Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ٤ قوله تعالى : وانك لعلى خلق عظيم . سورة القلم . أخرى، وهى قوله (لعلى خلق عظيم) وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور . المسألة الثانية﴾ الخلق ملكة نفسانيه يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة . واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير، فالحالة التى باعتبارها تحصل تلك السهولة فى الخلق ويدخل فى حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب، والتشديد فى المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل، وترك التقاطع والهجران والتساهل فى العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهراً له وحصل له حق آخر. وروى عن ابن عباس أنه قال معناه: وإنك لعلى دين عظيم، وروى أن الله تعالى قال له ((لم أخلق ديناً أحب إلى ولا أرضى عندى من هذا الدين الذى اصطفيته لك ولأمتك)) يعنى الإسلام، واعلم أن هذا القول ضعيف، وذلك لأن الإنسان له قوتان، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كال القوة النظرية، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر، ويمكن أيضاً أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين: (الوجه الأول) أن الخلق فى اللغة هو العادة سواء كان ذلك فى إدراك أو فى فعل ( الوجه الثانى) أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذى باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلا ، فلما كانت الروح القدسية التى له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة فى قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهولة بالخلق . المسألة الثالثة﴾ قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة ((أخبرينى عن خلق رسول اللّه، قالت ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى قالت فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام)) وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن، ثم قرأت (قد أفلح المؤمنون) إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع، ومقتضى الفطرة، اللهم ارزقنا شيئاً من هذه الحالة. وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت ((ما كان أحد أحسن خلفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه. ولا من أهل بيته إلا قال لبيك)) فلهذا قال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم، وقال أنس ((خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لى فى شىء فعلته لم فعلت، ولا فى شىء لم أفعله هلا فعلت)) وأقول إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم، فقال ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال ( وإنك لعلى خلق عظيم ) فلم يبق للانسان بعد هاتين القوتين شىء ، فدل الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٦ ٨٢ قوله تعالى : فستبصر ويبصرون . سورة القلم . ١٠١٠٠٠١٠٠ فَسَنُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (جَ بِأَيِّبِّكُ اَلْمَفْتُونُ (*) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالما كانت من جنس أرواح الملائكة. واعلم أنه تعالى لما وصفه بأنه على خلق عظيم قال : ﴿فستبصرويبصرون﴾ أى فسترى يا محمد ويرون يعنى المشركين، وفيهقولان: منهم من حمل ذلك على أحوال الدنيا، يعنى (فتصر ويصرون) فى الدنيا أنه كيف يكون عاقبة أمرك، وعاقبة أمرهم، فإنك تصير معظم فى القلوب، ويصيرون دليلين ملعونين، وتستولى عليهم بالقتل والنهب، قال مقاتل هذا وعيدُ بالعذاب ببدر ، ومنهم من حمله على أحوال الآخرة وهو كقوله ( سيعلمون غد أمن الكذاب الأشر). وأما قوله تعالى ﴿بأيكم المفتون﴾ ففيه وجوه: (أحدها) وهو قول الأخفش وأبى عبيدة وابن قتيبة أن الباء صلة زائدة والمعنى (أيكم المفتون) وهو الذى فين بالجنون كقوله ( تنبت بالدهن ) أى تنبت الدهن وأنشد أبو عبيدة: تضرب بالسيف ونرجو بالفرج والفراء طعن فى هذا الجواب، وقال إذا أمكن فيه بيان المعنى الصحيح من دون طرح الباء كان ذلك أولى ، وأما البيت فمعناه نرجو كشف ما نحن فيه بالفرج أو نرجو النصر بالفرج (وثانيها) وهو اختيار الفراء والمبرد أن (المفتون) ههنا بمعنى الفتون وهو الجنون، والمصادر تجىء على المفعول نحو المعقود والميسور بمعنى العقد واليسر ، يقال ليس له معقود رأى أى عقد رأى، وهذا قول الحسن والضحاك ورواية عطية عن ابن عباس (وثالثها) أن الباء بمعنى فى ومعنى الآية (فستصر ويصرون) فى أى الفريقين المجنون، أفى فرقة الإسلام أم فى فرقة الكفار (ورابعها) (المفتون) هو الشيطان إذ لاشك أنه مفتون فى دينه وهم لما قالوا ( إنه مجنون) فقد قالوا إن به شيطاناً فقال تعالى (سيعلمون غداً) بأيهم شيطن الذى يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل. ثم قال تعالى ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) وفيه وجهان : (الأول) هو أن يكون المعنى إن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون (الثانى ) أن يكون المعنى إنهم رءوك بالجنون ووصفوا أنفسهم بالعقل. وهم كذبوا فى ذلك، ولكنهم موصوفون بالضلال، وأنت موصوف بالهداية والامتياز الحاصل بالهداية والضلال أولى بالرعاية من الامتياز الحاصل بسبب العقل والجنون، لأن ذاك ٨٣ قوله تعالى : فلا تطع المكذبين . سورة القلم . فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ لَّهَ وَدُّ واْ لَوْتُدْمِنُ فَيُدْمِنُونَ ﴾ وَلَا تُطِعُ كُلّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (٢ ◌َّازٍ مَّثَّآءٍ بَيٍ (٨) مَنَّاعِلْغَرِمُعْنَدٍ أَثِيمٍ ( عُلّ بَعْدَ ذَلكَ زَنِيم ثمرته السعادة الأبدية [أ] والشقاوة، وهذا ثمرته السعادة [أ] والشقاوة فى الدنيا. قوله تعالى : ﴿ فلا تطع المكذبين أعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار فى أمر الرسول ونسبته إلى الجنون مع الذى أنعم الله به عليه من الكمال فى أمر الدين والخلق ، أتبعه بما يدعوه إلى التشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال ( فلا تطع المكذبين ) يعنى رؤساء أهل مكة ، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه اللّه أن يطيعهم. وهذا من اللّه إلهاب وتهييج التشدد فىمخالفتهم . ثم قال ﴿ودوا لو تدمن فيدهنون. ولا قطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنعيم ، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الليث الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة فى الكلام، قال المبرد داهن الرجل فى دينه وداهن فى أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر ، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض ما لا ترضى فتلين لهم ويلينون لك، وروى عطاء عن ابن عباس : لو تكفر فيكفرون . المسألة الثانية﴾ إنما رفع (فيدهنون) ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمنى لأنه قد عدل به إلى طريق آخر . وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف أى فهم يدهنون كقوله ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف) على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، قال سيبويه ، وزعم هارون وكان من الفراء أنها فى بعض المصاحف (ودوا لو تدهن فيدهنوا) واعلم أنه تعالى لما نهاه عن طاعة المكذبين ، وهذا يتناول النهى عن طاعة جميع الكفار إلا أنه أعاد النهى عن طاعة من كان من الكفار موصفاً بصفات مذمومة وراء الكفر ، وتلك الصفات هى هذه : ﴿الصفة الأولى) كونه خلافاً، والخلاف من كان كثير الحلف فى الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله ( ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم). ﴿ الصفة الثانية ) كونه مهيناً، قال الزجاج هو فعيل من المهانة، ثم فيه وجهان (أحدهما) أن المهارة هى التملة والحقارة فى الرأى والتمييز (والثانى) أنه إنما كان مهيناً لأن المراد الخلاف ٨٤ قوله تعالى : فلا تطع المكذبين . سورة القلم . فى الكذب ، والكذاب حقير عند الناس. وأقول كونه حلافا يدل على أنه لا يعرف عظمة الله تعالى وجلاله، إذ لو عرف ذلك لما أقدم فى كل حين وأو أن بسبب كل باطل على الاستشهاد باسمه وصفته. ومن لم يكن عالماً بعظمة الله وكان متعلق القلب بطلب الدنيا كان مهيناً، فهذا يدل على أن عزة النفس لا تحصل إلا لمن عرف نفسه بالعبودية ، وأن مهانتها لا تحصل إلا لمن غفل عن سر العبودية. ﴿ الصفة الثالثة) كونه همازاً وهو العباب الطعان، قال المبرد هو الذى يهمز الناس أى يذكرهم بالمكروه وأثر ذلك يظهر العيب، وعن الحسن يلوى شدقيه فى أقعية الناس وقد استقصينا [القول] فيه فى قوله ( وبل لكل همزة ) . ( الصفة الرابعة) كونه مشاء بنعيم أى يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال ثم يم ويم نماوعيما وغيمة. ﴿ الصفة الخامسة) كونه مناعاً للخير وفيه قولان (أحدهما) أن المراد أنه بخيل والخير المال (والثانى) كان يمنع أهله من الخير وهو الإسلام، وهذه الآية نزلت فى الوليد بن المغيرة ، وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم وماقانبهم لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشىء أبداً. فمنعهم الإسلام فهو الخير الذى منعهم ، وعن ابن عباس أنه أبو جهل عن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث، وعن السدى : الأخنس بن شريق . ( الصفة السادسة ) كونه معتدياً ، قال مقاتل معناه أنه ظلوم يتعدى الحق ويتجاوزه فيأتى بالظلم ويمكن حمله على جميع الأخلاق الذميمة يعنى أنه نهاية فى جميع القبائح والفضائح. ﴿ الصفة السابعة) كونه أثيما، وهو مبالغة فى الإثم . ﴿ الصفة الثامنة) العقل وأقوال المفسرين فيه كثيرة، وهى محصورة فى أمرين (أحدهما) أنه ذم فى الخلق ( والثانى) أنه ذم فى الخلق، وهو مأخوذمن قولك: عنله إذا قاده بعنف وغلظة، ومنه قوله تعالى (فاعتلوه) أما الذين حملوه على ذم الخلق . فقال ابن عباس فى رواية عطاء : يريد قوى ضخم. وقال مقاتل: واسع البطن ، وثيق الخلق. وقال الحسن: الفاحش الخلق ، اللثيم النفس. وقال عبيدة بن عمير: هو الأول الشروب ، القوى الشديد. وقال الزجاج: هو الغايظ الجافى. أما الذين حملوه على ذم الأخلاق ، فقالوا أنه الشديد الخصومة ، الفظ العنيف. ﴿ الصفة التاسعة ) قوله (الزنيم) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ فى الزنبم أقوال (الأول) قال الفراء: الزنيم هو الدعى الملصق بالقوم وليس منهم ، قال حسان : وأنت زنيم نيط فى آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد والزمة من كل شىء الزيادة ، وزمت الشاة أيضاً إذا شقت أذنها فاسترخت ويبست وبقيت ٨٥ قوله تعالى : ان كان ذا مال وبنين . سورة القلم . أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٨) إِذَا تُثْلَى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٥) كاشىء المعلق ، فالحاصل أن الزنيم هو ولد الزنا الملحق بالقوم فى النسب وليس منهم ، وكان الوليد دعياً فى قريش وليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة [ليلة] من مولده. وقيل بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية (والقول الثانى) قال الشعبى هو الرجل يعرف بالشر واللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (والقول الثالث) روى عن عكرمة عن ابن عباس قال معنى كونه زنيما أنه كانت له زيمة فى عنقه يعرف بها ، وقال مقاتل كان فى أصل أذنه مثل زنمة الشاة. المسألة الثانية ) قوله بعد ذلك معناه أنه بعد ما عد له من المثالب والنقائص فهو عتل زنيم وهذا يدل على أن هذين الوصفين وهو كونه عتلا زنيا أشدمعايبه لأنه إذا كان جافياً غليظ الطبع قسا قلبه واجترا على كل معصية ، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد ، ولهذا قال عليه الصلاة السلام (( لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده)) وقيل ههنا بعد ذلك نظير ثم فى قوله ( ثم كان من الذين آمنوا ) وقرأ الحسن عتل رفعاً على الذم. ثم إنه تعالى بعد تعديد هذه الصفات قال ﴿ أن كان ذا مال وبنبن ، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله (أن كان) يجوز أن يكون متعلقاً بما قبله وأن يكون متعلقاً بما بعده ( أما الأول) فتقديره: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين، أى لا قطعه مع هذه المثالب ليساره وأولاده وكثرته، وأما (الثانى) فتقديره لأجل أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ، والمعنى لأجل أن كان ذا مال وبنين جعل مجازاة هذه النعم التى خولها الله له الكفر بآياته قال أبر على الفارسى العامل فى قوله (أن كان) إما أن يكون هو قوله (تتلى) أوقوله قال أو شيئا ثالثاً، والأول باطل لأن تتلى قد أضيفت إذا إليه والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله ألا ترى أنك لا تقول القتال زيداً حين يأنى تريد حين يأتى زيداً. ولا يجوز أن يُعمل فيه أيضاً قال لأن قال جواب إذا، وحكم الجواب أن يكون بعدماهو جواب له ولا يتقدم عليه، ولما بطل. هذان القسمان علمنا أن العامل فيهشىء ثالث دل مافى الكلام عليه وذلك هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق أو نحو ذلك، وإنما جاز أن يعمل المعنى فيه، وإن كان متقدماً عليه لشبه بالظرف ، والظرف قد تعمل فيه المعانى وإن تقدم عليها، ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه ، فإن تقدير الآية: لأن كان ذا مال، وإذا صار كالظرف لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه، كما لم يمتنع من أن يعمل فى نحو قوله ( ينبشكم إذا مزقتم كل ممزق، إنكم لنفى خلق جديد) لما كان ظرفاً، والعامل فيه القسم الدال عليه قوله ( إنكم افى خلق جديد) فكذلك قوله ( أن كان ذا مال وبنين ) تقديره: إنه جحد آياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين أو كفر بآياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين . ٨٦ قوله تعالى : سنسمه على الخرطوم . سورة القلم . سَنِمُهُ, عَلَى الْخُرْطُوِمِ المسألة الثانية) قرى. (أأن كان) على الاستفهام، والتقدير: ألآن كان ذال مال كذب ، أو التقدير: أتطيعه لأن كان ذا مال. وروى الزهرى عن نافع: إن كان بالكسر، والشرط للمخاطب، أى لا قطع كل حلاف شارطاً يساره ، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه . فكأنه اشترط فى الطاعة الغنى ، ونظير صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجى إليه فى قوله ( لعله يتذكر). واعلم أنه تعالى لما حكى عنه قبائح أفعاله وأقواله ، قال متوعداً له : سنسمه على الخرطوم ﴾ وفيه مسائل . المسألة الأولى﴾ الوسم أثر الكية وما يشبهها، يقال وسمته، فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية ، وإما قطع فى أذن ، علامة له . المسألة الثانية﴾ قال المبرد: الخرطوم ههنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر ، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر . المسألة الثالثة ﴾ الوجه أكرم موضع فى الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف فى فى الأنف وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا فى الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه ، وبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم ·وضع من الوجه . المسألة الرابعة ) منهم من قال : هذا الوسم يحصل فى الآخرة، ومنهم من قال: يحصل فى الدنيا، أما على (القول الأول) ففيه وجوه (أولها) وهو قول مقال، وأبى العالية، واختيار الفراء أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدى عن بعض (وثانيها) أن الله تعالى سيجعل له فى الآخرة العلم الذى يعرف به أهل القيامة ، إنه كان غالياً فى عداوة الرسول، وفى إنكار الدين الحق ( وثالثها) أن فى الآية احتمالا آخر عندى، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ فى عداوة الرسول وفى الطعن فى الدين الحق بسبب الأنفة والحمية، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الآنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هي هذه الأنفة والحمية، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله (سنسمه على الخرطوم)، وأما على (القول الثانى) وهو أن هذا الوسم إنما يحصل فى الدنيا ففيه وجوه: (أحدها ) قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ماعاش. وروى أنه قاتل يوم بدر خطم بالسيف فى القتال ٨٧ قوله تعالى " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة . سورة القلم . إِنَّابَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْأَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَهَا مُصْبِحِينَ (8) وَلَا يَسْئْنُونَ ( (وثانيها ) أن معنى هذا الوسم أنه يصير مشهوراً بالذكر الردىء والوصف القبيح فى العالم ، والمعنى سنلحق به شيئاً لا يفارقه ونبين أمره بياناً واضحاً حتى لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم. تقول العرب للرجل الذى تسبه فى مسبة قبيحة باقية فاحشة: قد وسمه ميسم سوء، والمراد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحى ولا تزول البتة ، قال جرير : لما وضعت على الفرزدق ميسفى وعلى البحيث جدعت أنف الأخطل يريد أنه وسم الفرزدق [والبحيث] وجدع أنف الأخطل بالهجاء أى ألقى عليه عاراً لا يزول، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة فى مذمة الوليد بن المغيرة بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم، وما يشهد لهذا الوجه قول من قال فى زنيم إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزيمتها (وثالثها) يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد: نظل يومك فى لهو وفى طرب وأنت بالليل شراب الخراطيم فعلى هذا معنى الآية: سنحده على شرب الخمر وهو تعسف ، وقيل للخمر الخرطوم كما يقال لها السلافة ، وهى ما سلف من عصير العنب ، أو لأنها تطير فى الخياشيم . قوله تعالى: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون اعلم أنه تعالى لما قال لأجل أن كان ذا مال وبنين ، جحد وكفر وعصى وتمرد ، وكان هذا استفهاماً على سبيل الإنكار. بين فى هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، وليصرفه إلى طاعة الله، وليواظب على شكر نعم الله، فإن لم يفعل ذلك فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم ، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات، فقال (إنا بلوناهم كما لونا أصحاب الجنة) أى كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة ذات الثمار، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، روى أن واحداً من ثقيف وكان مسلما ، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء، وكان يجعل من كل ما فيها عند الحصاد نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه، ثم قلوا عيالنا كثير ، والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطى المساكين، مثل ما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم، وقيل كانوا من بنى إسرائيل، وقوله (إذ أقسموا) إذ حلفوا (ليصرمنها) ليقطعن ثمر نخيلهم مصبحين، أى فى وقت الصباح، قال مقاتل معناه اغدوا سراً إلى جنتكم، فاصرموها، ولا تخبروا المساكين، وكان أبوهم يخبر المساكين، فيجتمعون عندصرام جنتهم، يقال قد صرم العذق عن النخلة، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه، وقوله ( ولا يستون) يعنى ولم يقولوا إن شاء ٨٨ قوله تعالى : فطاف عليها طائف من ربك . سورة القلم . ٢٠ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفُ مِنْ زَّبِّكَ وَهُمْ نَآ ئِمُونَ (٨٦) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيع فَتَنَادَوَأْ مُصْبِحِينَ ﴾ أَنِ آغْدُواْ عَلَى حَرْفِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ الله، هذا قول جماعة المفسرين، يقال حلف فلان يميناً ليس فيها ثنيا ولا تنوى ، ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء، وكله واحد، وأصل هذا كله من الثنى وهو الكف والرد ، وذلك أن الحالف إذا قال والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك اليمين، واختلفوا فى قوله (ولا يستثنون) فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا بمشيئة الله تعالى لأنهم كانوا كالوائقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة ، وقال آخرون ، بل المراد أنهم يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذى كان يدفعه أبوهم إلى المساكين . ثم قال تعالى ﴿فطاف عليها: طائف من ربك وهم نائمون ،أصبحت كالصريم) طائف من ربك أى عذاب من ربك، والطائف لا يكون إلا ليلا أى طرقها طارق من عذاب الله، قال الكلى أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت وهم نائمون، فأصبحت الجنة كالصريم، واعلم أن الصريم فعيل، فيحتمل أن يكون بمعنى المفعول، وأن يكون بمعنى الفاعل وههنا احتمالات (أحدها) أنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة فى هلاك الثمر وإن حصل الاختلاف فى أمور أخر ، فإن الأشجار إذا احترقت بإبها لا تشبه الأشجار التى قطعت ثمارها، إلا أن هذا الاختلاف وإن حصل من هذا الوجه، لكن المشابهة فى هلاك الثمر حاصلة (وثانيها) قال الحسن أى صرم عنها الخير فليس فيها شىء ، وعلى هذين الوجهين الصريم بمعنى المصروم (وثالثها) الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه الصرائم ، وعلى هذا شبهت الجنة وهى محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال ، وهى لا تنبت شيئاً ينتفع به (ورابعها) الصبح يسمى صريماً لأنه انصرم من الليل ، والمعنى أن تلك الجنة يبست وذهبت خضرتها ولم يبق فيها شىء، من قولهم بيض الإناء إذا فرغه (وخامسها) أنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظالم، والليل يسمى صريماً وكذا النهار يسمى أيضاً صريماً، لأن كل واحد منهما ينصرم بالآخر، وعلى هذا الصريم بمعنى الصارم ، وقال قوم سمى الليل صريماً، لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل، وقال آخرون سميت اليلة بالصريم ، لأنها تصرم نور البصر وتقطعه . ثم قال تعالى ﴿فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض (اغدوا على حرثكم) ويعنى بالحرث الثمار والزروع والأعناب، ولذلك قال صارمين لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار. فإن قيل لم لم ـة ٨٩ قوله تعالى : فانطلقوا وهم يتخافتون . سورة القلم . فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَلْفَنُونَ ﴾ أَن لََّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ (٥﴾ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَاَلُونَ (﴾ بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ يقل اغدوا إلى حرئكم، وما معنى على؟ قلنا لما كان الغدو إليه ليصرموه وبقطعوه كان غدواً عليه كما تقول غدا عليهم العدو، ويجوز أن تضمن الغدو معنى الإقبال، كقولهم: يغدى عليهم بالجفئة ويراح، أى فأقبلوا على حرثكم باكرين . قوله تعالى ﴿ فانطلقوا وهم يتخافتون﴾ أى يتسارون فيما بينهم، وخفى وخفت وخفد ثلاثتها فى معنى كتم ومنه الخفدود للخفاش ، قال ابن عباس: غدوا إليها بـدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لثلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين . ثم قال تعالى ﴿ أن لا يدخلها اليوم عليكم مسكين﴾ (أن) مفسرة، وقرأ ابن مسعود بطرحها إضمار القول أى يتخافتون يقولون ( لا يدخلها) والنهى للمسكين عن الدخول نهى لهم عن تمكينه منه، أى لا تمكنوه من الدخول ، كقولك لا أرينك ههنا. ثم قال ﴿وغدوا على حرد قادرين) وفيه أقوال (الأول) الحرد المنع يقال حاردت السنة إذا قل «طرها، ومنعت ريعها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها، فقل اللبن، والحرد الغضب، وهما لغتان الحرد والحرد والتحريك أكثر، وإنما سمى الغضب بالحرد لأنه كالمانع من أن يدخل المغضوب منه فى الوجود، والمعنى وغدوا وكانوا عند أنفسهم وفى ظهم قادرين على منع المساكين ( الثانى ) قيل الحرد القصد والسرعة ، يقال حردت حردك قال الشاعر : أقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الحية المغله وقطاً حراد أى سراع، يعنى وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم يقولون نحن نقدر على صرامها، ومنع منفعتها عن المساكين (والثالث ) قيل حرد علم لتلك الجنة أى غدوا على تلك الجنه قادرين على صرامها عند أنفسهم، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان. قوله تعالى: ﴿فلما رأوها قالوا إما لضالون، بل نحن محرومون﴾ فيه وجوه (أحدها) أنهم لما رأوا جنتهم محترقة ظنوا أنهم قد ضلوا الطريق، فقالوا ( إما لضالون) ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هى قالوا (بل نحن محرومون) حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنع الفقراء (وثانيها) يحتمل ٩٠ قوله تعالى : قال أوسطهم . سورة القلم . قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ (٨﴾ قَالُواْ مُسْحَنَ رَبِنَآ إِنَّ كُنَّا فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَلَوَمُونَ ٠٠٠١١٠٠٠٠ ظَالِينَ هـ أنهم لما رأوا جنتهم محترقة قالوا (إذا لينانون) حيث كنا عازمين على منع الفقراء ، وحيث كنا نعتقد كوننا قادرين على الانتفاع بها ، بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين . قوله تعالى ﴿ قال أوسطهم﴾ يعنى أعدلهم وأفضلهم وبينا وجهه فى تفسير قوله أمة وسطاً. ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ يعنى هلا تسبحون وفيه وجوه (الأول) قال الأكثرون معناه هلا تستثنون فتقولون إن شاء الله، لأن الله تعالى إنما عابهم بأنهم لا يستثنون، وإنما جاز تسمية قول إن شاء الله بالتسبيح لأن القبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل سوء ، فلو دخل شىء فى الوجود على خلاف إرادة الله، لكان ذلك يوجب عودة نقص إلى قدرة الله، فقولك إن شاء الله . يزبل هذا النقص ، فكان ذلك تسبيحاً . واعلم أن لفظ القرآن يدل على أن القوم كانوا يحلفون ويتركون الاستشاء وكان أوسطهم ينهاهم عن ترك الاستثناء ويخوفهم من عذاب الله، فلهذا حكى عن ذلك الأوسط أنه قال بعد وقوع الواقعة ( ألم أقل لكم لولا تسبحون)، (الثانى) أن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغنروا بمالهم وقوتهم ، قال الأوسط لهم توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا العذاب ذكرهم ذلك الكلام الأول وقال ( لولا تسبحون) فلا جرم اشتغل القوم فى الحال بالتوبة. ﴿وقالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين﴾ فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به لكن بحد خراب البصرة (الثالث) قال الحسن هذا التسبيح هو الصلاة كأنهم كانوا يتكاسلون فى الصلاة وإلا لكانت ناهية لهم عن الفحشاء والمنكر ولكانت داعية لهم إلى أن يواظبوا على ذكر الله وعلى قول إن شاء اللّه، ثم إنه تعالى لما حكى عن ذلك الأوسط أنه أمرهم بالتوبة وبالتسبيح حكى عنهم أشياء ( أولها) أنهم اشتغلوا بالتسبيح وقالوا فى الحال ( سبحان ربنا) عن أن يجرى فى ملکه شی. إلا بإرادته ومشيئته، ولما وصفوا الله تعالى بالتنزيه والتقديس اعترفوا بسوء أفعالهم (وقالوا إنا كنا ظالمين ). (وثانيها) ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ﴾ أى يلوم بعضهم بعضاً يقول هذا لهذا أنت أشرت علينا بهذا الرأى، ويقول ذاك لهذا أنت خوفتنا بالفقر، ويقول الثالث لغيره أنت الذى رغبتنى فى جمع المال فهذا هو التلاوم . ٩١ قوله تعالى : قالوا يا ويلنا إن كنا طاغين . سورة القلم . قَالُواْ يَوَ يْلَنَآَ إِنَّ كُّ طَغِينَ (َ عَسَى رَبَّ أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ (چَ كَّلِكَ الْعَذَابٌ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَّرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (﴾ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ ثم نادوا على أنفسهم بالويل ﴿قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين﴾ والمراد أنهم استعظموا جرمهم ثم قالوا عند ذلك ﴿عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها﴾ قرى. يبدلنا بالتخفيف والتشديد ﴿ إنا إلى ربنا راغبون) طالبون منه الخير راجون لعفوه، واختلف العلماء ههنا، فمنهم من قال إن ذلك كان توبة منهم، وتوقف بعضهم فى ذلك ، قالوا لأن هذا الكلام يحتمل أنهم إنما قالوه رغبة منهم فى الدنيا . ثم قال تعالى ﴿ كذلك العذاب ﴾ يعنى كما ذكرنا من إحراقها بالنار. وههنا تم الكلام فى قصة أصحاب الجنة . واعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة أمران (أحدهما ) أنه تعالى قال ( أن كان ذا مال وبنين، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) والمعنى: لأجل أن أعطاه المال والبنين كفر بالله كلا: بل الله تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر اللّه عليه بدليل أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذا القدر اليسير من المعصية دمر الله على جنتهم فكيف يكون الحال فى حق من عائد الرسول وأصر على الكفر والمعصية (والتانى) أن أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة ويمنعوا الفقراء عنها فقلب الله عليهم القضية فكذا أهل مكة لما خرجوا إلى بدر حلفوا على أن يقتلوا محمد أو أصحابه، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور ، فأخلف الله ظنهم فقتلوا وأسروا كا هل هذه الجنة . ثم إنه لما خوف الكفار بعذاب الدنيا قال ﴿ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ وهو ظاهر لا حاجة به إلى التفسير . ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال السعداء، فقال ﴿ إن المتقين عند ربهم جنات النعيم﴾. (عند ربهم) أى فى الآخرة (جنات النعيم) أى جنات ليس لهم فيه إلا التنعم الخالص. لا يشوبه ما ينقصه، كما يشوب جنات الدنيا، قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم فى الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم فى الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة . ٩٢ قوله تعالى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين . سورة القلم . أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِنَ كَأَلْمُجْرِمِينَ (٤) مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْتُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ. كِتَبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الكلام بقوله ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون﴾ ومعنى الكلام أن التسوية بين المطيع والعاصى غير جائزة، وفى الآية مسائل. ﴿ المسألة الأولى﴾ قال القاضى: فيه دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه مسلم ومجرم كالمتنافى، فالفاسق لما كان مجرماً وجب أن لا يكون مسلماً (والجواب) أنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلا للمجرم ، ولا شك أنه ليس المراد إنكار المائلة فى جميع الأمور، فإنهما يتماثلان فى الجوهرية والجسمية والحدوث والحيوانية ، وغيرها من الأمور الكثيره ، بل المراد إنكار استوائهما فى الإسلام والجرم، أو فى آثار هذين الأمرين، أو المراد إنكار أن يكون أثر إسلام المسلم مساوياً لأثر جرم المجرم عند الله، وهذا مسلم لا نزاع فيه، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع أن يجتمع فيه كونه مسلماً ومجر ماً ؟ المسألة الثانية ﴾ قال الجبائى: دلت الآية على أن المجرم لا يكون البتة فى الجنة، لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما، ولو حصلا فى الجنة، لحصلت التسوية بينهما فى الثواب، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب المسلم إذا كان المجرم أطول عمراً من المسلم، وكانت طاعاته غير محبطة (الجواب) هذا ضعيف لأنا بينا أن الآية لا تمنع من حصول التسوية فى شىء أصلا بل تمنع من حصول القسوية فى درجة الثواب ، ولعلمما يستويان فيه بل يكون ثواب المسلم الذى لم يعص أكثر من ثواب من عصى، على أنا نقول لم لا يجوز أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة وذلك لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور فى اللغة والعرفي . المسألة الثالثة﴾ أن الله تعالى استنكر التسوية بين المسلمين والمجرمين فى الثواب، فدل هذا على أنه يقبح عقلا ما يحكي عن أهل السنة أنه يجوز أن يدخل الكفار فى الجنة والمطيعين فى النار (والجواب) أنه تعالى استنكر ذلك بحكم الفضل والإحسان، لا أن ذلك بسبب أن أحداً يستحق عليه شيئاً . واعلم أنه تعالى لما قال على سبيل الاستبعاد (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) قرر هذا الاستبعاد بأن قال على طريقة الالتفات ( ما لكم كيف تحكمون) هذا الحكم المعوج. ثم قال ( أم لکم کتاب فیه تدرسون ، إن لكم فيه لما تخيرون﴾ وهو کقوله تعالى(أم لكم سلطان مبين، فأتوا بكتابكم) والأصل تدرسون أن لكم ما تتخيرون بفتح أن لأنه مدرس ، فلما ٩٣ قوله تعالى : أم لكم أيمان علينا بالغه . سورة القلم . أَمْ لَكُمْ أَيْمَانُ عَيْنَا ◌َلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَئِمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحُونَ (8) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ٤ أَمْ لَهُمْ ثُرَكَاءُ فَلَيَأْتُواْ بِشُرَكَ بِهِمْ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ يَوْمَ يُكْتَفُ عَن سَاقٍ ٤١ جاءت اللام كسرت، وتخير الشىء واختاره، أى أخذخيره ونحوه تنخله وانتخله إذا أخذ منخوله. قوله تعالى: ﴿ أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن تكم لما تحكمون﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ يقال لفلان على يمين بكذا إذا ضمنته منه وخلقت له على الوقاء به يعنى أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية فى التوكيد. فان قيل إلى فى قوله (إلى يوم القيامة) بم يتعلق؟ قلنا فيه وجهان ( الأول) أنها متعلقة بقوله (بالغة) أى هذه الأيمان فى قوتها وكمالها بحيث تبلغ إلى يوم القيامة ( والثانى) أن يكون التقدير. أيمان ثابتة إلى يوم القيامة. ويكون معنى بالغة مؤكدة كما تقول جيدة بالغة، وكل شىء متناه فى الصحة والجودة فهو بالغ، وأما قوله ( إن لكم لما تحكمون) فهو جواب القسم لأن معنى (أم لكم أيمان علينا) أم أقسمنا لكم. المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن بالغة بالنصب وهو نصب على الحال من الضمير فى الظرف. ثم قال للرسول عليه الصلاة والسلام ( سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ والمعنى أيهم بذلك الحكم زعيم، أى قائم به وبالاستدلال على صحته، كما يقوم زعيم القوم بإصلاح أمورهم. ثم قال ﴿ أم لهم شركاء فليأتوا بشركاتهم إن كانوا صادقين) وفى تفسيره وجهان (الأول) المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء اللّه فيعتقدون أن أولئك الشركاء يجعلونهم فى الآخرة مثل المؤمنين فى الثواب والخلاص من العقاب، وإنما أضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله وهذا كقوله (هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء)، (الوجه الثانى) فى المعنى أم لهم ناس يشاركونهم فى هذا المذهب وهو التسوية بين المسلمين والمجرمين، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين فى دعواهم، والمراد بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلى فى إثبات هذا المذهب ، ولا دليل نقلى وهو كتاب يدرسونه، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول، وذلك يدل على أنه باطل من كل الوجوه . واعلم أنه تعالى لما أبطل قولهم، وأفسد مقالتهم شرح بعد ذلك عظمة يوم القيامة. فقال ﴿ يوم يكشف عن ساق ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ يوم منصوب بماذا؟ فيه ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه منصوب ، بقوله: (فليأتوا) فى قوله: ( فليأتوا بشركاتهم ) وذلك أن ذلك اليوم يوم شديد، فكأنه تعالى قال : ٩٤ قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق . سورة القلم . (إن كانوا صادقين) فى أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة ، لتنفعهم وتشفع لهم (وثانيها ) أنه منصوب بإضمار اذكر ( وثالثها) أن يكون التقدیر یوم یکشف عن ساق ، كان کیت و کیت حذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته. المسألة الثانية ﴾ هذا اليوم الذى يكشف فيه عن ساق، أهو يوم القيامة أو فى الدنيا؟ فيه قولان: (الأول) وهو الذى عليه الجمهور، أنه يوم القيامة، ثم فى تفسير الساق وجوه : (الأول) أنه الشدة، وروى أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية ، فقال: إذا خفى عليكم شىء من القرآن فابتغوه فى الشعر، فإنه ديوان العرب ، أما سمعتم قول الشاعر. سن لنا قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساقٍ ثم قال: وهو كرب وشدة، وروى مجاهد عنه قال: هو أشد ساعة فى القيامة، وأنشد أهل اللغة أبياناً كثيرة [منها]: فإن شمرت لك عن ساقها فدنها ربيع ولا تسأم وبدأ من الشر الصراح ومنها : كشفت لكم عن ساقها إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقال جرير: ألارب سام الطرف منآل مازن حمراء تبرى اللحم عن عراقها وقال آخر : فى سنة قد شمرت عن ساقها وقال آخر : قد شمرت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم جدوا ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذا وقع فى أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، يشمر عن ساقه ، فلا جرم يقال فى موضع الشدة كشف عن ساقه، واعلم أن هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق فى الشدة مجاز، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة، فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى، يستحيل أن يكون جسما، فيئذ يجب صرف اللفظ إلى الحجاز ، وأعلم أن صاحب الكشاف أورد هذا التأويل فى معرض آخر، فقال الكشف عن الساق مثل فى شدة الأمر ، فمعنى قوله ( يوم يكشف عن ساق ) يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ، ولا ساق ، كما تقول للأقطع الشحيح يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل . وإنما هو مثل فى البخل ، ثم أخذيعظم علم البيان ويقول لولاه لما وقفنا على هذه الأسرار (وأقول) إما أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، أو يقول إنه لا يجوز ذلك إلا بعد امتناع حمله على الحقيقة، والأول باطل بإجماع المسلمين، ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة فى أمر المعادفإنهم يقولون فى قوله (جنات تجرى من تحتها الأنهار) ليس هناك لا أنهار ولا أشجار، وإنما هو مثل اللذة والسعادة، ويقولون فى قوله: (اركعوا واسجدوا) ليس هناك لا سجود ولا ركوع. وإنما هو مثل للتعظيم، ومعلوم أن ذلك يفضى إلى رفع الشرائع وفساد الدين ، وأما إن قال. بأنه لا يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة، على أنه لا يجوز حمله على ٩٥ قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق . سورة القلم . ظاهره، فهذا هو الذى لم يزل كل أحد من المتكلمين [إلا] قال به وعول عليه ، فأين هذه الدقائق، التى استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم البيان ، فرحم الله أمراً عرف قدره ، وما تجاوز طوره ( القول الثانى) وهو قول أبى سعيد الضرير: يوم يكشف عن ساق ، أى عن أصل الأمر، وساق الشىء أصله الذى به قوامه كساق الشجر، وساق الإنسان ، أى يظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها (القول الثالث) يوم يكشف عن ساق جهنم ، أو عن ساق العرش ، أو عن ساق ملك مهبب عظيم ، واللفظ لا يدل إلا على ساق ، فأما أن ذلك الساق ساق أى شى. هو فليس فى اللفظ ما يدل عليه ( والقول الرابع) وهو اختيار المشبهة، أنه ساق اللّه، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود عنه عليه الصلاة والسلام ((أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر المسلمون، فيقول من تعبدون؟ فيقولون نعبد الله فيشبهدهم مرتين أو ثلاثاً ثم يقول، هل تعرفون ربكم، فيقولون سبحانه إذا عرفنا نفسهعرفناه ، فعند ذلك یکشفعن ساق ، فلا بقیمؤمن إلا خر ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد)» واعلم أن هذا القول باطل لوجوه (أحدها ) أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث، لأن كل جسم متناه، وكل متناه محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون، وكل ما کان کذلك فهو محدث ، ولأن كل جسم مكن، وكل ممكن محدث (وثانيها) أنه لو كان المراد ذلك لكان من حق الساق أن يعرف ، لأنها ساق مخصوصة معهودة عند، وهى ساق الرحمن ، أما لو حملناه على الشدة ، ففائدة التنكير الدلالة على التعطيم، كأنه قيل يوم يكشف عن شدة، وأى شدة، أى شدة لا يمكن وصفها (وثالثها) أن التعريف لايحصل بالكشف عن الساق ، وإنما يحصل بكشف الوجه ( القول الثانى) أن قوله ( يوم يكشف عن ساق) ليس المراد منه يوم القيامة ، بل هو فى الدنيا، وهذا قول أبى مسلم قال أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال فى وصف هذا اليوم ( ويدعون إلى السجود) ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، بل المراد منه، إما آخرا يام الرجل فى دنياه كقوله تعالى ( يوم يرون الملائكة لابشرى) ثم أنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقانها ، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذى لا ينفع نفساًإيمانها، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم يدعون إلى السجود وهم سالمون بما بهم الآن ، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم، ونظير هذه الآية قوله ( فلولا إذا بلغت الحلقوم) وأعلم أنه لانزاع فى أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم ، فأما قوله إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ههنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة. جوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف ، بل على سبيل التقريع والتخجيل ، فلم قلتم إن ذلك غير جائز . ﴿ المسألة الثالثة) قرى. (يوم نكثف) بالنون (وتكشف) بالتاء المنقوطة من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعاً والفعل للساعة أو الحال ، أى يوم يشتد الحال أو الساعة، كما تقول ٩٦ قوله تعالى : ويدعون إلى السجود . سورة القلم . وَيُدْعَوَّنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ (®) خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَهَفُهُمْ ذِلَةٌّ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ الَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلُونَ (﴾ فَدَرْنِ وَمَن يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْتُ لَا يَعْلَمُونَ ٤٤ كشف الحرب عن ساقها على المجاز وقرىء تكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكثف إذا دخل فى الكشف، ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا. قوله تعالى: ﴿ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، وقد كانوا ، يدعون إلى السجود وهم سالمون أعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبداً و تكليفاً، ولكن توبيخاً وتعنيفاً على تركهم السجود فى الدنيا، ثم إنه تعالى حال ما يدعوهم إلى السجود يسلب عنهم القدرة على السجود، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه، حين دعوا إلى السجود وهم سالموا الاطراف والمفاصل . قال الجبائى لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك على أنهم فى الدنيا كانوا يستطيعون، فبطل بهذا قول من قال الكافر لا قدرة له على الإيمان ، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود الإيمان ( والجواب) عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع بين المتنافيين محال، فالاستطاعة فى الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائى. أما قوله (خاشعة أبصارهم) فهو حال من قوله ( لا يستطيعون ... ترهقهم ذلة) يعنى يلحقهم ذل بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم مثل العبد الذى أعرض عنه مولاه ، فإنه يكون ذليلا فيما بين الناس، وقوله ( وقد كانو يدعون إلى السجود وهم سالمون ) يعنى حين كانوا يدعون إلى الصلوات بالأذان والإقامة وكانوا سالمين قادرين على الصلاة، وفى هذا وعيد لمن قعد عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة فى الجماعة . قوله تعالى : ﴿فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث -استدرجهم من حيث لا يعلمون} اعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد فى التخويف ٤٠وفهم بما عنده، وفى قدرته من القهر، فقال ذرنى وإياه، يريد كله إلى، فإنى أكفيكه، كأنه يقول: يا محمد حسبك انتقاماً منه أن تكل أمره إلى ، وتخلى بينى بينه، فإنى عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك ، ثم قال (منستدرجهم) يقال استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى ورطه فيه. وأوله (من حيث لا يعلمون) قال أبو روق (سنستدرجهم) أى كلما أذنبوا ذنباً جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار، فالإستدراج إنما حصل فى الاغتناء الذى لا يشعرون أنه استدراج ، وهو الإنعام ٩٧ قوله تعالى : وأملى لهم إن كيدي متين . سورة القلم . ٠٤/٠٤٠١١٠٠/٠٤ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينَّ (2﴾ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنِ مَّغْرَمٍ مُثْقَلُونَ عليهم لأنهم يحسبونه تفضيلا لهم على المؤمنين، وهو فى الحقيقة سبب لهلا.كهم . ثم قال ﴿وأملى لهم إن كيدى متين﴾ أى أمهاهم كقوله (إنما نملى لهم ليزدادوا إثماً) وأطيل لهم المدة والملاوة المدة من الدهر، يقال أملى الله له، أى أطال الله له الملاوة والملوان الليل والنهار، والملأ مقصوراً الأرض الواسعة سميت به لامتدادها. وقيل (وأملى لهم ) أى بالموت فلا أعاجلهم به، ثم إنه إنما سمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه فى صورة الكيد، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه فى التسبب للهلاك، واعلم أن الأصحاب تمسكوا بهذه الآية فى مسألة إرادة الكائنات ، فقالوا هذا الذى سماه بالاستدراج وذلك الكيد، إما أن يكون له أثر فى ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، أو يكون له فيه أثر، والأول باطل ، وإلا لكان هو سائ الأشياء الأجنبية بمثابة واحدة، فلا يكون استدراجاً البتة ولا كيداً، وأما الثانى فهو يقتضى كونه تعالى مريداً لذلك الفعل الذى ينساق إليه ذلك الاستدراج وذلك الكيد ، لأنه إذا كان تعالى لإيزال يؤكد هذا الجانب، ويفتر ذلك الجانب الآخر، واعلم أن تأكيد هذا الجانب لابد وأن ينساق بالآخرة إلى فعله ودخوله فى الوجود، فلا بد وأن يكون مريداً لدخول ذلك الفعل فى الوجود وهو المطلوب، أجاب الكعبى عنه، فقال المرادسنستدرجهم إلى الموت من حيث لا يعلمون، وهذا هو الذى تقتضيه الحكمة فإنهم لو عرفوا الوقت الذى يموتون فيه لصاروا آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصى. وفى ذلك إغراء بالمعاصى، وأجاب الجبائى عنه، فقال (سفستدرجهم) إلى العذاب من حيث لا يعلمون فى الآخرة، ( وأملى لهم ) فى الدنيا تو كيداً للحجة عليهم ( إن كيدى متين) فأمهله وأزيح الأعذار عنه ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) فهذا هو المراد من الكيد المتين ، ثم قال: والذى يدل على أن المراد ما ذكرنا أنه تعالى قال قبل هذه الآية ( فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث) ولا شك أن هذا التهديد إنما وقع بعقاب الآخرة، فوجب أن يكون المراد من الاستدراج والكيد المذكورين عقيبه هو عذاب الآخرة. أو العذاب الحاصل عند الموت، وأعلم أن أصحابنا قالوا الحرف الذى ذكرناه وهو أن هذا الإمهال إذا كان متأدباً إلى الطغيان كان الراضى بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لابد وأن يكون راضياً بذلك الطغيان ، واعلم أن قولهم ( سنستدرجهم - إلى قوله - إن كيدى متين) مفسر فى سورة الأعراف. ثم قال تعالى ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون﴾ وهذه الآية مع ما بعدها مفسرة فى سورة الطور، وأقول إنه أعاد الكلام إلى ما تقدم من قوله (أم لهم شركاء) والمغرم الغرامة أى لم يطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً فيثقل عليهم حمل الغرامات فى أموالهم فينبطهم ذلك عن الإيمان الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٧ ٩٨ قوله تعالى : أم عندهم الغيب فهم يكتبون . سورة القلم . أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ فَأَصْبِرْلِحُكْم رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَمَكُومٌ و ◌َّوْلاً أَن تَدَارَ كَهُ نِعْمَةٌ مِّنْ ٤٨ ٠٠٠٠٠< " ٤٩ رَبِّهِ، لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ثم قال تعالى ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ وفيه وجهان (الأول) أن عندهم الارح المحفوظ فهم يكتبون منه ثواب ما هم عليه من الكفر والشرك، فلذلك أصروا عليه، وهذا استفهام على سبيل الإنكار (الثانى) أن الأشياء الغائبة كانها حضرت فى عقولهم حتى أنهم يكتبون على الله أى يحكمون عليه بما شاءوا وأرادوا. ثم إنه تعالى لما بالغ فى تزيف طريقة الكفار وفى زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فاصبر لحكم ربك﴾ وفيه وجهان (الأول) فاصبر لحكم ربك فى إمهالهم وتأخير. نصرتك عليهم ( والثانى) فاصبر لحكم ربك فى أن أوجب عليك التبليغ والوحى وأداء الرسالة ، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة . قوله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ العامل فى (إذ) معنى قوله ( كصاحب الحوت) يريد لا تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه فى ذلك الوقت كان مكظوماً فكأنه قيل لا تكن مكظوماً. المسألة الثانية) صاحب الحوت يونس عليه السلام، إذ نادى فى بطن الحوت بقوله : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (وهو مكظوم) مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبلی بیلائه. ثم قال تعالى ﴿لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم﴾ وقری. رحمة من ربه، وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول) لم لم يقل لولا أن تداركته نعمة من ربه؟ (الجواب) إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير فى تداركه، وقرأ ابن عباس وابن مسعود تداركته، وقرأ الحسن : تداركه، أى تداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى لولا أن كان ، يقال فيه تتدار كه، کما يقال كان زيد سيقوم فمنعه فلان ، أى كان يقال فيه سيقوم، والمعنى كان متوقعاً منه القيام . .﴿السؤال الثانى﴾ ما المراد من قوله (نعمة من ربه)؟ (الجواب) المراد من تلك النعمة، هو أنه تعالى أنعم عليه بالتوفيق للنوبة، وهذا يدل على أنه لا يتم شىء من الصالحات والطاعات إلا بتوفيقه وهدايته . ٩٩ قوله تعالى : فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . سورة القلم . فَأَجْتَبَهَ رَبِهِ، فَجَعَلَهُ، مِنَ الصَّلِحِينَ ٠٠٠٠,٠٠٠١٠٠ ، وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُ واْلَيُزْلِقُونَكَ ٥٠ بِأَبْصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ ﴿ السؤال الثالث) أين جواب لولا ؟ (الجواب) من وجهين (الأول) تقدير الآية: لولا هذه النعمة لنبذ بالعراء مع وصف المذمومية ، فلما حصلت هذه النعمة لا جرم لم يوجد النبذ بالعراء مع هذا الوصف ، لأنه لما فقد هذا الوصف: فقد فقد ذلك المجموع ( الثانى) لولا هذه النعمة لبقى فى بطن الحوت إلى يوم القيامة ، ثم نبذ بعراء القيامة مذموماً ، ويدل على هذا قوله ( فلولا أنه كان من المسبحين ، للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون ) وهذا كما يقال : عرصة القيامة ؛ وعراء القيامة . ﴿ السؤال الرابع) هل يدل قوله ( وهو مذموم) على كونه فاعلا الذنب؟ (الجواب) من ثلاثة أوجه (الأول) أن كلمة (لولا) دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل (الثانى) لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين (الثالث ) لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله ( فاجتباه ربه ) والفاء للتعقيب. ( السؤال الخامس ) ما سبب نزول هذه الآيات؟ (الجواب) یروی أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله ما حل، فأراد أن يدعوا على الذين انهزموا، وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف. قوله تعالى : ﴿ فاجتباه ربه جعله من الصالحين ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ فى الآية وجهان (أحدهما ) قال ابن عباس رد الله إليه الوحى وشفعه فى قومه ( والثانى) قال قوم ولعله ما كان رسولا صاحب وحى قبل هذه الواقعة ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولا ، وهو المراد من قوله (فاجتباه ربه) والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا القول الأول . لأن احتباسه فى بطن الحوت وعدم موته هناك !! لم يكن إرهاصاً ولا كرامة فلا بد وأن يكون معجزة وذلك يقتضى أنه كان رسولا فى تلك الحالة. المسألة الثانية﴾ احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله ( جعله من الصالحين) فالآية تدل على أن ذلك الصلاح إنما حصل يجعل الله وخلقه ، قال الجبائى يحتمل أن يكون معنى جعله أنه أخبر بذلك، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل فى اللغة فى هذه المعانى (والجواب) أن هذين الوجهين اللذين ذكرتم مجاز، والأصل فى الكلام الحقيقة. قوله تعالى": ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام علمها . المسألة الثانية) قرى. (ليزلقونك ) بضم الياء وفتحها، وزلقه وأزلقه بمعنى ويقال زاق ١٠٠ قوله تعالى : وان يكاد الذين كفروا ليرلقونك . سورة القلم . الرأس وأزلقه حلقه ، وقرى. ليزهقهونك من زهقت نفسه وأزهقها، ثم فيه وجوه (أحدها ) أنهم من أشدة تحديقهم ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك من قولهم : نظر إلى نظراً يكاد يصرعنى، ويكاد يأكلى. أى لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله، قال الشاعر : يتقار ضون إذا التقوا فى موطن نظراً يزل مواطئ. الأقدام وأنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر إليه : نظروا إلى بأعين محمرة نظر التيوس إلى شفار الجازر وبين الله تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم فى حال قراءة النبى صلى الله عليه وسلم "قرآن وهو قوله (لما سمعوا الذكر) (الثانى) منهم من حمله على الإصابة بالعين، وههنا مقامان (أحدهما ) الإصابة بالعين، هل لها فى الجملة حقيقة أم لا ؟ (الثانى) أن بتقدير كونها صحيحة ، فهل الآية ههنا مفسرة بها أم لا؟ ﴿ المقام الأول ) من الناس من أنكر ذلك، وقال تأثير الجسم فى الجسم لا يعقل إلا بواسطة الماسة، وههنا لاءماسة ، فامتنع حصول التأثير . واعلم أن المقدمة الأولى ضعيفة ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن ، فإن كان الأول لم يمتنع اختلاف النفوس فى جواهرها وماهيانها، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً اختلافها فى لوازمها وآثارها، فلا يستبعد أن يكون لبعض النفوس خاصية فى التأثير، وإن كان الثانى لم يمتنع أيضاً أن يكون مزاج إنسان واقعاً على وجه مخصوص يكون له أثر خاص ، وبالجملة فالاحتمال العقلى قائم ، وليس فى بطلانه شبهة فضلا عن حجة ، والدلائل السمعية ناطقة بذلك، كما يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((العين حق)) وقال ((العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر). ﴿ والمقام الثانى) من الناس من فسر الآية بهذا المعنى قالوا : كانت العين فى بنى أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شىء، فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله، إلا عانه ، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول فى رسول اللّه يتم ذلك، فعصمه الله تعالى، وطعن الجبائى فى هذا التأويل وقال : الإصابة بالعين تنشأ عن استحسان الشيء، والقوم ما كانوا ينظرون إلى الرسول عليه السلام على هذا الوجه ، بل كانوا يمقتونه ويبغضونه ، والنظر على هذا الوجه لا يقتضى الإصابة بالعين . واعلم أن هذا السؤال ضعيف، لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته ، وإيراده الدلائل . وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين قراءة هذه الآية.