Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة: الآيات (٢٣ - ٢٧).
وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمِنْ ءَيَئِهِ، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَبِعَةٌ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ
أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِيّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت]. وقوله:
﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَّدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ﴾ [ق: ١١]، يعني خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن
كنتم عظاماً رميماً. وقوله: ﴿وَيُحِّى اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، وقوله
تعالى: ﴿حَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَيِّتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ
الثَّعَزَنِّ كَذَلِكَ تُخْجُ اٌلْمَوْقَ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾. لم يصرح هنا باسم هذا
العبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله:
﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]، صلوات الله وسلامه عليه.
قوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾. هذه الحجارة قال كثير من
العلماء: إنها حجارة من كبريت. وقال بعضهم: إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها.
وهذا القول يبينه ويشهد له. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّمَ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨].
قوله تعالى: ﴿وَبَثْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا
اَلْأَنْهَِّ﴾. لم يبين هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بين ذلك في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِن مٍَّ غَيْرِ
ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَبٍَ لَّمْ يَنَغَيِّرْ لَعْمُهُ وَهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةِ لِلِشَرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَلٍ مُّصَفَّى﴾ [محمد: ١٥].
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، لم يبين هنا صفات تلك الأزواج،
ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ عِينٌ (@)﴾
[الصافات]. وقوله: ﴿كَأَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (@)﴾ [الرحمن]. وقوله: ﴿وَحُورُ عِينُ (َ)
كَمْثَلِ اللُّؤُلُمِ الْمَكْتُونِ (٣)﴾ [الواقعة]. وقوله: ﴿وَكَوَعِبَ أَزْابًا ﴾﴾ [النبأ)، إلى غير ذلك من
الآيات المبينة لجميل صفاتهن، والأزواج: جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى،
والزوجة [بالهاء] لغة، لا لحن كما زعمه البعض. وفي حديث أنس عن النبي وَل ((إنها
زوجتي)) أخرجه مسلم. ومن شواهده قول الفرزدق:
كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
وقول الآخر:
والظاعنون إلي ثم تصدعوا
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي
قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِةٍ أَنْ يُوصَّلَ﴾. لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن
يوصل، وقد أشار إلى أن منه الأرحام بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ
وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴿4﴾ [محمد]. وأشار في موضع آخر إلى أنَّ منه الإيمان بجميع الرسل،
فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر. وذلك
في قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ حَقًّا ﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].

٤٢
٠
سورة البقرة: الآيتان (٢٩ - ٣٠)
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ﴾.
ظاهره أن ما في الأرض جميعاً خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع
آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره، والعرب تسمي التقدير خلقاً كقول زهير:
ض القوم يخلق ثم لا يفرى
ولأنت تفري ما خلقت وبعــ
وذلك في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]. ثم قال: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى
السَّمَآءِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾ ... الآية.
في قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾؛ وجهان من التفسير للعلماء.
أحدهما : أن المراد بالخليفة أبونا آدم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -؛ لأنه
خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفاً من الجن الذين كانوا يسكنون
الأرض قبله. وعليه فالخليفة: فعيلة بمعنى فاعل. وقيل: لأنه إذا مات يخلفه من بعده،
وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول. وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية.
ثانيهما: أن قوله: خليفة مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن
كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مراداً به الجمع كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ لْنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ (@)﴾ [القمر]، يعني وأنهار بدليل قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن
مَّآٍ غَيّرِ ءَاسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥]. وقوله: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وقوله: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. ونظيره من كلام العرب قول
عقيل بن عُلَّفَة المري:
وكان بنو فزارة شرعم
وكنت لهم كشر بني الأخينا
وقول العباس بن مرداس السلمي:
وقد سلمت من الإحن الصدور
فقلنا اسلموا إنا أخوكم
وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي :
فبيض وأما جلدها فصليب
بها جيف الحسرى فأما عظامها
وقول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفو
فإن زمانكم زمن خميص
وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين. فاعلم أنه قد دلت آيات
أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه
وحده. كقوله تعالى: ﴿قَالُوَأْ أَنَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ الآية.
ومعلوم أن آدم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ليس ممن يفسد فيها، ولا
ممن يسفك الدماء. وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ فِ الْأَرْضَِّ﴾ الآية [فاطر: ٣٩].

٤٣
سورة البقرة: الآيات (٣١ - ٣٤) .
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيِفَ الْأَرْضِ﴾ الآية [الأنعام: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ
خُلَفَآءَ﴾ الآية [النمل: ٦٢]. ونحو ذلك من الآيات. وللعلماء أقوال فيما يتعلق بكون
هذه الآية أصلٌ في وجوب نصب الخليفة، وخلاصة رأى الشيخ في المسألة هو:
ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من
ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء. فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة آدم الخلافة
الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر.
((قال مقيده - عفا الله عنه -: من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين
يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف
في هذا إلا من لا يعتد به، ومن أراد التفصيل فليعد إليه في أصل الكتاب ..
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ﴾. يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما
يتوهم من ظاهر الآية. وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: ﴿أَنْبِئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ﴾،
الآية كما هو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَّكْتُهُونَ﴾. لم يبين هنا هذا الذي كانوا يكتمون. وقد قال
بعض العلماء: هو ما كان يضمره إبليس من الكبر. وعلى هذا القول فقد بينه قوله
تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ وَاُسْتَكْبَرَ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَّدَمَ﴾ .
يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة
(الحجر وص) بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم. فقال في الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ
إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ تَسْنُونٍ ﴿٢٨ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
سَجِدِينَ (®﴾ [الحجر]. وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِى خَلِقٌ بَشَرًّا مِّن طِينٍ
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ (بَ)﴾ [ص].
قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ﴾. لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه،
ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف:
(1﴾ [الحجر).
١٢]. وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَسْنُونٍ
تنبيه: مثل قياس إبليس نفسه على عنصره، الذي هو النار وقياسه آدم على عنصره،
الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم. ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو
خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: ﴿أُسْجُدُواْ لِأَّدَمَ﴾؛ يسمى في
اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود) :..
فساد الاعتبار كل من وعى
والخلف للنص أو إجماع دعا
فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسَلَفهُ في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا
لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه :..

٤٤
سورة البقرة: الآيات (٣٧ - ٤٢)
الأول: أنه فاسد الاعتبار؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريباً.
الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها
الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة
والنواة فيعطيكها نخلة. وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما
فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة. تعلم أن الطين خير من النار.
الثالث: أنا لو سلمنا تسليماً جدليًّا أن النار خير من الطين؛ فإنه لا يلزم من ذلك
أن إبليس خير من آدم؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل
رفيعاً والفرع وضيعاً، كما قال الشاعر:
قلنا: صدقت ولكن بئس ما ولدوا
إذا افتخرت بآباء لهم شرف
وقال الآخر:
إذا كانت النفس من باهله
وما ينفع الأصل من هاشم
قوله تعالى: ﴿فَلَقََّ ءَادَمُ مِنْ زَّبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾؛ لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه
بينها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىَ أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ﴾؛ لم يبين هنا ما هذه
النعمة التي أنعمها عليهم، ولكنه بينها في آيات أخر. كقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىّ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نََّكُمْ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَّابِ﴾ الآية وقوله:
﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُوْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
(@ وَنُمَكِّنَ
لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَيُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص]، إلى
غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه
بيّن ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ
الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ
وَلَأَُِّنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ١٢]، فعهدهم هو المذكور في قوله:
﴿لَيِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾؛ وعهده هو المذكور في قوله: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية، وأشار إلى
عهدهم أيضاً بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
[آل عمران: ١٨٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِلْبَطِلِ﴾. الحق الذي لبسوه بالباطل: هو إيمانهم
ببعض ما في التوراة، والباطل الذي لبسوا به الحق: هو كفرهم ببعض ما في التوراة

٤٥
سورة البقرة: الآيات (٤٥ - ٤٩).
وجحدهم له، كصفات رسول الله وَله، وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا يبينه قوله
تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾ [البقرة: ٨٥] الآية - والعبرة بعموم
الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم.
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة
لا إشكال فيها. وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه.
فذكر أن من نتائج الاستعانة بها: النهي عما لا يليق وذلك في قوله: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله:
﴾ [طه]؛ ولذا
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَيْهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقً نَحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى (َ
كان ◌َلّ، إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة.
وإيضاح ذلك: أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في
الدنيا رغبة فيما عند الله، ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ الآية. المراد بالظن هنا؛ اليقين كما
يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُهُمْ وَجِلَةٌ
أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة
مطلقاً يوم القيامة. ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار،
والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض.
٥٠
أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فنص على عدم
الشفاعة للكفار بقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد قال: ﴿وَلَا
يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]. وقال تعالى عنهم مقرراً له: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (٣)
:[المدثر]، إلى غير ذلك من الآيات.
[الشعراء]. وقال: ﴿فَمَا تَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ (٨)﴾
. وقال في الشفاعة بدون إذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِذْنِ"﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال:
﴿ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآءُ
(١٠٩)
وَيَرْضَ ﴿٢﴾ [النجم]. وقال: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّ نَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلَاً
[طه]، إلى غير ذلك من الآيات وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه، من أنواع الكفر
به جل وعلا. كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَِّقُونَ اللَّهَ
بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
تنبيه: هذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعاً مطلقاً، يستثنى منه
شفاعته ◌َّة؛ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها. كما ثبت
عنه بَّر، في الصحيح، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة.
قوله تعالى: ﴿يَسُوُمُونَّكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾. بَيّنه بقوله بعده: ﴿يُدَتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ﴾ الآية.

٤٦
سورة البقرة: الآيات (٥٠ - ٥٣)
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحَرَ فَأَنَنَكُمْ﴾. لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم،
ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَأَنْفَلَقَ
فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ (
4﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ
بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا﴾ الآية [طه: ٧٧].
قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية. لم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها.
في مواضع أخرٍ كقوله: ﴿فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِفِينَ ﴾ فَلَمَّا تَرَءَ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ
.. فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَأَنْفَلَقَ
فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَطَّوْرِ الْعَظِيمِ (١)
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ: أَجْمَعِينَ (٣٥)
٦٤
وَأَزْلَقْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ
(٦)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُرِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْيَمْ مَا
سود
غَشِيهُمِ
: [الدخان]. وقوله:
(٣)﴾ [طه]، وقوله: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
﴿رَهُوًّا﴾ أي ساكناً على حالة انفلاقه حتى يدخلوا فيه إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾. لم يبين هنا هل واعده إياها مجتمعة أو
متفرقة؟ ولكنه بين في سورة الأعراف، أنها متفرقة، وأنه واعده أولاً ثلاثين، ثم أتمها
بعشر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَائِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِةٍ
أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (63)﴾. الظاهر في
معناه: أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وإنما عطف على نفسه؛ تنزيلاً لتغاير
الصفات منزلة تغاير الذوات؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين:
أحدهما: أنه مكتوب كتبه الله لنبيه موسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وثانيهما: أنه فرقان، أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب،
مع أنه هو نفسه نظراً لتغاير الصفتين، كقول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
بل ربّما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة
في اللفظ. كقول الشاعر:
إني لأعظم في صدر الكمى على ما كان في من التجدير
القصر: هو التجدير بعينه. وقول الآخر:
وألفى قولها كذباً وميناً
وقددت الأديم لراهشيه
والمين: هو الكذب بعينه. وقول الآخر:
وهند أتى من دونها الناي والبعد
ألا حبذا هند وأرض بها هند
والبعد: هو النأي بعينه. وقول عنترة فى معلقته:

٤٧
سورة البقرة: الآيات (٥٤ - ٧٤) -
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
والإقفار: هو الإقواء بعينه. والدليل من القرآن على أن الفرقان هو ما أوتيه موسى
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٤٨].
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِأَتَّخَذِكُمُ الْعِعْلَ﴾ لم يبين هنا من أي شيء هذا
العجل المعبود من دون الله؟ ولكنه بيّن ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى.
مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِّيِّهِمْ عِجْلَا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقوله: ﴿وَلَكِنّا ◌ُلْنَآ أَوْزَارًا
مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ (٨٧َ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٧
- ٨٨]، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرآن وتقديره: باتخاذكم العجل
إلهاً. كما أشار له في سورة طه، بقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ (٨) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا
جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٧ - ٨٨].
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُوَرَ﴾؛ أوضحِه بقوله: ﴿وَإِذْ نَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ
ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١].
قوله تعالى: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ﴾. لم يبين هنا هذا الذي أتاهم ما
هو، ولكنه بيّن في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل. وذلك في قوله:
﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ(
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أُعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ﴾. أجمل قصتهم هنا وفصلها
في سورة الأعراف في قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِ كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾
[الأعراف: ١٦٣] الآيات.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَّ﴾. لم يبين مقصودهم بقولهم: ما هي إلا أن
جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول ما هي أي: ما سنها؟ بدليل :
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ﴾ الآية. وأن مرادهم
بقولهم: ما هي في الموضع الآخر هل هي عاملة أو لا؟ وهل فيها عيب أو لا؟ وهل
فيها وشي مخالف للونها أو لا؟ بدليل قوله: ﴿قَالَ إِنَُّ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ
وَلَا تَسْقِى الَْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَاً﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّارَه ◌ُثُمْ فِيهًا﴾. لم يصرح هل هذه النفس ذكر أو
أنثى؟ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ .
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحِى اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾ الآية. أشار في هذه الآية
إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل، دليل على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من أحيا نفساً
واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس، وقد صرح بهذا في قوله: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ
وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ﴾ الآية. لم يبين هنا سبب قسوة
...........
......

٤٨
- سورة البقرة: الآيات (٧٨ - ٩٢)
قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣]. وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. اختلف العلماء في
المراد بالأماني هنا على قولين:
أحدهما: أن المراد بالأمنية القراءة؛ أي لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون
إدراك معانيها. وهذا القول لا يتناسب مع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ﴾، لأن الأمي لا يقرأ.
وثانيهما: أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة،
ويدل لهذا القول. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ
أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرةَ: ١١١]. وقوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ [النساء: ١٢٣].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾. يعني: تقتلون إخوانكم، ويبين
أن ذلك هو المراد، كثرة وروده كذلك في القرآن نحو قوله: ﴿وَلَا نَلِمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[الحجرات: ١١]، أي لا يلمز أحدكم أخاه، وقوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أي بإخوانهم وقوله: ﴿فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾؛ أي بأن يقتل البريء
من عبادة العجل من عبده منهم، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح هذا المعنى
قوله وقلله: ((إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، كمثل الجسد الواحد، إذا أصيب منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) .
قوله تعالى: ﴿أَفَتُّؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾. يتبين مما قبله أن
البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من
ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه.
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾. لم يبين هنا ما هذه البينات ولكنه
بينها في مواضع أخر كقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّنْ زَّبِّكُمَّ أَنِ
أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الِّينِ كَهَنَةِ الَّيْرِ فَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأَبْرِىءُ الْأَكْمَةَ
وَاْأَبْرَ وَأُحْيِ الْمَوْقَ بِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران:
٤٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَيَّذْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾. هو جبريل على الأصح، ويدلل لذلك قوله تعالى:
﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٨٣)﴾ الآية [الشعراء]. وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية [مريم: ١٧].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ﴾. لم يبين هنا ما هذه البينات وبينها
في مواضع أخر كقوله: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْطُوفَانَ وَالْرَادَ وَالْفُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ﴾
[الأعراف: ١٣٣]. وقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (4) وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ﴾
الآية [الأعراف: ١٠٧، ١٠٨]. وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَأَنْفَلَقَ﴾
الآية [الشعراء: ٦٣]. إلى غير ذلك من الآيات.

٤٩
سورة البقرة: الآيات (٩٣ - ٩٦)
قوله تعالى: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ﴾. قال بعض العلماء: هو من السمع
بمعنى الإجابة ومنه قولهم: سمعاً وطاعة أي إجابة وطاعة، ومنه: سمع الله لمن حمده في
الصلاة؛ أي أجاب دعاء من حمده، ويشهد لهذا المعنى قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا
دُعُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور]، وهذا قول الجمهور.
وقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾؛ أي بآذانكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع.
ويدل لهذا الوجه: أن بعض الكفار ربما امتنع من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام
الأنبياء، كما في قوله تعالى عن نوح مع قومه: ﴿وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ
أَصَِّعَهُمْ فِ ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَرًا﴾﴾ [نوح]. وقوله عن قوم
نبينا وَلّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ لـ
﴾ [فصلت].
وقوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرِّ يَكَادُونَ
يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [الحج: ٧٢]. وقوله: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؛ لأن
السمع الذي لا ينافي العصيان هو السمع بالآذان دون السمع بمعنى الإجابة.
قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُمَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾ .
معنى الآية: أن أحد المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة وطول عمره لا يزحزحه؛ أي لا
يبعده عن العذاب، فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿أَن يُعَمَّرُّ﴾؛ فاعل اسم
الفاعل الذي هو مزحزحه على أصح الأعاريب وفي لو، ومن قوله: ﴿لَوْ يُمَثَّرُ﴾؛ وجهان:
: الأول: وهو قول الجمهور أنها حرف مصدري، وهي وصلتها في تأويل مفعول به
ليود، والمعنى: يود أحدهم أي يتمنى تعمير ألف سنة، ولو: قد تكون حرفاً مصدريًّا
لقول قتيلة بنت الحارث:
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق
أي: ما كان ضرك منك.
وقال بعض العلماء: إن لو هنا هي الشرطية والجواب محذوف وتقديره: لو يعمر ألف
سنة، لكان ذلك أخب شيء إليه، وحذف جواب لو مع دلالة المقام عليه واقع في القرآن،
وفي كلام العرب فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾﴾ [التكاثر]، أي
لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد:
٣١]، أي لكان هذا القرآن أو لكفرتم بالرحمن. ومنه في كلام العرب قول الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله
سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أي لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه. إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد
أوضح هذا المعنى مبيناً أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع
وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئاً بعد انقضائه وحلول
العذاب محله. وذلك في قوله: ﴿أَفَرَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ (9َ ثُرَ جَاءَهُم مَّا كَانُوا

٥٠
سورة البقرة: الآيات (٩٧ - ١٠٩)
يُؤْعَدُونَ ﴿٨َ مَّ أَغْنَى عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يُمْتَّعُونَ (٣)﴾ [الشعراء]، وهذه هي أعظم آية في إزالة
الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ الآية. ظاهر
هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن في قلب النبي ◌ّ من غير سماع قراءة ونظيرها في ذلك قوله
تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ (١٨) عَلَى قَلِكَ﴾ الآية [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. ولكنه بيّن في مواضع
أخر أن معنى ذلك أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه،
وذلك هو معنى تنزيله على قلبه. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ:(49)
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ (٧) فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَنَّعْ قُرْءَانَهُ ٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (1)﴾ [القيامة]. وقوله: ﴿وَلَا
تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبٍّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾. ذكر في هذه الآية أن
اليهود كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، وصرح في موضع آخر أن رسول الله وَل هو
المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة. وذلك في قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ
اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ
لَا يَتَّقُونَ ﴾﴾ [الأنفال]، وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم.
وذلك في قوله: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ تُهُورِهِمْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من
اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به. وبيّن في موضع آخر أن هؤلاء
الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ اُلْكِتَبِ
لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَشْعَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُچِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ .
لم يبين هنا هذا الذي سأل موسى من قبل ما هو؟ ولكنه بيّنه في موضع آخر.
وذلك في قوله: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ
مِن ذَلِكَ فَقَالُوَاْ أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية [النساء: ١٥٣].
قوله تعالى: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: هذه الآية في أهل الكتاب
كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله: ﴿بِأَنِهَ﴾.
قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر. وقال بعضهم: هو واحد الأمور، فعلى
القول الأول: بأنه الأمر الذي هو ضد النهي؛ فإن الأمر المذكور هو المصرح به في قوله:
﴿قَدِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ
دِينَ أُلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (٣)﴾ [التوبة]،
وعلى القول بأنه واحد الأمور: فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود
::

٥١
سورة البقرة: الآيات (١١٤ - ١٢٩) -
من القتل والتشريد كقوله: ﴿فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَ يَحْتَسِبُواْ وَفَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم
بِأَيِّدِيِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾
الآية [الحشر: ٢، ٣]. إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِغَن ◌َنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَابِهَاً﴾ الآية.
قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النبي ◌ّر، عن البيت الحرام في
عمرة الحديبية عام ست من الهجرة.
وعلى هذا القول: فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها .
وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَذُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
الآية [الفتح: ٢٥].
وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي. والآية نزلت فيمن
خرب بيت المقدس وهو بختنصر أو غيره وهذا القول يبينه ويشهد له قوله - جلّ وعلا -:
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِسُنَبِرُواْ مَا
عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧].
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾. هذا الولد المزعوم - على زاعمه لعائن الله
- قد جاء مفصلاً في آيات أخر كقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌّ أَبَّنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى
اَلْمَسِيحُ أَبْبُ اَللَّهَّ ذَلِكَ قَوَّلُهُمْ بِأَفْوَِهِمْ يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ
[التوبة]. وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ﴾ الآية [النحل: ٥٧].
اَللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ بـ
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾. يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من
ذرية إبراهيم ظالمين. وقد صرح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالماً وغير ظالم.
كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا
كَلِمَةٌ بَقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾ الآية [الزخرف: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾. ذكر في هذه الآية رفع
إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت. وبين في سورة الحج، أنه أراه موضعه بقوله: ﴿وَإِذْ
بَوَّأْنَا لِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]؛ أي عيّنا له محله وعرفناه به. قيل: دله عليه
بمزنة كان ظلها قدر مساحته، وقيل: دله عليه بريح تسمى الحجوج كنست عنه حتى ظهر
أسه القديم فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ
أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٨) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ لم يبين هنا من هذه الأمة التي
أجاب الله بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل. ولم يبين هنا أيضاً هذا الرسول المسؤول الذي
بعثه فيهم من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة، أن تلك الأمة العرب، والرسول هو سيد
الرسل محمد ◌َ﴿. وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِّعْنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ.

٥٢ ــ
سورة البقرة: الآيات (١٣٠ - ١٤٢)
وَيُزَكِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾
[الجمعة: ٣،٢]، لأن الأميين العرب بالإجماع. والرسول المذكور نبينا محمد وَالله
إجماعاً. ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا محمد والر وحده.
وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم ولا ينافي ذلك عموم
رسالته ﴿ إلى الأسود والأحمر.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِرَهِمَ﴾ الآية. لم يبين هنا ما ملة إبراهيم
وبينها بقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّهَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
﴾ [الأنعام]، فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه
الْمُشْرِكِينَ
محمداً وََّ. وكذا في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ﴾ الآية [النحل).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الآية. أشار إلى أنه دين الإسلام هنا
بقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وصرح بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ
الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيّرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ
اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾﴾ [آل عمران].
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ﴾ لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم،
ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: ﴿بل
وَاَلْأَخِرَةُ خَيْرٌّ وَأَبْقَ (٣)﴾ [الأعلى]. وذلك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى
تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
الضُّحُفِ الْأُولَى » مُفٍ إِبَهِيَمَ وَمُوسَى (٣)﴾ [الأعلى] ..
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾؛ لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه
بينه في مواضع أخر. فذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في
قوله: ﴿صُحُفِ إِبَهِيَمَ وَمُوسَى ﴾﴾ [الأعلى]. وذلك كقوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَىَ اُلْكِنَبَ﴾
[الأنعام: ١٥٤]، وهو التوراة بالإجماع. وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في
قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَّيْنَهُ الْإِنجِيلٌ﴾ [الحديد: ٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَمَّا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أمر الله النبي ◌ََّ،
والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيين وأن لا يفرقوا بين أحد منهم
حيث قال: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن ◌َّبِّهِمْ لَا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾. ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه،
ولكنه بين كل ذلك في غير هذا الموضع. فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله: ﴿عَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ زَبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِّكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُسُل٤ِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وذكر جزاءهم على ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ
يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا (5)﴾ [النساء].
قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ لم يبين

٥٣
سورة البقرة: الآيات (١٤٣ - ١٦٤)
صِرَطَ الَّذِينَ
هِنا الصراط المستقيم. ولكنه بينه بقوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ))
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ ﴾﴾ [الفاتحة].
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية. أي خياراً عدولاً، ويدل لأن
الوسط الخيار العدول. قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]،
وذلك معروف في كلام العرب ومنه قول زهير:
هم وسط يرضى الأنام لحكمهم
إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في
الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة وذلك في قوله:
يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا (4)
كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا (ج)﴾ [النساء].
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية قد
يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن
ذلك علوًّا كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بيّن أنه لا
يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله - جلّ وعلا -: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ﴾؛ دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم
يكن عالماً به، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن
الاختبار؛ وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه.
ومعنى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالماً به
قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل
ما سيكون كما لا يخفى.
وقوله: ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾؛ أشار إلى أن الرسول هو محمد بنَّةٍ، بقوله مخاطباً
له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية؛ لأن هذا الخطاب له إجماعاً.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ﴾. أي صلاتكم إلى بيت المقدس على
الأصح ويستروح ذلك من قوله قبله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِىِ كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية، ولا سيما
على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول.
قوله تعالى: ﴿فَلَنُوْلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾؛ بيّنه قوله بعده: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَُّهُمُ الََّعِنُونَ﴾. لم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه
أشار إلى ذلك في قوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَغَنَّهُ اَللَّهِ وَالْمَلَّكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦٢].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. لم يبين هنا وجه كونهما آية،

٥٤ -
سورة البقرة: الآيات (١٦٤ - ١٦٨)
ولكنه بين ذلك في مواضع أخر. كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا
وَزَيَّنَهَا وَمَا لَا مِنْ فُرُوجِ ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْتَهَا وَأَلْقَيْنَا فَِهَا رَوَسَِ وَأَنْبَّنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيج
تَبِّصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّبٍ ﴾﴾ [ق]. وقوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَبى
٧
فِىِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتَ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ (٣) ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَرَ كََّنِ ينَقَلِبْ إِلَيْكَ
اَلْبَصَرُ خَاسِتًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ وَلَقَدْ زَيَّتَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلِشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ
عَذَابَ السَّعِيرِ جَ﴾ [الملك]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَأَمْشُواْ فِى
﴾ [الملك].
١٥
مَنَكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
قوله تعالى: ﴿وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. لم يبين هنا وجه كون اختلافهما آية،
ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَيْكُمُ الَّلَ سَرْهَدًا إِلَى
يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيِّرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَّاْءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿﴿ قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلَيْلٍ تَشْكُنُونَ فِيَةِ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ ﴿ وَمِن زَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ (*)﴾ [القصص]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لم يبين هنا كيفية تسخيره،
ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،
حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَنِ
كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [الأعراف]. وقوله: ﴿أَلَمْ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُرْجِ سَابًا مُّ
يُؤَلُّ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجَعَلُهُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ ﴾ [النور: ٤٣].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ الآية. المراد بالذين ظلموا
﴾ ويدلل لذلك
الكفار، وقد بين ذلك بقوله في آخر الآية ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ◌َ
قوله تعالى عن لقمان مقرراً له: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:
١٣]. وقوله - جلّ وعلا -: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ (®)﴾ [يونس].
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ﴾ أشار هنا إلى تخاصم أهل
النار. وقد بين منه غير ما ذكر هنا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَوَ تَرَ إِذِ الَّالِمُونَ
مَوْقُوُفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ اَلْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ
لَوْلاً أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ
إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُم ◌ُجْرِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الََّلِ وَالنَّهَارِ إِذْ
تَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَِّنَّ﴾. لم يذكر هنا ما يترتب على اتباع
خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة النور، بقوله: ﴿وَمَن يَشَّعْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِلْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ﴾ الآية [النور: ٢١].
٠

٥٥
سورة البقرة: الآيات (١٦٩ - ١٧٣) -
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. لم يبين هنا هذا الذي يقولونه عليه
بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أخر فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو: أن الله
حرم البحائر والسوائب ونحوها، وأن له أولاداً، وأن له شركاء، سبحانه وتعالى عن
ذلك علوًّا كبيراً. فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا
وَصِيلَةٍ وَلَا حَلٍَّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وقوله: ﴿وَحَرَّمُواْ
مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٠]. وقوله: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمُ
مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا﴾ الآية [يونس: ٥٩]. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات. ونزه
نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]،
ونحوها من الآيات ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأَ
سُبْحَنَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١١٦]. ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل، ما
أجمل في اسم الموصول الذي هو ما، من قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ .
----- ------
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَاَلَّمَ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع
أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بيّن في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك
التحريم وهو قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]. إذ ليس للبحر طعام
غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [بطعامه] قديده المجفف
بالملح مثلاً، وأن المراد [بصيده] الطري منه. فهو خلاف الظاهر؛ لأن القديد من صيده
فهو صيد جعل قديداً، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته. منهم: أبو بكر
الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري ظيم أجمعين
وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم.
كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس
بحرام وهو قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فيفهم منه أن
غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان
كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله: ﴿مَسْفُوحًا﴾
فائدة: وقد جاء عن النبي ولو أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمين. أما الميتتان:
فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهُ﴾. لم يبيّن هنا سبب
اضطراره، ولم يبيّن المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب
الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع وهو قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة:
٣]، وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله: ﴿فَمَنِ
أَضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، والمتجانف المائل ومنه قول الأعشى:
وما قصدت من أهلها لسوائكا
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي.

٥٦
سورة البقرة: الآية (١٧٠)
فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها.
وقال بعض العلماء: الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام
المسلمين، وكثيراً ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي
هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله. اهـ.
وقال بعض العلماء: إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه
فهو كالتأكيد لقوله: ﴿فَمَنِ أُضْطُرَّ﴾، وعلى القول الأول: لا يجوز لقاطع الطريق
والخارج على الإمام الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز
لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك وإن لم يتوبا .
ونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى: غير
باغ؛ أي في أكله فوق حاجته، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها .
ونقل أيضاً عن السدي أن المعنى غير باغ في أكلها شهوة وتلذذّاً، ولا عاد
باستيفاء الأكل إلى حد الشبع.
وقال القرطبي أيضاً: وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى غير باغ على
المسلمين، ولا عاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على
السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا
صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال: بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]، وربما استعمل البغي في طلب
غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء إبل له؛ أي في طلبها، ومنه قول الشاعر:
ء الخير تعقاد الرتائم
لا يمنعنك من بغا
إن الأشائم كالأيا
من والأيامن كالأشائم
وذكر القرطبي عن مجاهد: أن المراد بالاضطرار في هذه الآية: الإكراه على أكل
المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى،
وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا .
وقد قدمنا أن آية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْبَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]، مبينة لذلك وحكم الإكراه على
أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦]،
بطريق الأولى، وحديث: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ﴾ لم يبين هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله
فيكون الضمير عائداً إلى من آتى المال، والمفعول محذوفاً، أو مضافاً إلى مفعوله فيكون
الضمير عائداً إلى المال، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى
فاعله، وأن المعنى على حبه أي حب مؤتي المال لذلك المال وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ
اَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]: ولا يخفى أن بين القولين تلازماً في المعنى.
٠

٥٧
سورة البقرة: الآيات (١٧٧ - ١٨٩)
قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِلُ﴾. لم يبين هنا ما المراد بالبأس، ولكنه أشار في موضع
آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُرُ وَالْقَيِنَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ
[الأحزاب]: كما هو ظاهر من سياق الكلام.
٠
إِلَيْنَّاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِلًا
قوله تعالى: ﴿كُثِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. قال بعض العلماء: هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء.
تَلَّقُونَ
وقال بعض العلماء: هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بينها تعالى بقوله: ﴿شَهْرُ
رَمَضَانَ ... ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾. لم يبين هنا هل أنزل في الليل
منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر، من رمضان وذلك
في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةٍ مُبَرَّكَةٍ﴾
[الدخان: ٣]؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق، وفي معنى إنزاله وجهان:
الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس
٩٦
والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ .
ذكر في هذه الآية أنه - جلّ وعلا - قريب يجيب دعوة الداعي، وبين في آية
أخرى تعليق ذلك على مشيئته - جل وعلا - وهي قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيَّهِ إِنَ
شَآءَ﴾ ... الآية [الأنعام: ٤١]. وقال بعضهم: التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو
ظاهر سياق الآية، والوعد المطلق في دعاء المؤمنين وعليه، فدعاؤهم لا يرد، إما أن
يعطوا ما سألوا، أو يدخر لهم خير منه، أو يدفع عنهم من السوء بقدره.
وقال بعض العلماء: المراد بالدعاء العبادة وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال.
قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾؛ بينه قوله: ﴿مِنَ
اٌلْفَجْرِ﴾؛ والعرب تسمي ضوء الصبح خيطاً، وظلام الليل المختلط به خيطاً، ومنه قول
أبي داود الإيادي:
فلما أضاءت لنا سدفة
ولاح من الصبح خيط أنارا
وقول الآخر:
الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق والخيط الأسود جنح الليل مكتوم
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنِ آَنَّقَهُ﴾. لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه
بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيِّعَنَ وَمَانَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،
ذَوِى الْقُرْفَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّهِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ. وَأُوْلَكَ

٥٨
سورة البقرة: الآيات (١٩٠ - ١٩٦)
هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٨)﴾، والكلام في الآية على حذف مضاف أي ولكن ذا البر من اتقى،
وقيل: ولكن البر بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء:
فإنما هي إقبال وإدبار
لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت
أي ذات إقبال، وقول الشاعر:
خلالته كأبي مرحب
وكيف تواصل من أصبحت
أي كخلالة أبي مرحب وقول الآخر:
ولكنما الفتيان كل فتى ندى
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى
أي ليس الفتیان فتيان نبات اللحى.
قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِ سَبِيلِ اَللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه للعلماء:
الأول: أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء،
والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع.
الثاني: أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقاً.
الثالث: أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه
يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم،
وأظهرها الأول وعلى القول الثالث، فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوا
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾. اختلف العلماء في المراد
بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من
الطواف بالبيت. وقال قوم: المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه. وقال قوم:
المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك.
ولكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾؛ يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد
العدو للمحرم؛ لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى
الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن:
المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء
من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض، كما في حديث ((من سبق العاطس بالحمد
أمن من الشوص، واللوص، والعلوص)) أخرجه ابن ماجة في سننه فهو ظاهر السقوط؛
لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف.
وقد يجاب أيضاً بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن،
واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن؛ لأنه قبل وقوعها به
يطلق عليه أنه خائف من وقوعها؛ فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف.

٥٩
سورة البقرة: الآية (١٩٨).
أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال: أمن منها؛ لأن الخوف في لغة
العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق
الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر.
وللعلماء أقوال أرجحها ما ذهب إليه الشيخ في قوله: الذي يظهر لنا رجحانه
بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين
عنه، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل
إلا بعمرة؛ لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية .
ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول
جماعة من أهل العلم.
وأما قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فجمهور العلماء على أن المراد
به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب رضيُه، ورواه
سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية،
ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن،
وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.
وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بما استيسر من الهَدْي، إنما هو الإبل
والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وسالم، والقاسم،
وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
قال ابن كثير: والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم
ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر.
ففي الصحيحين عن جابر قال: ((أمرنا رسول الله وهل أن نشترك في الإبل والبقر
كل سبعة منا في بقرة)).
قال مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى أن التحقيق في هذه المسألة: أن المراد بما
استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هدياً، وذلك شامل لجميع الأنعام: من إبل،
وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضيغيّا قالت: ((أهدى وَلّ مرّة غنماً)).
قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل الذي ذهب إليه
ابن عباس ، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله، ولا يحل حتى
يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان لا
يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾

سورة البقرة: الآيات (١٩٩ - ٢١٢)
لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج. وأشار في آيات
أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ اٌلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهُ﴾ [المزمل:
٢٠]؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون
ربح التجارة، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ١٠]؛ أي بالبيع والتجارة، بدليل قوله قبله: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي فإذا
انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرماً عليكم عند النداء لها .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على
أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد
بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، كما ذكرنا .
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ لم يبين هنا المكان المؤمور
بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة حيث، التي هي كلمة تدل على المكان، كما تدل حين
على الزمان. ولكنه يبين ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ ... الآية، وسبب
نزولها أن قريشاً كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله، ولا
ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم وعامة الناس يقفون
بعرفات، فأمر الله النبي صل﴿، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو
عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش.
وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة
(ثم) للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر،
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَهُ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةِ ﴿ يَنِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ
﴿ أَوْ
مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَكِ ﴿١ ثُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَقَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِاْمَرْحَمَةِ (15)﴾ [البلد].
وقول الشاعر:
ثم قد ساد قبل ذلك جده
إن من ساد ثم ساد أبوه
وقال بعض العلماء: المراد بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ الآية. من مزدلفة إلى منى،
وعليه فالمراد بالناس إبراهيم.
قال ابن جرير في هذا القول: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
قوله تعالى: ﴿زُيِنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لم يبين هنا
سخرية هؤلاء الكفار من هؤلاء المؤمنين، ولكنه بين في موضع آخر أنها الضحك منهم
والتغامز وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ. ﴿ وَإِذَا مَرُّوا
[المطففين: ٢٩ _ ٣٠]
بِهِمْ يَتَغَامَرُونَ هَا﴾
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين
على هؤلاء الكفرة، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُغَارِ