Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى : وانت حل بهذا البلد. سورة البلد. قال (( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلى , ولن تحل لأحد بعدى، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها، ولا يختلى خلالها ، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطنها إلا لمنشد. فقال العباس: إلا الإذخر يارسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا، فقال إلا الإذخر)). فإن قيل هذه السورة مكية، وقوله ( وأنت حل) إخبار عن الحال ، والواقعة التى ذكرتم إنما حدثت فى آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين؟ قلنا قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلا، كقوله تعالى (إنك ميت) وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحياء: أنت مكرم محبو، وهذا من الله أحسن، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع (ورابعها) ( وأنت حل بهذا البلد ) أى وأنت غير مرتكب فى هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله ، وتكذيب الرسل (وخامسها) أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد، ثم قال ( وأنت حل بهذا البلد) أى وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك وتسبك وظهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة، وهذا هو المراد بقوله تعالى (هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم) وقال (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وقوله (فقد لبث فيكم عمراً من قبله) فيكون الغرض شرح منصب رسول الله يؤثر بكونه من هذا البلد . أماقوله (ووالد وما ولد) فاعلم أن هذا معطوف على قوله (لا أقسم بهذا البلد) وقوله ( وأنت حل بهذا البلد) معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، والمفسرين فيه وجوه (أحدها) الولد آدم وما ولد ذريته، أقسم هم إذهم من أعجب خلق الله على وجه الأرض، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما فى الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب فى هذه البنية والتركيب، وقيل هو قسم بآدم والصالحين من أولاده، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم. كما قال (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)، (صم بكم عمى فهم لا يرجعون)(وثانيها) أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد عَ لج وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب، وإنما قال (وماولد) ولم يقل ومن ولد، للفائدة الموجودة فى قوله ( والله أعلم بما وضعت ) أى بأى شىء وضعت يعنى موضوعاً عجيب الشأن ( وثالثها) الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم. فإن جملة ولد إبراهيم ثم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ١٨٢ قوله تعالى : لقد خلقنا الانسان. سورة البلد. ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين، وإنما قلنا أن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع فى القشهد أن يقال «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم)) وهم المؤمنون (ورابعها) روى عن ابن عباس أنه قال: الولد الذى يلد ، وما ولد الذى لا يلد ، فما ههنا يكون النفى ، وعلى هذا لابد عن إضمار الموصول أى ووالدً، والذى ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين (وخامسها) يعنى كل والد ومولود، وهذا مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل فى هذا الكلام . قوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان فی کېې﴾ ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ فى الكبد وجوه (أحدما) قال صاحب الكشاف إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبداً فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى استعمل فى كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده، وقال آخرون الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد ، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعاً للكبد، ثم اشتقت منه الشدة . وفى الثانى جعل اللفظ موضوعاً للشدة والغلظ، ثم اشتق منه اسم العضو (الوجه الثانى) أن الكبد هو الاستواء والاستقامة (الوجه الثالث) أن الكبد شدة الخلق والقوة، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط، وأن يكون المراد دائد التكاليف فقط، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط، وأن يكون المراد كل ذلك . .أما (الأول) فقوله (لقد خلقنا الإنسان فى كبد) أى خلقناه أطواراً كلها شدة ومشقة ، تارة فى بطن الأم، ثم زمان الإرضاع، ثم إذا بلغ ففى الكد فى تحصيل المعاش ، ثم بعد ذلك الموت. وأما (الثانى) وهو الكبد فى الدين، فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء، ويكابد المحن فى أداء العبادات . وأما (الثالث) وهو الآخرة، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما فى الجنة وإما فى النار ، وأما (الرابع) وهو يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق ، وعندى فيه وجه آخر ، وهو أنه ليس فى هذه الدنيا لذة البتة، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم ، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع، وما يتخيل من الذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للانسان ، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر، فهذا معنى قوله (لقد خلقنا الإنسان فى كبد) ويظهر منه أنه لابد للانسان من البعث والقيامة ، لأن الحكيم الذى دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم ، فهذا لا يليق بالرحمة ، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ، ففى تركه على العدم كفاية فى هذا المطلوب ، وإن كان مطلوبه أن يلتذ، فقد بينا أنه ليس فى هذه الحياة لذة، وأنه خلق الإنسان فى هذه الدنيا فى كبد ومشقة ومحنة ، فإذا لابد ١٨٣ قوله تعالى : ايحسب ان لن يقدر عليه احد. سورة البلد. ٤٠,٠٠٤ أَيَحْسَبُ أَن أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (جْ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ٩٠٤/٠٠٠٠ - أَحَدٌ ٦-١١ بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات . وأما على (الوجه الثانى) وهو أن يفسر الكبد بالاستواء، فقال ابن عباس: فى كبد، أى قائماً منتصبا، والحيوانات الأخر تمشى منكسة ، فهذا امتنان عليه بهذه الخلفة . وأما على (الوجه الثالث) وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة ، فقد قال الكلى: نزلت هذه الآية فى رجل من بنى جمح يكنى أبا الأشد ، وكان يجعل تحت قدميه الأدبم العكاظى، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتعزق الأديم ولم تزل قدماه، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول. و المسألة الثانية﴾ حرف فى واللام متقاربان، تقول إنما أنت للعناء والنصب، وإنما أنت فى العناء والنصب، وفيه وجه آخر وهو أن قوله (فى كبد) يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس فى الدنيا إلا الكد والمحنة . المسألة الثالثة﴾ منهم من قال: المراد بالإنسان إنسان معين ، وهو الذى وصفناه بالقوة، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل . قوله تعالى: ﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) اعلم أنا إن فسرنا الكبد بالشدة فى القوة، فالمعنى أيحسب ذلك الإنسان الشديد أنه لشدته لا يقدر عليه أحد، وإن فسرنا المحنة والبلاء كان المعنى تسهيل ذلك على القلب ، كأنه يقول وهب أن الإنسان كان فى النعمة والقدرة ، أفيظن أنه فى تلك الحالة لا يقدر عليه أحد؟ ثم اختلفوا فقال بعضهم لن يقدر على بعثه ومجازاته فكأنه خطاب مع من أنكر البعث ، وقال آخرون: المراد لن يقدر على تغيير أحواله ظناً منه أنه قوى على الأمور لايدافع عن مراده، وقوله (أيحسب ) استفهام على سبيل الإنكار . قوله تعالى: ﴿يقول أهلكت مالا لبدأً ﴾ قال أبو عبيدة: لبد، فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الزجاج فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم ، قال الفراء واحدته لبدة ولبد جمع وجعله بعضهم واحداً ، ونظيره قسم وحطم وهو فى الوجهين جميعاً الكثير ، قال الليث مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته . وقد ذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله ( يكونون عليه لبدأً) والمعنى أن هذا الكافر يقول أهلكت فى عدارة محمد مالا كثيراً، والمراد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ، ويدعونه معالى ومفاخر. قوله تعالى: ﴿أيحسب أن لم يره أحد ﴾ فيه وجهان (الأول) قال قتادة أيظن أن الله لم ١٨٤ قوله تعالى : الم نجعل له عينين. سورة البلد. فَلَا أَمْ تَجْعَل لَّهُ, عَبْنَيْنِ (*) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ي وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ (٦ّ آقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يره ولم يسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (الثانى) قال الكلبى كان كاذباً لم ينفق شيئاً ، فقال الله تعالى: أيظن أن الله تعالى مارآى ذلك منه، فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق، بل رآه وعلم منه خلاف ما قال . واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أقام الدلالة على كمال قدرته فقال تعالى ﴿ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين ﴾ وعجائب هذه الأعضاء مذ كورة فى كتب التشريح، قال أهل العربية: النجد الطريق فى ارتفاع فكأنه لما وضحت الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح الطريق العالى للأبصار، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين فى النجدين وهو أنهما سبيلا الخير والشر، وعن أبى هريرة أنه عليه السلام قال: إنما هما النجدان، نجد الخير ونجد الشر، ولا يكون نجد الشر، أحب إلى أحدكم من نجد الخير)) وهذه الآية كالآية فى ( هل أتى على الإنسان ) إلى قوله ( جعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل، إما شاكراً وإما كفوراً) وقال الحسن، قال (أهلكت . الا لبدأ) فمن الذى يحاسبنى عليه ؟ فقيل الذى قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه، والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعها، قال القفال؛ والتأويل هو الأول، ثم قرر وجه الاستدلال به ، فقال إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلباً عقولا ولساناً قولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر، وبما يخفيه المخلوق عالم، فما العذر فى الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة فى الكفر بالله من تظاهر نعمه، وما العلة فى التعزيز على الله وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطى له ، وهو الممكن من الانتفاع به . ثم إنه سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التى تنفق فيها الأموال ، وعرف هذا الكافر أن إنفاقه كان فاسداً وغير مفيد، فقال تعالى ﴿فلا افتحم العقبة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ الاقتحام الدخول فى الأمر الشديد يقال فحم يقحم تحوماً، واقتحم اقتحاماً وتفحم تقحماً إذا ركب الفحم ، وهى المهالك والأمور العظام والعقبة طريق فى الجبل وعر والجمع العقب والعقاب، ثم ذكر المفسرون فى العقبة ههنا وجهين (الأول) أنها فى الآخرة وقال عطاء یرید عقبة جهنم ، وقال الكلیهی عقبة بين الجنة والنار ، وقال ابن عمرهی جبل زلال فى جهنی وقال مجاهد والضحاك هى الصراط يضرب على جهنم، وهو معنى قول الكلب إنها عقبة الجنة م ١٨٥ قوله تعالى : فلا اقتحم العقبة. سورة البلد. فَقُّ رِقَبَةٍ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ. والنار، قال الواحدى وهذا تفسير فيه نظر لأن من المعلوم أن [بنى] هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها حمل الآية عليه يكون إيضاحاً للواضحات، ويدلعليه أنه لما قال (وما أدراكما العقبة) فسره بفك الرقبة وبالإطعام (الوجه الثانى) فى تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه اللّه لجاهدة النفس والشيطان فى أعمال البر، وهو قول الحسن ومقاتل قال الحسن عقبة الله شديدة وهى مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولاشك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية ، ومجاوزتها صعبة والترقى إليها شديد. المسألة الثانية﴾ أن فى الآية إشكالا وهو أنه قلماً توجد لا الداخلة على المضى إلا مكررة، تقول لا جنونى ولا بعدنى قال تعالى ( فلا صدق ولا صلى) وفى هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه؟ أجيب عنه من وجوه (الأول) قال الزجاج إنها متكررة فى المعنى لأن معنى ( فلا اقتحم العقبة ) فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك ، وقوله ( ثم كان من الذين آمنوا) يدل أيضاً على معنى (فلا اقتحم العقبة) ولا آمن (الثانى) قال أبو على الفارسى معنى ( فلا اقتحم العقبة ) لم يقتحمها ، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التکریر غیر واجب كما لا يجب التكرير مع لم، فإن تكررت فى موضع نحو (فلا صدق ولاصلى) فهو كتكرر ولم: نحو (لم يسرفوا ولم يقتروا). المسألة الثالثة﴾ قال القفال قوله ( فلا اقتحم العقبة) أى هلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة؟ وأما الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة ثم قال تعالى ﴿ وما أدراك ما العقبة﴾ فلا بد من تقدير محذوف، لأن العقبة لا تكون فك رقبة، فالمراد وما أدراك ما اقتحام العقبة، وهذا تعظيم لأمر التزام الدين. قوله تعالى: ﴿فك رقبة) والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام، وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل، وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية، ومنه فك الرهن وهو إزالة غلق الرهن ، وكل شىء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الكتاب, قال الفراء فى المصادر فكها يفكها فكاكا بفتح الفاء فى المصدر ولا تقل بكسرها ، ويقال كانت عادة العرب فى الأسارى شد رقابهم وأيديهم بحرى ذلك فيهم وإن لم يشدد، ثم سمى إطلاق الأسير فكاكا، قال الأخطل: أبنى كليب إن عى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلال المسألة الثانية ﴾ فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطى ١٨٦ قوله تعالى : او إطعام في يوم ذي مسغبه. سورة البلد. ـمـ ١٥ أَوْ إِطْعَمْ فِى يَوْمِ ذِى مُسْغَبَةٍ (﴿ يَقِيمَ ذَامَقْرَبَةٍ. مكاتباً ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه، روى البراء بن عازب، قال «جاء أعرابى إلى رسول الله صَّ اله فقال يارسول الله دانى على عمل يدخلنى الجنة، قال عتق القسمة وفك الرقبة قال يا رسول الله أوليا واحداً ؟ قال لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة ، أن تعين فى ثمنها )) وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التى يصير بها إلى الجنة فهى الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار . المسألة الثالثة) قرى. ( فك رقبة) أو إطعام ، والتقدير هى فك رقبة أو إطعام وقرى. (فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة، وقوله (وما أدراك ما العقبة) اعتراض، قال الفراء: وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لقوله (ثم كان) لأن فك وأطعم فعل ، وقوله كان فعل ، وينبغى أن يكون الذى يعطف عليه الفعل فعلا ، أما لو قيل: ثم إن كان (١) كان ذلك مناسباً لقوله ( فك رقبة) بالرفع لأنه يكون عطفاً للاسم على الاسم. المسألة الرابعة ﴾ عند أبى حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة ، لتقدم العتق على الصدقة فيها . قوله تعالى : ﴿ أو إطعام فى يوم ذى مسغبة﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ يقال سغب سغباً إذا جاع فهو ساغب وسغيان ، قال صاحب الكشاف المسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب فى النسب ، يقال فلان ذو قرانى وذو مقوبتى وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب ، وأما أترب فاستغنى ، أى صارذا مال كالتراب فى الكثرة. قال الواحدى : المتربة مصدر من قولهم ترب يترب ترباً ومتربة مثل مسغبة إذا افتقر حتى لصق بالتراب . المسألة الثانية﴾ حاصل القول فى تفسير ( يوم ذى مسغبة) ما قاله الحسن وهو نائم يوم محروص فيه على الطعام ، قال أبو على: ومعناه ما يقول النحويون فى قولهم: ليل نائم ونهار صائم أی ذو نوم وصوم. واعلم أن إخراج المال فى وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وهو كقوله ( وآتى المال على حبه) وقال (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً) وقرأ الحسن ( ذا مسغبة) نصبه بإطعام ومعناه أو إطعام فى يوم من الأيام ذا مسعبة . قوله تعالى: ﴿ یتیما ذا مقربة﴾ قال الزجاج ذا قرابةتقول زيد ذو قراتی وذو مقربی، وزيد (١) أى المعطوف (إن كان) وهى جملة إسمية شرطية .: ١٨٧ قوله تعالى : او مسكيناً ذا متربة. سورة البلد. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (٨٦) ثُمَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَنَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَّةِ قرابتى قبيح لأن القرابة مصدر ، قال مقاتل يعنى يتيما بينه وبينه قرابة ، فقد اجتمع فيه حقان يتم وقرابة، فاطعامه أفضل ، وقيل يدخل فيه القرب بالجوار، كما يدخل فيه القرب بالنسب. أما قوله تعالى ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ أى مسكيناً قد لصق بالتراب من فقره وضره، فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطته، روى أن ابن عباس مر بمسكين لاصق بالغراب فقال: هذا الذى قال الله تعالى [فيه] (أو مسكيناً ذا متربة) واحتج الشافى بهذه الآية على أن المسكين قد يكون بحيث يملك شيئاً، لأنه لوكان لفظ المسكين دليلا على أنه لا يملك شيئاً البتة ، لكان تقييده بقوله (ذامتربة) تكریراً وهو غير جائز. أما قوله تعالى ﴿ ثم كان من الذين آمنوا﴾ أى كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشىء من هذه الطاعات، ولا مقتحمها للعقبة (فان قيل) لما كان الإيمان شرطاً للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدماً عليها، فما السبب فى أن الله تعالى أخره عنها بقوله ( ثم كان من الذين آمنوا)؟ (والجواب) من وجوه (أحدها) أن هذا التراخى فى الذكر لا فى الوجود، كقوله : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده لم يرد بقوله، ثم ساد أبوه التأخر فى الوجود، وإنما المعنى، ثم اذكر أنه ساد أبوه، كذلك فى الآية (وثانيها) أن يكون المراد ، ثم كان فى عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات (وثالثها) أن من أنى بهذه القرب تقرباً إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد رقم ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام. فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ، قالوا ويدل عليه ما روى ((أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نأتى بأعمال الخير فى الجاهلية فهل لنا منها شىء ؟ فقال عليه السلام أسلمت على ماقدمت من الخير» ( ورابعها) أن المراد من قوله ( ثم كان من الذين آمنوا ) تراخى الإيمان وتباعده فى الرتبة. والفضيلة عن العنق والصدقة لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال. أما قوله تعالى ﴿وتواصو بالصبر وتوصوا بالمرحمة﴾ فالمعنى أنه كان يوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو الصبر على المعاصى وعلى الطاعات والمحن التى يبتلى بها المؤمن ثم ضم إليه النواصى بالمرحمة وهو أن يحث بعضهم بعضاً على أن يرحم المظلوم أو الفقير، أو يرحم المقدم على منكر فيمنعه منه لأن كل ذلك داخل فى الرحمة ، وهذا يدل على أنه يجب على المرء أن ١٨٨ قوله تعالى : اولئك اصحاب الميمنة. سورة البلد. أُوْلَئِكَ أَعَْبُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَِنَا هُمْ أَعْحَبُ الْمَشْعَمَّةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ١٩ يدل غيره على طريق الحق ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما أمكنه، واعلم أن قوله (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) يعنى يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم، فإنهم كانوا مبالغين فى الصبر على شدائد الدين والرحمة على الخلق، وبالجملة فقوله ( وتواصوا بالصبر) إشارة إلى التعظيم لأمر اللّه، وقوله (وتواصوا بالمرحمة إشارة إلى الشفقة على خلق الله، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذى قاله بعض المحققين ، إن الأصل فى التصوف أمران: صدق مع الحق ؟ وخلق مع الخلق . ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم فى القيامة فقال: ﴿ أولئك أصحاب الميمنة) وإنما ذكر ذلك لأنه تعالى بين حالهم فى سورة الواقعة وأنهم (فى سبر مخضود، وطلح منضود) قال صاحب الكشاف: الميمنة والمشأمة، اليمين والشمال، أو اليمين والشؤم، أى الميامين على أنفسهم والمشائيم عليها . ثم قال تعالى ﴿والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ﴾ فقيل المراد من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره، وقد تقدم وصف الله لهم بأنهم ( فى سموم وحميم وظل من يجموم) إلى غير ذلك. قوله تعالى : ﴿ عليهم نار مؤصدة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قال الفراء والزجاج والمبرد يقال آصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته، فمن قرأ مؤصدة بالهمزة أخذها من آصدت فهمز اسم المفعول ، ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنه همز على للغة من يهمز الواو إذا كان قبلها ضمة نحومؤسى، ومن لم يهمز احتمل أيضاً أمرين :. (أحدهما) أن يكون من لغة من قال أوصدت فلم يجمز اسم المفعول كما يقال من أوعدتموعد. (الآخر ) أن يكون من أصد مثل آمن ولكنه خفف كما فى تخفيف جونة وبؤس جونة وبوس فيقلبها فى التخفيف واواً، قال الفراء ويقال من هذا الأصيد والوصيد وهو الباب المطبق، إذا عرفت هذا فنقول: قال مقاتل (عليهم نار مؤصدة) يعنى أبوابها مطبقة فلا يفتح لهم باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح أبد الآباد ، وقيل المراد إحاطة النيران بهم، كقوله (أحاط بهم سرادقها). المسألة الثانية ﴾ (المؤصدة) هى الأبواب، وقد جرت صفة للنار على تقدير : عليهم نار مؤصدة الأبواب، فكلما تركت الإضافة عاد التنوين لأنهما يتعاقبان، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ١٨٩ سورة الشمس (٩١) سُورَة الشِّمْسِر ◌ُمكِيَّة وَآَيَائِها خِسُ عَشِرَة بِشُـ 11 وَالشَّمْسِ وَمُحَنَهَا ﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَئِهَا. ٢٠ بسم الله الرحمن الرحيم الشمس وضحاها والقمر إذا تلاها﴾ قبل الخوض فى التفسير لابد من مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ المقصود من هذه السورة الترغيب فى الطاعات والتحذير من المعاصى. واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائماً بأن يذكر فى القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها، لأن الذى يقسم الله تعالى به يحصل له وقع فى القلب، فتكون الدواعی إلى تأمله أقوى . المسألة الثانية﴾ قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا: التقدير ورب الشمس ورب سائر ماذكره إلى تمام القسم ، واحتج قوم على بطلان هذا المذاهب ، فقالوا إن فى جملة هذا القسم قوله ( والسماء وما بناها) وذلك هو الله تعالى فيلزم أن يكون المراد، ورب السماء وربها. وذلك كالمتناقض ، أجاب القاضى عنه بأن قوله ( وما بناها) لا يجوز أن يكون المراد منه هو الله تعالى، لأن مالا تستعمل فى خالق السماء إلا على ضرب من المجاز، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه ، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه ، فإذاً لابد من التأويل وهو أن (ما) مع ما بعده فى حكم المصدر فيكون التقدير: والسماء وبنائها ، اعترض صاحب الكشاف عليه فقال لو كان الأمر على هذا الوجه لزم من عطف قوله ( فألهمها) عليه فساد النظيم. المسألة الثالثة ﴾ القراء مختلفون فى فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو (والليل إذا يغشى، والضحى والليل إذا سجى) فقر. وهاتارة بالإمالة وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم، قال الفراء بكسر ضحاها ، والآيات التى بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو: تلاها ، وطحاها ودحاها، فكذلك أيضاً . فإنه لما ابتدئت السورة بحرف الياء أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن الياء ، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز فى أفعالها أن تنقلب إلى الياء نحو: تلى ودحى، فلما حصلت هذه الموافقة استجاوزا إمالته ١٩٠ قوله تعالى : والشمس وضحاها. سورة الشمس. كما استجازوا إمالة ما كان من الياء ، وأما وجه من ترك الإمالة مطلقاً فهو أن كثيراً من العرب لا يميلون هذه الألفات ولا ينحون فيها تحو الياء، ويقوى ترك الإمالة للألف أن الواو فى موسر منقلبة عن الياء، والياء فى ميقات وميزان منقلبة عن الواو ولم يلزم من ذلك أن يحصل فيه ما يدل على ذلك الانقلاب، فكذا ههنا ينبغى أن تترك الألف غير ممالة ولا ينحى بها نحو الياء، وأما إمالة البعض وترك إمالة البعض ، كما فعله حمزة فىسن أيضاً، وذلك لأن الألف إنما تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها عن الياء ولم يكن فى تلاها وطحاها ودحاها ألف منقلبة عن الياء إنما هى منقلبة عن الواو بدلالة تلوت ودحوت . ﴿ المسألة الرابعة﴾ أن الله تعالى قد أقسم بسبعة أشياء إلى قوله (قد أفلح) وهو جواب القسم ، قال الزجاج: المعنى لقد أفلح، لكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضاً منها. قوله تعالى (والشمس وضحاها) ذكر المفسرون فى ضحاها ثلاثة أقوال ، قال مجاهد والكلى ضوؤها ، وقال قتادة هو النهار كله، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة ، وقال مقاتل هو حر الشمس ، وتقرير ذلك بحسب اللغة أن نقول، قال الليث: الضحو ارتفاع النهار، والضحى فويق ذلك، والضحاء ممدوداً امتد النهار، وقرب أن ينتصف. وقال أبو الهيثم: الضح نقيض الظل وهو نور الشمس على وجه الأرض وأصله الضحى، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فقلبوها وقالوا ضح، فالضحى هو ضوء الشمس ونورها ثم سمى به الوقت الذى تشرق فيه الشمس على ما فى قوله تعالى (إلا عشية أوضحاها) فمن قال من المفسرين فى ضحاها ضوؤها فهو على الأصل، وكذا من قال هو النهار كله، لأن جميع النهار هو من نور الشمس، ومن قال فى الضجى إنه حر الشمس فلآن حرها ونورها متلازمان ، فمتى اشتد حرها فقد اشتد ضوؤها وبالعكس ، وهذا أضعف الأقوال، واعلم أنه تعالى إنما أقسم بالشمس وضحاها لكثرة ما تعلق بها من المصالح ، فإن أهل العالم كانوا كالأموات فى الليل ، فلما ظهر أثر الصبح فى المشرق صار ذلك كالصور الذى ينفخ قوة الحياة، فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة فى الازدياد والقوة والتكامل ، ويكون غاية كمالها وقت الضحوة ، فهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها ، وقوله ( والقمر إذا تلاها) قال الليث: تلا يتلو إذا تبع شيئاً وفى كون القمر تالياً وجوه (أحدها ) بقاء القمر طالعاً عند غروب الشمس ، وذلك إنما يكون فى النصف الأول من من الشهر إذا غربت الشمس ، فإذا القمر يتبعها فى الإضاءة ، وهو قول عطاء عن ابن عباس (وثانيها ) أن الشمس. إذا غربت فالقمر يتبعها ليلة الهلال فى الغروب، وهو قول قتادة والكلبى ( وثالثها) قال الفراء المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال فلان يتبع فلاناً فى كذا أى يأخذ منه (ورابعها) قال الزجاج تلاها حين استدار وكمل، فكأنه يتلو الشمس فى الضياء والنور يعنى إذا كمل ضوؤه فصار كالقائم مقام الشمس فى الإنارة ، وذلك فى الليالى ١٩١ قوله تعالى : والنهار إذا جليها. سورة الشمس. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّنْهَا ٣° وَآلَيْلِ إِذَا يَغْشَلُهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَنْهَا ( البيض (وخامسها) أنه يتلوها فى كبر الجرم بحسب الحس، وفى ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ولقد ظهر فى علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها . قوله تعالى: ﴿والنهار إذا جلاها) معنى التجلية الإظهار، والكشف والضمير فى جلاها إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان (أحدهما) وهو قول الزجاج أنه عائد إلى الشمس وذلك لأن النهار عبارة عن نور الشمس. فكلما كان النهار أجلى ظهوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً، لأن قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها ، كقوله تعالى (لا يجليها لوقتها إلا هو) أى لا يخرجها (الثانى) وهو قول الجمهور - أنه عائد إلى الظلمة، أو إلى الدنيا، أو إلى الأرض. وإن لم يجر لها ذكر، يقولون: أصبحت باردة يريدون الغداة، وأرسلت يريدون السماء. قوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشاها ) يعنى يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها، وهذه الآية تقوى القول الأول فى الآية التى قبلها من وجهين (الأول) أنه لما جعل الليل يغشى. الشمس ويزبل ضوءها حسن أن يقال النهار يحليها، على ضد ما ذكر فى الليل (والثانى) أن الضمير فى يغشاها للشمس بلا خلاف ، فكذا فى جلاها يجب أن يكون للشمس حتى يكون الضمير فى الفواصل من أول السورة إلى ههنا للشمس ، قال القفال: وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس فى الحقيقة لكن بحسب أوصاف أربعة (أولها ) الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار. وذلك هو الوقت الذى يكمل فيه انتشار الحيوان واضطراب الناس المعاش، ومنها تلو القمر لها وأخذه الضوء عنها ، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجىء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجىء الليل، ومن تأمل قليلا فى عظمة الشمس ثم شاهد بعين عقله فيها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهى، والتر كب من الأجزاء انتقل منه إلى عظمة خالقها، فسبحانه ما أعظم شأنه. قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ فيه سؤالات: ﴿السؤال الأول) أن الذى ذكره صاحب الكشاف من أن (ما) ههنا لو كانت مصدرية لكان عطف ( فألهمها ) عليه يوجب فساد النظم حق ، والذى ذكره القاضى من أنه لو كان هذا قسما بخالق السماء، لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس ، فهو إشكال جيد، والذى يخطر يالى فى ( الجواب عنه ) أن أعظم المحسوسات هو الشمس ، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها ، ثم ذكر ذانه المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهى تدبيره سبحانه السماء والأرض والمركبات، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهى النفس ، والغرض من هذا الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج بالشمس ، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدى. لها ، خيفئذ يحظى العقل ههنا بإدراك ١٩٢ قوله تعالى : والارض وما طحاها. سورة الشمس. Y وَنَفْسِ وَمَا سَوَنهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَنْهَا جلال الله وعظمته على ما يليق به، والحس لا ينازعه فيه . فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض. عالم المحسوسات إلى يفاع عالم الربوبية ، وبيداء كبرياء الصمدية، فسبحان من عظمت حكمته و کلت کامته . ﴿ السؤال الثانى) ما الفائدة فى قوله (والسماء وما بناها)؟ (الجواب) أنه سبحانه لما وصف الشمس. بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها ، أتبعه ببيان ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام السماوية ، فنبه بهذه الآية على تلك الدلالة ، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية، وكل متناه فإنه مختص بمقدار معين . مع أنه كان يجوز فى العقل وجود ما هو أعظم منه، وما هو أصغر منه . فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين ، لابد وأن يكون لتقدير مقدر وتدبير مدیز ، وكما أن بانى البيت يبنيه بحسب مشيئته ، فكذا مدير الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته، فقوله ( وما بناها) كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماريات. ﴿السؤال الثالث) لم قال (وما بناها) ولم يقل ومن بناها؟ (الجواب) من وجهين (الأول) أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية، كأنه قيل: والسماء وذلك الشىء العظيم القادر الذى بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذى سواها (والثانى) أن ما تستعمل فى موضع من كقوله ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) والاعتماد على الأول. ﴿ السؤال الرابع) لم ذكر فى تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهى السماء والأرض والنفس؟ (والجواب) لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا بالشاهد، والشاهد ليس إلا العالم الجسمانى وهو قسمان بسيط ومركب، والبسيط قسمان: العلوية وإليه الإشارة بقوله (والسماء) والسفلية وإليه الإشارة بقوله (والأرض) والمر كب هو أقسام، وأشرفها ذوات الأنفس وإليه الإشارة بقوله ( ونفس وماسواها ). قوله تعالى: ﴿والأرض وما طحاها ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ إنما أخر هذا عن قوله (والسماء وما بناها) لقوله ( والأرض بعد ذلك دحاها ) . المسألة الثانية﴾ قال الليث: الطحو كالدحوا وهو البسط، وإبدال الطاء من الدال جائز، والمعنى وسعها. قال عطاء والكلى: بسطها على الماء. قوله تعالى: ﴿ونفس وما سوها) إن حملنا النفس على الجسد، فتسويتها تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح ، وإن حملناها على القوة المدبرة، فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة ١٩٣ قوله تعالى : فألهمها فجورها وتقواها. سورة الشمس. فَأَلْهَمَهَا لُخُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (® كالقوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكورة، على ما يشهد به علم النفس (٨) فإن قيل لم نكرت النفس؟ قلنا فيه وجهان (أحدهما) أن يريد به نفساً خاصة من بين النفوس، وهى النفس القدسية النبوية ، وذلك لأن كل كثرة، فلابد فيها من واحد يكون هو الرئيس، فالمركبات جنس تحته أنواع ورئيسها الحيوان، والحيوان جنس تحته أنواع ورئيسها الإنسان، والإنسان أنواع وأصناف ورائيسها النبى . والأنبياء كانوا كثيرين، فلا بد وأن يكون هناك واحديكون هو الرئيس المطلق، فقوله (ونفس) إشارة إلى تلك النفس التى هى رئيسة لعالم المركبات رياسة بالذات (الثانى) أن يريد كل نفس، ويكون المراد من التنكير التكثير على الوجه المذكور فى قوله ( علمت نفس ما أحضرت) وذلك لأن الحيوان أنواع لا يحصى عددها إلا اللّه على ما قال بعد ذكر بعض الحيوانات ( ويخلق مالا تعلمون) ولكل نوع نفس مخصوصة متميزة عن سائرها بالفضل المقوم لماهيته ، والخواص اللازمة لذلك الفصل ، فمن الذى يحيط عقله بالقليل من خواص نفس البق والبعوض ، فضلا عن التوغل فى بحار أسرار الله سبحانه. أما قوله تعالى ﴿فألهمها بجورها وتقواها﴾ فالمعنى المحصل فيه وجهان (الأول) أن إلهام الفجور والتقوى، إفهامها وإعقالط)، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ماشاء منهما، وهو كقوله ( وهديناه النجدين) وهذا تأويل مطابق لمذاهب المعتزلة ، قالوا ويدل عليه قوله بعد ذلك (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وعن جمع من أكابر المفسرين (والوجه الثانى) أنه تعالى ألهم المؤمن المنتقى تقواه وألهم الكافر نجوره، قال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها ، وقال ابن زيد جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للنقوى وخذلانه إياها بالفجور، واختار الزجاج والواحدى ذلك ، قال الواحدى التعليم والتعريف والتبيين ، غير والإلهام غير، فإن الإلهام هو أن يوقع اللّه فى قلب العبدشيئاً، وإذا أوقع فى قلبه شيئاً فقد ألزمه إياه . وأصل معنى الإلهام من قولهم: لهم الشىء، والنهمه إذا ابتلعه، وألهمته ذلك الشىء أى أبلغته، وهذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه الله تعالى فى قلب العبد، لأنه كالإبلاغ، فالتفسير الموافق لهذا الأصل قول ابن زيد، وهو صريح فى أن الله تعالى خلق فى المؤمن تقواه ، وفى الكافر نجوره، وأما التمسك بقوله ( قد أفلح منزكاها) فضعيف لأن المروى عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلى أن المعنى قدأ فلحت وسعدت نفس زكاما الله تعالى وأصلحها وطهرها، والمعنى وفقها للطاعة ، هذا آخر كلام الواحدى وهو تام. وأقول قد ذكرنا أن الآيات الثلاثة ذكرت الدلالة على كونه سبحانه مديراً للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة، فهنا لم يبق شىء ما فى عالم المحسوسات إلا وقد ثبت بمقتضى ذلك التنبيه أنه واقع بتخليقه وتدبيره، بقى شى. (١) يريد بعلم النفس ههنا: علم التشريح، لا علم النفس بالمعنى الذى نعرفه الآن وإن كان يتناول ما ذكره. الفخر الرازي - ج ٣١ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى : قد افلح من ذكاها. سورة الشمس. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّتِهَا (چ﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا واحد يختلج فى القلب أنه هل هو بقضائه وقدره وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية ، فنبه سبحانه بقوله ( فألهمها بفجورها وتقواها) على أن ذلك أيضاً منه وبه وبقضائه وقدره ، وحينئذ ثبت أن كل ما سوى الله فهو واقع بقضائه وقدره. وداخل تحت إيجاده وتصرفه . ثم الذى يدل عقلا على أن المراد من قوله ( فألهمها بجورها وتقواها) هو الخذلان والتوفيق ما ذكرنا مراراً أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات ، لخصولها إن كان لاعن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل، وفيهن فى الصانع، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل، وإن كان عن اللّه فهو المقصود. وأيضاً فليجرب العاقل نفسه. فانه ربما كان الإنسان غافلا عن شىء فتقع صورته فى قلبه دفعة ، ويترتب على وقوع تلك الصورة فى القلب ميل إليه ، ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل ، وذلك يفيد القطع بأن المراد من قوله (فألهمها) ماذكرناه لاما ذكره المعتزلة . قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء، وفى الآية قولان (أحدهما) أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية ( والثانى) قد أفلح من زكاما الله، وقبل القاضى هذا التأويل، وقال المراد منه أن الله حكم بتز كيتها وسماها بذلك، كما يقال فى العرف: إن فلاناً يزكى فلاناً، ثم قال والأول أقرب، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهراً، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو فى حكم المذكور لا أنه مذ كور . واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد. بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه. وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف ، لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال ، والمفضى إلى المحال محال . أما قوله ذكر النفس قد تقدم، قلنا هذا بالعكس أولى، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد، وقوله ( فألهمها ) أقرب إلى قوله (ما) منه إلى قوله ( ونفس) فكان الترجيح لما ذكرناه ، وما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدى فى البسيط عن سعيد ابن أبى هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ (قد أفلح من زكاها) وقف وقال ((اللهم آت نفسى تقواها، أنت وليها وأنت مولاها، وز كها أنت خير من زكاها)). قوله تعالى: ﴿وقد خاب من دساها ) فقالوا ( دساها) أصله دسسها من الندسيس، وهو إخفاء الشىء فى الشىء، فأبدلت إحدى السينات ياء، فأصل دسى دسس، كما أن أصل تقضى البازى تقضض البازى، وكما قالوا البيت والأصل لببت، وملبى والأصل ملبب، ثم نقول: أما ١٩٥ قوله تعالى : كذبت ثمود بطغواها. سورة الشمس. ١٠٠ كَذَّبَتْ تَمُودُ بِطَغْوَنَهَآَ إِذا أَنْبَعَثَ أَشْقَهَا المعتزلة فذكروا وجوهاً توافق قولهم (أحدها ) أن أهل الصلاح يظهرون أنفسهم ، وأهل الفسق يخفون أنفسهم ويدسونها فى المواضع الخفية ، كما أن أجواد العرب ينزلون الربا حتى تشتهر أما كنهم ويقصدهم المحتاجون ، ويوقدون النيران بالليل للطارقين . وأما اللئام فإنهم يخفون أماكنهم عن الطالبين ( وثانيها) ( خاب من دساها) أى دس نفسه فى جملة الصالحين وليس منهم (وثالثها) (من دساها) فى المعاصى حتى انغمس فيها ( ورابعها) (من دساها) من دس فى نفسه الفجور ، وذلك بسبب موظبته عليها ومج السته مع أهلها (وخامسها) أن من أعرض عن الطاعات واشتغل بالمعاصى صار خاملا متروكا منسياً، فصار كالشىء المدسوس فى الاختفاء والخمول. وأما أصحابنا فقالوا : المعنى خابت وخسرت نفس أضلها اللّه تعالى وأغواها وأخرها وأبطلها وأهلكها ، هذه ألفاظهم فى تفسير (دساها) قال الواحدى رحمه الله. فكأنه سبحانه أقسم بأشرف مخلوقاته على فلاح من طهره وخسار من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذى يتولى تطهير نفسه أو إهلا كها بالمعصية من غير قدر متقدم وقضاء سابق . قوله تعالى: ﴿ كذبت ثمود بطغواها﴾ قال الفراء الطغيان والطّغوى مصدران إلا أن الطغوى أشبه برؤوس الآيات فاختير لذلك وهو كالدعوى من الدعاء وفى التفسير وجهان : (أحدهما) أنها فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول ظلنى بجراءته على الله تعالى، والمعنى أن طغيانهم حملهم على التكذيب به هذا هو القول المشهور ( والثانى) أن الطغوى اسم لعذابهم الذى أهلكوا به، والمعنى كذبت بعذابها أى لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب ، وهذالا يبعد لأن معنى الطغيان فى اللغة مجاوزة القدر المعتاد فيجوز أن يسمى العذاب الذى جاءهم طغرى لأنه كان صيحة مجاوزة للقدر المعتاد أو يكون التقدير كذبت بما أو عدت به من العذاب ذى الطغوى ويدل على هذا التاريل قوله تعالى ( كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) أى بالعذاب الذى حل بها ، ثم قال ( فأما تمود فأهلكوا بالط غية) فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية. قوله تعالى: ﴿ إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث مطاوع بعث يقال بعثت فلاناً على الأمر فانبعث له، والمعنى أنه كذبت ثمود بسبب طغيانهم حين انبعث أشقاءا وهو عاقر الناقة وفيه قولان (أحدهما) أنه شخص معين وأسمه قدار بن سالف ويضرب به المثل يقال: أشأم من قدار، وهو أشقى الأولين بفتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم (والثانى) يجوز أن يكونوا جماعة، وإنما جاء على لفظ الوحدان لقسويتك فى أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تقول : هذان أفضل الناس وهؤلاء أفضلهم، وهذا يتأكد بقوله (فكذبوه معقروها) وكان يجوز أن يقال أشقوما كما يقال أفاضاهم . ١٩٦ قوله تعالى : فقال لهم رسول الله. سورة الشمس. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا (﴾ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ ٠٠ ٤٬٠٪ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْيِهِمْ فَسَوَّنَهَا ( ٦) قوله تعالى: ﴿فقال لهم رسول ناقة اللّه وسقياها﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ المراد من الرسول صالح عليه السلام ( ناقة الله ) أى أنه أشار إليه لما همرا بعقرها وبلغه ما عزموا عليه، وقال لهم هى ( ناقة اللّه) وآيته الدالة على توحيده وعلى نيوتى، فاحذروا أن تقوموا عليها بسوء، واحذروا أيضاً أن تمنعوها من سقياها، وقد بينا فى مواضع من هذا الكتاب أنه كان لها شرب يوم ولهم ولمواشيهم شرب يوم، وكانوا يستضرون بذلك فى أمر مواشيهم، فهموا بعقرها، وكان صالح عليه السلام يحذرهم حالا بعد حال من عذاب ينزل بهم إن أقدموا على ذلك، وكانت هذه الحالة متصورة فى نفوسهم ، فاقتصر على أن قال لهم ( ناقة اللّه وسقياها) لأن هذه الإشارة كافية مع الأمور المتقدمة التى ذكرناها . ﴿ المسألة الثانية﴾ (ناقة اللّه) نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبى الصبى بإضمار ذروا عقرها واحذروا سقياها، فلا تمنعوها عنها ، ولا تستأثروا بها عليها. ثم بين تعالى أن القوم لم يمتنعوا عن تكذيب صالح، وعن عقر الناقة بسبب العذاب الذى أنذرهم الله تعالى به وهو المراد بقوله ﴿فكذبوه فعقروها﴾ ثم يجوز أن يكون المباشر للعقر واحداً وهو قدار ، فيضاف الفعل إليه بالمباشرة، كما قال (فتعاطى فعقر ) ويضاف الفعل إلى الجماعة لرضاهم بما فعل ذلك الواحد. قال قتادة: ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنتاهم، وهو قول أكثر المفسرين. وقال الفراء. قيل إنهما كانا اثنين. قوله تعالى: ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها﴾ فاعلم أن فى الدمدمة وجوها (أحدها) قال الزجاج: معنى دمدم أطبق عليهم العذاب ، يقال دمدمت على الشىء إذا أطبقت عليه ، ويقال ناقة مدمومة ، أى قد ألبسها الشحم ، فإذا كررت الإطباق قلت دمدمت عليه. قال الواحدى: الدم فى اللغة اللطخ، ويقال للشىء السمين كانما دم بالشحم دماً، فجعل الزجاج دمدم من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه، فعلى هذا معنى دمدم عليهم ، أطبق عليهم العذاب وعمهم كالشىء الذى يلطخ به من جميع الجوانب (الوجه الثانى) تقول الشىء يدفن دمدمت عليه، أى سويت عليه، فيجوز أن يكون معنى فدمدم عليهم، فسوى عليهم الأرض بأن أهلكهم جعلهم تحت التراب (الوجه الثالث) قال ابن الأنبارى: دمدم غضب ، والدمدمة الكلام الذى يزعج الرجل (ورابعها) دمدم عليهم أرجف الأرض بهم رواه ثعلب عن أبن الأعرابى، وهو قول الفراء ، أما قوله (فسواها) يحتمل وجهين، وذلك لأنا إن فسرنا الدمدمة بالإطباق والعموم ، كان معنى (فسوى) ١٩٧ قوله تعالى : ولا يخاف عقباها. سورة الشمس. ١٥ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا الدمدمة عليهم وعمهم بها ، وذلك أن هلا كهم كان بصيحة جبريل عليه السلام ، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعاً، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم ، وإن فسرناها بالتسوية ، كان المراد فسوى عليهم الأرض . قوله تعالى: ﴿ ولا يخاف عقباها﴾ ففيه وجوه (أولها) أنه كناية عن الرب تعالى إذ هو أقرب المذكورات ، ثم اختلفوا فقال بعضهم لا يخاف تبعة فى العاقبة إذ العقبى والعافية سواء، كأنه بين أنه تعالى يفعل ذلك بحق. وكل ما فعل ما يكون حكمة وحقاً فإنه لا يخاف عاقبة فعله . وقال بعضهم ذكر ذلك لا على وجه التحقيق لكن على وجه التحقير لهذا الفعل ، أى هو أهون من أن تخشى فيه عاقبة ، والله تعالى يجل أن يوصف بذلك، ومنهم من قال المراد منه التنبيه على أنه بالغ فى التعذيب، فإن كلَّ ملك يخشى عاقبة، فإنه يتقى بعض الاتقاء، والله تعالى لما لم يخف شيئاً من العواقب ، لا جرم ما اتقى شيئاً ( وثانيها) أنه كناية عن صالح الذى هو الرسول أى ولا يخاف صالح عقبى هذا العذاب الذى ينزل بهم وذلك كالوعد لنصرته ودفع المكاره عنه . لو حاول حاول أن يؤذيه لأجل ذلك (وثالثها) المراد أن ذلك الأشقى الذى هو أحيمر ثمود. فيما أقدم من عقر الناقة (لا يخاف عقباها) وهذه الآية وإن كانت متأخرة لكنها على هذا التفسير فى حكم المتقدم ، كأنه قال (إذ انبعث أشقاها، ولا يخاف عقباها) والمراد بذلك، أنه أقدم على عقرها وهو كالآمن من نزول الهلاك به وبقومه ففعل مع هذا الخوف الشديد فعل من لا يخاف البتة ، فنسب فى ذلك إلى الجهل والحمق، وفى قراءة النبى عليه السلام ( ولم يخف) وفى مصاحف أهل المدينة والشام (فلا يخاف) والله أعلم، روى أن صالحاً لما وعدهم العذاب بعد ثلاث، قال التسعة الذين عقروا الناقة . هلموا فلنقتل صالحاً ، فإن كان صادقاً فأجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً ألحقناه بناقته. فأتوه ليبيتوه فدمغتهم الملائكة بالحجار ، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه لبسوا السلاح وقالوا لهم والله لا تقتلونه قدوعدكم أن العذاب نازل بكم فى ثلاث ، فإن كان صادقاً زدتم ربكم عليكم غضباً ، وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ماتريدون، فانصرفوا عنه تلك الليلة فأصبحوا وجوههم مصفرة فأيقنوا بالعذاب فطلبوا صالحاً ليقتلوه فهرب صالح والتجأ إلى سيد بعض بطون ثمود وكان مشر كا فغيبه عنهم فلم يقدروا عليه ثم شغلهم عنه مانزل بهم من العذاب، فهذا هو قوله ( ولا يخاف عقباهاً) والله أعلم ، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ١٩٨ سورة الليل (٩٢) سورة الليل مَكِيَة وَأَيَانِها أجْدَى وَعَشْرُونَ قال القفال رحمه الله: نزلت هذه السورة فى أبى بكر، وإنفاقه على المسلمين، وفى أمية بن خلف وبخله وكفره بالله، إلا أنها وإن كانت كذلك لكن معانيها عامة الناس، ألا ترى أن الله تعالى قال (إن سعيكم لشتى)، وقال (فأنذرتكم ناراً تلظى) ويروى عن على عليه السلام أنه قال ((خرجنا مع رسول الله يؤلف فى جنازة فقعد رسول اللّه ◌َ لتم وقعدنا حوله فقال: ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم اللّه مكانها من الجنة والنار، فقلنا يا رسول اللّه أفلا نتكل ؟ فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ) فبان بهذا الحديث عموم هذه السورة . وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (﴾ وَاَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٣) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى أعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذى يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذى جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان فى الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذى يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أو كارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت فى تعاقبهما على ما قال سبحانه (وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة)، (وسخر لكم الليل والنهار) أما قوله (والليل إذا يغشى) فاعلم أنه تعالى لم يذكر مفعول يغشى، فهو إما الشمس من قوله ( والليل إذا يغشاها) وإما النهار من قوم ( يغشى الليل والنهار) وإما كل شىء يواريه بظلامه من قوله (إذ وقب) وقوله ( والنهار إذا تجلى ) أى ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس . قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى ) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ فى تفسيره وجوه (أحدها) أى والقادر العظيم القدرة الذى قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، وقيل هما آدم وحواء (وثانيها) أى وخلقه الذكر والأنثى (وثالثها) ما بمعنى من أى ومن خلق الذكر والأنثى، أى والذى خلق الذكر والأنثى. ١٩٩ قوله تعالى : إن سعیکم لشتى. سورة الليل. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (﴾ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَ (ْ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (﴾ وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ ٠٫٠٠٠٠ فَسَنَيَسِرَهُ لِلْعَسْرَى المسألة الثانية﴾ قرأ النبى منّ اله (والذكر والأنثى) وقرأ ابن مسعود ( والذى خلق الذكر والأنثى) وعن الكسائى ( وما خلق الذكر والأنثى) بالجر. ووجه أن يكون معنى (وما خلق ) أى وما خلقه الله تعالى، أى مخلوق اللّه، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلا منه، أى ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضهار اسم اللّه لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو. ﴿ المسألة الثالثة﴾ القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوى الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخثى فهو فى نفسة لا بد وأن يكون إما ذكراً أو انثى، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه لم يلق فى هذا اليوم لا ذكراً ولا أنثى، وكان قد اقى خنثى فإنه يحنث فى يمينه . قوله تعالى: ﴿ إن سعيكم لشتى﴾ هذا الجواب القسم، فأقسم تعالى بهذه الأشياء، أن أعمال عباده لشتى أى مختلفة فى الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض، وإنما قيل للمختلف شتى، التباعد ما بين بعضه وبعضه، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه قيل إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى، وبعضه يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما، ويقرب من هذه الآية قوله ( لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة) وقوله ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) وقوله (أم حسب الذين اجترحرا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم وماتهم ساء ما يحكمون) وقال (ولا الظل والحرر) قال المفسرون نزلت هذه الآية فى أبى بكر وأبى سفيان . ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب، فقال ﴿فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسفره للعبرى ﴾ وفى قوله أعطى وجهان: (أحدهما) أن يكون المراد إنفاق المال فى جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كماكان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجباً أو نقلا، وإطلاق هذا كالإطلاق فى قوله (ومما رزقناهم ينفقون) فإن المراد منه كل ذلك إنفاقً فى سبيل الله سواء كان واجباً أو نفلا، وقد مدح الله قوماً فقال ( ويطعمون الطعام على ٠ ٢٠٠ قوله تعالى : فسنيسره للیسری. سورة الليل. حبه مسكيناً ويقيما وأسيراً) وقال فى آخر هذه السورة (وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) ، ( وثانيهما) أن قوله ( أعطى) يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس فى طاعة الله تعالى، يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله ( واتقى) فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغى ، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقياً أن يكون محترزاً عن الصغائر أم لا فى تفسير قوله تعالى ( هدى للمتقين) وقوله (وصدق بالحسنى) فالحسنى فيها وجوه (أحدها) أنها قول لا إله إلا الله، والمعنى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله ( أو إطعام فى يوم ذى مسغبة) إلى قوله ( ثم كان من الذين آمنوا) (وثانيها) أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفى الأموال كأنه قيل أعطى فى سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن (وثالثها) أن الحسنى هو الخلف الذى وعده الله فى قوله ( وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه) والمعنى: أعطى من ماله فى طاعة الله مصدقاً بما وعده الله من الخلف الحسن ، وذلك أنه قال (مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله) فكان الخلف لما كان زائداً صح إطلاق لفظ الحسنى عليه، وعلى هذا المعنى (وكذب بالحسنى) أى لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظه بالمعبود، كما قال بعضهم : منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود، وروى عن أبى الدرداء أنه قال (( ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين. اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل مسك تلفاً)) (ورابعها) أن الحسنى هو الثواب، وقيل إنه الجنة، والمعنى واحد، قال قتادة صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود، قال القفال: وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة ، قال الله تعالى (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) يعنى النصر أو الشهادة، وقال تعالى (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) فسمى مضاعفة الأجر حسنى، وقال ( إن لى عنده للحسنى) . وأما قوله ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى﴾ فى تفسير هذه اللفظة وجوه (أحدها) أنها الجنة (وثانيها) أنها الخير وقالوا فى العسرى أنها الشرك (وثالثها) المراد منه أن يسل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه (ورابعها) اليسرى هى العود إلى الطاعة التى أتى بها أولا، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء فى سبيل الله، وقالوا فى العسرى ضد ذلك أى نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية ، قال القفال ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة، وذلك لأن الأعمال بالعواقب، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة، فإن ذلك من اليسرى ، وذلك وصف كل الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر