موضع آخر: أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج فيظنون أنه من المسارعة
لهم في الخيرات، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيراً من ذلك الذي أوتوه في الدنيا، كقوله
تعالى: ﴿أَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُّهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَنِنٌ ﴿٥انَارِعُ لَمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
١٥٦
[المؤمنون]، وقوله: ﴿أَفَرَءَّيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا (٣)﴾ [مريم: ٧٧]،
وقوله: ﴿وَلَيِن رُدِدتُّ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وقوله: ﴿وَلَيِن
تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلًا
وَأَوْلَدًا﴾ [سبأ: ٣٥]. كما تقدم، والبأساء: الفقر والفاقة، والضراء: المرض على قول
الجمهور، وهما مصدران مؤنثان لفظاً بألف التأنيث الممدودة.
قوله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَ فِىَ أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
اُلْأُمُورِ (٣)﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم،
وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء
والأذى واتقوا الله، فإن صبرهم وتقاهم من عزم الأمور؛ أي من الأمور التي ينبغي
العزم والتصميم عليها لوجوبها .
وقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء: الخوف والجوع وأن البلاء في
الأنفس والأموال هو الثقص فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله: ﴿فَإِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع
وَنَقْضِ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشْرِ الصَّبِيِنَّ : ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنََّ إِلَيْهِ وَجِعُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتَبِكَ هُمُ الْمُهْتَّدُونَ: لَا﴾
[البقرة]. وبقوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُمْ﴾ [التغابن: ١١]

١٠٠ -
سورة النساء: الآية (٢)
ويدخل في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الصبر عند الصدمة الأولى، بل فسره بخصوص ذلك
بعض العلماء، ويدل على دخوله فيه قوله قبله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وبين في موضع آخر: أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ عظيم وبخت
كبير، وهو قوله: ﴿وَمَا يُلَفَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلََّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (g)﴾ [فصلت].
وبين في موضع آخر: أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَِّرُونَ
أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
قوله تعالى: ﴿وَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾. ذكر في هذه الآية: أن من جملة ما يقوله أولوا الألباب: تنزيه ربهم عن
كونه خلق السموات والأرض باطلاً، لا لحكمة سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً.
وصرح في موضع آخر: بأن الذين يظنون ذلك هم الكفار، وهددهم على ذلك
الظن السيئ بالويل من النار، وهو قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ خَظُنُّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٣)﴾ [ص].
قوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. لم يبين هنا ما عنده للأبرار، ولكنه بين
في موضع آخر أنه النعيم، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (٣)﴾ [الإنفطار]. وبين في
موضع آخر أن من جملة ذلك النعيم: الشرب من كأس ممزوجة بالكافور، وهو قوله:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (@)﴾ [الإنسان]
براسه الرحمن الرحيم
سُورَةُ النِّسَاءِ
قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلْيَنَّ أَوَهُمْ﴾ الآية.
أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا في
ذلك شرطاً، ولكنه بين بعد هذا أن هذا الإيتاء المأمور به مشروط بشرطين:
الأول: بلوغ اليتامى.
والثاني: إيناس الرشد منهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَبْئَلُواْ الْيَ حَتََّ إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَذْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٌَ﴾ وتسميتهم يتامى في الموضعين، إنما
باعتبار يتمهم الذي كانوا متصفين به قبل البلوغ، إذ لا يتم بعد البلوغ إجماعاً، ونظيره
قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (19)﴾ [الأعراف] يعني الذين كانوا سحرة، إذ لا
سحر مع السجود لله.