Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
قوله تعالى : فقدره، ثم السبيل يسره. سورة عبس.
٢٢
ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَّهِ.
فَقَدَّرَهُ، ( ثُمَّالسَّبِيلَ يَسَّرَهُ (يٌ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾
والغرض منه أن من كان أصله [من] مثل هذا الشىء الحقير، فالنكير والتجبر لا يكون لائقاً به.
ثم قال ﴿ فقدره) وفيه وجوه (أحدها) قال الفراء: قدره أطواراً نطفة ثم علقة إلى آخر
خلقه وذكراً أو أنثى وسعيداً أو شقياً (وثانيها) قال الزجاج: المعنى قدره على الاستواء كما قال
(أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواكرجلا)، (وثالثها) يحتمل أن يكون المرادوقدر
كل عضوفى الكمية والكيفية بالقدر اللائق بمصلحته، ونظيره قوله (وخلق كل شىء فقدره تقديراً).
﴿ وأما المرتبة الثانية) وهى المرتبة المتوسطة فهى قوله تعالى ﴿ثم السبيل يسره﴾ وفيه مسألتان
﴿ المسألة الأولى﴾ نصب السبيل بإضمار يسره، وفسره بيسره،
المسألة الثانية﴾ ذكروا فى تفسيره أقوالا ( أحدها) قال بعضهم المراد تسهيل خروجه
من بطن أمه، قالوا إنه كان رأس المولود فى بطن أمه من فوق ورجلاه من تحت ، فإذا جاء وقت
الخروج انقلب، فمن الذى أعطاه ذلك الإلهام إلا الله، ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حياً.
من ذلك المنفذ الضيق من أعجب العجائب (وثانيها) قال أبو مسلم: المراد من هذه الآية، هو
المراد من قوله ( وهديناه النجدين ) فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا ، وبين كل
خير وشر يتعلق بالدين أى جعلناه متمكنا من سلوك سبيل الخير والشر ، والتيسير يدخل فيه
الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب ( وثالثها) أن هذا مخصوص بأمر
الدين، لأن لفظ السبيل مشعر بأن المقصود أحوال الدنيا [ لا] أمور تحصل فى الآخرة.
﴿ وأما المرتبة الثانية) وهى المرتبة الأخيرة ، فهى قوله تعالى ﴿ ثم أمانه فأقبرء، ثم إذا
شاء أنشره﴾ .
واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضاً على ثلاث مراتب، الإمانة، والإقبار ، والإنشار،
أما الإمانة فقد ذكرنا منافعها فى هذا الكتاب ، ولا شك أنها هى الواسطة بين حال التكليف
والمجازاة، وأما الإقبار فقال الفراء جعله الله مقبوراً ولم يجعله من ياقى للطير والسباع، لأن القبر
ما أكرم به الانسان قال ولم يقل فقبره، لأن القار هو الدافن بيده، والمقبر هو الله تعالى، يقال
قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت، إذا أمر غيره بأن يجعله فى القبر ، والعرب تقول بترت ذنب
البعير، والله أبتره وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلاناً عنى، والله أطرده. أى صيره
طريداً، وقوله تعالى (ثم إذا شاء أنشره) المراد منه الإحياء [و] البعث، وإنما قال إذا شاء إشعاراً
بأن وقته غير معلوم لنا، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى، وأما سائر الأحوال
٦٢
قوله تعالى : كلا لما يقضى ما امره. سورة عبس.
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ،
◌َّ أَنَّا صَبَبْنَا
فَلْيَنْظُرِ آلْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِة
٢٣
الْمَآءَ صَبَّا
٢٥
المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه، إذ الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففى
الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حداً معلوماً.
قوله تعالى : ﴿ كلا لما يقض ما أمره ﴾
واعلم أن قوله (كلا) ردع للانسان عن تكبره وترفعه، أو عن كفره وإصراره على إنكار
التوحيد، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر، وفى قوله (لما يقض ما أمره) وجوه (أحدها)
قال مجاهد لا يقضى أحد جميع ما كان مفروضاً عليه أبداً، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك
عن تقصير البتة، وهذا التفسير عندى فيه نظر، لأن قوله (لما يقض ) الضمير فيه عائد إلى
المذكور السابق، وهو الإنسان فى قوله (قتل الإنسان ما أكفره) وليس المراد من الإنسان
ههنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله (لما يقض) كيف يمكن حمله على جميع الناس
(وثانيها) أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر، إذ
المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمر به من التأمل فى دلائل اللّه، والتدبر فى عجائب
خلقه وبينات حكمته ( وثالثها) قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: كلا لم يقض اللّه لهذا الكافر
ما أمره به من الإيمان وترك التكبر ، بل أمره بما لم يقض له به .
واعلم أن عادة اللّه تعالى جارية فى القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة فى الأنفس، فإنه
يذكر عقيبها الدلائل الموجودة فى الآفاق جرى مهنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ
بما يحتاج الإنسان إليه.
فقال ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ) الذى يعيش به كيف دبرنا أمره، ولا شك أنه موضع
الاعتبار، فإن الطعام الذى يتناول الانسان له حالتان (إحداهما) متقدمة وهى الأموز التى لابد
من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام فى الوجود ( والثانية) متأخرة ، وهى الأمور التى لابد
منها فى بدن الانسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول
أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة، لا جرم اكتفى اللّه تعالى بذكره، لأن دلائل القرآن لابدوأن
تكون بحيث ينتفع بها كل لخلق، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة، وهذا هو المراد
من قوله ( فلينظر الإنسان إلى طعامه) واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء
الواقع فى الأرض، فالسماء كالذكر، والأرض كالأنثى فذكر فى بيان نزل القطر .
قوله تعالى : ﴿أنا صيبنا الماء صبا﴾ وفيه مسألتان:
٦٣
قوله تعالى : ثم شققنا الارض. سورة عبس.
ثُمَّشَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
٠٤٠
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّا
٤٠ارد
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
منـ
٢٨
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (﴾ وَحَدَآَبِقَ غُلْبًا
٣٠
المسألة الأولى) قوله ( صيبنا) المراد منه الغيث ، ثم انظر فى أنه كيف حدث الغيث
المشتمل على هذه المياه العظيمة ، وكيف بقى معلقاً فى جو السماء مع غاية ثقله، وتأمل فى أسبابه
القريبة والبعيدة، حتى يلوح لك شىء من آثار نور الله وعدله وحكمته، وفى تدبير خلقة هذا العالم.
المسألة الثانية﴾ قرى. إنا بالكسر)، وهو على الاستئناف، وأنا بالفتح على البدن من الطعام
والتقدير ( فلينظر الإنسان) إلى أنا كيف (صيبنا الماء) قال أبو على الفارسى من قرأ بكسر
إنا كان ذلك تفسيراً للنظر إلى طعامه كما أن قوله (لهم مغفرة) تفسير للوعد، ومن فتح فعلى معنى
البدل بدل الاشتمال ، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو كقوله ( يستلونك
عن الشهر الحرام قتال فيه) وقوله ( قتل أصحاب الأخدود ، النار).
قوله تعالى: ﴿ثم شققنا الأرض شقاً﴾ والمراد شق الأرض بالنبات، ثم ذكر تعالى ثمانية
أنواع من النبات :
(أولها) الحب: وهو المشار إليه بقوله ﴿ فأنبتنا فيها حباً﴾ وهو كل ما حصد من نحو الحنطة
والشعير وغيرهما ، وإنما قدم ذلك لأنه كالأصل فى الأغذية .
(وثانيها) قوله تعالى ﴿وعنباً﴾ وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذا من وجه وفا كهة من وجه.
(وثالثها) قوله تعالى ﴿ وقضباً﴾ وفيه قولان
﴿ الأول) أنه الرطبة وهى التى إذا يبست سميت بالقت، وأهل مكة يسمونها بالقضب
وأصله من القطع ، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى، وكذلك للقضيب لأنه يقضب أى يقطع .
وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبى عبيدة والأصمعى.
﴿ والثانى﴾ قال المبرد القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب أى يقطع وهو
قول الحسن .
(والرابع والخامس) قوله تعالى ﴿ وزيتوناً ونخلا﴾ ومنافعهما قد تقدمت فى هذا الكتاب.
(وسادسها) قوله تعالى ﴿ وحدائق غلبا﴾ الأصل فى الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ
الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب ، ثم ههنا قولان :
﴿ الأول) أن يكون المراد وصف كل حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة، وهذا قول
مجاهد ومقاتل قالا الغلب الملتفة الشجر بعضه فى بعض ، يقال اغلوب العشب واغلولبت الأرض
إذا التف عشبها .
٦٤
وَفَكِهَةَ وَابًا
قوله تعالى : وفاكهة وابا. سورة عبس.
مُتَعَالَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ ﴿يَ﴾ فَإِذَا جَآءَتِ الصَّخَّةُ چِ يَوْمَ
٤١,٤٠٠
يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (﴾ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ﴿﴾ وَصَائِحِبَتِهِ وَبَنِيِهِ
٣٦
﴿ والثانى) أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم، قال عطاء عن
ابن عباس يريد الشجر العظام ، وقال الفراء الغلب ماغلظ من النخل ،
(وسابعها) قوله ﴿وفاكهة) وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر الفاكهة معطوفة
على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء فى الفاكهة ، وهذا قريب من جهة
الظاهر ، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه .
(وثامنها) قوله تعالى ﴿وأباً﴾ والأب هو المرعى، قال صاحب الكشاف لأنه يؤب أى يوم
وينتجع ، والأب والأم أخوان قال الشاعر:
جذمنا قيس وتجد دارنا
لنا الأب به والمكرع
وقيل الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤدب للشتاء أى تعد ، ولما ذكر الله تعالى ما يغتذى به
الناس والحيوان. قال ﴿ متاعاً لكم ولا نعامكم﴾ .
قال الفراء خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم ، وقال الزجاج هو منصوب لأنه مصدر مؤكد
لقوله (فأنبتنا ) لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوان.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أمورا ثلاثة: (أولها) الدلائل
الدالة على التوحيد ( وثانيها ) الدلائل الدائه على القدرة على المعاد (وثالثها) أن هذا الإله الذى
أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن
يتكبر على عبيده أتبع هذه الجملة بما يكون مؤكداً لهذه الأغراط وهو شرح أهوال القيامة،
فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل فى الدلائل والإيمان بها والإعراض
عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضاً إلى ترك التكبر على الناس ، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد :
فلا جرم ذكر القيامة :
فقال ﴿ فإذا جاءت الصاخة﴾ قال المفسرون يعنى صيحة القيامة وهى النفخة الأخيرة ، قال
الزجاج أصل الصح فى اللغة الطعن والصك ، يقال صخ رأسه بحجر أى شدخه والغراب يصخ بمنقاره
فى دبر البعير أى يطعن، فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها للآذان، وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر
فقال يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة بجازاً لأن الناس يصخون لها أى يستمعون.
ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم يقوله تعالى ﴿ يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه،
وصاحبته وبنيه﴾ وفيه مسألتان:
٦٥
قوله تعالى : لکل امریء منهم يومئذ شأن يغنيه. سورة عبس.
لِكُلِّ أَمْرٍ مِنْهُمْ يَوْمَدْ شَأَنٌ يُغْنِهِ
٧
وُجُوهُ يَوْمَجِّذِ مُْفِرَةٌ
ضَاحِكُ مُسْتَبْشِرَةٌ
٣٩
المسألة الأولى ) يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز
والسبب فى ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات . يقول الأخ ما واسيتنى بمالك، والأبوان
يقولان قصرت فى برنا ، والصاحبة تقول أطعمتنى الحرام ، وفعلت وصنعت، والبنون يقولون
ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل أول من يفتر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح
ولوط، ومن ابنه نوح ، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد، بل المعنى أنه يوم
يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه، وهو كقوله تعالى (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين
اتبعوا) وأما الفرار من نصرته، وهو كقوله تعالى (يوم لايغنى مولى عن مولى شيئاً) وأما ترك
السؤال وهو كقوله تعالى (ولا يسأل حيم حميما).
المسألة الثانية﴾ المراد أن الذين كان المرء فى دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر
منهم فى دار الآخرة ، ذكروا فى فائدة الترتيب كأنه قيل (يوم يفر المرء من أخيه) بل من أبويه
فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد، لأن تعلق القلب بهما اشد من تعلقه بالأبوين.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سبيه فقال تعالى ﴿ لكل امرئ. منهم يومئذ
شأن يغنيه ) وفى قوله ( يغنيه) وجهان (الأول) قال ابن قتيبة يغنيه أى يصرفه ويصده عن
قرابته وأنشد :
سيغنيك حرب بنى مالك عن الفحش والجهل فى المحفل
أى سيشغلك، ويقال أغن عنى وجهك أى أصرفه (الثانى) قال أهل المعانى يغنيه أى ذلك الهم
الذى بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم آخر ، فصارت شبيهاً بالغنى فى أنه
حصل عنده من ذلك المملوك شىء كثير .
واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة فى الدول ، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم
السعداء، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة)
مسفرة مضيئة متهلله، من أسفر الصبح إذا أضاء ، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من
كثرت صلاته بالليل ، حسن وجهه بالنهار ، وعن الضحاك، من آثار الوضوء، وقيل من طول
ما اغيرت فى سبيل الله، وعندى أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس
ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة ، قال الكلى يعنى بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما
نالت من كرامة الله ورضاه، واعلم أن قوله مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٥
٦٦
قوله تعانى : وجوه يومئذ عليها غيره سورة عبس.
وَوُجُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
٠٠٠٠
تَرْهَقُهَا قَتَرَةُ
٤٠
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ
اُلْفَجَرَةُ
٤٢
وأما الضاحكة والمستبشره ، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية ، أو على وجدان المنفعة
ووجدان التعظيم .
ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ترهقها فترة، أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ قال المبرد الغبرة
ما يصيب الإنسان من الغبار، وقوله (ترهقها ) أى تدركها عن قرب، كقولك رهقت الجبل إذا
لحقته بسرعة ، والرحق مجلة الهلاك، والفترة سواد كالدخان ، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة
والسواد فى الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا اغبرت، وكأن الله تعالى جمع فى وجوههم بين
السواد والغيرة، كما جمعوا بين الكفر والفجور، والله أعلم.
واعلم أن المرجئة والخوارج تمسكوا بهذه الآية ، أما المرجئة فقالوا إن هذه الآية دلت على
أن أهل القيامة قسمان: أهل الثواب ، وأهل العقاب، ودلت على أن أهل العقاب هم الكفرة،
و ثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة ، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من
أهل الثواب ، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب، وأما الخوارج
فإنهم قالوا دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب، ودلت هذه الآية على أن كل من
يعاقب فإنه كافر ، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر ( والجواب) أكثر ما فى الباب أن المذكور ههنا
هو هذا الفريقان، وذلك لا يقتضى نفى الفريق الثالث، والله أعلم؛ والحمد لله رب العالمين وصلاته
على سيد المرسلين محمد النبى وآله وصحبه أجمعين .
٦٧
سورة التكوير
(٨) سُوْرَة الْبُّكِوبِمُكِيَّة
وَآَيَانِهَا تِسْع وَعَشْرُونْ
٩١-١
بِسْـ
إِذَا الشَّمُسُ كُوِّرَتْ (٣)
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا الشمس كورت
أعلم أنه تعالى ذكر اثنى عشر شيئاً ، وقال: إذا وقعت هذه الأشياء فهنالك ( علمت نفس
ما أحضرت) (فالأول) قوله تعالى (إذا الشمس كورت) وفى التكوير وجهان (أحدهما)
التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة، وفى الحديث (نعوذ بالله من الحور بعد الكور)) أى
من التشتت بعد الألفة والعلى واللف، والكور والتكوير واحد ، وسميت كارة القصار كارة
لأنه يجمع ثيابه فى ثوب واحد، ثم إن الشىء الذى يلف لاشك أنه يصير مختفياً عن الأعين ، فعبر
عن إزالة النور عن جرم الشمس وتصيرها غائبة عن الأعين بالتكوير ، فلهذا قال بعضهم كورت
أى طمست، وقال آخرون أنكسفت، وقال الحسن محى ضوؤها وقال المفضل بن سلمة كورت
أى ذهب ضوؤها، كأنها استقرت فى كارة (الوجه الثانى) فى التكوير يقال كورت الحائط
ودهورته إذا طرحته حتى يسقط ، قال الأصمعى ، يقال طعنه فكوره إذا صرعه، فقوله ( إذا
الشمس كورت ، أى ألقيت ورميت عن الفلك، وفيه (قول ثالث) يروى عن عمر أنه لفظة مأخوذة
من الفارسية ، فإنه يقال للأعمى كور ، وههنا سؤالان:
﴿ السؤال الأول ) ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية (الجواب) بل على الفاعلية
رافعها فعل مضمر، يفسره كورت لأن (إذا)، يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط .
﴿ السؤال الثانى ) روى أن الحسن جلس بالبصرة إلى أبى سلمة بن عبد الرحمن تحدث عن
أبى هريرة أنه عليه السلام، قال (إن الشمس والقمر ثوران مكوران فى النار يوم القيامة، فقال
الحسن، وماذنبهما؟ قال إنى أحدثك عن رسول الله)) فسكت الحسن، (والجواب) أن سؤال الحسن
ساقط ، لأن الشمس والقمر جمادان فإلقاؤهما فى النار لا يكون سبباً لمضرتهما، ولعل ذلك يصير
سبباً لازدياد الحر فى جهنم، فيكون هذا الخبر على خلاف العقل
٦٨
قوله تعالى : وإذا النجوم انكدرت. سورة التكوير.
وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ () وَ إِذَا الْخِبَالُ سُتِرَتْ (﴾ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
( الثانى) قوله تعالى ﴿ وإذا النجوم انکدرت ﴾ أی تناثرت و تساقطت كما قال تعالى ( وإذا
الكواكب انتثرت) والأصل فى الانكدار الانصباب ، قال الخليل: يقال انكدر عليهم القوم
إذا جاؤا أرسالا فانصبوا عليهم ، قال الكلى: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم فى السماء إلا
وقع على وجه الأرض، قال عطاء، وذلك أنها فى قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من
النور، وتلك السلاسل فى أيدى الملائكة، فإذا مات من فى السماء والأرض تساقطت تلك
السلاسل من أيدى الملائكة .
(الثالث) قوله تعالى ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ أى عن وجه الأرض كقوله ( وسير الجبال
فكانت سراباً) أو فى الهواء كقوله ( تمر مر السحاب ) .
(الرابع) قوله ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ فيه قولان :
(القول الأول) المشهور أن (العشار) جميع عشراء كالنفاس فى جمع نفساء، وهى التى أتى على
حملها عشرة أشهر ، ثم هو إسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهى أنفس مايكون عندأهلها وأعزها
عليهم، و(عطلت) قال ابن عباس أهملها أهلها لما جاءهم من أهواليوم القيامة، وليس شىء أحب إلى
العرب من النوق الحوامل ، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل.
والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك ، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال (يوم لا ينفع
مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم) وقال ( لقد جتتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة).
﴿ والقول الثانى) أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء، وهذا وإن كان
بجازاً إلا أنه أشبه بسائر ما قبله، وأيضاً فالعرب تشبه السحاب بالحامل ، قال تعالى
(فالحاملات وقرأ).
﴿ الخامس) قوله تعالى ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ كل شىء من دواب البر مما لا يستأنس
فهروحش، والجمع الوحوش، و(حشرت) جمعت من كل ناحية، قال قتادة يحشر كل شىء حتى الذباب
للقصاص، قال المعتزلة: إن الله تعالى يحشر الحيوانات كلها فى ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التى
وصلت إليها فى الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك، فإذا عوضت على تلك الآلام ، فإن شاء الله أن
يبقى بعضها فى الجنة إذا كان مستحسناً فعل، وإنشاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر، وأما أصحابنا
فعندهم أنه لا يجب على اللّه شىء بحكم الاستحقاق، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص
للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتى فتموت، والغرض من ذكر هذه القصة ههنا وجوه (أحدها)
٦٩
قوله تعالى : وإذا البحار سجرت. سورة التكوير.
وَإِذَا الْبِحَارُ ◌ُحِّرَتْ
أنه تعالى إذا كان [يوم القيامة] يحشر كل الحيوانات أظهاراً للعدل، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر
المكلفين من الإنس والجن ؟ (الثانى ) أنها" ـتمع فى موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس فى
الدنيا وتبددها فى الصحارى ، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم
(والثالث) أن هذه الحيونات بعضها غذاء للبعض ، ثم إنها فى ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض
بعضها لبعض، وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم، وفى الآية (قول آخر ) لابن عباس وهو أن
حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال - إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم - حشرتهم السنة،
و قری. حشرت بالتشديد .
﴿ السادس) قوله تعالى ﴿وإذا البحار سحرت﴾ قرى. بالتخفيف والتشديد، وفيه وجوه:
(أحدها) أن أصل الكلمة من سبورت التنور إذا أوقدتها، والشىء إذا وقد فيه نشف ما فيه من
الرطوبة ، حينئذ لا يبقى فى البحار شىء من المياه البتة ، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال (وسيرت
الجبال ) وحيفئذ قصير البحار والأرض شيئاً واحداً فى غاية الحرارة والإحراق ، ويحتمل أن
تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال ، ويحتمل أن
الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك الغراب فى أسفل الجبال ، فصار
وجه الأرض مستوياً مع البحار، ويصير الكل بحراً مسجوراً (وثانيها) أن يكون (سجرت) بمعنى
(نجرت) وذلك لأن بين البحارى حاجزاً على ماقال (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان)
فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض البعض فى البعض، وصارت البحار بحراً واحداً، وهو قول الكلى
(وثالثها) (سجرت) أوقدت ، قال القفال: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً (الأول ) أن تكون
جهنم فى قعور البحار ، فهى الآن غير مسجورة لقيام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أو صل الله
تأثير تلك النيران إلى البحار، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك ( والثانى) أن الله تعالى باقى
الشمس والقمر والكواكب فى البحار ، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك ( والثالث ) أن يخلق
الله تعالى بالبحار نيراناً عظيمة حتى تتسخن تلك المياه، وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى
شىء منها، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد وأن يكون قادراً على أن يفعل بالبحار
ما شاء من تسخين ، ومن قلب مياهها نيراناً من غير حاجة منه إلى أن يلقى فيها الشمس والقمر ،
أو يكون تحتها نار جهنم .
واعلم أن هذه العلامات الست يمكن وقوعها فى أول زمان تخريب الدنيا ، ويمكن وقوعها
أيضاً بعد قيام القيامة ، وليس فى اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين ، أما الستة الباقية فإنها
مختصة بالقيامة .
٧٠
قوله تعالى : وإذا النفوس زوجت. سورة التكوير.
وَإِذَا الْنّقُوسُ زُوِجَتْ (َ وَ إِذَا أَلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
(السابع) قوله تعالى ﴿وإذا النفوس زوجت) وفيه وجوه (أحدها) قرنت الأرواح
بالأجساد (وثانيها) قال الحسن يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال (وكنتم أزواجاً ثلاثة ، فأصحاب
الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون) (وثالثها) أنه
يضم إلى كل صنف من كان فى طبقته من الرجال والنساء ، فيضم المبرز فى الطاعات إلى مثله ،
والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله، فالتزويج أن يقرن الشىء بمثله، والمعنى أن يضم كل
واحد إلى طبقته فى الخير والشر (ورابعها) يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان
كما قال (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) قيل فزدناهم من الشياطين (وخامسها) قال ابن عباس
زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين (وسادسها) قرن كل
امرىء بشيعته اليهودى باليهودى والنصرانى بالنصرانى ، وقد ورد فيه خبر مرفوع (وسابعها)
قال الزجاج قرنت النفوس بأعمالها . واعلم أنك إذا تأملت فى الأقوال التى ذكرناها أمكنك
أن تزيد عليها ما شئت .
﴿الثامن) قوله تعالى ﴿ وإذا الموؤدة سئلت، بأي ذنب قتلت﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ وأديشد مقلوب من آد يقود أوداً ثقل قال تعالى (ولا يؤوده حفظهما)
أى يثقله؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسهاجية من صوف
أو شعر لترعى له الإبل والغنم فى البادية، وإن أراد قتلها تر كها حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار
فيقول لأمها طيبيها وزينها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها بثراً فى الصحراء فيبلغ بها إلى
البتر فيقول لها انظرى فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوى البئر بالأرض ،
وقيل كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنت رمتها
فى الحفرة، وإذا ولدت ابناً أمسكته، وههنا سؤالان :
﴿ السؤال الأول ) ما الذى حملهم على وأد البنات؟ (الجواب) الخوف من لحوق العار بهم
من أجلهم أو الخوف من الإملاق ، كما قال تعالى ( ولا تقتلوا أولاد كم خشية إملاق ) وكانوا
يقولون إن الملائكة بنات اللّه فألحقوا البنات بالملائكة ، وكان صعصعة بن ناجية من منع الواد
فافتخر الفرزدق به فى قوله :
ومنا الذى منع الوائدات فأحيا الوتيد فلم تواد
﴿ السؤال الثانى) فما معنى سؤال الموؤدة عن ذنبها الذى قتلت به، وهلاسئل الوائد عن
موجب قتله لها؟ (الجواب) سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، وهو كتبكيت النصارى فى قوله
٧١
قوله تعالى : وإذا الصحف نشرت. سورة التكوير.
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿ وَ إِذَا الَّمَآءُ كُشِطَتْ (٨) وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ
( وَإِذَا الْجَنَّةُ أَزْلِفَتْ
٢٣°
) عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
١٤
لعيسى ( أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لى أن
أقول ماليس لى بحق ).
المسألة الثانية ) قرى. سألت، أى خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها ، وقرى.
قتلت بالتشديد ، فإن قيل اللفظ المطابق أن يقال (سئلت بأي ذنب قتلت) ومن قرأسألت فالمطابق
أن يقرأ (بأي ذنب قتلت) فما الوجه فى القراءة المشهورة؟ قلنا (الجواب) من وجهين (الأول)
تقدير الآية: وإذا الموؤودة سئلت [أى سئل] الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت ( والثانى)
أن الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة ، كما إذا أردت أن تسأل زيداً عن
حال من أحواله ، فتقول: ماذا فعل زيد فى ذلك المعنى؟ ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول
عنه ، فکذا ههنا .
.(التاسع ) قوله تعالى: ﴿ وإذا الصحف نشرت) قرىء بالتخفيف والتشديد يريد صحف
الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ، ثم تنشر إذا حوسب ، ويجوز أن يراد نشرت بين
أصحابها ، أى فرقت بينهم .
(العاشر) قوله تعالى ﴿ وإذا السماء كشطت﴾ أى كشفت وأزيلت عما فوقها، وهو الجنة
وعرش الله، كما يكشط الإهاب عن 'الذبيحة، والغطاء عن الشىء، وقرأ ابن مسعود: قشطت،
واعتقاب القاف والكاف كثير ، يقال لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور. قال الفراء:
نزعت فطويت ..
(الحادى عشر) قوله تعالى ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ أو قدت إيقاداً شديداً، وقرى. سعرت
بالتشديد للمبالغة، قيل سعرها غضب الله، وخطايا بنى آدم، واحتج بهذه الآية من قال: النار
غير مخلوقة الآن ، قالوا لأنها تدل على أن تسعيرها معلق بيوم القيامة .
(الثانى عشر) قوله تعالى ﴿وإذا الجنة أذلفت﴾ أى أدنيت من المتقين، كقوله (وأزلفت
الجنة للمتقين ) .
ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الإثنى عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط الذى هو مجموع
هذه الأشياء فقال ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ ومن المعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد
إذن ما أحضرته فى صحائفها ، وما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال،
والمراد: ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار (فإن قيل ) كل نفس تعلم ما أحضرت ، لقوله
٧٢
قوله تعالى : فلا اقسم بالخنس. سورة التكوير.
الْجَوَارِ الْكُنْسِ
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَسِ ﴾
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) فما معنى قوله (علت نفس)؟ قلنا (الجواب) من وجهين
(الأول) أن هذا هو من عكس كلامهم الذى يقصدون به الإفراط ، وإن كان اللفظ موضوعاً
للقليل!، ومنه قوله تعالى (ربما يود الذين كفروا) كمن يسأل فاضلا مسألة ظاهرة ويقول هل
عندك فيها شى. ؟ فيقول ربما حضر شىء وغرضه الإشارة إلى أن عنده فى تلك المسألة مالا يقول
به غيره. فكذا ههنا (الثانى) لعل الكفار كانوا يتعبون أنفسهم فى الأشياء التى يعتقدونها طاعات
ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية ..
قوله تعالى : ﴿فلا أقسم بالخنس ، الجوارى الكنس﴾ الكلام فى قوله (لا أقسم) قد تقدم
فى قوله ( لا أقسم بيوم القيامة). (والخفس، الجوارى الكنس) فيه قولان (الأول) وهو المشهور
الظاهرة أنها النجوم الخنس جمع خانس ، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول خنس من بین
القوم وانخنس، وفى الحديث (الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خفس)) أى أنقبض ولذلك
سمى الخناس (والكنس) جمع كانس وكانسة يقال كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش
يقال كفس الظباء فى كنسها، وتكفت المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظى إذا دخل الكناس.
ثم اختلفوا فى خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه ( فالقول الأظهر ) أن ذلك إشارة إلى
رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها فرجوعها. هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت
ضوء الشمس ، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة (القول الثانى) ما روى عن
على عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هى جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها
عن البصر فى النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر فى اليل أى تظهر فى أما كنها كالوحش
فى كنسها ( والقول الثالث) أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى (رب
المشارق والمغارب) ولا شك أن فيها مطلعاً واحداً ومغرباً واحد هما أقرب المطالع والمغارب
إلى سمت رؤوسنا، ثم إنها تأخذ فى التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ، ثم ترجع
إليه لنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع، وكنوسها عبارة عن عودها إليه، فهذا محتمل
فعلى القول الأول يكون القسم واقعاً بالخمسة المتحيرة، وعلى القول الثانى يكون القسم واقعاً بجميع
الكواكب وعلى هذا الاحتمال الذى ذكرته يكون القسم واقعاً بالسبعة السيارة والله أعلم بمراده.
﴿والقول الثانى) أن (الخنس الجوارى الكفس) وهو قول ابن مسعود والنخعى أنها
بقر الوحش، وقال سعيد بن جبير هى الظباء، وعلى هذا الخنس من الخنس فى الأنف وهو تقعير
فى الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة ( والكنس) جمع كانس وهى التى تدخل الكناس.
والقول هو الأول، والدليل عليه أمران:
٧٣
قوله تعالى : والليل إذا عسعس. سورة التكوير.
وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيٍ
( الأول) أنه قال بعد ذلك ﴿والليل إذا عسعس) وهذا بالنجوم أليق منه ببقر الوحش.
﴿ الثانى) أن محل قسم الله كلما كان أعظم وأعلى رتبة كان أولى، ولا شك أن الكواكب
أعلى رتبة من بقر الوحش .
( الثالث) أن (الخنس) جمع خانس من الخنوس، وإما جمع خنساء وأخنس من الخضر
خنس بالسكون والتخفيف ، ولا يقال الخنس فيه بالتشديد إلا أن يجعل الخفس فى الوحشية
أيضاً من الخنوس وهو اختفاؤها فى الكناس إذا غابت عن الأعين .
قوله تعالى: ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ ذكر أهل اللغة أن عسعس من الأضداد، يقال عسمس
الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر ، وأنشدوا فى ورودها بمعنى أدبر قول العجاج :
حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وععا
وأنشد أبو عبيدة فى معنى أقبل:
مدرجات الليل لما عمعا
ثم منهم من قال المراد ههنا أقبل الليل ، لأن على هذا التقدير يكون القسم واقعاً باقبال الليل
وهو قوله (إذا عسعس) وإدباره أيضاً وهو قوله ( والصبح إذا تنفس) ومنهم من قال بل المراد
(أدبر) وقوله ( والصبح إذا تنفس) أى امتد ضوءه وتكامل فقوله ( والليل إذا عسعس) اشارة
إلى أول طلوع الصبح، وهو مثل قوله (والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر) وقوله ( والصبح
إذا تنفس ) إشارة إلى تكامل طلوع الصبح فلا يكون فيه تكرار.
وأما قوله تعالى ﴿والصبح إذا تنفس﴾ أى إذا أسفر كقوله (والصبح إذا أسفر) ثم فى كيفية
المجاز قولان :
﴿ أحدهما) أنه إذا أقبل الصبح أقبل باقباله روح ونسيم ، جعل ذلك نفساً له على المجاز،
وقيل تنفس الصبح .
﴿ والثانى) أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذى جلس بحيث لا يتحرك، واجتمع
الحزن فى قلبه ، فاذا تنفس وجد راحة. فههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبرعنه
بالتنفس وهو استعارة لطيفة .
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾
وفيه قولان :
﴿ الأول ) وهو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبريل: فإن قيل: هنا إشكال قوى
وهو أنه حلف أنه قول جبريل، فوجب علينا أن نصدقه فى ذلك ، فإن لم نقطع بوجوب حمل
٧٤
قوله تعالى : ذي قوة عند ذي العرش مكين. سورة التكوير.
ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ (﴾ مُطَاعِ ثمَّ
اللفظ على الظاهر ، فلا أقل من الاحتمال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن
یکون كلام جبریل لا كلام الله، وبتقدیر أن یکون کلام جبريل يخرج عن كونه معجزاً ، لاحتمال
أن جبر بل ألقاء إلى محمد مع اليه على سبيل الإضلال، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم
لا يفعل الإضلال ، لأن العلم بعصمة جبريل، مستفاد من صدق النبى، وصدق النبى مفرع على كون
القرآن معجزاً، وكون القرآن معجزاً يتفرع على عصمة جبريل، فيلزم الدور وهو محال (والجواب)
الذين قالوا بأن القرآن إنما كان معجزاً للصرفة ، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فراراً من هذا
السؤال، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس فى الفصاحة ، بل فى سلب تلك العلوم والدواعى عن
القلوب ، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا اللّه تعالى.
( القول الثانى) أن هذا الذى أخبر كم به محمد من أمر الساعة على ما ذكر فى هذه السورة
ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال، إنما هو قول جبريل أتاه به وحياً من عند الله تعالى، واعلم
أنه تعالى وصف جبريل ههنا بصفات ست (أولها) أنه رسول ولا شك أنه رسول الله إلى الأنيا.
فهو رسول وجميع الأنبياء أمته، وهو المراد من قوله (ينزل الملائكة بالروح من أمر على من
يشاء من عباده) وقال (نزل به الروح الأمين على قلبك) (وثانيها) أنه كريم، ومن كرمه أنه يعطى
أفضل العطايا ، وهو المعرفة والهداية والإرشاد .
( وثالثها) قوله ﴿ذى قوة﴾ ثم منهم من حمله على الشدة، روى أنه عليه الصلاة والسلام قال
لجبريل (ذكر الله قوتك، فماذا بلغت؟ قال رفعت قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحى حتى
إذا سمع أهل السماء نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها )) وذكر مقاتل أن شيطاناً يقال له
الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يفتن النبى مؤزائر فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من مكة إلى
أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة فى أداء طاعة الله وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى
آخر زمان التكليف، وعلى القوة فى معرفة الله وفى مطالعة جلال الله.
( ورابعها) قوله تعالى ﴿عند ذى العرش مكين﴾ وهذه العندية ليست عندية المكان، مثل
قوله ( ومن عنده لا يستكبرون) وليست عندية الجهة بدليل قوله ((أنا عند المنكسرة قلوبهم))
بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم. وأما ( مكين) فقال الكسائى يقال قد مكن فلان عند
فلان بضم الكاف مكناً ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذى يعطى ما يسأل.
(وخامسها) قوله تعالى ﴿مطاع ثم﴾ اعلم أن قوله (ثم) إشارة إلى الظرف المذكور أعنى
( عند ذى العرش) والمعنى أنه عند الله مطاع فى ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون
إلى رأيه، وقرى. ( ثم) تعظيما الأمانة وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة.
٧٥
قوله تعالى : وما صاحبكم بمجنون. سورة التكوير.
أَمِينٍ ﴿ وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِحَجُنٍ (﴾ وَلَقَدْ رَءَاُ ◌ِلْأُمُنِ الْمُبِنِ (﴾ وَمَا هُوَ عَلى
الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٣٨) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيٍ (٢﴾ فَأَيْنَ تَذَهَبُونَ (٣٦) إِنْ هُوَ إلَّا
ولا بـ1
ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
( وسادسها) قوله ﴿أمين﴾ أى هو (أمين) على وحى الله ورسالاته، قد عصمه الله من
الخيانة والزلل .
ثم قال تعالى ﴿ وما صاحبكم بمجنون﴾ واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلى الله
عليه وسلم فقال إنك إذا وازنت بين قوله (إنه لقول رسول كريم، ذى قوه عند ذى العرش مكين ،
مطاع ثم أمين) وبين قوله ( وما صاحبكم بمجنون) ظهر التفاوت العظيم ﴿ واقد رآء بالأفق المبين)
يعنى حيث تطلع الشمس فى قول الجميع، وهذا مفسر فى سورة النجم {وماهو على الغيب بضنين)
أى وما محمد (على الغيب بظنين) والغيب ههنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم
يقال ظننت زيداً فى معنى اتهمته ، وليس من الظن الذى يتعدى إلى مفعولين، والمعنى ما محمد على
القرآن بمتهم أى هو ثقة فيما يؤدى عن الله، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضنفت به أضن
أى بخلت، والمعنى ليس بيخيل فيما أنزل الله، قال الفراء يأتيه غيب السماء، وهو شىء نفيس
فلا يبخل به عليكم، وقال أبو على الفارسى المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتبه كما يكتم الكاهن
ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلواناً، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين: (أحدهما)
أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفى التهمة أولى من نفى البخل (وثانيها) قوله ( على الغيب )
ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقدما يقال على كذا .
ثم قال تعالى ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم﴾ كان أهل مكة يقولون: إن هذا القرآن يجى. به
شيطان فيلقيه على لسانه ، فنفى اللّه ذلك، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفى هذا
الاحتمال، فكيف يمكن نفى هذا الاحتمال بالدليل السمعى؟ (قلنا) بينا أن على القول بالصرفة
لا تتوقف صحة النبوة على نفى هذا الاحتمال ، فلا جرم يمكن نفى هذا الاحتمال بالدليل السمعى.
ثم قال تعالى ﴿فأين تذهبون﴾ وهذا استضلال لهم يقال لتارك الجادة اعتساءاً، أين تذهب؟
مثلت حالهم بحاله فى تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ، والمعنى أى طريق تسلكون أبين من
هذه الطريقة التى قد بينت لكم، قال الفراء : العرب تقول إلى أين تذهب وأين تذهب ، وتقول
ذهبت الشام وانطلقت السوق، واحتج أهل الاعتزال بهذه الآية وجهه ظاهر .
ثم بين أن القرآن ما هو، فقال ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ أى هو بيان وهداية للخلق أجمعين
٧٦
قوله تعالى: لمن شاء منكم ان يستقيم. سورة التكوير.
،وَمَا تَشَاءُ ونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أن يَسْتَقِيمَ لَّـ
الْعَلِینَ ے
ثم قال ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ وهو بدل من العالمين، والتقدير: إن هو إلاذكر لمن شاء
منكم أن يستقيم، وفائدة هذا الإبدال أن الذين شاؤًا الاستقامة بالدخول فى الإسلام هم المنتفعون
بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم، والمعنى أن القرآن إنما ينتفع به من شاء أن يستقيم ، ثم بين
أن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله .
فقال تعالى ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ أى إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه
تلك المشيئة ، لأن فعل تلك المشيئة صفة محدثة فلا بد فى حدوثها من مشيئة أخرى فيظهر من
مجموع هذه الآيات أن فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة. وهذه الإرادة موقوفة
الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الإرادة، والموقوف على الموقوف على الشىء موقوف
على ذلك الشىء، فأفعال العباد فى طرفى ثبوتها وانتفائها ، موقوفة على مشيئة الله وهذا هو قول
أصحابنا، وقول بعض المعتزلة إن هذه الآية مخصوصة بمشيئة القهروالإلجاء ضعيف لأنا بينا أن المشيئة
الاختيارية شىء حادث، فلابد له من محدث فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها، وحينئذ
يعود الإلزام ، والله أعلم بالصواب.
٧٧
سورة الانفطار
(٨٢) سُورة الانفطارِ مُكِيَةْ
وَآَيَاتِهَا شِع عَشرة
1-2
بِسْـ
إِذَا الَّمَاءُ أَنفَطَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنْتَّثَّرَتْ ﴾ وَإِذَا
﴿ عَلَمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَحَرَتْ
وَ إِذَا الْقَبَورَ بَعْثِرَتْ
٥
٣
اُلْبِحَارُ فُجّرَتْ
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار جرت، وإذا القبور بعثرت،
علمت نفس ما قدمت وأخرت ؟
اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التى هى أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر
والنشر، وفى تفسير هذه الآيات مقامات (الأول) فى تفسير كل واحد من هذه الأشياء التى هى
أشراط الساعة وهى ههنا أربعة ، اثنان منها تتعلق بالعسلويات، وإثنان آخران تتعلق بالسفليات
(الأول) قوله (إذا السماء انفطر ت) أى انشقت وهو كقوله (ويوم تشقق السماء بالغمام). (إذا
السماء انشقت)، (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)، (وفتحت السماء فكانت أبواباً)
و(السماء منفطر به) قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل، بل هو كقولهم مرضع وحائض، ولو كان
على الفعل لكان منفطرة كماقال (إذا السماء انفرت) أما الثانى وهو قوله (وإذا الكواكب انتثرت)
فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتشار الكواكب على الأرض.
واعلم أنا ذكرنا فى بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام
على الأفلاك، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة فى كونها أجساماً، فوجب أن يصح على
كل واحد منها ما يصح على الآخر ، إنما قلنا إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية
ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فالعلوبات والسفليات مشتركة فى أنها أجسام، وإنما قلنا
إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات ، لأن المتماثلات حكمها
واحد فتى يصح حكم على واحد منها، وجب أن يصح على الباقى ، وأما الإثنان السفليان:
(فأحدهما) قوله ( وإذا البحار غيرت) وفيه وجوه (أحدهما ) أنه ينفذ بعض البحار فى البعض
بارتفاع الحاجز الذى جعله الله برزخاً، وحينئذ يصير الكل بحراً واحداً، وإنما يرتفع ذلك
كروا
٧٨
قوله تعالى : وإذا القبور بعثرت. سورة الانفطار ..
الحاجز لنزلزل الأرض وتصدعها (وثانيها) أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة ، فإذا جرت
تفرقت وذهب ماؤها ( وثالثها) قال الحسن جرت أى يبست.
واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها، وهو
كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها فى قوله ( يوم تبدل الأرض غير الأرض) وتغير الجبال
عن صفتها فى قوله (فقل ينسفها ربى نسفاً، فيذرها قاعاً صفصفاً) (ورابعها) قرأ بعضهم (لجرت)
بالتخيفف، وقرأ مجاهد (جرت) على البناء للفاعل والتخفيف، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظراً
إلى قوله (لا يبغيان ) لأن البغى والفجور أخوان .
﴿ وأما الثانى) فقوله ( وإذا القبور بعثرت) فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد ، وم کبان
من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ،
ثم ههنا وجهان ( أحدهما ) أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى
(وأخرجت الأرض أثقالها) (وانثانى) أنها تبعثر لإخراج ما فى بطنها من الذهب والفضة ،
وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها، ثم يكون بعد
ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة القبور على الأول أتم .
﴿ المقام الثانى) في فائدة هذا الترتيب، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم
وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف، والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار ،
فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف، وذلك هو قوله (إذا السماء انفطرت ) ثم يلزم من تخريب السماء
انتشار الكواكب، وذلك هو قوله ( وإذا الكواكب انتثرت ) ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء
والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله ( وإذا البحار فجرت ) ثم إنه تعالى يخرب
آخر الأمر الأرض التى هى البناء، وذلك هو قوله ( وإذا القبور بعثرت) فإنه إشارة إلى قلب
الأرض ظهراً لبطن ، وبطناً لظهر .
﴿المقام الثالث) فى تفسير قوله (علمت نفس ما قدمت وأخرت) وفيه احتمالان (الأول)
أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة، ثم فيه وجوه (أحدها) وهو الأصح أن المقصود منه
الزجر عن المعصية ، والترغيب فى الطاعة ، أى يعلم كل أحد فى هذا اليوم ما قدم ، فلم يقصر فيه
وما أخر فقصر فيه، لأن قوله ( ماقدمت) يقتضى فعلا و (ما أخرت) يقتضى تركا، فهذا الكلام
يقتضى فعلا وتركا وتقصيراً وتوفيراً، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فأواه النار، وإن
كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فأواه الجنة ( وثانيها) ما قدمت من عمل أدخله فى الوجود
وما أخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر ( وثالثها ) قال الضحاك ما قدمت من
الفرائض وما أخرت أى ماضيعت ( ورابعها) قال أبو مسلم ما قدمت من الأعمال فى أول عمرها
وما أخرت فى آخر عمرها، فإن قيل وفى أى موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم ؟ قلنا أما
٧٩
قوله تعالى : يا ايها الانسان ما غرك. سورة الانفطار.
يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِيِّكَ الْكَرِيمِ ( الَّذِى خَلَفَكَ فَسَوّنكَ فَعَدّلَكَ
وفِى أَيِّ صُورَةٍ مَّشَآءَ رَكَّبَكَ
٨
٧
العلم الإجمالى فيحصل فى أول زمان الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصى يرى آثار
الشقاوة فى أول الأمر. وأما العلم التفصيل، فانما يحصل عند قراءه الكتب والمحاسبة.
﴿ الاحتمال الثانى ) أن يكون المراد قيل قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع
التكاليف، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كماقال ( لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل
أو كسبت فى إيمانها خيراً) فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية، هو أول أعماله وآخرها ،
لأنه لا عمل له بعد ذلك، وهذا القول ذكره القفال .
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذى خلقك فسواك فعدلك ، فى أى
صورة ما شاء ركبك ؟
أعلم أنه سبحانه لما أخبر فى الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر فى هذه الآية ما يدل
عقلا على إمكانه أو على وقوعه ، وذلك من وجهين (الأول) أن الإله الكريم الذى لا يجوز
من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين، كيف يجوز فى كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم؟
(الثانى) أن القادر الذى خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها، إما أن يقال إنه خلقها لا
لحكمة أو لحكمة، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبئاً، وهو غير جائز على الحكيم، وإن خلقها
لحكمة، فتلك الحكمة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد، والأول باطل لأنه سبحانه
متعال عن الاستكمال والانتفاع. فتعين الثانى، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد، وتلك
الحكمة إما أن تظهر فى الدنيا أو فى دار سوى الدنيا . والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء
وامتحان ، لادار الانتفاع والجزاء ، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار
أخرى، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذى يقدر على الخلق والتسوية والتعديل
يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم، وذلك يمنعهم من الاعتراف
بعدم الحشر والنشر ، وهذا الاستدلال هو الذى ذكر بعينه فى سورة النين حيث قال ( لقد خلقنا
الإنسان فى أحسن تقويم) إلى أن قال (فما يكذبك بعد بالدين) وهذه الحاجة تصلح مع العرب
الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة، وتصلح أيضا مع من ينفى الإبتداء والإعادة معاً، لأن
الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر، فإن قيل بناء هذا
الاستدلال على أنه تعالى حكيم، ولذلك قال فى سورة التين بعد هذا الاستدلال (أليس الله بأحكم
الحاكمين) فكان يجب أن يقول فى هذه السورة: ما غرك بريك الحكيم (الجواب) أن الكريم
٨٠
قوله تعالى : يا ايها الانسان. سورة الانفطار.
يجب أن يكون حكيماً، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة لكان ذلك
تبذيراً لا كرماً . أما إذا كان مبنياً على داعية الحكمة حينئذ يسمى كرماً، إذا ثبت هذا فنقول:
كونه كريما يدا، على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه . أما كونه حكيما فإنه يدل على وقوع
الحشر من هذا الوجه الثانى ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام
الكلام فى كيفية النظم، ولنرجع إلى التفسير. أما قوله ( يا أيها الإنسان) ففيه قولان (أحدهما)
أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك (كلا بل تكذبون بالدين) وقال عطاء عن ابن عباس : نزلت فى
الوليد بن المغيرة، وقال الکلی ومقاتل : نزلت فى ان الأسد بن کادة بن أسید، وذلك أنه ضرب
النبي ◌َفي فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية (والقول الثانى) أنه يتناول جميع العصاة وهو
الأقرب ، لأن خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ . أما قوله (ما غرك بربك الكريم)
فالمراد الذى خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، والمعنى ما الذى
أمنك من عقابه وزيقال غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله
( لا يغرتكم بالله الغرور) هذا إذا حملنا قوله ( يا أيها الإنسان) على جميع العصاة، وأما إذا حملناه
على الكافر ، فالمعنى ما الذى دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر ، وههنا
سؤالات .
( الأول) أن كونه كريما يقتضى أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول ، أما
المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغى لا لعوض ، فلما كان الحق تعالى جواداً مطلقاً لم يكن
مستعيضاً، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين، وعصيان المذنبين، وهذا يوجب الاغترار
لأنه مرن البعيد أن يقدم الغنى على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلاً ، وأما المنقول فاروى
عن على عليه السلام، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: لم لم تجبى؟
فقال لثقتى بحلك، وأمنى من عقوبتك، فاستحسن جرابه، وأعتقه، وقالوا أيضاً: من كرم الرجل
سوء أدب غلمانه، ولما ثبت أن كرمه يقتضى الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعاً من الاغترار
به؟ ( والجواب) من وجوه (أحدها) أن معنى الآية أنك لما كنت ترى حلم الله على خلقه ظنفت
أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار، فما الذى دعاك إلى هذا الاغترار، وجراك على
إنكار الحشر والنشر؟ فإن ربك كريم، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً فى مدة التوبة ، وتأخيراً
للجزاء إلى أن يجمع الناس فى الدار التى جعلها لهم للجزاء، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل
الكرم ، وذلك لا يقتضى الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار ( وثالثها) أن كرمه لما بلغ إلى
حيث لا يمنع من العاصى موائد لطفه، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ، كان أولى فإذن كونه كريما
يقتضى الخوف الشديد من هذا الاعتبار، وترك الجراءة والاغترار (وثالثها) أن كثرة الكرم
توجب الجد والاجتهاد فى الخدمة والاستحياء من الإغترار والتوانى (ورابعها) قال بعض الناسر