Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
قوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب .. سورة البينة .
المسألة الثالثة﴾ هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع (أحدها) أنه تعالى فسر قوله (الذين
كفروا) بأهل الكتاب وبالمشركين ، فهذا يقتضى كون الكل واحداً فى الكفر، فمن ذلك قال
العلماء: الكفر كاء ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودى وبالعكس (والثانى ) أن العطف أوجب
المغايرة، فلذلك نقول الذمى ليس بمشرك، وقال عليه السلام ((غيرناكى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم»
فأثبت التفرقة بين الكتابى والمشرك ( الثالث) نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار
بأهل العلم إذ قد حدث فى أهل القرآن مثل ما حدث فى الأمم الماضية.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال القفال الانفكاك هو انفراج الشىء عن الشىء وأصله من الفك وهو
الفتح والزوال ، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته، ومنه فكاك الرهن وهو زوال
الإنغلاق الذى كان عليه ألا ترى أن ضد قوله انفك الرهن، ومنه فكاك الأسير وفكه، مثبت
أن انفكاك الشىء عن الشىء هو أن يزيله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله، والمعنى أنهم
متشبثون بدينهم تشيئاً قوياً لا يزيلونه إلا عند مجىء البيئة ، أما البيئة فهى الحجة الظاهرة التى بها
يتميز الحق من الباطل فهى من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل ، وفى المراد من البينة
فى هذه الآية أقوال :
﴿الأول) أها هى الرسول، ثم ذكروا فى أنه لم سمى الرسول بالبيئة وجوهاً (الأول) أن ذاته
كانت بينة على نبوته، وذلك لأنه عليه السلام كان فى نهاية الجد فى تقرير النبوة والرسالة ، ومن
كان كذاباً متصنعاً فإنه لا يتأتى منه ذلك الجد المتناهى، فلم يبق إلا أن يكون صادقاً أو معقوماً
(والثانى) معلوم البطلان لأنه كان فى غاية كمال العقل، فلم يبق إلا أنه كان صادقاً ( الثانى) أن
مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغاً إلى ٠ « كمال الإعجاز، والجاحظ قرر هذا المعنى، والغزالى
رحمه الله نصره فى كتاب المنقذ، فاذاً لهذين الوجهين سمى هو فى نفسه بأنه بينة (الثالث) أن
معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت فى غاية الظهور وكانت أيضاً فى غاية الكثرة فلاجتماع هذين
الأمرين جعل كأنه عليه السلام فى نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه الله تعالى (سراجا منيراً).
واحتج القائلون بأن المراد من البينة هو الرسول بقوله تعالى بعد هذه الآية (رسول من الله) فهو
رفع على البدن من البينة، وقرأ عبد الله ( رسولا) حال من البينة قالوا والألف واللام فى قوله
( البينة) للتعريف أى هو الذى سبق ذكره فى التوراة والانجيل على لسان موسى وعيسى، أو يقال
إنها التفخيم أى هو ( البينة) التى لا مزيد عليها أو البينة كل البينة لأن التعريف قد يكون للتمخيم
وكدا التنكير وقد جمعهما الله مهنا فى حق الرسول عليه السلام فبدأ بالتعريف وهو لفظ البينة
ثم ثى بالتنكير فقال (رسول من الله) أى هو رسول، وأى رسول، ونظيره ماذكره الله تعالى
فى الثناء على نفسه فقال ( ذو العرش المجيد ) ثم قال (فعال ) فنكر بعد التعريف.
﴿ القول الثانى) أن المراد من (البينة) مطلق الرسل وهو قول أبى مسلم قال المراد من قوله

٤٢
قوله تعالى : رسول من الله . سورة البينة .
(حتى تأتيهم البينة) أى حتى تأتيهم رسل من ملائكة الله تتلوا عليهم صحفاً مطهرة وهو كقوله
( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ) وكقوله ( بل يريد كل أمرى. منهم أن
يؤتى محفاً منشرة) .
﴿ القول الثالث ) وهو قتادة وابن زيد (البينة) هى القرآن ونظيره قوله ( أو لم تأتهم
بينة ما فى الصحف الأولى ) ثم قوله بعد ذلك ( رسول من اللّه ) لابد فيه من مضاف محذوف
والتقدير: وتلك البينة وحى ( رسول من اللّه يتلو صحفا مطهرة).
أما قوله تعالى ( بتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة ) فاعلم أن الصحف جمع صحيفة وهى ظرف
للمكتوب، وفى (المطهرة) وجوه: (أحدها) (مطهرة) عن الباطل وهى كقوله (لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه) وقوله ( مرفوعة مطهرة)، (وثانيها ) مطهرة عن الذكر القبيح
فان القرآن يذكر بأحسن الذكر ويثنى عليه أحسن الثناء ( وثالثها ) أن يقال مطهرة أى ينبغى
أن لا يمسها إلا المطهرون، كقوله تعالى ( فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون).
واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتاً للصحف فى الظاهر فهى نعت لما فى الصحف وهو القرآن
وقوله ( كتب) فيه قولان (أحدهما) المراد من الكتب الآيات المكتوبة فى الصحف ( والثانى)
قال صاحب النظم الكتب قد يكون بمعنى الحكم (كتب الله لأغلين) ومنه حديث العسيف ((لأقضين
بينكما بكتاب الله)) أى بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله ( كتب قيمة) أى أحكام قيمة
أما القيمة ففيها قولان (الأول ) قال الزجاج مستقيمة لا وج فيها تبين الحق من الباطل من قام
يقوم كالسيد والميت ، وهو كقولهم قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام (الثانى) أن تكون
القيمة بمعنى القائمة أى هى قائمة مستقلة بالحجة والدلالة، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا
أجراه على وجهه، ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم ، فان قيل كيف نسب تلاوة الصحف
المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أمياً ؟ قلنا إذا تلا مثلا المسطور فى تلك الصحف كان تالياً ما فيها
وقد جاء فى كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب، وإن كان
لا يكتب ، ولعل هذا كان من معجزاته صلى اللّه عليه وسلم.
قوله تعالى: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى هذه الآية سؤال، وهو أنه تعالى ذكر فى أول السورة، أهل الكتاب
والمشر كين، وههناد كر أهل الكتاب فقط ، فما السبب فيه؟ (وجوابه) من وجوه (أحدها) أن
المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل ، بخلاف أهل الكتاب الذين
يقرون على كفرهم ببذل الجزية ( وثانيها) أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه
وسلم بسبب أنهم وجدوها فى كتبهم ، فاذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل
فى هذا الوصف .

٤٣
قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله . سورة البينة .
وَمَآ أَمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَيُؤْنُواْ الَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ
٥
المسألة الثانية ﴾ قال الجبائى هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا إن الناس تفرقوا
فى الشقاوة والسعادة فى أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة ( والجواب ) أن هذا ركيك لأن
المراد منه أن علم الله بذلك وإرادته له حاصل فى الأزل، أما ظهوره من المكلف فانما وقع بعد
الحالة المخصوصة .
المسألة الثالثة ) قالوا هذه الآية دالة على أن الكفر والتفرق فعلمهم لا أنه مقدر عليهم
لأنه قال (إلا من بعد ما جاءتهم البينة)، ثم قال (أوتو الكتاب) أى أن الله وملائكته آتاهم
ذلك فالخير والتوفيق مضاف إلى الله، والشر والتفرق والكفر مضاف إليهم.
المسألة الرابعة﴾ المقصود من هذه الآية تسلية الرسول فى اله أى لا يغمنك تفرقهم فليس
ذلك لقصور فى الحجة بل لعنادهم، فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا فى السبت وعبادة العجل ( إلا
من بعد ما جاءتهم البينة ) فهى عادة قديمة لهم .
قوله تعالى: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا
الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى قوله ( وما أمروا) وجهان: (أحدهما ) أن يكون المراد (وما أمروا)
فى التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفى، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما
أتبعه بقوله (وذلك دين القيمة) علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعا فى حقهم فهو مشروع
فى حقنا ( وثانيها) أن يكون المراد: وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد ليخ إلا بهذه الأشياء،
وهذا أولى، لثلاثة أوجه: (أحدها) أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعاً جديداً وحمل كلام الله
على ما يكون أكثر فائدة أولى (وثانيها) وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله
(حتى تأتيهم البينة) وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم (وثالثها) أنه تعالى ختم الآية بقوله
( وذلك دين القيمة) حكم بكون ماهو متعلق هذه الآية دينا قما فوجب أن يكون شرعا فى حقنا
سواء قلنا بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانا اشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا
قول مقاتل .
﴿ المسألة الثانية﴾ فى قوله (إلا ليعبدوا الله) دقيقة وهى أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن
حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله
فعلا لكان ناقصاً لذاتة مستكملا بالغير وهو محال ، لأن ذلك الغرض إن كان قديما

٤٤
قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله . سورة البينة .
لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثاً افتقر إلى غرض آخر فلزم القسلسل وهو محال
ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز ، وإن كان قادراً عليه كان
توسيط تلك الواسطة عبئاً، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل . ثم قال الفراء
العزب تجعل اللام فى موضع أن فى الأمر والإرادة كثيراً، من ذلك قوله تعالى ( يريد الله ليبين
لكم، يريدون ليطفئوا) وقال فى الأمر (وأمرنا لنسلم) وهى فى قراءة عبد الله ( وما أمروا إلا
أن يعبدوا الله) فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. والإخلاص
عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على
أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوباً، ثم قالت الشافعية الوضوء مأمور به فى قوله تعالى (إذا
(تم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منوياً ،
فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منوياً، وأما المعتزلة فانهم يوجبون تعليل أفعال
الله وأحكامه بالأغراض، لاجرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: وما أمروا بشىء
إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضاً قوى، لأن التقدير وما أمروا بشىء
إلاليعبدوا الله مخلصين له الدين فى ذلك الشىء، وهذا أيضاً يقتضى اعتبار النية فى جميع المأمورات.
فان قيل النظر فى معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه . لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا
بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه . فلتاهب أنه خص عموم الآية فى
هذه الصورة بحكم الدليل العقلى الذى ذكرتم فيقى فى الباقى حجة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (أمروا) مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو ( كتب عليكم الصيام)
( كتب عليكم القصاص ) قالوا فيه وجوه (أحدها ) كانه تعالى يقول العبادة شافة ولا أريد
مشقتك إرادة أصلية بل إرادتى لعبادتك كإرادة الوالدة لحجاءتك، ولهذا لما آل الأمر إلى
الرحمة قال ( كتب ربكم على نفسه الرحمة)، (كتب فى قلوبهم الإيمان) وذكر فى الوافعات إذا أراد
الأب من ابنه عملا يقول له أولا: ينبغى أن تفعل هذا ولا يأمره صريحاً، لأنه ربمايرد عليه فتعظم
جنايته، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد (وثانيها) أنا على القول بالحسن والقبح
العقليين، نقول كأنه تعالى يقول: لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضاً يأمرك لأن النهاية
فى التعظيم لمن أوصل إليك [أن] نهاية الإنعام واجبة فى العقول.
﴿ المسألة الرابعة﴾ اللام فى قوله: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله) تدل على مذهب أهل السنة
حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار ، بل
لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل فى الدين ثواب ولا عقاب البتة ، ثم أمرك بالعبادة.
وجيت لحض العبودية، وفيها أيضاً إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود فى الحقيقية
هو الثواب والعقاب، والحق واسطة ، ونعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني .

٤٥
قوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله . سورة البينة .
ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل المعروف ، فقد خاض لجة الوصول.
المسألة الخامسة﴾ العبادة هى التذلل، ومنه طريق معبد، أى مذلل ، ومن زعم أنها
الطاعة فقد أخطأ ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم ولكن فى الشرع
صارت اسماً لكل طاعة الله، أديت له على وجه التذلل والنهاية فى التعظيم، واعلم أن العبادة بهذا
المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحداً فى ذاته وصفاته الذاتية، والفعلية ، فإن كان مثل لم يجز
أن يصرف إليه النهاية فى التعظيم، ثم نقول: لابد فى كون الفعل عبادة من شيئين (أحدهما) غاية
التعظيم ، ولذلك قلنا: إن صلاة الصبى ، ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة الله، فلا يكون فعله
فى عاية التعظيم ( والثانى) أن يكون مأموراً به، ففعل اليهودى ليس بعبادة، وإن تضمن نهاية
التعظيم ، لأنه غير مأمور به ، والنكتة الوعظية فيه ، أن فعل الصبى ليس بعبادة لفقد التعظيم
وفعل اليهودى ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم؟.
﴿ المسألة السادسة ﴾ الإخلاص هو أن يأتى بالفعل خالصاً لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها
من الدواعى تأثير فى الدعاء إلى ذلك الفعل ، والنكت الوعظية فيه من وجوه (أحدها ) كانه تعالى
يقول عبدى لا تسع فى إ كثار الطاعة بل فى إخلاصها لأنى ما بذلت كل مقدورى لك حتى أطلب
منك كل مقدورك ، بل بذلت لك البعض ، فأطلب منك البعض نصفاً من العشرين ، وشأة من
الأربعين، لكن القدر الذى فعلته لم أرد بفعله مؤاك، فلا ترد بطاعتك سواى، فلا تستثن من
طاعتك لنفسك فضلا من أن تستثنيه لغيرك ، فمن ذلك المباح الذى يوجد منك فى الصلاة كالحكمة
والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص ، وأما الإلتفات المكروه فذا حظ الشيطان
(وثانيها) كأنه تعالى قال: ياعقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك
البتة ، فإداً لا تريد إلا ما أريد ولا أريد إلا ماتريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا
البدن ، فكأنه تعالى بفضله قال الملك لا يخدم الملك لكن [لكى] نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك
(هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً) فاجعل أنت أيضاً جميع ما تفعله لأجلى ( وما أمروا إلا ليعبدوا
الله مخلصين له الدين ).
وأعلم أن قوله ( مخلصين) نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من
ابتداء الفعل إلى انتهائه ، والمخلص هو الذى يأتى بالحسن لحسنه ، والواجب لوجوبه، فيأتى بالفعل
لوجه مخلصاً لربه، لا يريد رياء ولاسمعة ولا غرضاً آخر ، بل قالوا لا يجعل طلب الجنة مقصوداً
ولا النجاة عن النار مطلوباً وإن كان لابد من ذلك، وفى التوراة: ما أريد به وجهى فقليله كثير
وما أريد به غير وجهى فكثيره قليل . وقالوا من الإخلاص أن لا يزيد فى العبادات عبادة
أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت اثنتين واحدة للّه وواحدة للأمير
لم يجز لأنه شرك، وإن زدت فى الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة

٤٦
قوله تعالى : حنفاء ويقيموا الصلاة . سورة البينة .
أخرى ، فكيف ولو خلطت بها محظوراً مثل أن تتقدم على إمامك ، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى
الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص ، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو
ولدك يزول الإخلاص ، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص؟ وقد اختلفت
ألفاظ السلف فى معنى قوله ( مخلصين ) قال بعضهم: مقرين له بالعبادة ، وقال آخرون : قاصدين
بقلوبهم رضا الله فى العبادة ، وقال الزجاج أى يعبدونه موحدین له لا يعبدون معه غيره ، ويدل
على هذا قوله (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً).
أما قوله تعالى ( حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) ففيه أقوال :
( الأول) قال مجاهد متبعين دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال (ثم أوحينا إليك أن
اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد
مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضاً بالكلية، فلا جرم
ذكرةوما أجمع الخلق بالكلية على تز كيتهم ، وهو إبراهيم ومن معه ، فقال (قد كانت لكم أسوة حسنة
فى إبراهيم والذين معه) فكأنه تعالى قال: إن كنت تقلد أحدافى دينك، فكن مقلداً إبراهيم، حيث
تبرأ من الأصنام وهذا غير جيب فإنه قد تيراً من نفسه حين سلمها إلى النيران ، ومن ماحين بذله
الضيفان، ومن ولده حين بذله للقربان ، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه ، ولم يرشخصاً
فاستعاده، فقال أما بغير أجر فلا ، فبذل كل ماملكه فظهر له جبريل عليه السلام ، وقال حق لك
حيث سماك خليلا فخذ مالك، فإن القائل، كنت أنا ، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال
أما إليك فلا ، فالحق سبحانه كأنه يقول: إن كنت عابداً فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال
وأبواب السلاطين ، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم ، فاجتهد
فی متابعة ولدہ الصبى ، کیف انقاد حكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤبا، وإن كنت دون
الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة ، ثم إن المرأة
الحرة نصف الرجل فإن الاثنتين يقومان مقام الرجل الواحد فى الشهادة والإراث ، والرقيقة نصف
الحرة بدليل إن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل ، ثم أنظر كيف أطاعت ربها
فتحملت المحنة فى ولادها ثم صبرت حين تر كها الخليل وحيدة فريدة فى جبال مكة بلا ماء ولازاد
وانصرف، لا يكلمها ولا يعطف عليها، قالت آلله أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك
وصبرت على تلك المشاق .
﴿ والقول الثانى) المراد من قوله (حنفاء) أى مستقيمين والحنف هو الاستقامة، وإنما سمى
مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل ، كقولنا للأعمى بصير وللمملكة مفازة ، ونظيره قوله تعالى
( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (اهدنا الصراط المستقيم)
﴿ والقول الثالث) قال ابن عباس رضى الله عنهما حجاجاً، وذلك لأنه ذكر العباد أولا
ثم قال (حنفاء) وإنما قدم الحج على الصلاة لأن فى الحج صلاة وإنفاق مال ( الرابع ) قال أبو قلابة

٤٧
: قوله تعالى : كتب قيمة . سورة البينة .
الحنيف الذى آمن بجميع الرسل ولم يستأن أحداً منهم ، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون
حنيفا (الخامس) حنفاء أى جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين، قال فيه السلام ((بعثت
بالحنيفية السهلة السمحة)) (السادس) قال قتادة هى الختان وتحريم نكاح المحارم أى مختونين
محرمين النكاح الأم والمحارم ، فقوله ( حنفاء) إشارة إلى النفي ، ثم أردفه بالإثبات ، وهو قوله
( ويقيموا الصلاة) (السابع) قال أبو مسلم أصله من الحنف فى الرجل ، وهو إدبار إبهامها عن
أحوانها حتى يقبل على إبهام الأخرى ، فيكون الحنيف هو الذى يعدل عن الأديان كلها إلى
الإسلام (الثامن) قال الربيع بن أنيس الحنيف الذى يستقبل القبلة بصلاته، وإنما قال ذلك
لأنه عند التكبير يقول: وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض حنيفا، وأما الكلام فى
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر مراراً كثيرة ، ثم قال (وذلك دين القيمة ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال المبرد والزجاج : ذلك دين الملة القيمة، فالقيمة نعت لموصوف
محذوف ، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة ، وقد ذكرنا هذين القولين فى قوله ( کتب
قيمة) وقال الفراء: هذا من إضافة النعت إلى المنعوت، كقوله ( إن هذا لهو حق اليقين) والهاء
للمبالغة كما فى قوله ( كتب قيمة ).
المسألة الثانية﴾ فى هذه الآية لطائف (إحداها) أن الكمال فى كل شىء إنما يحصل إذا
حضل الأصل والفرع معا، فقوم أطنبوا فى الأعمال من غير إحكام الأصول ، وهم اليهود والنصارى
والمجوس ، فانهم ربما أتعبوا أنفسهم فى الطاعات، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق ، وقوم حصلوا
الأصول وأهملوا الفروع، وهم المرجئة الذين قالوا لا يضر الذنب مع الإيمان، والله تعالى خطأ
الفريقين فى هذه الآية، وبين أنه لابد من العلم والإخلاص فى قوله (مخلصين ) ومن العمل فى
قوله (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) ثم قال وذلك المجموع كله هو (دين القيمة) أى البيئة المستقيمة
المعتدلة، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هذا المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقادو وجهه
الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك ،
ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول القائم بتحصيل
مصالحك عاجلا وآجلا هو هذا المجموع، ونظيره قوله تعالى ( ديناً فيما) وقوله فى القرآن ( قيما
"لينذر بأساً شديداً) لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق، ويؤيده قوله عليه السلام ((من كان
فى عمل اللّه كان الله فى عمله)) وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ((يادنيا من خدمك
فاستخدميه، ومن خدمنى فاخدميه))، (وثانيها) أن المحسنين فى أفعالهم ثم مثل الحق سبحانه وذلك
بالإحسان إلى عبيده والملائكة، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح، لخالقهم فالإحسان من اللّه لا من
الملائكة ، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة
فيقول اللهمباھیاً بهم ملائکتیهؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا ، بل فى بعض الأفعال أمثالى أحسنوا

٤٨
قوله تعالى : وذلك دين القيمة . سورة البينة .
وقصدقوا ، ثم إنى أكرمكم باملائكتى بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظمونى بمجرد
مافعلت من الإحسان، فأنتم صبر تم على أحد الأمرين ؛ أقاموا الصلاة أنوا بالعبودية وآتوا الزكاة
أنو بالإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين، فنتعجب الملائكة منهم
وينصبون إليهم النظارة ، فلهذا قال ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما
صبرتم) أفلا يكون هذا الدين قيما ( وثالثها) أن الدين كالنفس حياة الدين بالمعرفة ثم النفس
العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز، والقادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة
فكذا الصلاة للدين كالعلم والزكاة كالقدرة ، فاذا اجتمعتا سمى الدين قيمة (ورابعها) وهو فائدة
الترتيب أن الحكم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شىء، وهو القول والاعتقاد فقال
(مخلصين) ثم لما أجابوه زاده، فسألهم الصلاة التى بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت، ثم لما
أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم أنها تشق عليهم قال ((لا زكاة فى مال يحول عليه الحول))
ثم لما ذكر الكل قال ( وذلك دين القيمة )،
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج من قال الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية،
فقال مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فاداً مجموع
القول والفعل والعمل هو الإيمان، لأنه تعالى ذكر فى هذه الآية مجموع الثلاثة. ثم قال (وذلك
دين القيمة) أى وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى (إن الدين
عند الله الإسلام) وإنما قلنا إن الإسلام هو الايمان لوجهين (الأول ) أن الإيمان لو كان غير
الإسلام لما كان مقبولا عند الله تعالى لقوله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)
لكن الإيمان بالاجماع مقبول عند الله، فهو إذاً عين الإسلام (والثانى) قوله تعالى (فأخرجنا من
كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غيرت بيت من المسلمين) فاستثناء المسلم من المؤمن ، يدل على أن
الإسلام يصدق عليه ، وإذا ثبتت هذه المقدمات، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعنى القول والفعل
والعمل هو الإيمان، وحينئذ ببطل قول من قال، الايمان اسم مجرد المعرفة، أو المجرد الإقرار أولها
معاً ( والجواب) لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله (وذلك) إلى الإخلاص فقط ؟ والدليل
عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار، فنقولون: المراد وذلك
المذكور، ولا شك أن عدم الإضمار أولى، سلمنا أن قوله (وذلك) اشارة إلى مجموع ما تقدم
لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم، فلم قلتم إن ذلك المجموع هو الدين، وذلك لأن
الدين غير ، والدين القيم ، فالدين القيم هو الدين الكامل المستقبل بنفسه، وذلك إنما يكون
إذا كان الدين حاصلا، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضاً، وهى الصلاة والزكاة ، وإذا لم
يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلا، لكن لم قلتم إن أصل الدين لا يكون حاصلا
والنزاع ما وقع إلا فيه؟ والله أعلم .

٤٩
قوله تعالى : إن الذين كفروا من أهل الكتاب . سورة البينة .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَتَّ خَالِدِينَ
فِيهَاَ أُوْلَئِكَ هُمْ شَرْ الْبَرِيّةِ
٦
قوله تعالى : ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها أولئك
هم شر البرية
.
أعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولا فى قوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب
والمشر كين ) ثم ذكر ثانيا حال المؤمنين فى قوله ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله) أعاد فى آخر هذه
السورة ذكر كلا الفريقين, فبدأ أيضاً محال الكفار، فقال (إن الذين كفروا) واعلم أنه تعالى
ذكر من أحوالهم أمرين (أحدهما) الخلود فى نار جهنم (والثانى) أنهم شر الخلق، وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) لم قدم أهل الكتاب على المشركين فى الذكر؟ (الجواب) من وجوه
(أحدها) أنه عليه الصلاة والسلام، كان يقدم حق الله سبحانه على حق نفسه، ألا ترى أن القوم
لما كسرهارباعيته قال ((اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون)) ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق
قال ((اللهم املأ بطونهم وقبورهم ناراً)) فكأنه عليه السلام قال كانت الضربة ثم على وجه
الصورة ، وفى يوم الخندق على وجه السيرة التى هى الصلاة، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال كما
قدمت حتى على حقك ،أنا أيضا أقدم حقك على حق نفسى، فى ترك الصلاة طول عمره لا يكفر
ومن طعن فى شعرة من شعراتك بكفر. إذا عرفت ذلك فنقول: أهل الكتاب ما كانوا يطعنون
فى اللّه بل فى الرسول، وأما المشركون فإنهم كانوا يطعنون فى الله، فلما أراد الله تعالى فى هذه
الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولا فى النكاية بذكر من طعن فى محمد عليه الصلاة والسلام وهم
أهل الكتاب ، ثم ثانياً بذكر من طعن فيه تعالى وثم المشركون ( وثانيها ) أن جنابة أهل الكتاب
فى حق الرسول عليه السلام كانت أعظم، لأن المشركين رأوه صغيراً ونشأ فيما بينهم، ثم سفه
أحلامهم وأبطل أديانهم ، وهذا أمر شاق ، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته
ويقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد .
﴿السؤال الثانى) لمذكر (كفروا) بلفظ الفعل (والمشر كين) باسم الفاعل؟ (والجواب) تنبيها
على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتورة والإنجيل،
ومقرين بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف
المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة .
﴿ السؤال الثالث) أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٤

١٠
قوله تعالى : إن الذين كفروا من أهل الكتاب . سورة البينة .
القيامة ، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد
صلى الله عليه وسلم، فكان كفرأهل الكتاب أخف من كفر المشركين، وإذا كان كذلك فكيف
*رز النسوية بين الفريقين فى العذاب؟ ( والجواب) يقال بثر جهنام إذا كان بعيد القعر ، فكانه
تعالى يقول تكبروا طلباً للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين، ثم إن الفريقين وإن اشتراكا فى ذلك
لكنه لا ينافى اشتراكهم فى هذا القدر تفاوتهم فى مراتب العذاب ، واعلم أن الوجه فى حسن هذا
العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك وإساءة إلى من أحسن إليك، وهذا القسم الثانى
هو أقبح الضسمين والإحسان أيضاً علىقسمين إحسان إلى من أحسن إليك، وإحسان إلى من أساء
إليك ، وهذا أحسن القسمين، فكان إحسان اللّه إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان
وإساءتهم وكفرهم أقبح أنواع الإساءة، ومعلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب الجناية، فبالشتم
تعزير وبالقذف حدو بالسرقة قطع، وبالزنا رجم، وبالقتل قصاص ، بل شتم المائل يوجب التعزير ،
والنظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات، لا جرم
استحقوا أعظم العقوبات، وهو نار جهنم ، فإنها نار فى موضع عميق مظلم هائل لامفر عنه البتة ،
ثم كأنه قال قائل : هب أنه ليس هناك رجاء الفرار، فهل هناك رجاء الإخراج؟ فقال: لا بل
يبقون خالدين فيها ، ثم كانه قيل فهل هناك أحد يرق قلبه عليهم؟ فقال لابل يذمونهم ، ويلعنونهم
لأنهم شر البرية .
﴿ السؤال الرابع) ما السبب فى أنه لم يقل ههنا خالدين فيها أبداً، وقال فى صفة أهل
الثواب (خالدين فيها أبداً)؟ (والجواب) من وجوه (أحدها) التنبيه على أن رحمته أزيد من غضبه
(وثانيها) أن العقوبات والحدود والكفارات تتداخل ، أما الثواب فأفسامه لا تتداخل ( وثالثها)
روى حكاية عن اللّه أنه قال: ياداود حببنى إلى خلقى، قال وكيف أفعل ذلك؟ قال اذ كرلهم سعة
رحمى ، فكان هذا من هذا الباب .
﴿ السؤال الخامس) كيف القراءة فى لفظ البرية؟ (الجواب) قرأ نافع البريئة بالهمز، وقرأ
الباقون بغير همر وهو من برأ اللّه الخلق، والقياس فيها الهمز إلا أنه ترك همزه ، كالنبى والذرية
والخابية، والهمزة فيه كالرد إلى الأصل المتروك فى الاستعمال ، كما أن من همز النى كان كذلك
وترك الهمز فيه أجود، وإن كان الهمز هو الأصل، لأن ذلك صار كالشىء المرفوض المتروك.
وحمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال إنه من البرا الذى هو التراب.
﴿ السؤال السادس) ما الفائدة فى قوله هم شر البرية ؟ (الجواب) أنه يفيد النفى والإثبات
أى هم دون غيرهم. واعلم أن شر البرية جملة يطول تفصيلها ، شر من السراق ، لأنهم سرقوا من
كتاب الله، صفة محمد مَ اله، وشر من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، وشر
من الجهال الأجلاف، لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أفبح .

قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة البينة . ٥١
٧
إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.
واعلم أن هذا تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد .
﴿ السؤال السابع) هذه الآية هل هى مجراة على عمومها؟ (الجواب) لا بل هى مخصوصة
بصورتين ( إحداهما ) أن من تاب منهم وأسلم خرج عن الوعيد ( والثانية ) قال بعضهم : لا يجوز
أن يدخل فى الآية من مضى من الكفار، لأن فرعون كان شراً منهم ، فأما الآية الثانية وهى
الآية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة فيمن تقدم وتأخر ، لأنهم أفضل الأمم .
قوله تعالى : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ فيه مسائل
{ المسألة الأولى﴾ الوجه فى حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه (أحدها ) أن الوعيد
كالدواء ، والوعد كالغذاء، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقياً انتفع بالغذاء، فإن البدن
غير النقى كلما غذوته زدته شراً ، هكذا قاله بقراط فى كتاب الفصول ( وثانيها) أن الجلد بعد
الدبغ يصير صالحاً للمدارس والخف ، أما قبله فلا , ولذلك فإن الانسان متى وقع فى محنة أو شدة
رجع إلى الله ، فإذا نال الدنيا أعرض، على ما قال (فذا نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) (وثالثها) أن
فيه بشارة، كأنه تعالى يقول: لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذى هو بشارة من فى أبى
أختم أمرك بالخير، ألست كنت نجسا فى مكان نجس، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهراً، أفلا
أخرجك إلى الجنة طاهراً!
المسألة الثانية﴾ احتج من قال إن الطاعات ليست داخلة فى مسمى الإيمان بأن الأعمال
الصالحة معطوفة فى هذه الآية على الإيمان ، والمعطوف غير المعطوف عليه.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال (إن الذين آمنوا) ولم يقل إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق
الإسلام خال كساده ، وبذلوا الأموال والمهج لأجله ، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى
. كما قال (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) ولفظة (آمنوا) أى فعلو الإيمان مرة .
واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية، وذلك لأنها تدل على أن من أتى
بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب ، والذى يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب ، فعلمنا
أنه ما صدر الايمان عنه فى الحقيقة قبل ذلك .
المسألة الرابعة ) قوله ( وعملوا الصالحات) من مقابلة الجمع بالجمع، فلا يكلف الواحد
بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ فظ الغنى الإعطاء، وحظ الفقير الأخذ.
﴿ المسألة الخامسة) احتج بعضهم بهذه الآية فى تفضيل البشر على الملك ، قالوا روى
أبو هريرة أنه عليه السلام قال ((أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى! والذى نفسى بيده
لمنزلة العبد المؤمن عندالله يوم القيامة أعظم من ذلك ، واقرؤا إن شئتم: أن الذين آمنوا وعملوا

٥٢
قوله تعالى : جزاؤهم عند ربهم . سورة البينة .
◌َزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُرُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًّا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ تَخَشِىَ رَهُو ◌َّـ
الصالحات أولئك هم خير البرية )) .
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: (أحدها ) ما روى عن يزيد النحوى أن البرية
بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة ( وثانيها) أن قوله ( إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات) غير مختص بالبشر بل يدخل فيه الملك (وثالثها ) أن الملك خرج عن النص
بسائر الدلائل ، قالوا وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم
من نور وأصلك من حماً مسنون، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هى
مسكن الشياطين ، وأيضاً فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا فى يد البعض وروحنا فى يد البعض، ثم م
العلماء ونحن المتعلمون، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب، ومن ذلك فإن
الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الالهية حين قال (ومن يقل منهم إنى إله من دونه) أى لو أقدموا
على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية، وأنت أبداً عبد البطن والفرج، وأما
العبادة فهم أكثر عبادة من النبى لأنه تعالى مدح النبي باحياء ثلثى الليل وقال فيهم (يسبحون الليل
والنهار لا يفترون) ومرة ( لا يسأمون ) وتمام القول فى هذه المسألة قد تقدم فى سورة البقرة.
قوله تعالى : ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضى
الله عنهم ورضوا عنه ﴾.
اعلم أن التفسير ظاهر ونحن نذكر مافيها من اللطائف فى مسائل :
﴿ المسألة الأولى) اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقاً من المحن والآفات، فصاغه
من أنجس شىء فى أضيق مكان إلى أن خرج باكياً لا للفراق ولكن مشتكياً من وحشة الحبس
ليرحم ، كالذى يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم ، ثم لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدوداً
فى الرحم ثم لم يمض فليل مدة حتى ألقوا فى المهد وشدوه بالقماط ، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه
إلى أستاذ بحبسه فى المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم ، ثم بعد ذلك شد بمسامير
العقل والتكليف ، ثم إن المكلف يصير كالمتحير ، يقول من الذى يفعل فى هذه الأفعال مع أنه
ما صدرت عنى جناية! فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل ، فوجده عالماً لا يشبه العالمين، وقادراً
لا يشبه القادرين، وعرف أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة ، لكن حقيقته محض
الكوم والرحمة ، فترك الشكاية وأقبل على الشكر، ثم وقع فى قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة
له والطاعة ، فجعل قلبه مسكناً لسلطان عرفانه، فكان الحق قال : عبدی أنزل معرفتى فى قلبك حتى

٥٣
قوله تعالى : جزاؤهم عند ربهم . سورة البينة .
لا يخرجها منه شىء أو يسبقها هناك فيقول العبد: يارب أنزلت حب الثدى فى قلبى ثم أخرجته،
وكذا حب الأب والأم، وحب الدنيا وشهواتها وأخرجت الكل . أما حبك وعرفانك فلا
أخرجهما من قلبى، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة فى أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار
وجداول، فالجدول الذى وصل إلى العين حصل منه الاعتبار، والذى وصل إلى الأذن حصل
منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحانهم ، وهكذا فى جميع الأعضاء والجوارح، فيقول الله
عبدى جمات قلبك كالجنة لى وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة ، فأنت مع عجزك وقصورك
فعلت هذا، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة لجنة بجنة ، فلهذا قال ( جزاؤهم عند ربهم جنات
عدن تجرى من تحتها الأنهار ) بل كأن الكريم الرحيم يقول عبدى أعطانى كل ماملكه، وأنا
أعطيته بعض مافى ملكى، وأنا أولى منه بالكرم والجود، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوباً
دائماً مخلداً، حتى يكون دوامه وخلوده جاراً لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية.
المسألة الثانية ﴾ الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، ومنه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب
عن الماء، فهذا يفيد معنيين (أحدهما) أنه يعطيه الحزاء الوافر من غير نقص ( والثانى) أنه تعالى
يعطيه ما يقع به الكفاية، فلا يبقى فى نفسه شىء إلا والمطلوب يكون حاصلا ، على ما قال (ولكم
فيها ما تشتهى أنفسكم ).
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال (جزاؤهم) فأضاف الجزاء إليهم، والإضافة المطلقة تدل على الملكية
فكيف الجمع بينه وبين قوله ( الذى أحلنا دار المقامة من فضله ) (والجواب) أما أهل السنة
فإنهم يقولون إنه لو قال الملك الكريم: من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار، فهذا شرط وجزاء
بحسب اللغة وبحسب الوضع لابحسب الاستحقاق الذاتى، فقوله (جزاؤهم) يكفى فى صدقه هذا المعنى
وأما المعتزلة فإنهم قالوا فى قوله تعالى ( الذى أحلنا دار المقامة من فضله ) إن كلمة من لابتداء
الغابة ، فالمعنى أن استحاق هذه الجنان ، إنما حصل بسبب فضلك السابق فانك لولا أنك خلقتنا
وأعطيقنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة.
فإن قيل فإذا كان لاحق لأحد عليه فى مذهبكم، فما السبب فى التزام مثل هذا الانعام؟ قلنا: أتسأل
عن إنعامه الأمسى حال عدمنا؟ أو عن إنعامه اليومى حال التكليف؟ أو عن إنعامه فى غد القيامة؟
فان سألت عن الأمسى فكأنه يقول: أنا منزه عن الإنتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم
أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع، فكما أن من له مال ولا عيال له فانة يشترى العبيد والجوارى
لينفعوا بماله، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينفعوا بملكه .کما روى « الخلق عيال
الله)) وأما اليومى فالانعام يوجب الإتمام بعد الشروع. فالرحمن أولى. وأما الغد فأنا مديونهم
بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفى بذلك .

٥٤
قوله تعالى : جزاؤهم عند ربهم . سورة البينة .
المسألة الرابعة ﴾ فى قوله (عند ربهم ) لطائف :
( أحدها) قال بعض الفقهاء: لو قال لاشى. لى على فلان ، فهذا يختص بالديون وله أن يدعى
الو دیعة ، ولو قال لاشیء لیعند فلان انصرف إلى الو دیمة دون الدین، ولو قال لاشى. لی قبل فلان
انصرف إلى الدين والوديعة معاً. إذا عرفت هذا فقوله ( عند ربهم) يفيد أنه وديعة والوديعة
عين ، ولو قال لفلان على فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله ( عند ربهم ) يفيد
أنه كالمال المعين الحاضر العتيد، فإن قيل الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون
خير ما كان غير مضمون ، قلنا: المضمون خير إذا قصور الهلاك فيه وهذا فى حق الله تعالى محال،
فلا جرم قلنا الوديعة هناك خير من المضمون .
﴿ وثانيها) إذا وقعت الفتنة فى البلدة، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة
صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة فى بلدة بدنك ، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا
عليها، فضع وديعة أمانتك عندى فانى أكتب لك به كتاباً يتلى فى المحاريب إلى يوم القيامة وهو
قوله ( جزاؤهم عند ربهم) حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو فى عرصة القيامة .
﴿ وثالثها) أنه قال (عندربهم) وفيه بشارة عظيمة، كأنه تعالى يقول أنا الذى ربيتك أولا
حين كنت معدوماً صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة، خلقتك وأعطيتك كل هذه
الأشياء فين كنت مطلقاً أعطيتك هذه الأشياء، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئاً وجعلته
وديعة عندى فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون.
المسألة الخامسة﴾ قوله ( جزاؤهم عندربهم جنات ) فيه قولان :
﴿أحدهما) أنه قابل الجمع بالجمع(١)، وهو يقتضى مقابلةالفرد بالفرد ، کالو قال لامر أتيه أو
عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما داراً على
حدة، وعن أبى يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل
القول الأول ( جعلوا أصابعهم فى آذانهم واستغشوا ثيابهم ) فعلى القول الأول بين أن الجزاء
لكل مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روى
مرفوعاً ، ويدل عليه قوله تعالى ( وملکا کبیراً) ويحتمل أن يراد لکل مکلف جنات ، كما روى
عن أبى يوسف وعليه يدل القرآن، لأنه قال ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ثم قال ( ومن دونهما
جنتان) فذكر أربعاً للواحد، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله، وذلك البكاء إنما نزل من
أربعة أجفان اثنان دون الاثنين، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات، لسكبه
البكاء من أربعة أجفان، ثم إنه تعالى قدم الخوف فى قوله ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) وأخر
الخوف فى هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله ( ذلك لمن خشى ربه) وفيه اشارة إلى أنه لا بد من
(١) الصواب أن يقل: قابل المفرد بالجمع فالمفرد هنا لفظ جزاء والجمع لفط جنات.

٥٥
قوله تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه .. سورة البينة .
دوام الخوف ، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال، وأما بعد العمل فالحاصل خوف
الخلال، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة .
المسألة السادسة) قوله (عدن) يفيد الاقامة ( لا يخرجون منها) (وماهم منها بمخرجين)
(لا يبغون عنها حولا ) يقال عدن بالمكان أقام ، وروى أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل عدن
من المعدن أى هى معدن النعيم والأمن والسلامة، قال بعضهم إنها سميت جنة إما من الجن أو
الجنون أو الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون
العالم فى ساعة واحدة فكانه تعالى قال إنها فى إيصال المكلف إلى مشتهياته فى غاية الإسراع.
مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل
يصير كالمجنون ، لولا أن الله بفضله يثبته، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار، أو من
الجنين ، فلأن المكلف يكون فى الجنة فى غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر (لايرون
فيها شمساً ولازمهرير أ).
﴿ المسألة السابعة﴾قوله (تجرى) إشارة إلى أن الماء الجارى ألطف من الراكد، ومن ذلك
النظر إلى الما الجارى ، يزيد نوراً فى البصر بل كأنه تعالى قال: طاعتك كانت جارية ما دمت حياً
على ماقال ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فوجب أن تكون أنهار إكرامى جارية إلى الأبد، ثم
قال من تحتها إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص فى البستان ، أما بسبب عدم الماء
الجارى فذكر الجرى الدائم، وإما بسبب الغرق والكثرة، فذكر من تحتها، ثم الألف واللام فى الأنهار
للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة فى القرآن ، وهى نهر الماء واللبن والعسل والخمر ،
واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء، فلا تسمى الساقية نهراً، بل العظيم هو الذى يسمى نهراً
بدليل قوله (وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار) فعطف ذلك على البحر.
المسألة الثامنة) اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولا
والرضا ثانياً، وروى أنه عليه السلام قال «إن الخلود فى الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة
(أما الصفة الأولى) وحتى الخلود، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات
النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثه إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور
ثلاثة اعتقاد وقول وعمل .
﴿ وأما الصفة الثانية ) وهى الرضا، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح، لجنة الجسد هى
الجنة الموصوفة وجنة الروح هى رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره
من عالم العقل والروح، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله، ثم إنه قدم رضى الله
عنهم على قوله (ورضوا عنه) لأن الأزلى هو المؤثر فى المحدث ، والمحدث لا يؤثر فى الآزلى.
﴿ المسألة التاسعة﴾ إنما قال ( رضى الله عنهم) ولم يقل رضى الرب عنهم ولا سائر الأسماء

٥٦
قوله تعالى : ذلك لمن خشي ربه . سورة البينة .
لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله، لأنه هو الإسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعنى
صفات الجلال وصفات الإكرام، فلو قال رضى الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن
المربى قد يكتفى بالقليل ، أمالفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة، وفى مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا
إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله ( رضى الله عنهم ) يفيد قطرية فعل العبد من هذه الجهة.
﴿ المسألة العاشرة﴾ اختلفوا فى قوله (رضى الله عنهم) فقال بعضهم معناه رضى أعمالهم،
وقال بعضهم المراد رضى بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ،
وهذا هو الأقرب، وأما قوله ( ورضوا عنه) فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب.
قوله تعالى : ﴿ ذاك لمن خشى ربه ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الخوف فى الطاعة حال حسنة قال تعالى (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم
وجلة) ولعل الخشية أشد من الخوف، لأنه تعالى ذكره فى صفات الملائكة مقروناً بالإشفاق
الذى هو أشد الخوف فقال (ثم من خشية ربهم مشفقون) والكلام فى الخوف والخشية مشهور.
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا على فضل العلم
والعلماء، وذلك لأنه تعالى قال (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فدلت هذه الآية على أن العالم
يكون صاحب الخشية، وهذه الآية وهى قوله ( ذلك لمن خشى ربه) تدل على أن صاحب الخشية
تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم: هذه الآية تدل على أن المرء لا ينهى إلى حد يصير معه آمناً
بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذه الآية دالة عليه. وهذا المذهب غير قوى. لأن الأنبياء
عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية الله تعالى، كما قال
عليه الصلاة والسلام ((أعرفكم بالله أخوفكم من الله، وأنا أخوفكم منه)) والله سبحانه وتعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

٥٧
سورة الزلزلة
(٩٩) سُورَةِ الزّالزَلِزْ مَدِبِيَّة
وَآيَاتُهَائِمَاتِ،
13
بِسْـ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَمَا
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا فى المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجوهاً
(أحدما) أنه تعالى لما قال (جزاؤهم عند ربهم) فكان المكلف قال ومتى يكون ذلك يارب
فقال: (إذا زلزت الأرض زلزالها) فالعالمون كلهم يكونون فى الخوف، وأنت فى ذلك الوقت
تنال جزاؤك وتكون آمناً فيه، كما قال (وهم من فزع يومئذ آمنون) (وثانيها) أنه تعالى لما ذكر
فى السورة المتقدمة وعید الكافر ووعد المؤمن أراد أن یزید فى وعيدالكافر ، فقال: أجازیه حین
يقول الكافر السابق ذكره، ماللأرض تزلزل ، نظيره قوله ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)
ثم ذكر الطائفتين فقال (فأما الذين أسودت وجوههم) (وأما الذين ابيضت وجوههم) ثم جمع
بينهما فى آخر السورة فذكر الذرة من الخير والشر.
المسألة الثانية) فى قوله (إذا) بحثان ( أحدهما ) أن لقائل أن يقول (إذا) لوقت فكيف
وجه البداية بها فى أول السورة؟ (وجوأنه) من وجوه (الأول) كانوا يسألونه متى الساعة ؟ فقال:
(إذا زلزلت الأرض) كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكنى أعينه بحسب علاماته،
(الثانى) أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها فى هذه
الساعه جماد فكانه قيل: متى يكون ذلك؟ فقال (إذا زلزلت الأرض )
﴿البحث الثانى) قالوا كلمة (إن) فى المجرز، (وإذا) فى المقطوع به، تقول: إن دخلت الدار
فأنت طالق لأن الدخول يجوز، أما إذا أردت التعليق بما يوجد «طعاً لا تقول، إن بل تقول.
إذا [نحو إذا] جاء غد فأنت طالق لأنه يوجد لا محالة. هذا هو الأصل، فإن استمل على خلافه.
فجاز ، فلما كان الزلزال مقطوعاً به قال (إذا زلزلت ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر والزلزال بالفتح الاسم، وقد قرى.
بهما، وكذلك الوسواس هو الإسم أى اسم الشيطان الذى يوسوس إليك، والوسواس بالكسر

٥٨
قوله تعالى : وأخرجت الأرض اثقالها . سورة الزلزلة .
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَمَا
المصدر ، والمعنى: حركت حركة شديدة، كما قال (إذا رجت الأرض رجاً) وقال قوم : ليس
المراد من زلزلت حركت ، بل المراد: تحر كت واضطربت ، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها فى
جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر ، ولأن هذا أدخل فى التهويل كأنه تعالى يقول إن الجماد
ليضطرب لأوائل القيامة، أما آن لك أن تضطرب وتقيقظ من غفلتك ويقرب منه (لرأيته
خاشعاً متصدعاً من خشية الله) واعلم أن زل للحركة المعتادة، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة،
لما فيه من معنى التكرير، وهو كالصرصر فى الريح، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى
بالعظم فقال ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم) .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال مجاهد: المراد من الزلزلة المذكورة فى هذه الآية النفخة الأولى
كقوله ( يوم ترجف الراجفة، تتبعها الزادفة ) أى تزلزل فى النفخة الأولى ، ثم تزلزل ثانياً
فنخرج موتاها وهى الأثقال ، وقال آخرون : هذه الزلزلة هى الثانية بدليل أنه تعالى جعل من
لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها، وذلك إنما يكون فى الزلزلة الثانية.
المسألة الخامسة﴾ فى قوله (زلزالها) بالإضافة وجوه (أجدها) القدر اللائق بها فى
الحكمة؛ كقولك: أكرم التقى إ كرامه وأهن الفاسق إهانته ، تريد ما يستوجبانه من الإكرام
والإهانة ( والثانى ) أن يكون المعنى زلز الهاكله وجميع ما هو ممكن منه، والمعنى أنه وجد من
الزلزلة كل ما يحتمله المحل (والثالث) (زلزالها) الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير
الحى، تقريره ماروى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحى.
أما قوله ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ ففيه مسألتان:
المسألة الأولى) فى الأثقال قولان (أحدهما) أنه جمع ثقل وهو متاع البيت ( وتحمل
أثقالكم) جعل مافى جوفها من الدفان أثقالا لها، قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت فى
بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، وقيل سمى الجن والإنس بالثقلين
لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا فى بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها ، ثم قال المراد من هذه
الزلزلة، الزازلة الأولى يقول: أخرجت الأرض أثقالها، يعنى الكنوز فيمتلى. ظهر الأرض
ذهباً ولا أحد يلتفت إليه ، كأن الذهب يصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلى! أو
تكون الفائدة فى إخراجها كما قال تعالى ( يوم بحمى عليها فى نار جهنم ) ومن قال المراد من هذه
الزلزلة الثانية وهى بعد القيامة. قال تخرج الأثقال يعنى الموتى أحياء كالأم تلده حياً، وقيل تلفظه
الأرض ميتاً ، كما دفن ثم يحييه اللّه تعالى (والقول الثانى) أثقالها: اسرارها فيومئذ تكشف
الأسرار، ولذلك قال ( يومئذ تحدث أخبارها ) فنشهد لك أو عليك .

٥٩
قوله تعالى : وقال الانسان ما لها . سورة الزلزلة .
٢
وَقَالَ الْإِنسَنُ مَالَهَا
لا
يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾
﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى قال فى صفة الأرض (ألم نجعل الأرض كمفاتاً) ثم صارت بحال
ترميك وهو تقرير لقوله ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت) وقوله ( يوم يفر المرء).
قوله تعالى: ﴿وقال الإنسان ما لها ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما فى بطنها، وذلك إما عند
النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن ، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها
من الأموات
المسألة الثانية﴾ قيل هذا قول الكافر وهو كما يقولون ( من بعثنا من مرقدنا) فأما المؤمن
فيقول (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) وقيل بل هو عام فى حق المؤمن والكافر أى
الإنسان الذى هو كنود جزوع ظلوم الذى من شأنه الغفلة والجهالة: يقول مالها وهو ليس بسؤال
بل هو للتعجب ، لما يرى من العجائب التى لم تسمع بها الآذان . ولا تطلق بها لسان، ولهذا قال
الحسن إنه للكافر والفاجر معاً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما قال (مالها) على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه، كأنه
يقول: يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعنى يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت
الأرض كذلك فالكفاريقولون هذا الكلام والمؤمنون يقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن
أما قوله تعالى ﴿ يومئذ تحدث أخبارها) فاعلم أن ابن مسعود قرأ ( تنى. أخبارها) وسعيد
ابن جبير تذيء (٤) ثم فيه سؤالات
﴿الأول) أين مفعولا تحدث؟ (الجواب) قدحذف أولهما والثانى أخبارها وأصله تحدث
الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيما .
﴿ السؤال الثانى) ما معنى تحديث الأرض؟ قلنا فيه وجوه: (أحدها) وهو قول أبى مسلم
يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة
فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت (والثانى)
وهو قولالجمهور أن اللهتعالى يجعل الأرض حيواناً عافلا ناطفاً ويعرفها جميعماعمل أهلها حينئذ تشهد
لمن أطاع وعلى من عصى، قال عليه السلام ((أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها)) ثم تلا هذه
الآية وهذا على مذهبناغير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطاً لقبول الحياة، فالأرض مع بقائها على
شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة
(١) الخلاف بين القراءتين ليس فى الرسم وإنما فى القراءة فاحدى القراءتين بكسر الباء مخففة والثانية بتشديدها.

٦٠
قوله تعالى : يومئذ يصدر الناس أشتاتاً . سورة الزلزلة .
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى تَمَا يَّ يَوْمَهِدِ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ()
و تشکر من أطاع الله ، فتقول إن فلاناً صلى وز کی و صام وحج فی، وإن فلاناً کفر وزنی وسرق
وجار، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار ، وكان على عليه السلام: إذا فرغ بيت المال صلى فيه
ركعتين ويقول: لتشهدن أنى ملأتك يحق وفرغك بحق ( والقول الثالث ) وهو قول المعنزلة أن
الكلام يجوز خلقه فى الجماد ، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى فى الأرض حال كونها جماداً أصواتاً
مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى .
( السؤال الثالث) إذا ويومئذ ماناصبهما؟ (الجواب) يومئذ بدل من إذا وناصبهما تحدث
( السؤال الرابع) لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه هذا اللفظ
(الجواب) أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته.
أما قوله تعالى ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ ففيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول) بم تعلقت الباء فى قوله (بأن ربك)؟ (الجواب) بتحدث، ومعناه تحدث
أخبارها بسبب إيحاء ربك لها .
﴿ السؤال الثانى) لم لم يقل أوحى إليها؟ (الجواب) فيه وجهان (الأول) قال أبو عبيدة
((أوحى لها القرار فاستقرت))
(أوحى لها ) أى أوحى إلها وأنشد العجاج:
(الثانى) لعله إنما قال لها أى فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك إلى التشفى من العصاة.
قوله تعالى: ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم ﴾ الصدور ضد الورد فالوارد
الجائى والصادر المنصرف واشئاتاً متفرقين، فيحتمل أن يردوا الأرض، ثم يصدرون عنها الأرض
إلى عرصة القيامة، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب
والعقاب، فإن قوله (أشتاناً) أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثانى، وقوله
(ليروا أعمالهم) أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة فى الصحائف أقرب إلى الحقيقة
من رؤية جزاء الأعمال، وإن صح أيضاً أن يحمل على رؤية جزاء الأعمال، وقوله (أشتاتاً) فيه وجوه
(أحدها ) أن بعضهم يذهب إلى الموقف راكبا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادى ينادى
بين يديه: هذا ولى الله، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال
والمنادیینادی بین یدیه هذا عدر الله ( و ثانيها) أشتاتاً أى كل فريق مع شكله اليهودى مع اليهودى
والنصرانى مع النصرانى (وثالثها ) أشتانا من أقطار الأرض من كل ناحية، ثم إنه سبحانه ذكر
المقصود وقال ( ليروا أعمالهم ) قال بعضهم: ليروا صحائف أعمالهم ، لأن الكتابة يوضع
بين يدى الرجل فيقول هذا طلافك وبيك هل تراه والمرئى وهو الكتاب وقال آخرون: لیروا
جزاء أعمالهم، وهو الجنة أو النار، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق ، فكأنه