Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزّازى
الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِع الغَيب
للإمَام محمَّ الَّزى مر الّين ابن العلامه ضياءالدين عمر
الشّهر بنخطيب الرِى نَفَعَ اللّهبالمنيمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجزء الثّانِى التَّلَاثُنُ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

٢
سورة الشرح
الجُبّزة
(٩٤) سُورَةِ الشِرِعْ مَكِيَّة
وَآيَاتِهَا شَانِ،
يروى عن طاووس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان هذه السورة وسورة الضحى سورة
واحدة وكانا يقرآنهما فى الركعة الواحدة وما كاما يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم والذى
دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى (ألم نشرح لك ) كالعطف على قوله ( ألم يجدك يتيما ) وليس
كذلك لأن (الأول) كان نزوله حال اغتمام الرسول بواقع من إيذاء الكفار فكانت حال محنة وضيق
صدر ( والثانى ) يقتضى أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب ، فأنى يجتمعان.
13
بشـ
أَرْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ألم نشرح لك صدرك
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ، فكانه قيل : شرحنا
لك صدرك، وفى شرح الصدر قولان:
( الأول) ما روى أن جبريل عليه السلام أناه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه
من المعاصى ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه فى صدره .
واعلم أن القاضى طعن فى هذه الرواية من وجوه: (أحدها) أن الرواية أن هذه الواقعة
إنما وقعت فى حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات ، فلا يجوز أن تتقدم نبوته (وثانيها )
أن تأثير الغسل فى إزالة الأجسام، والمعاصى ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ( ثالثها)
أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل اللّه تعالى يخلق فيه العلوم (والجواب) عن (الأول) أن تقويم
المعجز على زمان البعثة جائز عندنا ، وذلك هو المسمى بالإرهاص ، ومثله فى حق الرسول عليه
السلام كثير .
وأما ( الثانى والثالث ) فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذى غسلوه من قلب
الرسول عليه السلام علامة للقلب الذى يميل إلى المعاصى ، وبحجم عن الطاعات ، فإذا أزالوه
عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظباً على الطاعات محترزاً عن السيئات؛ فكان ذلك كالعلامة
للملائكة على كون صاحبه معصوما ، وأيضاً فلأن الله تعالى يفعل مايشاء ويحكم مايريد

٣
قوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك . سورة الشرح .
البَلاثُونْ
﴿ والقول الثانى) أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة، ثم ذكروافيه وجوهاً
(أحدها) أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس
والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شىء
احتمله من المشاق، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وماترك فيه إلا هذا الهم الواحد، فما كان
يخطر بباله هم النفقة والعيال، ولا يبالى بما يتوجه إليه من إيذائهم، حتى صاروا فى عينهدون الذباب
لم يحبن خوفاً من وعيدهم، ولم يمل إلى مالهم، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا
وكمال الآخرة، ونظيره قوله (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل
صدره ضيقاً حرجاً) وروى أنهم قالوا: يارسول الله أينشرح الصدر؟ قال نعم، قالوا وما علامة ذلك؟
قال ((التجافى عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله)) وتحقيق القول
فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعبده يوجب للانسان الزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة
والاستعداد للموت (وثانيها ) أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا
يضجر ولا يتغير، بل هو فى حالتى البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به، والشرح
التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم، والعرب تسمى الغم والهم ضيق صدر كقوله ( ولقد نعلم أنك
يضيق صدرك ) وههنا سؤالات:
( الأول ) لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ (والجواب) لأن محل الوسوسة هو الصدر على
ما قال ( يوسوس فى صدور الناس ) بإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعى الخير هى الشرح، فلا
جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن على الترمذى : القلب محل العقل
والمعرفة ، وهو الذى يقصده الشيطان ، فالشيطان يحى. إلى الصدر الذى هو حصن القلب ، فإذا وجد
مسلكا أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا
يجد للطاعة لذة ولا الاسلام حلاوة، وإذا طرد العدو فى الابتداء منع وحصل الأمن ويزول
الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية .
﴿السؤال الثانى) لم قال (ألم نشرح لك صدرك) ولم يقل ألم نشرح صدرك؟ (والجواب)
من وجهين ( أحدهما ) كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلى كما قال
(إلا ليعبدون، أقم الصلاة لذكرى) فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك (وثانيها) أن فيها تنبيهاً على
أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام، كأنه تعالى قال إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلى.
﴿السؤال الثالث) لم قال ( ألم نشرح) ولم يقل ألم أشرح ؟ (والجواب) إن حماناه على نون
التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل
العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدى
بل أعملت فيه ملائكتى، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوى قلبك، فأديت

٤
قوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك . سورة الشرح .
٣
الَّذِىّ أَنقَضَ ظَهْرَكَ
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ
الرسالة وأنت قوى القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جواباً، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا
منك، فسبحان من جعل قوة قلبك جبناً فيهم، وانشراح صدرك ضيقاً فيهم ..
قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك، الذى أنقض ظهرك ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال المبرد هذا محمول على معنى ألم نشرح لا على لفظه، لأنك لا تقول ألم
وضعنا ولكن معنى ألم نشرح قد شرحنا، حمل الثانى على معنى الأول لا على ظاهر اللفظ ، لأنه
لو كان معطوفاً على ظاهره لوجب أن يقال ونضع عنك وزرك .
﴿ المسألة الثانية) معنى الوزر ثقل الذنب، وقد مر تفسيره عند قوله (وهم يحملون أوزارهم)
وهو كقوله تعالى ( ليغفر الله لك ما تقدم من ذنيك وما تأخر).
وأما قوله (أنقص ظهرك) فقال علماء اللغة الأصل فيه أن الظهر إذا أثقل الحمل سمع له نقيض
أى صوت خفى، وهو صوت المحامل والرحال والأضلاع، أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما
كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوزاره.
﴿ المسألة الثالثة) احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام ( والجواب)
عنه من وجهين (الأول) أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية
عليها، لا يقال إن قوله (الذى أنقض ظه ك) يدل على كونه عظيما. فكيف يليق ذلك بالصغائر،
لأنا نقول: إنما وصف ذلك بإ قاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبى صير اليه بوقوعه منه
وتحسره مع ندمه عليه، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم ، فيجوز
لذلك ما ذكره الله تعالى. هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال، وهو أن العفو عن
الصغيرة واجب على اللّه تعالى عند القاضى، والله تعالى ذكر هذه الآية فى معرض الامتنان،
ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز (الوجه الثانى) أن يحمل ذلك على غير الذنب،
وفيه وجوه (أحدها) قال قتادة: كانت النبى يَ ◌ّع ذنوب سلفت منه فى الجاهلية قبل النبوة، وقد
أثقلته فغفرها له (وثانيها) أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التى تنقل الظهر من القيام بأمرها
وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها ، فسهل الله تعالى ذلك عليه ، وحط عنه ثقلها بأن يسرها
عليه حتى تيسرت له ( وثالثها ) الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل، وكان لا يقدر على
منعهم إلى أن قواه الله، وقال له (أن اتبع ملة إبراهيم). (ورابعها) أنها ذنوب أمته صارت
كالوزر عليه، ماذا يصنع فى حقهم إلى أن قال (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) فأمنه من العذاب
فى العاجل ، ووعد له الشفاعة فى الآجل ( وخامسها) معناه عصمناك عن الوزر الذى ينقض
ظهرك ، لو كان ذلك الذنب حاصلاء فسمى العصمة وضعاً مجازاً، فمن ذلك ما روى أنه حضر ولمة

قوله تعالى : ورفعنا لكِ ذكرك . سورة الشرح .
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع ، فضرب اللّه على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد
( وسادسها) الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع فى أول لملاقاة جبريل عليه السلام ، حين أخذته
الرعدة، وكاد يرمى نفسه من الجبل ، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمى بنفسه من الجبل لشدة
اشتياقه ( وسابعها) الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرحدة،
ثم قواه اللّه تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، و[هو] يقول ((اللهم اهد قومى)) (وثامنها)
لئن كان نزول السورة بعد موت أبى طالب وخديجة ، فلقد كان فراقهما عليه وزراً عظيما ، فوجضغ
عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر ، فلذلك قال (ورفعنالك
ذكرك) (وتاسعها) أن المزاد من الوزر والثقل الحيرة التى كانت له قبل البعثة، وذلك أنه بكمال
عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة
والعقل وأنواع النعم، نقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه عليه السلام كان يرى أن
نعم الله عليه لا تنقطع، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة والتكليف.
وعرف أنه كيف ينبغى له أن يطيع ربه، حينئذ قل حياؤه وسهات عليه تلك الأحوال، فإن اللتيم
لا يستحى من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، والإنسان الكريم النفس إذا دمر الإنعام عليه
وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة ، فإنه يثقل ذلك عليه جداً، بحيث يميته الحاء ، فإذا كافه.
المنعم بنوع خدمه سهل ذلك عليه وطاب قلبه .
ثم قال تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك
وأعلم أنه عام فى كل ما ذكروه من النبوة، وشهرته فى الأرض والسموات، اسمه مكتوب على
العرش، وأنه يذكرمعه فى الشهادة والقشهد، وأنه تعالى ذكره فى الكتب المتقدمة، وانتشارذ كره فى
الآفاق، وأنه ختمت به النبوة، وأنه يذكر فى الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل، وعند الختم وجعل
ذكره فى القرآن مقرونابذ کره ( والله ورسوله أحق أن يرضوه)، (ومن يطع الله ورسوله). و(أطيعوا
الله وأطيعوا الرسول) ويناديه باسم الرسول والنبى، حين ينادى غيره بالاسم باموسى باعيى، وأيضاً
جعله فى القلوب بحيث يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى (سيجعل لهم الرحمن وداً) كأنه تعالى
يقول: أملاً العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك . بل مامن فريضة من
فرائض الصلاة إلا ومعه سنة فهم يمتثلون فى الفريضة أمرى، وفى السنة أمرك وجعلت طاعتك
طاعتى وبيعتك بيعتى (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ( إن الذين يبابعونك إنما يبايعون الله)
لا تأنف السلاطين من اتباعك ، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك ،
فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معانى فرقانك، والوعاظ يبلغون وعظك
:

٦
قوله تعالى : أن مع العسر يسرا . سورة الشرح .
فَإِنَّ مَعَ الْمُسْرِ يُسْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِيُسْرًا
بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك ، ويسلمون من وراء الباب عليك ، ويمسحون وجوههم
بتراب روضتك ، ويرجون شفاعتك. فشرفك باق إلى يوم القيامة .
قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشر كين كانوا يعيرون رسول الله
رائع بالفقر، ويقولون إن كان غرضك من هذا الذى تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون
كاً يسر أهل مكة، فشق ذلك على رسول الله ي لائم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبواعن الإسلام
لكونه فقيراً حقيراً عندهم ، فعدد اللّه تعالى عليه مننه فى هذه السورة، وقال (ألم نشرح لك
صدرك، ووضعنا عنلا وزرك ) أى ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى فى الدنيا
ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذى بسبب أنهم عيروه بالفقر , والدليل عليه دخول الفاء فى
قوله ( فإن مع العسر يسراً) كانه تعالى قال: لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة ، فإنه
يحصل فى الدنيا يسر كامل .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال ابن عباس: يقول الله تعالى: خلقت عسراً واحداً بين يسرين، فلن
يغلب عسر يسرين، وروى مقاتل عن النبى عليه الصلاة والسلام أنه قال ((لن يغلب عسر
يسرين)، وقرأ هذه الآية، وفى تقرير هذا المعنى وجهان (الأول) قال الفراء والزجاج: العسر
مذ كور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة ، فيكون المراد بالعسر
فى اللفظين شيئاً واحداً. وأما اليسر فإنه مذ كور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر،
وزيف الجرجانى هذا وقال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً ، يلزم أن
يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية ( الوجه
الثانى) أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى، كما كرر قوله (ويل يومئذ للمكذبين) ويكون
الغرض تقرير معناها فى النفوس وتمكينها فى القلوب ، کما يكرر المفرد فى قولك : جانی زید زيد ،
والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد، ويسر الآخرة وهو ثواب
الجنة ، لقوله تعالى ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) وهما حسن الظفر وحسن الثواب،
فالمراد من قوله ((لن يغلب عسر يسرين)) هذا، وذلك لأن عر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا ،
ويسرا الآخرة كالمغمور القليل ، وههنا سؤالان :
﴿ الأول) ما معنى التفكير فى اليسر؟ (جوابه) التفخيم، كأنه قيل: إن مع اليسر يسراً ،
إن مع العسر يسراً عظيما، وأى يسر .
﴿ السؤال الثانى) اليسر لا يكون مع العسر، لأنهما ضدان فلا يجتمعان (الجواب) لما

٧
قوله تعالى : فإذا فرغت فانصب . سورة الشرح .
وَ إِلَى رَبِّكَ فَرْغَب
فَإِذَا فَرَغْتَ فَآَنصَبْ
كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل ، كان مقطوعاً به نجعل كالمقارن له .
ثم قال تعالى ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه
السالفة، ووعدهم بالنعم الآتية ، لا جرم بعثه على الشكر والاجتهاد فى العبادة، فقال: فإذا (فرغت
فانصب) أى فانعب يقال نصب ينصب ، قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة
المكتوبه (فانصب إلى ربك) فى الدعاء، وارغب إليه فى المسألة يعطك، وقال الشعبى: إذا فرغت
من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وقال مجاهد: إذَا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل ، وقال
عبد الله إذا فرغت من الفرائض فانصب فى قيام الليل ، وقال الحسن إذا فرغت من الغزو فاجتهد
فى العبادة، وقال على بن أبى طلحة إذا كنت صحيحاً فانصب، يعنى اجعل فراغك نصباً فى العبادة
يدل عليه ماروى أن شريحاً مر برجلين يتصارعان، فقال: الفارغ ما أمر بهذا إنما قال اللّه (فإذا
فرغت فانصب ) وبالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات وبعض، وأن لا يخلى وقتاً من أوقاته
منها ، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى .
وأمّا قوله تعالى ﴿ وإلى ربك فارغب﴾ ففيه وجهان (أحدهما) اجعل رغبتك إليه خصوصاً
ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه ( وثانيها ) أرغب فى سائر ما نلتمسه ديناً ودنيا ونصرة على
الأعداء إلى ربك ، وقرى. فرغب أى رغب الناس إلى طلب ما عنده، والله سبحانه وتعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

٨
سورة التين
جم
(٩٥) سُورة التِّبْنِ مَكَيَّة
وَأَيَاتِهَاشَاتُ،
بِسُـ
◌ِِّلَعْدِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالَّيْتُونِ ﴾ وَطُورٍ سِبِنِينَ ﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأُمِينِ
٢
بسم الله الرحمن الرحيم
والتين والزيتون ، وطور سيتين، وهذا البلد الأمين
اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة، فكيف يلق أن يقسم الله
تعالى بهما؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان :
﴿الأول) أن المزاد من التين والزيتون هذان الشيآن المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم
وزيتونكم هذا ، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء .
أما التين فقالوا إنه غذاء وفا كهة ودواء، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع
الهضم لا يمكث فى المعدة يلين الطبع ويخرج بطريق الترشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل
مافى المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها ،
وروى أنه أهدى الرسول وين طبق من تين فأكل منه، ثم قال لأصحابه «كلوافلو قلت إن فاكهة
نزلت من الجنة لقلت هذه لأننا كهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس»
وعن على بن موسى الرضا عليهما السلام: التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج،
وأما كونه دواء، فلأنه يتداوى به فى إخراج فضول البدن .
واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص: (أحدما ) أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره
قشر ولا کالتمر باطنه قشر ، بل نقول إن من الثمار ما يخبث ظاهره ويطيب باطنه . كالجوز والبطيخ
ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالنمر والإجاص
أما التين فأنه طيب الظاهر والباطن (وثانيها ) أن الأشجار ثلاثة شجرة تعد وتخلف وهى
شجرة الخلاف، وثانية تعد وتفى وهى التى تأتى بالنور أولا بعده بالثمرة كالتفاح وغيره ، وشجرة
تبذل قبل الوعد، وهى التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد، بل لو غيرت العبارة لقلت هى
شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى ، بل لك أن تقول إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد
أو بورق ، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها، ثم بغيرها، أما شجرة التين فانها تهتم بغيرها
,٠

٩
قوله تعالى : والتين والزيتون . سورة التين .
قبل اهتمامها بنفسها ، فسائر الأشجار كارباب المعاملة فى قوله عليه السلام ((أيد بنفسك ثم بمن
تعول)) وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه ، بل من
الذين أثنى الله عليهم فى قوله (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، (وثالثها) أن من
خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا أسقطت الثمرة من موضعها لم تعد فى تلك السنة ،
إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى (ورابعها) أن النين فى النوم رجل
خير غنى فمن نالها فى المنام نال مالا وسعة ، ومن أكلها رزقه الله أولاداً (وخامسها ) روى أن
آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين ، وروى أنه لما نزل وكان متزراً
بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين ، فرزقها الله الجمال
صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا ، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال
ما أعجبها ، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله حالها
إلى الجمال دون المسك، وذلك لأن الأولى جاءت الآدم لا لأجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت
للطمع سراً وإلى آدم ظاهرة ، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن، وأما الزيتون فشجرته هى
الشجرة المباركةفاكهة من وجه و إدام من وجه ودواء من وجه، وهى فى أغلب البلاد لاتحتاج إلى
تربية الناس ، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك ، بل هى غذاء السراج أيضاً وتولدها فى الجبال
التى لا توجد فيها شىء من الدهنية البتة، وقيل من أخذ ورق الزيتون فى المنام استمسك بالعروة
الوثقى، وقال مريض لابن سيرين ، رأيت فى المنام كأنه قيل لى كل اللامين تشف، فقال كل الزيتون
فإنه لا شرقية ولاغربية، ثم قال المفسرون: التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه
المنافع الجليلة ، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه
المصالح والمنافع .
﴿ القول الثانى) أنه ليس المراد هاتين التمرتين، ثم ذكروا وجوهاً (أحدها) قال ابن عباس
هما جبلان من الأرض المقدسة، يقال لهما بالسريانية طور تينا، وطور زيتا، لأنهما منبتا اللتين
والزيتون، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء ، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام .
والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بنى إسرائيل، والطور مبعث موسى عليه السلام، والبلد الأمين
مبعث محمد بهّ الي، فيكون المراد من القسم فى الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم ( وثانيها)
أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ثم قال ابن زيد التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت
المقدس ، وقال آخرون التين مسجد أصحاب أهل الكف، والزيتون مسجد إيليا ، وعن ابن عباس
التين مسجد نوح المبنى على الجودى ، والزيتون مسجد بيت المقدس، والقائلون بهذا القول إنما
ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة ، فلما كانت هذه المساجد فى
هذه المواضع التى يكثر فيها التين والزيتون ، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون (وثالثها )

١٠
قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . سورة التين .
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِىَ أَحْسَنِ تَقْوِيٍ
المراد من التين والزيتون بلدان ، فقال كعب التين دمشق والزيتون بيت المقدس ، وقال شهر
ابن حوشب التين الكوفة، والزيتون الشام ، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان ،
والقائلون بهذا القول، إنما ذهبوا إليه لأن اليهودوالنصارى والمسلمين ومشر كى قريش كل واحد
منهم يعظم بلدة من هذه البلاد، فالله تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها، أو يقال إن دمشق وبيت
المقدس فيهما نعم الدنيا، والطور ومكة فيهما نعم الدين .
أما قوله تعالى ( وطور سينين ) فالمراد من ( الطور ) الجبل الذى كلم الله تعالى موسى عليه
السلام عليه، واختلفوا فى (سينين ) والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين
للمكان الذى حصل فيه الجبل أو ضيفا إلى ذلك المكان ، وأما المفسرون فقال ابن عباس فى رواية
عكرمة (الطور ) الجبل (وسينين) الحسن بلغة الحبشة، وقال مجاهد ( سينين) المبارك، وقال
الكلى هو الجبل المشجر ذو الشجر، وقال مقاتل كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا
بلغة النبط قال الواحدى ، والأولى أن يكون سينين اسما للمكان الذى به الجبل، ثم ذلك
سمى سيتين أو سينا لحسنه أو لكونه مباركا، ولا يجوز أن يكون سينين نعتاً للطور لإضافته إليه.
أما قوله تعالى (وهذا البلد الأمين) فالمراد مكة والأمين: الآمن قال صاحب الكشاف من أمن
الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ، ويجوز أن
يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن فى قوله ( حرماً آمناً)
يعنى ذا أمن، وذكروا فى كونه أميناً وجوهاً (أحدها ) أن الله تعالى حفظه عن الفيل
على ما يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى ( وثانيها ) أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند
الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها ( وثالثها) ماروى أن
عمر كان يقبل الحجر، ويقول إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللّه مؤ يتم يقبلك
ما قبلتك ، فقال له على عليه السلام إما أنه يضر وينفع إن الله تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق
كتبه فى رق أبيض ، وكان لهذا الركن يومئذلسان وشفتان وعينان، فقال افتح فاك فألقمه ذلك الرق
وقال تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة ، فقال عمر لا بقيت فى قوم لست فيهم يا أبا الحسن
ثم قال تعالى ﴿ لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾ المراد من الإنسان هذه الماهية
والتقويم تصبير الشىء على ما ينبغى أن يكون فى التألف والتعديل ، يقالٍ قومته تقويماً فاستقام
وتقوم، وذكروا فى شرح ذلك الحسن وجوهاً (أحدها) أنه تعالى خلق كل ذى روح مكباً على
وجهه إلا الإنسان فإنه تعالى خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده وقال الأصم فى اكمل عقل
وفهم وأدب وعلم وبيان ، والحاصل أن القول الأول راجع إلى الصورة الظاهرة، والثانى إلى

١١
قوله تعالى : ثم رددناه أسفل سافلين . سورة التين .
ثُمَ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَلَهُمْ
أَبْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ◌َمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
٧
السيرة الباطنة، وعن يحيى بن أ كثم القاضى أنه فسر التقويم بحسن الصورة، فإنه حكى أن ملك
زملانة خلا بزوجته فى ليلة مقمرة، فقال إن لم تكونى أحسن من القمر فأنت كذا ، فأفى الكل
بالحنث إلا يحي بن أكثم فإنه قال لا يحنث، فقيل له خالفت شيوخك، فقال الفتوى بالعلم ولقد
أفتى من هو أعلم منا وهو الله تعالى فإنه يقول (لقد خلقنا الإنسان. فى أحسن تقويم.) وكان بعض
الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا فى الأولى أحسن الأشكال، فأعطنا فى الآخرة أحسن الفعال ، وهو
العفو عن الذنوب ، والتجاوز عن العيوب .
أما قوله تعالى ﴿ ثم رددناہ أسفل سافلين ﴾ ففيه وجهان: (الأول) قال ابن عباس يريد
أرذل العمر، وهو مثل قوله يرد إلى أرذل العمر، قال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء والزمنى، ومن
لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلا، يقال سفل يسفل فهو سافل وهم سافلون ، كما يقال علا يعلو
فهو عال وهم عالون، أراد أن الهرم يخرف ويضعف سمعه وبصره وعقله وتقل حيلته ويعجز
عن عمل الصالحات ، فيكون أسفل الجمع، وقال الفراء: ولو كانت أسفل سافل لكان صوابا، لأن
لفظ الإنسان واحد، وأنت تقول هذا أفضل قائم ولا تقول أفضل قائمين، إلا أنه قيل
سافلين على الجمع لأن الإنسان فى معنى جمع فهو كقوله (والذى جاء بالصدق وصدق به أولتك
هم المتقون) وقال ( وإذا إذا أذقنا الإنسا منا رحمة فرح بها وإن تصبهم).
(والقول الثانى) ماذكره مجاهد والحسن ثم رددناه إلى النار، قال على عليه السلام وضع
أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل سافلين، وعلى هذا التقدير
فالمعنى ثم رددناه إلى أسفل سافلين إلى النار .
أما قوله تعالى ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فاعلم أن هذا الاستثناء على القول
الأول منقطع، والمعنى ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم وصبرهم
على ابتلاء اللّه أياهم بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة وعلى تخاذل بهوضهم ،
وأما على القول الثانى فالاستثناء متصل ظاهر الاتصال.
أما قوله تعالى ﴿ فلهم أجر غير منون﴾ ففيه قولان (أحدهما) غير منقوص ولا مقطوع
(وثانيهما) أجر غير منون أى لا يمن به عليهم ، وأعلم أن كل ذلك من صفات الثواب ، لأنه يحب
أن يكون غير منقطع وأن لا يكون منغصاً بالمنة .
ثم قال تعالى ﴿ فما يكذبك بعد بالدين ﴾ وفيه سؤالان:

١٢
قوله تعالى : اليس الله بأحكم الحاكمين . سورة التين .
٨
أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْحَّ الْحَكِينَ
﴿ الأولى) من المخاطب بقوله (فما يكذبك)؟ الجواب فيه قولان (أحدهما) أنه خطاب
للانسان على طريقة الالتفات، والمراد من قوله (فما يكذبك) أن كل من أخبر عن الواقع بأنه
لا يقع فهو كاذب، والمعنى فما الذى يلجئك إلى هذا الكذب (والثانى) وهو اختيار الفراء أنه
خطاب مع محمد رائع ، والمعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل بالدين.
﴿السؤال الثانى) ما وجه التعجب؟ (الجواب) أن خلق الإنسان من النطفة وتقويمه بشراً
سوياً وتدريجه فى مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوى ، تم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر
دليل واضح على قدرة الخالق على الحشر والنشر، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقى مصراً على إنكار
الحشر فلا شى. أعرب منه.
قوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحادين﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى) ذكروا فى تفسيره وجهين (أحدهما ) أن هذا تحقيق لما ذكر من خلق
الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر، يقول الله تعالى: أليس الذى فعل ذلك بأحكم الحاكين صنعا
وتدبيراً ، وإذل ثبتت القدرة والحكمة بهذه الدلالة صح القول بإمكان الحشر ووقوعه، أما الإمكان
فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح فى الحكمة، كما قال تعالى
( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا). (والثانى) أن هذا تنبيه
من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأنه يحكم بينه وبين خصومه يوم القيامة بالعدل .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضى هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح
ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، فإنه لو كان الفاعل لأفعال العباد هو اللّه تعالى
لكان كل سفه وكل أمر بسفه وكل ترغيب فى سقه فهو من اللّه تعالى ومن كان كذلك فهو أسفه
السفهاء ، كما أنه لاحكمة ولا أمر بالحكمة ولا ترغيب فى الحكمة إلا من اللّه تعالى، ومن كان
كذلك فهو أحكم الحكماء، ولما ثبت فى حقه تعال الأمران لم يكن وصفه بأنه أحكم الحكماء أولى من
وصفه بأنه أسفه السفهاء. ولما امتنع هذا الوصف فى حصه تعالى علمنا أنه ليس خالقاً لأفعال
العباد ( والجواب) المعارضة بالعلم والداعى ، ثم نقول: السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق
السفاهة ، كما أن المتحرك والساكن من قامت الحركة والسكون به لامن خلقهما، والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،

١٣
سورة العلق
(٩٦) سُورَة العَلِفِمَكِيَّة
وَآيَاتِها ◌ِشْع عَشِدَة
زعم المفسرون أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن وقال آخرون الفاتحة أول مانزل ثم سورة القلم
بِسْـ
-١
3
آقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اقرأ باسم ربك) اعلم أن فى الباء من قوله (باسم ربك) قولين (أحدهما ) قال أبو عبيدة
الباء زائدة، والمعنى: اقرأ اسم ربك، كما قال الأخطل :
هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ومعنى اقرأ اسم ربك، أى أذكر اسمه، وهذا القول ضعيف لوجوه (أحدها) أنه لو كان معناه
اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول ما أنا بقارى.، أى لا أذكر اسم ربى (وثانما ) أن هذا
الأمر لا يليق بالرسول، لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان
مشغولا به أبداً (وثالثها ) أن فيه تضييع الباء من غير فائدة .
﴿ القول الثانى) أن المراد من قوله (اقرأ) أى. اقرأ القرآن، إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه
قال تعالى (فإذا قر أناه فاتبع قرآنه) وقال (وقرآناً فرقنا لتقرأه على الناس على مكث) وقوله
(باسم ربك) يحتمل وجوهاً (أحدها ) أن يكون محل باسم ربك النصب على الحمال فيكون
التقدير: أقرأ القرآن مفتتحاً باسم ربك أى قل بسم الله ثم اقرأ، وفى هذا دلالة على أنه يجب قراءة
القسمیة فی ابتداء كل سورة کما أنزل الله تعالى وأمر به، وفى هذه الآية رد على من لا يرى ذلك
واجباً ولا يبتدى. بها ( وثانيها) أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعيناً باسم ربك كأنه يجعل
الاضم آلة فيما يحاوله من أمر الدين والدنيا، ونظيره كتبت بالقلم، وتحقيقه أنه لما قال له (اقرأ)
فقال له لست بقارى.، فقال ( اقرأ باسم ربك) أى استعن باسم ربك واتخذه آلة فى تحصيل هذا
الذى عسر عليك ( وثالثها) أن قوله (اقرأ باسم ربك ) أى اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله
كما تقول بنيت هذه الدار باسم الأمير وصنعت هذا الكتاب باسم الوزير ولأجله، فإن العبادة

١٤
قوله تعالى : اقرأ باسم ربك . سورة العلق
إذا صارت لله تعالى، فكيف يحترى الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى؟ فإن قيل كيف
يستمر هذا التأويل فى قولك قبل الأكل بسم الله، وكذا قبل كل فعل مباح؟ قلنا فيه وجهان
(أحدهما ) أن ذلك إضافة بجازية كما تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار اندفع بذلك ظلم الظلمة ،
كذا تضيف فعلك إلى الله ليقطع الشيطان طمعه عن مشار كتك، فقد روى أن من لم يذكر اسم
الله شاركه الشيطان فى ذلك الطعام (والثانى) أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى على طاعة
اللّه فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه .
أما قوله ( ربك ) فقيه سؤالان :
(أحدما) وهو أن الرب من صفات الفعل، والله من أسماء الذات واسماء الذات أشرف من
أسماء الفعل، ولأنا قد دلنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم الله أشرف من اسم الرب، ثم إنه تعالى
قال ههنا ( باسم ربك) ولم يقل اقرأ باسم الله كما قال فى القسمية المعروفة (بسم الله الرحمن الرحيم)
( وجوابه) أنه أمر بالعبادة، وبصفات الذات، وهو لا يستوجب شيئاً، وإنما يستوجب العبادة
بصفات الفعل ، فكان ذلك أبلغ فى الحث على الطاعة ، ولأن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل
على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع فاستماله ليزول الفزع ، فقال هو الذى رباك فكيف
يفزعك؟ فأفاد هذا الحرف معنيين (أحدهما ) ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل ( والثانى) أن
الشروع ملزم للاتمام، وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك، أى حين كنت علقا لم أدع تربيتك
فبعد أن صرت خلقاً نفياً موحداً عارفاً بى كيف أضيعك !
﴿ السؤال الثانى) ما الحكمة فى أنه أضاف ذاته إليه، فقال (باسم ربك)؟ (الجواب)
تارة يضيف ذاته إليه بالربوبية كما ههنا ، وتارة يضيفه إلى نفسه بالعبودية ، أسرى بعبده ، نظيره قوله
عليه السلام ((على منى وأنا منه)) كأنه تعالى يقول هولى وأما له، يقرره قوله تعالى (من يطع الرسول
فقد أطاع الله) أو نقول إضافة ذاته إلى عبده أحسن من إضافة العبد إليه، إذ قد علم فى الشاهد
أن مزله ابنان ينفعه أكبرهما دون الأصغر، يقول هو ابنى حسب لما أنه ينال منه المنفعة ، فيقول
الرب تعالى المنفعة تصل منى إليك، ولم تصل منك إلى خدمة ولاطاعة إلى الآن ، فأقول أما لك
ولا أقول أنت لى، ثم إذا أتيت بما طلبته منك من طاعة أو توبة أضفتك إلى نفسى فقلت أنزل
على عبده ( ياعبادي الذين أسرفوا).
﴿السؤال الثالث) لم ذكر عقيب قوله (ربك) قوله (الذى خلق)؟ (الجواب) كأن العيد
يقول ما الدليل على أنك ربى؟ فيقول لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما. ثم صرت موجوداً
فلا بدلك فى ذاتك وصفاتك من خالق، وهذا الخلق والإيجاد تربية فدل ذلك على أنى ربك
وأنت مربونى .

١٥
قوله تعالى : الذى خلق . سورة العلق .
الَّذِى خَلَقَ (﴾ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
قوله تعالى : ﴿ الذى خلق ، خلق الإنسان من علق ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون قوله (الذى خلق)
لا يقدر له مفعول ، ويكون المعنى أنه الذى حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه ( والثانى)
أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذى خلق كل شىء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلقٍ ، فليس
حمله على البعض أولى من حمله على الباقى، كقولنا الله أكبر، أى من كل شىء ، ثم قوله بعد ذلك
( خلق الإنسان من علق) تخصيص للانسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، إما لأن التعزبل إليه
أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض (والثالث) أن يكون قوله (اقرأباسم ربك الذي خلق) مبهماً
ثم فسره بقوله ( خلق الإنسان من علق) تفخيما لخلق الانسان ودلالة على عجيب فطرته .
﴿ المسألة الثانية) احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى، قالوا لأنه
سبحانه جعل الخالقية صفة ميزة لذات اللّه تعالى عن سائر الذوات ، وكل صفة هذا شأنها فإنه
يستحيل وقوع الشركة فيها ، قالوا وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هى القدرة على الاختراع
وما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله، فقال: ( وما رب العالمين) قال موسى (ربكم
ورب ابائكم الأولين) والربوبية إشارة إلى الخالقية التى ذكرها مهنا، وكل ذلك يدل على قولنا.
المسألة الثالثة﴾ اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله تعالى، أو النظر فى
معرفة الله أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم ، ثم إن الحكيم سبحانه لما
أراد أن يبعثه رسولا إلى المشر كين، لو قال له: اقرأ باسم ربك الذي لاشريك له، لأبوا أن يقبلوا
ذلك منه، لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجثهم إلى الاعتراف به كما يحكى إن زفر لما بعثه أبو حنيفة
إلى البصرة لتقرير مذهبه، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا إليه ، فرجع إلى أبى حنيفة.
وأخبره بذلك ، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ، لكن ارجع إليهم ، واذكر فى المسألة أقاويل
أئمتهم ثم بين ضعفها، ثم قل بعد ذلك ههنا قول آخر، واذكر قولى وحجتى، فإذا تمكن ذلك فى
قلبهم ، فقل هذا قول أبى حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون ، فكذا ههنا أن الحق سبحانه
يقول، إن هؤلاء عباد الأوثان، فلو أثنيت على وأعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك، لكن اذكر
لهم أنهم ثم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا
ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم تحتوه ، فبهذا التدريج بقرون بأنى أنا المستحق للثناء دون الأوثان ، كماقال
تعالى ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية وحصل القطع
بأن من لم يخلق لم يكن إلهاً ، فلهذا قال تعالى (أفن يخلق كمن لا يخلق) ودلت الآية على أن القول
بالطبع باطل ، لأن المؤثر فيه إن كان حادثاً افتقر إلى مؤثر آخر، وإن كان قديماً فإما أن يكون موجباً

١٦
قوله تعالى : اقرأ وربك الأكرم . سورة العلق .
آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَِّى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
٤
أو قادراً، فإن كان موجباً لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل
على الترتيب الموافق المصلحة .
المسألة الرابعة﴾ إنما قال ( من علق) على الجمع لأن الإنسان فى معنى الجمع، كقوله ( إن
الإنسان افى خسر ).
قوله تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم اقرأ أولا لنفسك، والثانى للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل
والثانى للتعليم . أو اقرأ فى صلاتك، والثانى خارج صلاتك .
المسألة الثانية﴾ الكرم إفادة ما ينبغى لا لعوض، فمن يهب السكين من يقتل به نفسه فهو
ليس بكريم ، ومن أعطى ثم طلب عوضاً فهو ليس بكريم ، وليس يجب أن يكون العوض عيناً بل
المدح والثواب والتخلص عن المذمة كله عوض ، ولهذا قال أصحابنا إنه تعالى يستحيل أن يفعل
فعلا لغرض لأنه لو فعل فعلا لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله ، حينئذ
يستفيد بفعل ذلك الشىء حصول تلك الأولوية، ولو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك
الأولوية، فيكون ناقصاً بذاته مستكملا بغيره وذلك محال، ثم ذكروا فى بيان أكرميته تعالى وجوماً
(أحدها) أنه كم من كريم يحلم وقت الجنايه، لكن لا يبقى إحسانه على الوجه الذى كان قبل الجناية،
وهو تعالى أكرم لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، ومنه قول القائل:
متى زدت تقصيراً تزد لى تفضلا كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا
(وثانيها) إنك كريم لكن ربك أكرم وكيف لا وكل كريم ينال بكر.، نفعاً إما مدحاً أو ثواباً
أو يدفع ضرراً. أما أنا فالأ كرم إذلا أفعله إلا لحض الكرم (وثالثها.) أنه الأكرم لأن له الابتداء
فى كل كرم وإحسان وكرمه غير مشوب بالتقصير (ورابعها ) يحتمل أن يكون هذا حثاً على
القراءة أى هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشراً أو حثاً على الإخلاص، أى لا تقرأ لطمع
ولكن لأجلى ودع على أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك مالا يخطر ببالك، ويحتمل أن المعنى
تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك .
المسألة الثالثة﴾ أنه سبحانه وصف نفسه بأنه (خلق الإنسان من علق) وثانياً بأنه علقة وهى
بالقلم) ولا مناسبة فى الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول حوال الإنسان كونه علقة وهى
أخس الأشياء وآخر أمره هو صيرورته عالماً بحقائق الأشياء، وهو أشرف مراتب المخلوقات
فكأنه تعالى يقول انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدير مقدر ينقلك
من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات

١٧
قوله تعالى : علم الإنسان ما لم يعلم . سورة العلق
عَلَمَ الْإِنسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ يَ كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَىَّ ﴾
الإنسانية، كأنه تعالى يقول الإيجاد والإحياء والإفدار والرزق كرم وربوبية، أما الأكرم هو
الذى أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية فى الشرق .
المسألة الرابعة) قوله (باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق) إشارة إلى الدلالة العقلية
الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة، وقوله (الذى علم بالقلم) إشارة إلى الأحكام
المكتوبة التى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية والثانى إلى
النبوة، وقدم الأول على الثانى تنبيهاً على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة ، وأما النبوة فإنها محتاجة
إلى معرفة الربوبية .
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى قوله (علم بالفلم) وجهان (أحدهما) أن المراد من القلم الكتابة التى
تعرف بها الأمور الغائبة، وجعل القلم كناية عنها ( والثانى) أن المراد علم الإنسان الكتابة بالقلم
وكلا الفولين متقارب ، إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة، يروى أن سليمان عليه السلام سل
عفريتاً عن الكلام، فقال ريح لا يبقى، قال فما قيده. قال الكتابة، فالقلم صياد يصيد العلوم يكى
ويضحك ، بر كوعه تسجد الأنام، وبحر کته تبقى العلوم على مر الليالى والأ يام، نظیرمقولز کریاً
(إذ نادى ربه نداء خفياً) أخفى وأسمع فكذا القلم لا ينطق ثم يسمع الشرق والغرب، فسبحانه من
قادر بسوادها جعل الدين منوراً، كما أنه جعلك بالسواد ميصراً، فالفلم قوام الإنسان والإنسان قوام
العين ، ولا تقل القلم نائب اللسان، فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم، التراب
طهور، ولو إلى عشر حجج، والقلم بدل عن اللسان ولو بعث إلى المشرق والمغرب
.
أما قوله تعالى ﴿على الإنسان مالم يعلم﴾. فيحتمل أن يكون المراد علمه بالقلم وعلمه أيضاً
غير ذلك ولم يذكر واو النسق ، وقد يجرى مثل هذا فى الكلام تقول أكرمتك أحسنت إليك
ملكتك الأموال وليتك الولايات ، ويحتمل أن يكون المراد من اللفظين واحداً ويكون المعنى:
علم الإنسان بالفلم مالم يعلمه، فيكون قوله (علم الإنسان مالم يعلم) بياناً لقوله ( علم بالقلم).
قوله تعالى : ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان ههنا إنسان واحد وهو
أبو جهل ، ثم منهم من قال نزلت السورة من ههنا إلى آخرها فى أبى جهل . وقيل نزلت من قوله
(أرأيت الذى ينهى عبدأ) إلى آخر السورة فى أبى جهل: قال ابن عباس: كان النبى صلى الله
عليه وسلم يصلى لجاء أبو جهل ، فقال ألم أهك عن هذا؟ فزجره النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٢

١٨
قوله تعالى : كلا إن الإنسان ليطغى . سورة العلق .
أبو جهل: والله إنك لتعلم أنى أكثر أهل الوادى نادياً، فأنزل الله تعالى (فليدع ناديه ، سندع
الزبانية ) قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية اله، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق
من علق فلا يليق به التکېر، فهو عند ذلك ازداد طغياناً و تعززاً بماله ورباسته فی مکه . ویروی
أنه قال ليس بمكة أكرم من. ولعله لعنه الله قال ذلك رداً لقوله (وربك الكرم) ثم القائلون
بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل مانزل . ومنهم من قال: يحتمل أن
يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولا ، ثم نزلت البقية بعد ذلك فى شأن أبى جهل،
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة، لأن تأليف الآيات إنما كان بأمر
الله تعالى، ألا ترى أن قوله تعالى ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه) آخر ما نزل عند المفسرين
ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل ( القول الثانى ) أن المراد من الإنسان المذكور فى
هذه الآية جملة الإنسان، والقول الأول وإن كان أظهر بحسب الروايات ، إلا أن هذا القول أقرب
بحسب الظاهر، لأنه تعالى بين أن الله سبحانه مع أنه خلقه من علقة، وأنعم عليه بالنعم التى قدمنا
ذكرها، إذ أغناه، وزاد فى النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد فى المعاصى وإتباع هوى النفس ،
وذلك وعيد وزجر عن هذه طريقة ، ثم إنه تعالى أكد هذا الزجر بقوله ( إن إلى ربك الرجعى)
أى إلى حيث لا مالك سواه ، فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل والمؤاخذة بحسب ذلك .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( كلا) فيه وجوه (أحدها أنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله
بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه (وثانيها) قال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أن الله هو
الذى خلقه من العلفة وعلمه بعد الجهل ، وذلك لأنه عند صيرورته غنياً يطغى ويتكبر ، ويصير
مستغرق القلب فى حب الدنيا فلا يتفكر فى هذه الأحوال ولا يتأمل فيها (وثالثها) ذكر
الجرجانى صاحب النظم أن (كلا ) ههنا بمعنى حقاً لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون (كلا)
رداً له، وهذا كما قالوه فى (كلا والقمر) فإنهم زعموا أنه بمعنى: إى والقمر:
﴿ المسألة الثالثة﴾ الطغيان هو التكبر والتمرد، وتحقيق الكلام فى هذه الآية أن اللّه تعالى
لما ذكر فى مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة بحيث يبعد من العاقل
أن لا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها. أتبعها بماهو السبب الأصلى فى الغفلة عنها وهو حب الدنيا
والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب فى الحقيقة إلا ذلك.
فإن قيل إن فرعون ادعى الربو بية ، فقال الله تعالى فى حقه ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) وههنا
ذكر فى أبى جهل ( ليطغى ) فأ كده بهذه اللام، فما السبب فى هذه الزيادة ؟ قلنا فيه وجوه
(أحدها) أنه قال لموسى ( اذهب إلى فرعون إنه طفى ) وذلك قبل أن يلقاه موسى، وقبل أن
يعرض عليه الأدلة، وقبل أن يدعى الربوبية. وأما ههنا فإنه تعالى ذكر هذه الآية تسلية لرسوله
حين رد عليه أقبح الرد (وثانيها) أن فرعون مع كمال سلطته ما كان يزيد كفره على القول ،
وما كان ليتعرض لقتل موسى عليه السلام ولا لإيذائه . وأما أبو جهل فهو مع قلة جاهه كان

١٩
قوله تعالى : أن رآه استغنى . سورة العلق .
٨
أَن رَّءَاهُ أَسْتَغْنَىَ ﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىّ
يقصد قتل النبى صلى الله عليه وسلم وإيذاءه (وثالثها ) أن فرغون أحسن إلى موسى أولا، وقال
آخراً (آمنت). وأما أبوجهل فكان يحسد النبى فى صباه، وقال فى آخر رمقه: بلغوا عنى محمداً أنى
أموت ولا أحد أبغض إلى منه ( ورابعها) أنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب فى مقابلة الكليم
كاليد فى مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده ، بل يصون عينه باليد ، فلهذا
السبب كانت المبالغة ههنا أكثر .
قوله تعالى: ﴿أن رآه استغنى﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ال الأخفش: لأن رآه حذف اللام، كما يقال أنكم لتطفون أن رأيتم غناكم.
المسألة الثانية﴾ قال الفراء إنما قال ( أن رآه) ولم يقل رأى نفسه كما يقال قتل نفسه
لأن رأى من الأفعال التى تستدعى اسما وخبراً نحو الظ والحسبان، والعرب تطرح النفس من
هذا الجنس فنقول رأيتى وظنفتنى وحسبتنى فقوله ( أن رآه استغنى) من هذا الباب.
﴿المسألة الثالثة) فى قوله (استغنى) وجهان: (أحدهما) استغنى بماله عن ربه، والمراد من
الآية ليس هو الأول ، لأن الإنسان قدينال الثروة فلا يزيد إلا تواضعاً كسليمان عليه السلام ، فإنه
كان يحالس المساكين ويقول «مسكين جالس مسكيناً)) وعبد الرحمن بن عوف ماطفى مع كثرة
أمواله، بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أ کثر حاجة إلى الله تعالی منه حال فقره، لأنه فى حال
فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه، وأما حال الغنی فانه بتمنى سلامة نفسه وماله وعمالیکه، وفى
"الآية (وجه ثانى): وهو أن سين (استغنى) سين الطالب والمعنى أن الانسان رأى أن نفسه إنما
نالت الغنى لأنها طلبته وبذلت الجهد فى الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد، لا أنه نالها
بإعطاء الله وتوفيقه، وهذا جهل وحمق فكم من باذل وسعه فى الحرص والطلب وهو يموت جوعاً،
ثم ترى أكثر الأغنياء فى الآخرة يصيرون مديرين خائفين، يريهم الله أن ذلك الغنى ما كان
بفعلهم وقوتهم .
المسألة الرابعة ﴾ أول السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال، وكفى بذلك
مرغباً فى الدين والعلم ومنفراً عن الدنيا والمال .
قوله تعالى : ﴿ إن إلى ربك الرجعى ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من
عاقبة الطغيان .
﴿ المسألة الثانية﴾ (الرجعى) المرجع والرجوع وهى بأجمعها مصاد، يقال رجع إليه رجوعاً

٢٠
قوله تعالى : ارأيت الذي ينهى . سورة العلق .
عَبْدًا إِذَا صَلَّ
أَرَءَّيْتَ الَّذِى يَنْهَىْ
ومرجعاً ورجعى على وزن فعلى ، وفى معنى الآية وجهان: (أحدهما) أنه يرى ثواب طاعته وعقاب
تمرده وتكبره وطغيانه، ونظيره قوله ( ولا تحسبن الله غافلا) إلى قوله ( إنما يؤخر ثم ليوم
تشخض فيه الأبصار) وهذه الموعظة لاتؤثر إلا فى قلب من له قدم صدق ، أما الجاهل فيغضب
ولا يعتقد إلا الفرح العاجل (والقول الثانى) أنه تعالى يرده ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت،
كما رده من النقصان إلى الكمال، حيث نقله من الجمادية إلى الحياة، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن
الذل إلى العز ، فما هذا التعزز والقوة .
﴿ المسألة الثالثة) روى أن أبا جهل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: أنزعم أن من
استغنى طغى , فاجعل لما جبال مكة ذهباً وفضة لعلنا نأخذ منها فنطفى ، فندع دينا وتبع دينك،
فنزل جبريل وقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم مثل ما فعلنا بأصحاب المائدة،
فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم.
قوله تعالى : ﴿ أرأيت الذى ينهى عبداً إدا صلى﴾ وفيه مسائل :
{ المسألة الأولى) روى عن أبى جهل لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
قالوا نعم ، قال فوالذى يحلف به ابن رأيته لأطأن عنقه ، ثم إنه رأى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى الصلاة فنكمن على عقبه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال إن بينى وبينه لخندقاً من
نار وهزلا شديداً. وعن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة .
واعلم أن ظاهر الآية أن المراد فى هذه الآية هو الإنسان المتقدم ذكره، فلذلك قالوا إنه
ورد فى أبى جهل، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد عليه الصلاة والسلام - ين رآه يصلى، ولا
يمتنع أن يكون نزولها فى أبى جهل ، ثم يعم فى الكل ، لكن ما بعده يقتضى أنه فى رجل بعينه.
المسألة الثانية) قوله (أرأيت) خطاب مع الرسول على سبيل التعجب، ووجه التعجب فيه
أمور (أحدها) أنه عليه السلام قال: اللهم أعز الإسلام إما بأبى جهل بن هشام أو بعمر، فكأنه
تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام، أمثله يعز به الإسلام، وهو (ينهى عبداً إذا صلى)
(وثانيها ) أنه كان يلقب بأبى الحكم، فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى
العبد عن خدمة ربه، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأو ثان ! (وثالثها) أن
ذلك الأحق يأمر وينهى، ويعتقد أنه يجب على الغير طاعته، مع أنه ليس بخالق ولارب، ثم إنه
ينهى عن طاعة الرب والخالق، ألا يكون هذا غاية الحمافة
المسألة الثالثة﴾ قال (ينهى عبداً) ولم يقل ينها ك، وفيه فوائد (أحدها) أن التنكير فى
عبداً يدل على كونه كاملافى العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لابفى العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه فى