Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعانى : إن لدنيا انكالا وجحياً . سورة المزمل .
إِنَّلَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ
الْأَرْضُ وَالْحِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِبًا مِّلًا
ثم ذكر كيفية عذابهم عند الله فقال ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما، وطعاماً ذاغصة وعذابا أليما﴾
أى إن لدينا فى الآخرة مايضاد تنعمهم فى الدنيا، وذكر أموراً أربعة (أولها) قوله (أنكالا)
واحدها نكل ونكل، قال الواحدى : النكل القيد، وقال صاحب الكشاف: النكل القيد الثقيل
(وثانيها) قوله (وجحيما) ولا حاجة به إلى التفسير ( وثالثها) قوله (وطعاماً ذا غصة) الغصة
ما يغص به الإنسان ، وذلك الطعام هو الزقوم والضريع كما قال تعالى ( ليس لهم طعام إلا من
ضريع) قالوا إنه شوك كالعوسج يأخذ بالحلق يدخل ولا يخرج (ورابعها) قوله (وعذاباً أليماً)
والمراد منه سائر أنواع العذاب، واعلم أنه يمكن حمل هذه المراتب الأربعة على العقوبة الروحانية،
أما الأنكال فهى عبارة عن بقاء النفس فى قيد التعلقات الجسمانية واللذات البدنية ، فإنها فى الدنيا
لما اكتسبت ملكة تلك المحبة والرغبة، فبعد البدن يشتد الحنين، مع أن آلات الكسب قد بطلت
فصارت تلك كالأنكال والقيود المانعة له من التخلص إلى عالم الروح والصفاء، ثم يتولد من تلك
القيود الروحانية، نيران روحانية، فإن شدة ميلها إلى الأحوال البدنية وعدم تمكنها من الوصول
إليها ، يوجب حرقة شديدة روحانية كمن تشتد رغبته فى وجدان شىء، ثم إنه لا يجده فإنه يحترق
قلبه عليه ، فذاك هو الجحيم ، ثم إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق ، فذاك هو المراد من قوله
(وطعاماً ذا غصة) ثم إنه بسبب هذه الأحوال قى محروماً عن تجلى نور الله والانخراط فى سلك
المقدسين ، وذلك هو المراد من قوله ( وعذاباً ألماً) والتفكير فى قوله (وعذاباً) يدل على أن هذا
العذاب أشد مما تقدم وأكمل، واعلم أنى لا أقول المراد بهذه الآيات ، هو ما ذكرته فقط ، بل
"أقول إنها تفيد حصول المراتب الأربعة الجسمانية، وحصول المراتب الأربعة الروحانية، ولا يمتنع
حمله عليهما ، وإن كان اللفظ بالنسبة إلى المراتب الجسمانية حقيقة، وبالنسبة إلى المراقب الروحانية
مجازاً متعارفاً مشهوراً .
ثم إنه تعالى لما وصف العذاب، أخبر أنه متى يكون ذلك فقال تعالى ﴿يوم ترجف الأرض
والجبال، وكانت الجبال كئيباً مهيلا﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: يوم منصوب بقول إن لدينا أنكالا وجحيما ، أى تنكل
بالكافرين ونعذبهم يوم ترجف الأرض .
المسألة الثانية ﴾ الرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة ، والكثيب القطعة العظيمة من الرمل
تجتمع محدودية وجمعه الكثبان ، وفى كيفية الاشتقاق قولان: (أحدهما) أنه من كثب الشىء

١٨٢
قوله تعالى : إنا أرسلنا إليكم رسولاً . سورة المزمل .
إِنَّا أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (8)
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾
إذا جمعه كامه فعيل بمعنى مفعول (والثانى) قال الليث: الكثيب نثر التراب، أو الشىء يرمى به ،
والفعل اللازم انكثب بنكثب انكتاباً ، وسمى الكثیب کثیباً، لأن ترابه دقاق ، كأنه مكتوب
منثور بعضه على بعض لرخاوته، وقوله (مهيلا) أى سائلا قد أسيل ، يقال تراب مهيل ومهيول
أى مصبوب ومسيل. الأكثر فى اللغة مهيل ، وهو مثل قولك مكيل ومکیول، ومدين ومديون،
وذلك أن الياء تحذف منه الضمة فتسكن ، والواو أيضاً ساكنة، فتحذف الواو لالتقاء الساكنين
ذكره الفراء والزجاج، وإذا عرفت هذا. فنقول إنه تعالى. يفرق تركيب أجزاء الجبال وينسفها
نسفاً ويجعلها كالعهن المنفوش، فعند ذلك تصير كالكثيب، ثم إنه تعالى يحر كها على ما قال (ويوم
نسير الجبال ) وقال (وهى تمر مر السحاب) وقال (وسيرت الجبال) فعند ذلك قصير مهيلا ، فإن
قبل لم لم يقل وكانت الجبال كثباناً مهيلة ؟ قلنا لأنها بأسرما تجتمع فتصير كئيباً واحداً مهيلا.
وأعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين (أولى النعمة) بأهوال القيامة خوفهم بعد ذلك بأموال الدنيا:
فقال تعالى ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولاشاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فوعون رسولا، فعصى فرعون
الرسول فأخذناه أخذاً وبيلا﴾ واعلم أن الخطاب لأهل مكة والمقصود تهديدهم بالأخذ الوبيل،
وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) لم نكر الرسول ثم عرف؟ (الجواب) التقدير أرسلنا إلى فرعون رسولا
. فعصاه ، فأخذناه أخذاً وبيلا ، فأرسلنا إليكم أيضاً رسولا فعصيتم ذلك الرسول ، فلا بد وأن
نأخذ کم أخذاً وبيلا .
﴿ السؤال الثانى ) هل يمكن التمسك بهذه الآية فى إثبات أن القياس حجة؟ (والجواب) نعم
لأن الكلام إنما ينتظم لوقسنا إحدى الصورتين على الأخرى، فإن قيل هب أن القياس فى هذه
الصورة حجة ، فلم قلتم إنه فى سائر الصور حجة ، وحينئذ يحتاج إلى قياس سائر القياسات على هذا
القياس ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس، وإنه غير جائز؟ قلنا لا نثبت سائر القياسات بالقياس
على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذى ذكرتم، بل وجه التمسبك هو أن نقول : لولا أنه تمهد
عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان فى مناط الحكم ظنا يجب اشتراكهما فى الحكم ، وإلا لما أورد
هذا الكلام فى هذه الصورة، وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم ههنا فإن لقائل أن يقول
لعلهم إنما استوجيوا الأخذ الوبيل بخصوصية حالة العصيان فى تلك الصورة وتلك الخصوصية
غير موجودة ههنا، فلا يلزم حصول الأخذ الوبيل ههنا ، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم

١٨٣
قوله تعالى : فكيف تتقون . سورة المزمل .
فَكَيْفَ نَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ آلْوِلْدَانَ شِيبً ◌َه السَّمَآءُ مُنْفَطِرُ بِهِ كَانَ
١١٠٠ ,٠٠
وَعْدُهُ مَفْعُولًا
١٨
بالقسوية فى الحكم. فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقرير أنه متى وقع الاشتراك فى المناط
الظاهر وجب الجزم بالاشتراك فى الحكم، وإن مجرد احتمال الفرق بالأشياء التى لا يعلم كونها
مناسبة للحكم لا يكون قادحاً فى تلك التسوية ، فلا معنى لقولنا القياس حجة إلا هذا.
: ﴿ السؤال الثالث ) لم ذكر فى هذا الموضع قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر
الرسل والأمم؟ (الجواب) لأن أهل مكة ازدروا محمداً عليه الصلاة والسلام، واستخفوا به
لأنه ولد فيهم.، كما أن فرعون ازدرى موسى لأنه رباه وولد فيما بينهم ، وهو قوله (ألم تُبك
فينا وليداً).
﴿ السؤال الرابع) ما معنى كون الرسول شاهداً عليهم؟ (الجواب) من وجهين (الأول)
أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم (الثانى) المراد كونه مبيناً للحق فى الدنيا ، ومبيناً
لبطلان ماهم عليه من الكفر ، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق ، ولذلك وصفت بأنها بينة ، فلا
يمتنع أن يوصف عليه الصلاة والسلام بذلك من حيث إنه بين الحق، وهذا ! ٥، لأن الله تعالى
قال ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً) أى عدولا خياراً لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون
الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه يكون شاهداً عليهم فى المستقبل، ولأن حمله على الشهادة فى الآخرة
حقيقة ، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى .
﴿السؤال الخامس) ما معنى الوبيل؟ (الجواب) فيه وجهان (الأول) الوبيل، الثقيل
الغليظ ، ومنه قولهم : صار هذا وبالا عليه ، أى أفضى به إلى غاية المكروه، ومن هذا قيل للمطر
العظيم : وابل ، والوبيل : العصا الضخمة (الثانى) قال أبو زيد: الوبيل الذى لا يستمرأ، وما.
وبيل وخيم إذا كان غير مرى. وكلاً مستوبل ، إذا أدت عاقبته إلى مكروه، إذا عرفت هذا فنقول
قوله (أخذناه أخذاً وبيلا) يعنى الغرق ، قاله الكلبى ومقاتل وقنادة .
ثم إنه تعالى عاد إلى تخويفهم بالقيامة مرة أخرى، فقال تعالى ﴿فكيف تتقون إن كفرتم
يوماً يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولا ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال الواحدى: فى الآية تقديم وتأخير، أى فكيف تتقون يوماً يجعل
الولدان شيباً إن كفرتم .
المسألة الثانية) ذكر صاحب الكشاف فى قوله (يوماً) وجوهاً (الأول) أنه مفعول
به، أى فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهو له إن بقيتم على الكفر (والثانى) أن يكون ظرفاً، أى

١٨٤
قوله تعالى : فكيف تتقون . سورة المزمل .
وكيف لكم بالتقوى فى يوم القيامة إن كفرتم فى الدنيا (والثالث) أن ينتصب بكفرتم على تأويل
جحدتم، أى فكيف تتقن الله, تخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء لأن تقوى الله لا معنى
لها إلا خوف عقابه .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين (الأول) قوله ( يجعل الولدان
شيباً) وفيه وجهان (الأول) أنه مثل فى الشدة يقال فى اليوم الشديد: يوم يشيب نواصى الأطفال
والأصل فيه أن الهموم والأحزان ، إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيب، لأن كثرة الهموم
توجب انقصار الروح إلى داخل القلب ، وذلك الانقصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وانطفاء
الحرارة الغريزية وضعفها، يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء
البلغم على الأخلاط ، وذلك يوجب ابيضاض الشعر ، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة
الهموم، جعلوا الشيب كناية عن الشدة والمحنة ، وليس المراد أن هول ذلك اليوم ( يجعل الولدان
شيباً) حقيقة، لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز يوم القيامة (الثانى) يجوز أن يكون
المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب ، ولقد سألنى
بعض الأدباء عن قول المعرى :
وظلم يملأ الفودين شيباً
وقال كيف يفضل هذا التشبيه الذى فى القرآن على بيت المعرى ؟ فقلت من وجوه ( الأول )
أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب، أما صيرورة الولدان شيباً فهو عجيب كأن شدة ذلك
اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة ، من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب ،
وهذا هو المبالغة العظيمة فى وصف اليوم بالشدة ( وثانيها ) أن امتلاء الفودين من الشيب معناه
ابيضاض الشعر ، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه مبالغة، وأما
الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخاً فى الضعف والنحافة وعدم طراوة الوجه ، وذلك
نهاية فى شدة ذلك اليوم (وثالثها) أن امتلاء الفودين من الشيب ، ليس فيه مبالغة لأن جانبى الرأس
موضع للرطوبات الكثيرة البلغمية، ولهذا السبب ، فإن الشيب إنما يحدث أولا فى الصدغين ، وبعده
فى سائر جوانب الرأس، فصول الشيب فى الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو استيلاء الشيب
على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذ كور فى الآية ، والله أعلم .
﴿ النوع الثانى ) من أهوال يوم القيامة قوله (السماء منفطر به) وهذا وصف لليوم بالشدة
أيضاً ، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه ، فما ظنك بغيرها من الخلائق ، ونظيره قوله ( إذا
السماء انفطرت ) وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول) لم لم يقل منفطرة؟ (الجواب) من وجوه. (أولها) روى أبو عبيدة
عن أبى عمرو بن العلاء، إنما قال ( السماء منفطر) ولم يقل منفطرة لأن مجازها مجاز السقف،
تقول هذا سماء البيت ( وثانيها ) قال الفراء السماء تؤنث وتذكر ، وهى ههنا فى وجوه التذكير

١٨٥
قوله تعالى : إن هذه تذكرة . سورة المزمل .
إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ أَخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِلًا
فلورفع السماء إليه قوماً لحقنا بالنجوم مع السحاب
وأنشد شعراً :
(وثالثها ) أن تأنيث السماء ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره.
والعين بالإنمد الخيرى مكحول
قال الشاعر :
وقال الأعشى :
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها
(ورابعها) أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنقشر، والشجر الأخضر،
وأعماز نخل منقعر ، وكقولهم امراة مرضع، أى ذات رضاع .
﴿السؤال الثانى﴾ ما معنى (منفطر به)؟ (الجواب) من وجوه: (أحدها) قال الفراء
المعنى منفطر فيه ( وثانيها) أن الباء فى به مثلها فى قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به ، يعنى أنها
تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله ، كما ينفطر الشىء بما ينفطر به ( وثالثها) يجوز أن يراد السماء مثقلة
به إثقالا يؤدى إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها، كقوله ( ثقلت فى السموات
والأرض ) .
أما قوله (كان وعده مفعولا) فاعلم أن الضمير فى قوله (وعده) يحتمل أن يكون عائداً إلى
المفعول وأن يكون عائداً إلى الفاعل، أما (الأول) وأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول
أى الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب الوقوع ، لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان
إيقاعه، وأما (الثانى) فأن يكون المعنى وعد الله واقع لامحلة لأنه تعالى منزه عن الكذب.
وههنا وإن لم يجر ذكر الله تعالى ولكنه حسن عود الضمير إليه لكونه معلوماً، واعلم أنه تعالى بدأ
فى أول السورة بشرح أحوال السعداء ، ومعلوم أن أحوالهم قسمان (أحدهما) ما يتعلق بالدين
والطاعة للمولى فقدم ذلك ( والثانى) ما يتعلق بالمعاملة مع الخلق وبين ذلك بقوله ( واصبر على
ما يقولون واهجرهم مجراً جميلا) وأما الأشقياء فقدبدأ بتهديدهم على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى
(وذرنى والمكذبين) ثم ذكر بعده أنواع عذاب الآخرة ثم ذكر بعده عذاب الدنيا وهو الأخذ
الوبيل فى الدنيا ، ثم وصف بعده شدة يوم القيامة ، فعند هذا تم البيان بالكلية . فلا جرم ختم ذلك
الكلام بقوله :
﴿ إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ أى هذه الآيات تذكرات مشتملة على أنواع
الهداية والإرشاد ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة
والاحتراز عن المعصية .

١٨٦
قوله تعالى : إن ربك يعلم . سورة المزمل .
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُوُ أَدْنَى مِنْ تُلُنَى اَلَّيْلِ وَنَصْفَهُ، وَثُلُثَهُ, وَطَآَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
مَعَكَّ وَاللهُ يُقَدِّرُ الَبْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكٌُّ فَاقْرَءُ وأمَا
تَسَّرَمِنَ الْقُرْءَانِ
قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين
معك ﴾ فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد من قوله (أدنى من ثلثى الليل) أقل منهما، وإنما استعير الأدنى
وهو الأقرب للأقل، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت
كثر ذلك .
﴿ المسألة الثانية) قرى. نصفه وثلثه بالنصب، والمعنى أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف
وقرى. ونصفه وثلثه بالجر أى تقوم أقل من الثلثين والنصف والثلث ، لكنا بينا فى تفسير قوله
(قم الليل إلا قليلا) أنه لا يلزم من هذا أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام كان تار كا للواجب
قوله تعالى: ﴿وطائفة من الذين معك﴾ وهم أصحابك يقومون من الليل هذا المقدار المذكور.
قوله تعالى: ﴿والله يقدر الليل والنهار) يعنى أن العالم بمقادير أجزاء الليل والنهار ليس إلا
الله تعالى .
قوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه ﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ الضمير فى أن لن تحصوه عائد إلى مصدر مقدر أى علم أنه لا يمكنكم
إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة، ولا يمكنكم أيضاً تحصيل تلك المقادير
على سبيل الطعن والاحتياط إلا مع المشقة التامة ، قال مقاتل: كان الرجل يصلى الليل كاء مخافة
أن لا يصيب ما أمر به من قيام ما فرض عليه .
المسألة الثانية﴾ احتج بعضهم على تكليف مالا يطاق بأنه تعالى قال (لن تحصوه) أى
لن تطيقوه، ثم إنه كان قد كلفهم به ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد ضعوبته لا أنهم لا يقدرون
عليه، كقول القائل ما أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه.
قوله تعالى: ﴿ فتاب عليكم﴾ هو عبارة عن الترخيص فى ترك القيام المقدر كقوله تعالى
( فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن) والمعنى أنه رفع التبعة عنكم في ترك هذا العمل كما رفع
التبعة عن التائب .
قوله تعالى: ﴿فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ وفيه قولان: (الأول) أن المرادمن هذه القراءة

١٨٧
قوله تعالى : علم أن سيكون منكم مرضى . سورة المزمل .
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُم ◌َّرْضَى وَءَاتَّرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ
فَضْلِ اللهِوَءَالخُونَ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِّ فَاقْرَةُ وامَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة ، فأطلق اسم الجزء على الكل، أى فصلوا ماتيسر عليكم، ثم
ههذا قولان: (الأول) قال الحسن : يعنى فى صلاة المغرب والعشاء، وقال آخرون بل نسخ
وجوب ذلك التهجد واكتفى بما تيسر منه، ثم نسخ ذلك أيضاً بالصلوات الخمس (القول الثانى )
أن المراد من قوله ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) قراءة القرآن بعينها والغرض منه دراسة القرآن
ليحصل الأمن من الفنيان قيل يقرأ مائة آية ، وقيل من قرأ مائة آية كتب من القانتين ، وقيل
خمسين آية ومنهم من قال بل السورة القصيرة كافية ، لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعاً للحرج، وفى
القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها . وههنا بحث آخر وهو ماروى عن ابن عباس أنه قال
سقط عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل وصارت تتفوعاً وبقى ذلك فرضاً على
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إنه تعالى ذكر الحكمة فى هذا النسخ فقال تعالى ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون
يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرؤا ماتيسر .: ه
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل لم نسخ اللّه ذلك؟ فقال لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر
القيام على المرضى والعناربين فى الأرض للتجارة والمجاهدين فى سبيل الله، أما المرضى فانهم
لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون فى النهار بالأعمال
الشاقة ، فلولم يناموا فى الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان موجوداً فى حق النبى
صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى (إن لك فى النهار سبحاً طويلا) فلا جرم ما صار وجوب التهجد
منوخا فى حقه. ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين الكسب الحلال
عن ابن مسعود ((أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر
يومة كان عند الله من الشهداء) ثم أعاد مرة أخرى قوله (فاقرؤا ماتيسر منه) وذلك للتأكيد ثم قالـ
(وأقيموا الصلاة ) يعنى المفروضة ( وآتوا الزكاة ) أى الواجبة وقيل زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكا
زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً.
قوله تعالى: ﴿وأقرضوا اللّه قرضاً حسناً﴾ فيه ثلاثة أوجه (أحدما) أنه يريد سائر الصدقات

١٨٨
قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير . سورة المزمل .
وَمَا تُقْدِّمُوْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَبْرًا
وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣)
( وثانيها) يريد أداء الزكاة على أحسن وجه، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعاً
للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إلى المستحق (وثالثها) يريد كل شىء يفعل من
الخير مما يتعلق بالنفس والمال .
ثم ذكر تعالى الحكمة فى إعطاء المال فقال ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو
خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن غفور رحيم﴾ وفيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً من الذى تؤخره إلى
وصيتك عند الموت، وقال الزجاج: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً لكم
من متاع الدنيا ، والقول ماقاله ابن عباس .
المسألة الثانية ) معنى الآية: وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه عند الله خيراً وأعظم
أجراً، إلا أنه قال هو خيرا للتأكيد والمبالغة، وقرأ أبو السمال هو خير وأعظم أجراً بالرفع
على الابتداء والخبر، ثم قال ( واستغفروا الله) لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة فى قيام
الليل ( إن الله غفور) لذنوب المؤمنين (رحيم) بهم، وفى الغفور قولان (أحدهما ) أنه غفور
جميع الذنوب، وهو قول مقاتل (والثانى) أنه غفور لمن يصر على الذنب، احتج مقاتل على قوله
بوجهين (الأول) أن قوله (غفور رحيم) يتناول التائب والمصر ، بدليل أنه يصح استثناء كل
واحد منهما وحده عنه وحكم الإستثناء إخراج مالولاه لدخل (والثانى) أن غفران التائب واجب
عند الخصم ولا يحصل المدح بأداء الواجب، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل
تحقيقاً للمدح، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين
محمد النبى وآله وصحبه أجمعين .

١٨٩
سورة المدثر
(٧٤) سورة المسدُمكِيَّة
وَآيَاتِهَا سَيِّتٍْ وَخَجِسُونَ
٩١-١
بِسْـ
١٠:١٠٠/١٤
يَنَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها المدثر ﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ المدثر، أصله المتدثر، وهو الذى يتدثر بثيابه لينام، أو ليستدفى.، يقال
تدثر بثوبه ، والدثار اسم لما يتدثر به ، ثم أدغمت التاء فى الدال لتقارب مخرجهما.
﴿ المسألة الثانية) أجمعوا على أن المدثر هو رسول اللّه زائم، واختلفوا فى أنه عليه الصلاة
والسلام لم سمى مدثراً، فمنهم من أجراه على ظاهره وهو أنه كان متدثراً بثوبه ، ومنهم من ترك هذا
الظاهر ، أما على الوجه الأول فاختلفوا فى أنه لأى سبب تدثر بثوبه على وجوه (أحدما) أن
هذا من أوائل ما نزل من القرآن، روى جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال (( كنت
على جبل حراء ، فنوديت يا محمد إنك رسول اللّه، فنظرت عن يمينى ويسارى، فلم أر شيئاً،
فنظرت فوقى ، فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض ، فخفت ورجعت إلى خديجة ،
فقلت دثرونى دثرونى، وصبوا على ماء بارداً، فنزل جبريل عليه السلام بقوله ( يا أيها المدثر)))
(وثانيها) أن النفر الذين آذوا رسول الله، وهم أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة
والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل اجتمعوا وقالوا : إن وفود العرب يجتمعون
فى أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد ، فكل واحد منا يجيب بجواب آخر، فواحد يقول مجنون،
وآخر يقول كاهن ، وآخر يقول شاعر ، فالعرب يستدلون باختلاف الأجوبة على كون هذه
الأجوبة باطلة ، فتعالوا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد ، فقال واحد إنه شاعر ، فقال الوليد :
سمعت كلام عبيد بن الأبرص ، وكلام أمية بن أبي الصلت ، وكلامه ما يشبه كلامهما ، وقال آخر
كاهن ، قال الوليد ومن الكاهن؟ قالوا الذى يصدق تارة ويكذب أخرى ، قال الوليد ما كذب
محمد قط ، فقال آخر إنه مجنون فقال الوليد ومن يكون المجنون؟ قالوا مخيف الناس ، فقال الوليد
ما أخيف بمحمد أحد قط، ثم قام الوليد وانصرف إلى بيته ، فقال الناس صبأ الوليد بن المغيرة ،

١٩٠
قوله تعالى : قم فأنذر . سورة المدثر .
ج وَرَبَّكَ فَكَبِرْ
٤/٠١
قُمْ فَأَنذِرٌ
فدخل عليه أبو جهل، وقال مالك يا أباعبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئاً، زعموا أنك احتججت
وصبأت، فقال الوليد ما لى إليه حاجة، ولكنى فكرت فى محمد. فقلت إنه ساحر، لأن الساحر
هو الذى يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخوين ، وبين المرأة وزوجها ، ثم إنهم أجمعوا على
تلقيب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب، ثم إنهم خرجوا فصرخوا بمكة والناس مجتمعون،
فقالوا إن محمداً لساحر، فوقعت الضجة فى الناس. أن محمداً ساحر، فلما سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك اشتد عليه، ورجع إلى بيته محزوناً فتدر بثوبه، فأنزل الله تعالى ( يا أيها المدثر، قم
فأنذر) (وثالثها) أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً متدثراً بثيابه، بلجاءة جبريل عليه السلام
وأيقظه، وقال ( يا أيها المدثر، قم فأنذر ) كأنه قال له اترك التدثر بالثياب والنوم، واشتغل بهذا
المنصب الذی نصبك الله له .
﴿ القول الثانى) أنه ليس المراد من المدر، المتدثر بالثياب، وعلى هذا الاحتمال فيه وجوه
(أحدما) أن المراد كونه متدثراً بدثار النبوة والرسالة من قولهم: ألبسه الله لباس التقوى وزينه
برداء العلم، ويقال تلبس فلان بأمر كذا ، فالمراد (يا أيها المدثر) بدثار النبوة (قم فانذر)
(وثانيها). أن المتدثر بالثوب يكون كالمختفى فيه ، وأنه عليه الصلاة والسلام فى جبل حراء كان
كالمختفى من الناس، فكأنه قيل: يا أيها المتدثر بد ثار الخمول والاختفاء ، قم بهذا الأمر واخرج
من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحق ( وثالثها) أنه تعالى جعله
رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له: يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة
قم فأنذر عذاب ربك .
المسألة الثالثة﴾ عن عكرمة أنه قرى. على لفظ اسم المفعول من دثره ، كانه قيل له: دثرت
هذا الأمر وعصيت به، وقد سبق نظيره فى المزمل .
قوله تعالى: ﴿قم فأنذر) فى قوله (قم) وجهان (أحدهما) قم من مضجعك ( والثانى) قم
قيام عزم وتصميم، وفى قوله (فأنذر) وجهان (أحدهما) حذر قومك من عذاب الله إن لم
يؤمنوا . وقال ابن عباس: قم نذيراً للبشر، احتج القائلون بالقول الأول بقوله تعالى (وأنذر)
واحتج القائلون بالقول الثانى بقوله تعالى (وما أرسلناك إلا كافة الناس) وههنا قول ثالث،
وهو أن المراد فاشتغل بفعل الإنذار، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة، فإنه فرق بين أن يقال
تعلم متعة المناظرة، وبين أن يقال : ناظر زيداً.
قوله تعالى : ﴿وربك فكبر﴾ فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ ذكروا فى تفسير التكبير وجوهاً (أحدما) قال الكلبى: عظم ربك

١٩١
قوله تعالى : وثيابك فطهر . سورة المدثر .
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
نمايقوله عبدة الأوثان (وثانيها) قال مقاتل: هو أن يقول الله أكبر، روى أنه ((لما نزلت هذه
الآية قام النبي رائم وقال: الله أكبر كبيراً، فكبرت خديجة وفرحت، وعلمت أنه أوحى إليه)»
(وثالثها) المراد منه التكبير فى الصلوات ، فإن قيل هذه السورة نزلت فى أول البعث وما كانت الصلاة
واجبة فى ذلك الوقت؟ قلنا لا يبعد أنه كانتله عليه السلام صلوات تطوعية، فأمران یکبر ربه فيها
( ورابعها) يحتمل عندى أن يكون المراد أنه لما قيل له (قم فأنذر) قيل بعد ذلك (وربك فكبر)
عن اللغو والعبث .
واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة، ومهمات عظيمة، لا يجوز لك الإخلال
بها، فقوله (وربك) كالتأكيد فى تقرير قوله: (قم فأنذر ) (وخامسها) عندى فيه وجه آخر
وهو أنه لما أمره بالإنذار، فكأن سائلا سأل وقال : بماذا ينذر ؟ فقال أن يكبر ربه عن الشركاء
والأضداد والأنداد ومشابهة الممكنات والمحدثات ، ونظير قوله فى سورة النحل (أن أنذروا
أنه لا إله إلا أنا فاتقون) وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على
سائر أنواع الدعوات.
المسألة الثانية ) الفاء فى قوله (فكبر) ذكروا فيه وجوهاً (أحدها) قال أبو الفتح الموصلى:
يقال زيداً فاضرب، وعمراً فاشكر ، وتقديره زيداً اضرب وعمراً أشكر ، فعنده أن الفاء زائدة
(وثانيها) قال الزجاج : دخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية ، والمعنى: قم فكبر ربك وكذلك
ما بعده على هذا التأويل ( وثالثها ) قال صاحب الكشاف : الفاء لإفادة معنى الشرط ، والتقدير:
وأی شی. كان فلا تدع تكبيره .
قوله تعالی : ﴿ و ثيابك فطهر
اعلم أن تفسير هذه الآية يقع على أربعة أوجه (أحدها ) أن يترك لفظ الثياب والتطهير على
ظاهره ( والثانى) أن يترك لفظ الثياب على حقيقته، ويحمل لفظ التطهير على مجازه (الثالث) أن
يحمل لفظ الثياب على مجازه، ويترك لفظ التطهير على حقيقته ( والرابع) أن يحمل اللفظان على
المجاز ( أما الاحتمال الأول) وهو أن يترك لفظ الثياب، ولفظ التطهير على حقيقته، فهو أن
نقول المراد منه أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا
التقدير يظهر فى الآية ثلاث احتمالات (أحدها ) قال الشافعى: المقصود منه الإعلام بأن الصلاة
لا تجوز إلا فى ثياب طاهرة من الأنجاس (وثانيها) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان
المشركون ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات ، فأمره اللّه تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات
( وثالثها) روى أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى شاة، فشق عليه ورجع إلى

١٩٢
قوله تعالى : وثيابك فطهر . سورة المدثر .
بيته حزيناً وتدثر بثيابه، فقيل ( يا أيها المدثر، قم فأنذر) ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار
(وربك فكبر) عن أن لا ينتقم منهم (وثيابك فطهر) عن تلك النجاسات والقاذورات، (الاحتمال
الثانى ) أن يبقى لفظ الثياب على حقيقته، ويجعل لفظ التطهير على مجازه، فهنا قولان (الأول)
أن المراد من قوله (فطهر) أى فقصر، وذلك لأن العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم
فكانت ثيابهم تتنجس ، ولأن تطويل الذيل إنما يفعل للخيلاء والكبر، فنهى الرسول صلى الله
عليه وسلم عن ذلك (القول الثانى) (وثيابك فطهر) أى ينبغى أن تكون الثياب التى تلبسها مطهرة
عن أن تكون مغصوبة أو محرمة، بل تكون مكتسبة من وجه حلال، (الاحتمال الثالث ) أن
يبقى لفظ التطهير على حقيقته، ويحمل لفظ الثياب على مجازه، وذلك أن يحمل لفظ الثياب على الجدد
وذلك لأن العرب ما كانوا يتنظفون وقت الاستنجاء، فأمر عليه الصلاة والسلام بذلك التنظيف
وقد يجعل لفظ الثياب كناية عن النفس .
(أى نفسه)
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
قال عنترة :
ليس الكريم على القنا بمحرم
ولهذا قال :
(الاحتمال الرابع) وهو أن يحمل لفظ الثياب، ولفظ التطهير على المجاز، وذكروا على
هذا الاحتمال وجوهاً (الأول) وهو قول أكثر المفسرين: وقلبك فطهر عن الصفات المذمومة
وعن الحسن (وثيابك فطهر) قال وخلفك ج من، قال القفال: وهذا يحتمل وجوهاً (أحدما) أن
الكفار لما لقبوه بالساحر شق ذلك عليه جداً، حتى رجع إلى بيته وتدثر بثيابه، وكان ذلك إظهار
جزع وقلة صبر يقتضيه سوء الخلق، فقيل له (قم فأنذر) ولا تحملتك سفاهتهم على ترك إنذارهم
بل حسن خلقك ( والثانى ) أنه زجر عن التخلق بأخلاقهم ، فقيل له ( طهر ثيابك ) أى قلبك عن
أخلاقهم ، فى الافتراء والتقول والكذب وقطع الرحم (والثالث) فطهر نفسك وقلبك عن أن
تعزم على الانتقام منهم والإساءة إليهم ، ثم إذا فسرنا الآية بهذا الوجه، ففى كيفية اتصالها بما
قبلها وجهان ( الأول ) أن يقال إن الله تعالى لما ناداه فى أول السورة، فقال ( يا أيها المدثر)
وكان التدثر لباساً ، والدثار من الثياب ، قيل طهر ثيابك التى أنت متدثر بها عن أن تلبسها على هذاً
التفكر والجزع والضجر من افتراء المشركين (الوجه الثانى) أن يفسر المدر بكونه متدثراً
بالنبوة، كأنه قيل: يا أيها المتدثر بالنبوة طهر ما قدثرت به عن الجزع وقلة الصبر، والغضب والحقد،
فإن ذلك لا يليق بهذا الدثار، ثم أوضح ذلك بقوله ( ولربك فاصبر) واعلم أن حمل المدثر على
المتصف ببعض الصفات جائز، يقال فلان طاهر الجيب نقى الذيل ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب،
ويقال فلان دنس الثيات إذا كان موصوفا بالأخلاق الذميمة ، قال الشاعر :
فلا أب وابناً مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
والسبب فى حسن هذه الكناية وجهان ( الأول) أن الثوب كالشىء الملازم للانسان ، فلهذا

١٩٣
قوله تعالى : والرجز فأهجز . سورة المدثر .
وَالرُّْزَ فَاهْجُرْ جْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثُ چِ
السبب جعلوا الثواب كناية عن الإنسان ، يقال المجد فى ثوبه والعفة فى إزاره (والنانى) أن الغالب
أن من ظهر باطنه ، فإنه يطهر ظاهره ( الوجه الثانى) فى تأويل الآية أن قوله ( وثيابك فطهر )
أمر له بالاحتراز عن الآثام والأوزار التى كان يقدم عليها قبل النبوة، وهذا على تأويل من حمل
قوله (ووضعنا عنك وزرك، الذى أنقض ظهرك) على أيام الجاهلية (الوجه الثالث) فى تأويل
الآية قال محمد بن عرفة النحوى معناه: نساءك طهرهن، وقد يكنى عن النساء بالثياب، قال تعالى (هن
لباس لكم وأنتم لباس لهن) وهذا التأويل بعيد، لأن على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها.
قوله تعالى: ﴿والرجز فاهج ﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى الرجز وجوها (الأول) قال العقى: الرجز العذاب قال الله
تعالى (ان كشفت عنا الرجز) أى العذاب ثم سمى كيد الشيطان رجزاً لأنه سبب للعذاب، وسميت
الأصنام رجزاً لهذا المعنى أيضاً، فعلى هذا القول تكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل
المعاصى، ثم على هذا القول احتمالان (أحدهما) أن قوله ( والرجز فاهجٍ) يعنى كل ما يؤدى إلى
الرجز فاهجره ، والتقدير وذا الزجر فاهمٍ أى ذا العذاب فيكون المضاف محذوفا ( والثانى) أنه
سمى إلى ما يؤدى إلى العذاب عذاباً تسمية للشىء، باسم ما يجاوره ويتصل به ( القول الثانى) أن
الرجز اسم للقبيح المستقذر وهو معنى الرجس، فقوله ( والرجز فاهجٍ ) كلام جامع فى مكارم
الأخلاق كأنه قيل له اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين
المستعملين للرجز، وهذا يشكل تأويل من فسر قوله ( وثيابك فطهر) على تحسين الخلق وتطهير
النفس عن المعاصي والقبائح.
﴿المسألة الثانية) احتج من جوز المعاصى على الأنبياء بهذه الآية، قال لولا أنه كان مشتغلا
بها وإلا لما زجر عنها بقوله (والرجز فاهجر) والجواب المراد منه الأمر بالمداومة على ذلك
الهجران، كما أن المسلم إذا قال أهدنا فليس معناه أنا لسنا على الهداية فاهدنا، بل المراد ثبتنا على هذه
الهداية ، فكذا ههنا .
المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم فى رواية حفص والرجز بضم الراء فى هذه السورة وفى سائر
القرآن بكسر الراء، وقرأ الباقون وعاصم فى رواية أبى بكر بالكسر وقرأ يعقوب بالضم ، ثم قال
الفراء هما لغتان والمعنى واحد ، وفى كتاب الخليل الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسر ارا.
العذاب، ووسواس الشيطان أيضاً رجز، وقال أبو عبيدة أفشى اللغتين وأكثرهما الكسر .
قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ القراءة المشهورة تستكثر برفع الراء وفيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن
الفخر الرازي - ج ٣٠ م ١٣

١٩٤
قوله تعالى : ولا تمثن تستكثر . سورة المدثر .
يكون التقدير ولا تمنن لتستكثر فتنزع اللام فيرتفع ( وثانيها) أن يكون التقدير لا تمنن أن
تستكثر ثم تحذف أن الناصبة فتسلم الكلمة من الناصب والجازم فترتفع ويكون مجاز الكلام
لا تعط لأن تستكثر (وثالثها) أنه حال متوقعة أى لا تمنن مقدراً أن تستكثر قال أبو على الفارسى
هو مثل قولك مررت برجل معه صقر صائداً به غدا أى مقدراً للصيد فكذا ههنا المعنى مقدراً
الاستكثار، قال ويجوز أن يحكى به حالا آتية ، إذا عرفت هذا فنقول ، ذكروا فى تفسير الآية
وجوهاً (أحدها ) أنه تعالى أمره قبل هذه الآية، بأربعة أشياء إنذار القوم، وتكبير الرب ،
وتطهير الثياب، ومجر الرجز، ثم قال (ولا تمنن تستكثر) أى لا تمنن على ربك بهذه الأعمال
الشاقة ، كالمستكثر لما تفعله ، بل اصبر على ذلك كاء لوجه ربك متقرباً بذلك إليه غير متن به عليه.
قال الحسن، لا تمنن على ربك بحسناتك فتستكثرها (وثانيها) لا تمنن على الناس بما تعلمهم من
أمر الدين، والوحى كالمستكثر لذلك الإنعام، فإنك إنما فعلت ذلك بأمر الله، فلا منة لك عليهم،
ولهذا قال ( ولربك فاصبر)، (وثالثها) لاتمنن عليهم بنبوتك تتستكثر، أى لتأخذ منهم على ذلك
أجراً تستكثر به مالك ( ورابعها) لا تمنن أى لا تضعف من قولهم حبل منين أى ضعيف، يقال
منه السير أى أضعفة، والتقدير فلا تضعف أن تستكثر من هذه الطاعات الأربعة التى أمرت بها
قبل هذه الآية، ومن ذهب إلى هذا قال، هو مثل قوله (أفغير الله تأمرونى أعبد) أى أن أعبد فخذفت
أن وذكر الفراء أن فى قراءة عبد الله (ولا تمتن تستكثر) وهذا يشهد لهذا التأويل ، وهذا
القول اختيار مجاهد ( وخامسها) وهو قول أكثر المفسرين أن معنى قوله ( ولا تمنن) أى لا تعط
يقال منذت فلاناً كذا أى أعطيته ، قال ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك) أى فأعط ، أو أمسك
وأصله أن من أعطى فقد من ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة ، فالمعنى ولا تعط مالك
لأجل أن تأخذ أكثر منه، وعلى هذا التأويل سؤالات :
﴿ السؤال الأول) ما الحكمة فى أن الله تعالى منعه من هذا العمل؟ (الجواب) الحكمة فيه
من وجوه (الأول) لأجل أن تكون عطاياه لأجل الله لا لأجل طلب الدنيا، فإنه نهى عن طلب
الدنيا فى قوله ( ولا تمدن عينيك ) وذلك لأن طلب الدنيا لا بد وأن تكون الدنيا عنده عزيزة ،
ومن كان كذلك لم يصلح لأداء الرسالة (الثانى) أن من أعطى غيره القليل من الدنيا ليأخذ الكثير
لابد وأن يتواضع لذلك الغير وبتضرع له ، وذلك لا يليق بمنصب النبوة، لأنه يوجب دناءة الآخذ،
ولهذا السبب حرمت الصدقات عليه، وتنفير المأخوذ منه ، ولهذا قال ( أم تسألهم أجراً فهم من
مغرم مثقلون) .
﴿ السؤال الثانى) هذا النهى مختص بالرسول عليه الصلاة والسلام، أم يتناول الأمة؟
(الجراب) ظاهر اللفظ لا يفيد العموم وقرينة الحال لا تقتضى العموم لأنه عليه الصلاة والسلام
إنما نهى عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود فى الأمة، ومن الناس من قال

١٩٥
قوله تعالى : ولربك فاصبر . سورة المدثر .
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْچ
هذا المعنى فى حق الأمة هو الرياء ، والله تعالى منع الكل من ذلك .
﴿ السؤال الثالث) بتقدير أن يكون هذا النهى مختصاً بالنبى صلى الله عليه وسلم فهو نهى
تحريم أو نهى تنزيه؟ (والجواب) ظاهر النهى للتحريم (الوجه السادس) فى تأويل الآية قال
القفال يحتمل أن يكون المقصد من الآية أن يحرم على النبى صلى الله عليه وسلم أن يعطى لأحد
شيئاً لطلب عوض سواء كان ذلك العوض زائداً أو ناقصاً أو مساوياً، ويكون معنى قوله (تستكثر)
أى طالباً للكثرة كارهاً أن ينقص المال بسبب العطاء,، فيكون الاستكثار ههنا عبارة عن طلب
العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً على العطاء،
فسمى طلب أنتواب استكتاراً حملا للشىء على أغلب أحواله ، وهذاكما أن الأغلب أن المرأة
إنما تتزوج ولها ولد للحاجة إلى من يربى ولدها فسمى الولد ريباً ، ثم اتسع الأمر فسمى ربيبا
وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال السبب فيه أن يصير عطاء النبى
صلى الله عليه وسلم خالياً عن انتظار العوض والتفات الناس إليه ، فيكون ذلك خالصاً مخلصاً
لوجه الله تعالى (الوجه السابع) أن يكون المعنى ولا تمنن على الناس بما تنعم عليهم وتعطيهم
استكشاراً منك لتلك العطية ، بل ينبغى أن تستقلها وتستحقرها أو تكون كالمتعذر من ذلك المنعم
عليه فى ذلك الإنعام ، فان الدنيا بأسرها قليلة ، فكيف ذلك القدر الذى هو قليل فى غاية القلة بالنسبة
إلى الدنيا، وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة كالمرتبة (فالوجه الأول) معناه كونه عليه الصلاة والسلام
ممنوعا من طلب الزيادة فى العوض ( والوجه الثانى) معناه كونه منوعا عن طلب مطلق العوض
زائداً كان أو مساوياً أو ناقصاً (والوجه الثالث) معناه أن يعطى وينسب نفسه إلى التقصير ويجعل
نفسه تخت منة المنعم عليه حيث قبل منه ذلك الإنعام ( الوجه الثامن ) معناه إذا أعطيت شيئاً فلا
ينبغى أن تمن عليه بسب أنك تستكثر تلك العطية، فإن المن محبط لثواب العمل، قال تعالى (لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ).
المسألة الثانية) قرأ الحسن ( تستكثر) بالجزم وأكثر المحققين أبوا هذه القراءة، ومنهم
من قبلها وذكروا فى صحتها ثلاثة أوجه: (أحدها) كأنه قيل لا تمنن لا تستكثر ( وثانيها ) أن
يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات ، كما حكاه أبو زيد فى قوله تعالى
( بلى ورسلنا لديهم يكتبون) بإسكان اللام (وثالثها ) أن يعتبر حال الوقف، وقرأ الأعمش
( تستكثر ) بالنصب باضمار أن كقوله :
ألا أيهذا الزاجرى احضر الوغى [وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى]
ويؤيده قراءة ابن مسعود: ولا تمنن أن تسكثر .
قوله تعالى: ﴿ولربك فاصبر﴾ فيه وجوه: (أحدها) إذا أعطيت المال فاصبر على ترك

١٩٦
قوله تعالى : فإذا نقر في الناقور . سورة المدثر .
فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُورِ (٦
المن والاستكثار أى أترك هذا الأمر لأجل مرضاة ربك (وثانيها) إذا أعطيت المال فلا تطلب
العوض، وليكن هذا الترك لأجل ربك (وثالثها) أنا أمرناك فى أول هذه السورة بأشياء ونهيناك
عن أشياء فاشتغل بتلك الأفعال والتروك لأجل أمرربك، فكأن ما قبل هذه الآية تكاليف بالأفعال
والتروك، وفى هذه الآية بين ما لأجله يحب أن يؤتى بتلك الأفعال والتروك وهو طلب رضا
الرب (ورابعها) أنا ذكرنا أن الكفار لما اجتمعوا وبحثوا عن حال محمد بمؤثم قام الوليد ودخل
داره فقال القوم إن الوليد قد صبأ فدخل عليه أبو جهل، وقال إن قريشاً جمعوا لك مالا حتى
لا تترك دين آبائك، فهو لأجل ذلك المال بقى على كفره ، فقيل لمحمد إنه بقى على دينه الباطل لأجل
المال، وأما أنت فاصبر على دينك الحق لأجل رضا الحق لا لشى. غيره (وخامسها) أن هذا
تحريض بالمشركين كأنه قبل له (وربك فكبر) لا الأوثان (وثيابك فطهر) ولا تكن كالمشركين
نجس البدن والثياب ( والرجز فاهجر) ولا تقربه كما تقربه الكفار (ولا تمنن تستكثر) كما أراد
الكفار أن يعطوا الوليد قدراً من المال وكانوا يستكثرون ذلك القليل (ولوبك فاصبر) على
هذه الطاعات لا للاغراض العاجلة من المال والجاه .
قوله تعالى: ﴿فإذا نقر فى الناقور﴾ اعلم أنه تعالى لما تم ما يتعلق بإرشاد قدوة الأنبياء وهو
محمد عَّ اليه ، عدل عنه إلى شرح وعيد الأشقياء وهو هذه الآية، وههنا مسائل:
المسألة الأولى ﴾ الفاء فى قوله ( فإذا نقر) للسبب كأنه قال (اصبر على أذام) فبين أيديهم
يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم ، وتلقى أنت عاقبة صبرك عليه.
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى أن الوقت الذى ينقر فى الناقور، أهوا النفخة الأولى أم
النخفة الثانية؟ (فالقول الأول) أنه هو النخفة الأولى ، قال الحليمى فى كتاب المنهاج أنه تعالى
سمى الصور بأسمين أحدهما الصور والآحر الناقور ، وقول المفسرين إن الناقور هو الصور ، ثم
لاشك أن الصور وإن كان هو الذى ينفخ فيه النفختان معاً، فان نفخة الإصعاق تخالف نفخة
الإحياء، وجاء فى الأخبار أن فى الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها ، وأنها تجمع فى تلك الثقب فى
النفخة الثانية ، فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذى نزع منه فيعود الجسد حياً
بإذن الله تعالى، فيحتمل أن يكون الصور محتوياً على آلتين ينقر فى إحداهما وينفخ فى الأخرى
فإذا نفخ فيه للاصعاق ، جمع بين النقر والنفخ ، لتكون الصيحة أهد وأعظم ، وإذا نفخ فيه للاحياء
لم ينقر فيه، واقتصر على النفخ، لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها لا تنقيرها
من أجسادها ، والنخفة الأولى للتنقير ، وهو نظير صوت الرعد ، فإنه إذا اشتد فربما مات سامعه،
والصيحة الشديدة التى يصيحها رجل بصبى فيفزع منه فيموت ، هذا آخر كلام الحليمى رحمه الله .

١٩٧
قوله تعالى : فذلك يومئذ يوم عسير . سورة المدثر .
١٠
عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيٍ
فَذَالكَ يوميِذٍ يوم عِسِير
ولى فيه إشكال، وهو أن هذا يقتضى أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق، وذلك اليوم
غير شديد على الكافرين ، لأنهم يموتون فى تلك الساعة إنما اليوم الشديد على الكافرين عند صيحة
الإحياء، ولذلك يقولون يا ليتها كانت القاضية، أى يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى (والقول الثانى)
إنه النفخة الثانية ، وذلك لأن الناقور هو الذى ينقر فيه، أى ينكت ، فيجوز أنه إذا أريد أن
ينفخ فى المرة الثانية ، نقر أو لا ، فسمى نافوراً لهذا المعنى ، وأقول فى هذا اللفظ بحث وهو أن
الناقور فاعول من النقر، كالحاضوم ما يهضم به، والحاطوم ما يحطم به، فكان ينبغى أن يكون
الناقور ما ينقر به لا ما ينقر فيه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ العامل فى قوله (فإذا نقر) هو المعنى الذى دل عليه قوله ( يوم عسير)
والتقدير ( إذا نقر فى الناقور ) عسر الأمر وصعب .
قوله تعالى: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله فذلك إشارة إلى اليوم الذى ينقر فيه فى الناقور، والتقدير فذلك
اليوم ( يوم عسير)، وأما ( يومئذ) ففيه وجوه: (الأول) أن يكون تفسيراً لقوله ( فذلك)
لأن قوله (فذلك) يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر، وأن يكون إشارة إلى اليوم المضاف إلى
النقر، فكأنه قال ( فذلك ) أعنى اليوم المضاف إلى النقر ( يوم عسير) فيكون ( يومئذ) فى محل
النصب (والثانى) أن يكون ( يومئذ) مرفوع المحل بدلا من ذلك (ويوم عسير) خبر كانه قيل
فيوم النقر ( يوم عسير ) فعلى هذا يومئذ فى محل الرفع لكونه بدلا من ذلك إلا أنه لما أضيف
اليوم إلى إذ وهو غير متمكن بنى على الفتح (الثالث) أن تقدير الآية فذلك النقر يومئذ نقر
( يوم عسير) على أن يكون العامل فى ( يومئذ) هو النقر .
﴿ المسألة الثانية) عسر ذلك اليوم على الكافرين لأنهم يناقشون فى الحساب ويعطون كتبهم
بشمائلهم وتسود وجوههم وتحشرون زرقاً وتتكلم جوارحهم فيفتضحون على رؤوس الأشهاد
وأما المؤمنون فإنه عليهم يسير لأنهم لا يناقشون فى الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال
الموازين، ويحتمل أن يكون إنما وصفه الله تعالى بالعسر لأنه فى نفسه كذلك للجميع من المؤمنين
والكافرين على ما روى أن الأنبياء يومئذ يفزعون، وأن الولدان يشيبون إلا أنه يكون هول
الكفار فيه أشد، فعلى القول الأول لا يحسن الوقف على قوله ( يوم عسير ) فإن المعنى أنه (على
الكافرين) عسير و (غير يسير)، وعلى القول الثانى يحسن الوقف لأن المعنى أنه فى نفسه
عسير على الكل ثم الكافر مخصوص فيه بزيادة خاصة وهو أنه عليه غير يسير ، فإن قيل فما فائدة
قوله (غير يسير) وعسير مغن عنه؟ (الجواب) أما على (القول الأول ) فالتكرير للتأكيد كما

١٩٨
قوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيداً . سورة المدثر .
ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (٨٦) وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالًا عَمْدُ ودًّا (َ)
تقول أنالك محب غير مبغض وولى غير عدو، وأما على ( القول الثانى) فقوله ( عسير ) يفيد
أصل العسر الشامل للمؤمنين والكافرين وقوله (غير يسير) يفيد الزيادة التى يختص بها الكافر
لأن العسر قد يكون عسراً، قليلا يسيراً، وقد يكون عسراً كثيراً فأثبت أصل العسر للكل وأثبت
العسر بصفة الكثرة والقوة للكافرين .
المسألة الثالثة﴾ قال ابن عباس لما قال إنه غير يسير على الكافرين، كان يسيراً على المؤمنين
فبعض من قال بدليل الخطاب قال لولا أن دليل الخطاب ججة وإلا لما فهم ابن عباس من كونه
غير يسير على الكافر كونه يسيراً على المؤمن .
قوله تعالى: ﴿ذرنى ومن خلقت وحيداً ﴾ أجمعوا على أن المراد ههنا الوليد بن المغيرة ، وفى
نصب قوله وحيداً وجوه (الأول ) أنه نصب على الحال ، ثم يحتمل أن يكون حالا من الخالق
وأن يكون حالا من المخلوق ، وكونه حالا من الخالق على وجهين ( الأول) ذرنى وحدى معه
فإنى كاف فى الانتقام منه ( والثانى ) خلقته وحدى لم يشركنى فى خلقه أحد ، وأما أونه حالا من
المخلوق ، فعلى معنى أنى خلقته حال ما كان وحيداً فريداً لامال له، ولا ولد كقوله ( ولقد جئتمونا
فرادى كما خلقناكم أو مرة)، (القول الثانى) أنه نصب على الذم، وذلك لأن الآية نزلت فى الوليد
وكان يلقب بالوحيد، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لى فى العرب نظير، ولا لأبى نظير .
فالمراد (ذرنى ومن خلقت) أعنى وحيداً. وطعن كثير من المتأخرين فى هذا الوجه ، وقالوا
لا يجوز أن يصدقه الله فى دعواه أنه وحيد لا نظير له ، وهذا السؤال ذكره الواحدى وصاحب
الكشاف، وهو ضعيف من وجوه ( الأول ) أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن
اسم العلم لا يفيد فى المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة (الثانى) لم لا يجوز أن يحمل على
كونه وحيداً فى ظنه واعتقاده؟ ونظيره قوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (الثالث) أن لفظ
الوحيد ليس فيه أنه وحيد فى العلو والشرف، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد فى هذه الأمور.
فيمكن أن يقال أنت وحيد لكن فى الكفر والخبث والدناءة ( القول الثالث ) أن وحيداً مفعول
ثان لخلق ، قال أبو سعيد الضرير الوحيد الذى لا أب له ، وهو إشارة إلى الطعن فى نسبه كما فى قوله
( عتل بعد ذلك زنيم ) .
قوله تعالى: ﴿وجعلت له مالا ممدوداً﴾ فى تفسير المال الممدود وجوه (الأول) المال الذى
يكون له عدد يأتى من الجزء بعد الجزء على الدوام ، فلذلك فسره عمر بن الخطاب بغلة شبر شهر
(وثانيها) أنه المال الذى يمد بالزيادة ، كالضرع والزرع وأنواع التجارات (وثالثها) أنه المال
الذى امتد مكانه، قال ابن عباس كان ماله ممدوداً ما بين مكة إلى الطائف [من] الإبل والخيل والغنم

١٩٩
قوله تعالى : وبنين شهودا . سورة المدثر .
وَبَنِنَ تُهُودًا (٢) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا وَه ◌ُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ لَّ كَلَّ إِنَّهُ كَانَ
لَيَتِنَا عَنِيدًا
والبساتين الكثيرة بالطائف والأشجار والأنهار والنقد الكثير، وقال مقاتل كان له بستان لا ينقطع
نفعه شتاء ولا صيفاً، فالممدود هناكما فى قوله (وظل مدود) أى لا ينقطع (ورابعها) أنه المال
الكثير وذلك لأن المال الكثير إذا عدد فإنه يمتد تعديده، ومن المفسرين من قدر المال الممدود
فقال بعضهم ألف دينار ، وقال آخرون أربعة آلاف وقال آخرون ألف ألف، وهذه التحكمات
١٤ لا يميل إليها الطبع السليم .
قوله تعالى: ﴿وبنين شهوداً﴾ فيه وجهان ( الأول) بنين حضوراً معه بمكة لا يفارقونه البتة
لأنهم كانوا أغنياء فما كانوا محتاجين إلى مفارقته لطلب كسب ومعيشة وكان هو مستأنساً بهم طيب
القلب بسبب حضورهم ( والثانى ) يجوز أن يكون المراد من كونهم شهوداً أنهم رجال يشهدون
معه المجامع والمحافل وعن مجاهد كانوا عشرة ، وقيل سبعة كلهم رجال الوليد بن الوليد وخالد
وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام .
قوله تعالى: ﴿ومهدت له تمهيدا) أى وبسطت له الجاه العريض والرياسة فى قومه فأتممت
عليه نعمتى المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا ، ولهذا المعنى يدعى بهذا فيقال أدام
اللّه تمهيده أى بسطته وتصرفه فى الأمور ، ومن المفسرين من جعل هذا التمهيد البسطة فى العيش
وطول العمر ، وكان الوليد من أكابر قريش ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش.
قوله تعالى: ﴿ ثم يطمع أن أزيد﴾ لفظ ثم ههنا معناه التعجب كما تقول لصاحبك أنزلتك
دارى وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمنى، ونظيره قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السموات
والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فمعنى ثم ههنا للافكار والتعجب
ثم تلك الزيادة التى كان يطمع فيها هل هى زياة فى الدنيا أو فى الآخرة ؟ فيه قولان (الأول )
قال الكلبى ومقاتل ثم يرجو أن أزيد فى ماله وولده وقد كفربى (الثانى ) أن تلك الزيادة فى
الآخرة قيل إنه كان يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لى، ونظيره قوله تعالى ( أفرأيت
الذى كفر بآياتنا، وقال لأوتين مالا وولداً).
قوله تعالى: ﴿ كلا﴾ وهو ردع له عن ذلك الطمع الفاسد قال المفسرون ولم يزل الوليد فى
نقصان بعد قوله (كلا ) حتى افتقر ومات فقيراً .
قوله تعالى: ﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ إنه تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال
لم لا يزاد ؟ فقيل لأنه كان لآياتنا عنيداً والعنيد فى معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير، وفى

٢٠٠
قوله تعالى : سأرهقه صعودا . سورة المدثر .
سَأَرْهِقُهُ صَعُودًا (٦) إِنَّهُ، فَرَ وَقَدَّرَ (٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٦َ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ
قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ (
٢١
هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته (أحدها) أنه كان معاندا فى جميع الدلائل الدالة
على التوحيد والعدل والقدرة وصحة النمور صمة البعث ، وكان هو منازعا فى الكل منكراً للكل
(وثانيها) أن كفره كان كفر عناد كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها لمسانه
وكفر المعاند أفش أنواع الكفراز وثالثها) أن قوله (إنه كان لآياتنا عنيداً) يدل على أنه من
قديم الزمان كان على هذه الحرية والصنعة (ورابعها) أن قوله ( إنه كان لآ اتنا عنيداً) يفيد أن
تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته ، فإن تقديره: إنه كان لآ ياتنا عنيداً لا لا يات
غيرنا ، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركا للعناد فى سائر الأشياء يدل على غاية الخسران.
قوله تعالى: ﴿أرهقه صعوداً﴾ أى سأكلفه صعوداً وفى الصعود قولان (الأول ) أنه مثل
لما ياقى من العذاب الشاق الصعب الذى لايطاق مثل قوله ( يسلكه عذاباً صعداً) وصعود من
قولهم عقبة صعود وكدود شاقة المصعد ( والثانى) أن صعوداً اسم لعقبة فى النار كلما وضع يده
عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت ، وعنه عليه الصلاة والسلام
((الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوى كذلك فيه أبداً)).
ج ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده فقال ﴿إنه فكر وقدر﴾ يقال فكر فى الأمر وتفكر إذا نظر
فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب فى قلبه كلاماً وهيأه وهو المراد من قوله ( فقدر).
ثم قال تعالى ﴿فقتل كيف قدّر) وهذا إنما يذكر عند التعجب والاستعظام، ومثله قولهم
قتله الله ما أشجعه، وأخزاه الله ما أشعره، ومعناه. أنه قد بلغ المبلغ الذى هو حقيق بأن يحد ويدعو
عليه حاسده بذلك، وإذا عرفت ذلك فنقول إنه يحتمل ههنا وجهين (أحدهما) أنه تعجيب من قوة
خاطره، يعنى أنه لا يمكن القدح فى أمر محمد عليه السلام بشبهة أعظم ولا أقوى ما ذكره هذا
القائل ( والثانى) الثناء عليه على طريقة الاستهزاء، يعنى أن هذا الذى ذكره فى غاية الركاكة
والسقوط .
ثم قال ﴿ثم قتل كيف قدر﴾ والمقصود من كلمة، ثم ههنا الدلالة على أن الدعاء عليه فى الكرة
الثانية أبلغ من الأولى .
ثم قال ﴿ ثم نظر﴾ والمعنى أنه (أولا) فكر (وثانياً) قدر (وثالثاً) نظر فى ذلك المقدر،
فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق للتقدير، وهذا هو الاحتياط. فهذه المراقب الثلاثة
متعلقة بأحوال قلبه .