Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى : ولقد زينا السماء الدنيا . سورة الملك .
من طعن فى هذا من وجوه (أحدها ) أن انقضاض الكواكب مذكور فى كتب قدماء الفلاسفة ،
قالوا إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس ، وإذا بلغ النار التى دون الفلك احترق
بها، فتلك الشعلة هى الشهاب (وثانيها) أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحداً وألفاً
من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا
رأى الهلاك فى شىء مرة ومراراً وألفاً امتنع أن يعود إليه من غير فائدة (وثالثها) أنه يقال فى ثخن
السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام ، فهؤلاء الجن إن نفذوا فى جرم السماء وخرقوا اتصاله، فهذا باطل
لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال (فارجع البصر هل ترى من فطور) وإن كانوا
لا ينفذون فى جرم السماء، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم ،
ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم ، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم فى
الأرض (ورابعها) أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة، إما لأنهم طالعوها فى اللوح
المحفوظ أو لأنهم تلففوها من وحى الله تعالى إليهم ، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى
لا يتمكن الجن من الوقوف عليها ( وخامسها) أن الشياطين مخلوقون من النار ، والنار لا تحرق
النار بل تقويها، فكيف يعقل أن يقال إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب
(وسادسها) أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة السلام
(وسابعها) أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض ، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين
ولو كانت قريبة من الفلك، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب، وإذا ثبت أن
هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض ، فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى
الفلك (وثامنها ) أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى
الكهنة ، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على
أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟ ( وتاسعها) لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى
لا يحتاج فى دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب ؟ .
و (الجراب عن السؤال الأول) أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل مبعث النبى
صلى الله عليه وسلم لأسباب أخر، إلا أن ذلك لا ينافى أنها بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام
قد توجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم . يروى أنه قيل الزهرى : أكان يرمى فى الجاهلية
قال نعم، قيل أفرأيت قوله تعالى ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابً
رصداً) قال غلظت، وشدد أمرها حين بعث النبى صلى الله عليه وسلم.
و﴿الجوب عن السؤال الثانى) أنه إذا جاء القدر عمى البصر، فإذا قضى الله على طائفة منها
الحرق لطغيانها وضلالتها ، قيض لها من الدواعى المطمعة فى درك المقصود ماعندها، تقدم على
العمل المفضى إلى الهلاك والبوار .

٦٢
قوله تعالى : وللذين كفروا بربهم . سورة الملك .
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيْهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
و﴿ الجواب عن السؤال الثالث) أن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائه عام ، فأما
ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيما.
و ﴿ أما الجواب عن السؤال الرابع) ما روى الزهرى عن على بن الحسين بن على بن
أبى طالب عليه السلام عن ابن عباس قال: بينا النبى صلى الله عليه وسلم جالساً فى نفر من أصحابه
إذربى بنجم فاستنار، فقال («ما كنتم تقولون فى الجاهلية إذا حدث مثل هذا ، قالوا كنا نقول
يولد عظيم أو يموت عظيم، قال عليه الصلاة والسلام ((فإنها لاترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن
ربنا تعالى إذا قضى الأمر فى السماء سبحت حملة العرش، ثم سبح أهل السماء.، وسبح أهل كل
سماء حتى ينتهى التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش، ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم ، ولا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهى الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف
الجن فيرمون ، فما جاءوا به فهو حق ، ولكنهم يزيدون فيه .
﴿ والجواب عن السؤال الخامس) أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى، فالأقوى
ببطل الأضعف .
﴿ والجواب عن السؤال السادس) أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ببطلان الكهانة،
فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة، وذلك يقدح فى خبر الرسول عن بطلان الكهانة،
و( الجواب عن السؤال السابع) أن البعد على مذهبنا غير مانع من السماع، فاعله تعالى
أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا فى تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة .
و ﴿ الجواب عن السؤال الثامن﴾ لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن الملائكة
وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين .
و﴿ الجواب عن السؤال التاسع ) أنه تعالى يفعل مايشاء ويحكم ما يريد، فهذا ما يتعلق بهذا
الباب على سبيل الاختصار والله أعلم .
واعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الكواكب وذكر أن من جملة المنافع أنها رجوم للشياطين،
قال بعد ذلك ( وأعتدنا لهم عذاب السعير ) أى أعتدنا للشياطين بعد الإحراق بالشهب فى الدنيا
عذاب السعير فى الآخرة، قال المبرد: سعرت النار فهى مسعورة، وسعير كقولك مقبولة وقبيل،
واحتج أصحابنا على أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية لأن قوله ( وأعتدنا) أخبار عن الماضى .
قوله تعالى : ﴿ وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير﴾
أعلم أنه تعالى بين فى أول السورة أنه قادر على جميع الممكنات ، ثم ذكر بعده أنه وإن كان
قادراً على الكل إلا أنه إنما خلق ما خلق لا للعبث والباطل بل لأجل الابتلاء والامتحان، وبين

٦٣
قوله تعالى : إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً . سورة الملك .
جع
إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ هَا شَِقًا وَهِىَ تَفُورُ (چَّ تَكَادُ ◌َّزُ مِنَ الْغَيْظِ
أن المقصود من ذلك الابتلاء أن يكون عزيزاً فى حق المصرين على الإساءة غفوراً فى حق التائبين
ومن ذلك كان كونه عزيزاً وغفوراً لا يثبتان إلا إذا ثبت كونه تعالى كاملا فى القدرة والعلم بين ذلك
بالدلائل المذكورة، وحينئذ ثبت كونه قادراً على تعذيب العصاة فقال (وللذين كفروا بربهم
عذاب جهنم ) أى ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم، ليس الشياطين المرجومون
مخصوصين بذلك، وقرى. ( عذاب جهنم) بالنصب عطف بيان على قوله (عذاب السعير ) ثم إنه
تعالى وصف ذلك العذاب بصفات كثيرة :
﴿الصفة الأولى) قوله تعالى ﴿ إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً
(ألقوا) طرحوا كما يطرح الخطب فى النار العظيمة ويرمى به فيها، ومثله قوله ( حصب جهنم)
وفى قوله (سمعوا لها شهيقاً) وجوه (أحدها) قال مقاتل سمعوا لجهنم شهيقاً، ولعل المراد تشبيه
صوت لهب النار بالشهيق، قال الزجاج: سمع الكفار النار شهيقاً، وهو أقبح الأصوات ، وهو
كصوت الحمار، وقال المبرد: هو والله أعلم تنفس كتنفس المتغيظ (وثانيها) قال عطاء: سمعوا
لأهلها من تقدم طرحهم فيها شهيقاً ( وثالثها) سمعوا من أنفسهم شهيقاً، كقوله تعالى (لهم فيها
زفير وشهيق) والقول هو الأول.
﴿ الصفة الثانية) قوله ﴿وهى تفور﴾ قال الليث: كل شىء جاش فقد فار, وهو فور القدر
والدخان والغضب والماء من العين، قال ابن عباس: تغلى بهم كعلى المرجل، وقال مجاهد تفور بهم
كما يفور الماء الكثير بالحب القليل، ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب، قال المبرد: يقال تركت
فلاناً يفور غضباً ، ويتأكد هذا القول بالآية الآتية .
﴿ الصفة الثالثة) قوله ﴿تكاد تميز من الغيظ ﴾ يقال فلان يتميز غيظاً، ويتعصف غيظاً
وغضب فطارت منه شعلة فى الأرض وشعلة فى السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه . وأقول لعل
السبب فى هذا المجاز أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب . والدم عند الغليان يصير أعظم
حجماً ومقداراً فتتمدد تلك الأوعية عند ازدياد مقادير الرطوبات فى البدن، فكلما كان الغضب
أشد كان الغليان أشد، فكان الازدياد أكثر، وكان تمدد الأوعية وانشقاقها وتميزها أكثر، فجعل
ذكر هذه الملازمة كناية عن شدة الغضب، فإن قيل النار ليست من الأحياء ، فكيف يمكن
وصفها بالغيظ ( قلنا الجواب) من وجوه (أحدها) أن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة . فلعل
الله خلق فيها وهى نار حياة (وثانيها) أنه شبه صوت لهبها وسرعة تبادرها بصوت الغضبان
وحركته ( وثالثها ) بجوز أن يكون المراد غيظ الزبانية .

٦٤
قوله تعالى : كلما ألقى فيها فوج . سورة الملك .
كُلّمَا أُلْتِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ ◌َنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (ي﴾ قَالُواْ بَلَ قَدْ جَاءَنَا
نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ
أُنُمْ إِلَّا فِى
ضَلَلٍ كَبِيرٍ تجٌ
وَقَالُواْلَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَعَِْ السَّعِيرِ (٣٠)
﴿ الصفة الرابعة ) قوله تعالى: ﴿كام) ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير
الفوج الجماعة من الناس والأفواج الجماعات فى تعرفه، ومنه قوله (فتأتون أفواجاً) وخزنتها
مالك وأعوانه من الزبانية (ألم يأتكم نذير) وهو سؤال توبيخ، قال الزجاج: وهذا التوبيخ
زيادة لهم فى العذاب ، وفى الآية مسالتان :
المسألة الأولى﴾ احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار بهذه الآية ، قالوا
لأنه تعالى حكى عن كل من ألقى فى النار أنهم قالوا كذبنا النذير، وهذا يقتضى أن من لم يكذب
الله ورسوله لا يدخل النار، واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضى القطع بأن الفارق المصر لايدخل
النار ، وأجاب القاضى عنه بأن النذير ، قد يطلق على ما فى العقول من الأدلة المحذرة المخوفة ، ولا
أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ورود السمع بهذه
الآية. وقالوا هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم لأنه أتاهم النذير ، وهذا يدل على أنه لو لم
يأتهم النذير لما عذبهم.
ثم إنه تعالى حكى عن الكفار جوابهم عن ذلك السؤال من وجهين :
(الأول) قوله تعالى: ﴿قالوا لى قد جاءنا نذير، فكذبنا وقلنا مانزل الله من شىء )
واعلم أن قوله ( على قد جاءنا بذير فكذبنا) اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله أزاح
عللهم ببعثة الرسل، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا (مانزل الله من شىء).
أما قوله تعالى ﴿ إن أنتم إلا فى ضلال كبير﴾ ففيه مسألان:
المسألة الأولى﴾ فى الآية وجهان (الوجه الأول) وهو الأظهر أنه من جملة قول الكفار
وخطابهم للمنذوين ( الوجه الثانى) يجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار، والتقدير أن الكفار
لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم ( إن أنتم إلا فى ضلال كبير).
﴿ المسألة الثانية) يحتمل أن يكون المراد من الضلال الكبير ما كانوا عليه من ضلالهم فى
الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الهلاك ، ويحتمل أن يكون سمى عقاب الضلال باسمه .
قوله تعالى: ﴿وقالوا لوكنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير﴾ هذا هو الكلام.

٦٥
قوله تعالى : فاعترفوا بذنبهم . سورة الملك .
فَاعْتَرَفُواْ بِذَنِهِمْ فَسَحْقًا لِأَعَْبِ السَّعِيرِ !
(الثانى) ما حكاه الله تعالى عن الكفار جواباً للخزنة حين قالوا (ألم يأتكم نذير) والمعنى لو
كنا نسمع الإنذار سماع من كان طالباً للحق أو تعقدله عقل من كان متأملا متفكراً لما كنا من
أصحاب السعير، وقيل إنما جمع بين السمع والعقل، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ،
وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية فى مسألة الهدى والإضلال، بأن قالوا لفظة لو
تفيد امتناع الشىء لامتناع غيره. فدلت الآية على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل، لكن لاشك أنهم
كانوا ذوى أسماع وعفول صحيحة، وإنهم ما كانوا صم الإسماع ولا مجانين، فوجب أن يكون المراد
أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية .
المسألة الثانية﴾ احتج بهذه الآية من قال الدين لا يتم إلا بالتعليم. فقال إنه قدم السمع على
العقل تنبيهاً على أنه لابد أولامن إرشاد المرشد وهداية الهادى، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب
وتأمله فيما يلقيه المعلم (والجواب) أنه إنما قدم السمع لأن المدعوا إذا لقى الرسول فأول المراتب
أنه يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه، فلما كان السمع مقدماً بهذا السبب على التعقل والتفهم لا جرم
قدم عليه فى الذكر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو كنا على مذهب
أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأى ، ثم قال كان هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين
المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم.
المسألة الرابعة) احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية، وقالوا دلت الآية على أن السمع
مدخلا فى الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار هذا القول قال ﴿فاعترفوا بذنبهم ﴾ قال مقاتل: يعنى
يتكذيبهم الرسول وهو قولهم: ( فكذبنا وقلنا مانزل الله من شىء) وقوله (بذنبهم) فيه قولان :
(أحدهما) أن الذنب ههنا فى معنى الجمع، لأن فيه معنى الفعل، كما يقال: خرج عطاء الناس، أى عطيانهم
هذا قول الفراء (والثانى) يجوز أن يراد بالواحد المضاف الشائع، كقوله ( وإن تعدوا نعمة الله)
ثم قال ﴿فسحقاً لأصحاب السعير﴾ قال المفسرون: فبعداً لهم اعترفوا أو جحدوا، فإن
ذلك لا ينفعهم ، والسحق البعد ، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل، كما تقول فى العنق والطنب ،
قال الزجاج: سحقاً منصوب على المصدر، والمعنى أسحقهم اللّه سيتماً، أى باعدهم الله من رحمته
مباعدة، وقال أبو على الفارسى. كان القياس سماقاً، بيا المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله.
الفخر الرازي - چ ٣٠ ٥٢

٦٦
قوله تعالى : إن الذين يخشون ربهم . سورة الملك .
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَجْهُم بِالْغَيْسِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَبْرٌ كَبِيرٌ (﴾ وَأَسِرُ واْ قَوْلَكُمْ أَوِ
أَجْهَرُواْ بِة إِنَّهُ عَلِمْ بِذَاتِ الصَّدُورِ ◌َ أَلَ يَعْلَمُ مَنْ خَقَ وَهُوَ الَطِيفُ الْخَبِيرُ
CDE
واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين فقال ﴿ إن الذين يخشون ربهم
بالغيب لهم مغفرة وأجرة كبير) وفيه وجهان (الوجه الأول) أن المراد: إن الذين يخشون ربهم وم
فى دار التكليف والمعارف النظرية وبهم حاجة إلى مجاهدة الشيطان ودفع الشبه بطريق الاستدلال
(الوجه الثانى) أن هذا إشارة إلى كونه متقياً من جميع المعاصى لأن من يتقى معاصى الله فى الخلوة
اتقاها حيث يراه الناس لا محالة، واحتج أصحابنا بهذه الآية على انقطاع وعيد الفساق، فقالوا دات
الآية على أن من كان موصوفا بهذه الخشية فله الأجر العظيم، فإذا جاء يوم القيامة مع الفسق ومع
هذه الخشية ، فقد حصل الأمران فإما أن يثاب ثم يعاقب وهو بالإجماع باطل أو يعاقب ثم ينقل
إلى دار الثواب وهو المطلوب .
واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار ووعد المؤمنين على سبيل المغايبة رجع بعد ذلك
إلى خطاب الكفار فقال :
﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور) وفيه وجهان: (الوجه الأول)
قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض ( أسروا قولكم)
لثلا يسمع إله محمد فأنزل الله هذه الآية (القول الثانى) أنه خطاب عام لجميع الخلق فى جميع
الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أى سبيل وجد، فالحال واحد فى علمه تعالى بهذا فاحذروا
من المعاصى سراً كما تحترزون عنها جهراً فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى، وكما بين أنه
تعالى عالم بالجهر وبالسر بين أنه عالم بخواطر القلوب .
ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالماً بالجهر وبالسر وبما فى الصدور ذكر الدليل على كونه
عالماً بهذه الأشياء. فقال: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أن معنى الآية أن من خلق شيئاً لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، وهذه
المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهى أيضاً مقررة بالدلائل العقلية، وذلك لأن الخلق عبارة عن
الإيجاد والتكوين على سبيل القصد، والقاصد إلى الشىء لابد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك الشى.
فإن الغافل عن الشىء يستحيل أن يكون قاصداً إليه، وكما أنه ثبت أن الخالق لابد وأن يكون عالماً
بماهية المخلوق لابد وأن يكون عالماً بكميته ، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ماهو أزيد منه أو

٦٧
قوله تعالى : إن الذين يخشون ربهم . سورة الملك .
- أنقص لابد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره ، والقصد مسبوق بالعلم فلابد وأن يكون قد علم
ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد
منه أو أنقص منه، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص
ترجيحاً لأحد طرفى الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال، فتبت أن من خلق شيئاً فإنه لابدوأن
يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: تمسك أصحابنا بهذه
الآية فى بيان أن العبد غير مو جد لأ فعاله من وجهين (الوجه الأول ) قالوا لو كان العبد مو جداًلأفعال
نفسه لكان عالما بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، بيان الملازمة من وجهين
(الأول) التمسك بهذه الآية ( الثانى) أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلا ممكن ووقوع الأزيد
منه والأنقص منه أيضاً ممكن، فاختصاص العشرة بالوقرع دون الأزيد ودون الأنقص ، لابد
وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع ، وإلا لكان وقوعه دون الأزيدوالأنقص
وقوعاً للممكن المحدث من غير مرجح، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلا بد
وأن يكون عالماً بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص، فثبت أن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه
لكان عالما بتفاصيلها. وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه (أحدها) أن المتكلمين اتفقوا على أن
التفاوت بين الحركة السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات ، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل فى
بعض الأحياز حركة وفى بعضها سكوناً مع أنه لم يخطر البتة بياله أنه فعل ههنا حركة وههنا سكوناً
(وثانيها) أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التى
بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بأن الجواهر الفردية التى تتسع لها تلك المسافة
من أولها إلى آخرها كم هى؟ ومعلوم أن ذلك غير معلوم ( وثالثها ) أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك
من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ( ورابعها) أن عند أبى على ، وأنى
هاشم، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضى الحصول فى الحيز، ثم إن ذلك المعنى الموجبها لا يخطريال
أكثر الخلق، فظهر بهذه الدلالة أن العبد غير موجد لأفعاله (الوجه الثانى) فى التمسك بهذه الآية
على أن العبد غير موجد أن نقول إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل مافى الصدور قال
بعده (ألا يعلم من خلق) وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه فى السر
والجهر، وفى الصدور والقلوب ، فإنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله ( ألا يعلم من خلق ) مقتضياً
كونه تعالى عالماً بتلك الأشياء ، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ما يفعلونه فى السر
والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب، فان قيل لم لا يجوز أن يكون المراد: ألا يعلم من
خلق الأجسام والعالم الذى خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء ؟ قلنا إنه لا يلزم من كونه خالقاً
لغيره هذه الأشياء كونه عالماً بها، لأن من يكون فاعلا لشىء لا يجب أن يكون عالماً بشىء آخر،
نعم يلزم من كونه خالقاً لها كونه عالماً بها لأن خالق الشىء يحب أن يكون عالماً به.

٦٨
قوله تعالى : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا . سورة الملك .
هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ
وَإِلَيْهِ النُّنُورُ (®
المسألة الثانية ) الآية تحتمل ثلاثة أوجه: (أحدها ) أن يكون من خلق فى محل الرفع
والمنصوب يكون مضمراً والتقدير ( ألا يعلم من خلق ) مخلوقه ( وثانيها) أن يكون من خلق فى
محل النصب ويكون المرفوع مضمراً، والتقدير ألا يعلم الله من خلق (والاحتمال الأول) أولى
لأن ( الاحتمال الثانى) يفيد كونه تعالى عالماً بذات من هو مخلوقه، ولا يقتضى كونه عالماً
بأحوال من هو مخلوقه والمقصود من الآية هذا لا الأول (وثالثها) أن تكون من فى تقدير ما كما
تكون ما فى تقدير من فى قوله ( والسماء وما بناها) وعلى هذا التقدير تكون ما إشارة إلى ما يسره
الخلق وما يجهرونه ويضمرونه فى صدورهم وهذا يقتضى أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
أما قوله (وهو اللطيف الخبير ) فاعلم أنهم اختلفوا فى (اللطيف) فقال بعضهم المراد العالم
وقال آخرون بل المراد من يكون فاعلا للأشياء اللطيفة التى تخفى كيفية عملها على أكثر الفاعلين ،
ولهذا يقال إن لطف الله بعباده مجيب ويراد به دقائق تدبيره لهم وفيهم، وهذا الوجه أقرب وإلا
لكان ذكر الخبير بعده تكراراً .
قوله تعالى: ﴿ هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في منا كبها وكلوا من رزقه وإليه
النشور﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين بالدلائل كونه عالما بما
يسرون وما يعلنون، ثم ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد، ونظيره من قال لعبده الذى أساء
إلى مولاه فى السر يافلان أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس فى هذه الدار التى وهبتها منك ، كل هذا
الخير الذى هيأنه لك ولا تأمن تأديبى ، فإنى إن شئت جعلت هذه الدار التى هى منزل أمنك ومركز
سلامتك منشأ الآفات التى تتحير فيها ومنبعاً للمحن التى تهلك بسبيها، فكذا ههنا، كانه تعالى قال.
أيها الكفار اعلموا أنى عالم بسركم وجهركم ، فكونوا خائفين منى محترزين من عقانى، فهذه
الأرض التى تمشون فى مناكبها، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم ، أنا الذى ذللتها
إليكم وجعلتها سباً لنفعكم، فامشوا فى منا كبها، فإنى إن شئت خسفت بكم هذه الأرض، وأنزلت
عليها من السماء أنواع المحن، فهذا هو الوجه فى اتصال هذه الآية بما قبلها .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الذلول من كل شىء: المنقاد الذى يذل الك، ومصدره الذل، وهو الانقياد
واللين ، ومنه يقال: دابة ذلول، وفى وصف الأرض بالذلول أقوال (أحدها) أنه تعالى ماجعلها
صخرية خشنة بحيث يمتنع المشئ عليها، كما يمتنع المشى على وجوه الصخرة الخشنة (وثانيها) أنه

٦٩
قوله تعالى : أأمنتم من في السماء . سورة الملك .
ءَأَمِنُ مَّن فِ السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُ اْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تُورُ (﴾
تعالى جعلها لينة بحيث يمكن حفرها ، وبناء الأبنية منها كما يراد، ولو كانت حجرية صلبة لتعذر
ذلك ( وثالثها) أنها لو كانت حجرية، أو كانت مثل الذهب أو الحديد، لكانت تسخن جداً فى
الصيف ، وكانت تبرد جداً فى الشتاء، ولكانت الزراعة فيها متنعة، والغراسة فيها متعذرة ، ولما
كانت كفاتاً للأموات والأحياء (ورابعها) أنه تعالى سخرها لنا بأن أمسكها فى جو الهواء، ولو
كانت متحركة على الاستقامة، أو على الاستدارة لم تكن منقادة لنا.
﴿ المسألة الثالثة) قوله (فامشوافي منا كبها) أمرإباحة، وكذا القول فى قوله (وكلوامن رزقه).
المسألة الرابعة ﴾ ذكروا فى مناكب الأرض وجوهاً (أحدها) قال صاحب الكشاف:
المشى فى مناكبها مثل لفرط التذليل ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شىء من البعير ،
وأبعده من إمكان المشى عليه ، فإذا صار البعير بحيث يمكن المشى على منكبه، فقد صار نهاية فى
الانقياد والطاعة ، فثبت أن قوله (فامشوا في مناكبها) كناية عن كونها نهاية فى الذلولية ( وثانيها)
قول قتادة والضحاك وابن عباس: إن مناكب الأرض جبالها وآكامها، وسميت الجبال مناكب،
لأن منا كب الإنسان شاخصة. والجبال أيضاً شاخصة، والمعنى أنى سهلت عليكم المشى فى منا كبها،
وهى أبعد أجزائها عن التذليل، فكيف الحال فى سائر أجزائها ( وثالثها) أن منا كبها هى الطرق ،
والفجاج والأطراف والجوانب . وهو قول الحسن ومجاهد والكلى ومقاتل، ورواية عطاء عن
ابن عباس، واختيار الفراء، وابن قتيبة قال: مناكبها جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه.، وهو
كقوله تعالى (والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سبلا بجاجاً) أما قوله ( وكلوا من
رزقه ) أى مما خلقه الله رزقاً لكم فى الأرض (وإليه النشور) يعنى ينبغى أن يكون مكثكم فى
الأرض، وأكلكم من رزق الله مكث من يعلم أن مرجعه إلى اللّه، وأكل من يتيقن أن مصيره
إلى الله، والمراد تحذيرهم عن الكفر والمعاصى فى السر والجهر، ثم إنه تعالى بين أن بقاءهم مع
هذه السلامة فى الأرض إنما كان بفضل الله ورحمته ، وأنه لو شاء لقلب الأمر عليهم ، ولأمطر
عليهم من سحاب القهر مطر الآفات .
فقال تقريراً لهذا المعنى ﴿المنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور
واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم
أو من تحت أرجلكم) وقال ( نفسفنا به وبداره الأرض).
واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله (أمنتم من فى السماء)، (والجواب)
عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن كونه فى السماء يقتضى
كون السماء محيطاً به من جميع الجوانب ، فيكون أصغر من السماء ، والسماء أصغر من العرش

٧٠
قوله تعالى : أم أمنتم من في السماء . سورة الملك
أَمْ أَمِنْتُ مَّن فِى الَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَّذِيرِ (®
بكثير ، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئاً حقيراً بالنسبة إلى العرش، وذلك باتفاق أهل الإسلام
محال ، ولأنه تعالى قال ( قل لمن ما فى السموات والأرض قل اللّه) فلو كان الله فى السماء لوجب
أن يكون مالكا لنفسه وهذا محال ، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل ،
ثم فيه وجوه: (أحدها) لم لا يجوز أن يكون تقدير الآية: أأمنتم من فى السماء عذابه، وذلك لأن
عادة الله تعالى جارية، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع
عذابه تعالى، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته ( وثانيها) قال أبو مــلم: كانت العرب مقرين
بوجود الإله ، لكنهم كانوا يعتقدون أنه فى السماء على وفق قول المشبهة ، فكأنه تعالى قال لهم :
أتأمنون من قد أفررتم بأنه فى السماء ، واعتر فتمله بالقدرة على ما يشاء أن يخف بكم الأرض
( وثالثها ) تقدير الآية : من فى السماء سلطانه وملكه وقدرته ، والغرض من ذكر السماء تفخيم
سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال (وهو اللّه فى السموات وفى الأرض) فإن الشىء الواحد
لا يكون دفعة واحدة فى مكانين ، فوجب أن يكون المراد من كونه فى السموات وفى الأرض
نفاذ أمره وقدرته، وجريان مشيئته فى السموات وفى الأرض، فكذا ههنا (ورابعها) لم لا يجوز
أن يكون المراد بقوله ( من فى السماء) الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل عليه السلام،
والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه. وقوله ( فإذا هى تمور) قالوا معناه: إن الله تعالى
يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخفون فيها، فيذهبون
والأرض فوقهم تمور، فتلقيهم إلى أسفل السافلين، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم.
ثم زاد فى التخريف فقال ﴿ أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصباً ﴾.
قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط، فقال ( إنا أرسلنا عليهم حاصباً) والخاصب ريح
فيها حجارة وحصباء، كأنها تقلع الحصباء لشدتها ، وقيل هو سحاب فيها حجارة .
ثم هدد وأوعد فقال ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ .
قيل فى النذير ههنا إنه المنذر ، يعنى محمداً عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس
والضحاك، والمعنى فستعدون رسولى وصدقه، لكن حين لا ينفعكم ذلك، وقيل إنه بمعنى الإنذار ،
والمعنى فستعدون عاقبة إنذارى إيا كم بالكتاب والرسول، وكيف فى قوله ( كيف نذير ) ينبى.
عما ذكرنا من صدق الرسول ، وعقوبة الإنذار .
وأعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بهذه التخريفات أكد ذلك التخريف بالمثال والبرهان
أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم فقال :

٧١
قوله تعالى : ولقد كذب الذين من قبلهم . سورة الملك .
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٨) أَوَلَمْ بَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ
فَوَقَّهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَأْمِكُهُنَّإِنَّ الََّْنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرُ
﴿ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير﴾ يعنى عاداً وثمود وكفار الأمم ،
وفيه وجهان (أحدهما ) قال الواحدی (فکیف کان نکیر ) أی إنكاری و تغییری ، أليس
وجدوا العذاب حقاً (والثانى) قال أبو مسلم: النكير عقاب المنكر، ثم قال: وإنما سقط الياء
من نذيرى، ومن نكيرى حتى تكون مشابهة لرؤوس الآى المتقدمة عليها، والمتأخرة عنها . وأما
البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه تعالى قادراً على
إيصال جميع أنواع العذاب إليهم ؛ وذلك البرهان من وجوه:
﴿ البرهان الأول) هو قوله تعالى ﴿أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾
(صافات) أى باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها ( ويقبضن) ويضممنها إذا ضربن
بها جنوبهن، فإن قيل لم قال (ويقبضن) ولم يقل وقابضات، قلنا لأن الطيران فى الهواء كالسباحة
فى الماء، والأصل فى السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارى. على البسط للاستظهار
به على التحرك، نفىء بما هو طارى. غير أصلى بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن
القبض تارة بعد قارة ، كما يكون من السابح .
ثم قال تعالى ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن﴾ وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها
فى جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه، وههنا سؤالان :
﴿ السؤال الأول) هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله، قلنا
نعم ، وذلك لأن استمساك الطير فى الهواء فعل اختيارى للطير ،
ثم إنه تعالى قال ﴿ ما يمسكهن إلا الرحمن﴾ فدل هذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
﴿ السؤال الثانى) أنه تعالى قال فى النحل (ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو الشماء
ما يمسكهن إلا الله) وقال ههنا ( ما يمسكون إلا الرحمن) فما الفرق؟ قلنا ذكر فى النحل ( أن الطير
مسخرات فى جو السماء) فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية، وذكر ههنا أنها صافات
وقابضات ، فكان إلهامها إلى كيفية البسط، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن.
ثمّ قال تعالى ﴿ إنه بكل شىء بصير )وفيه وجهان (الوجه الأول) المراد من البصير، كونه
عالماً بالأشياء الدقيقة، كما يقال: فلان بصر فى هذا الأمر، أى حذق (والوجه الثانى) أن نجرى
اللفظ على ظاهره ، فنقول إنه تعالى شىء، والله بكل شىء بصير، فيكون رائياً لنفسه ولجميع
الموجودات ، وهذا هو الذى يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئياً وأن كل

٧٢
قوله تعالى : أمن هذا الذي هو جند لكم . سورة الملك .
أَمَّنْ هَا الَّذِىِ هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ يَنَصُرُ كُم مِّن دُونِ الْمَنِ إِنِ الْكَِّرُونَ إِلَّا
في غُرُورٍ ◌ّ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقٌَ بَل ◌َقُّوْ فِى ◌ٍُّوَنُهُورٍ ﴾
أَنْ يَمْشِى مُكَّاعَى وَجْهِهِ أَهْدَىّ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيٍ
الموجودات كذلك ، فإن قيل البصير إذا عدى بالماء يكون بمعنى العالم، يقال فلان بصير بكذا
إن كان عالماً به ، قلنا لانسلم ، فإنه يقال: إن الله سميع بالمسموعات، بصير بالمصرات.
قوله تعالى : ﴿ أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا
فى غرور﴾ .
أعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ، ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول عليه الصلاة
والسلام، وكان تعويلهم على شيئين (أحدهما) القوة التى كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم
( والثانى) أنهم كانوا يقولون هذه الأوثان، توصل إلينا جميع الخيرات، وتدفع عناكل الآفات
وقد أبطل الله عليهم كل واحد من هذين الوجهين. أما الأول فبقوله ( أمن هذا الذى هو جند لكم
ينصركم من دون الرحمن) وهذا نسق على قوله ( أم أمنتم من فى السماء ) والمعنى أم من يشار إليه
من المجموع، ويقال هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم، ثم قال
( إن الكافرون إلا فى غرور ) أى من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.
أما الثانى فهو قوله ﴿أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه﴾.
والمعنى: من الذى يرزقكم من آلهتكم إن أمسك اللّه الرزق عنكم، وهذا أيضاً ما لا ينكره
ذو عقل، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات وغيرهما لما وجد رازق سواه
فعند وضوح هذا الأمر .
قال تعالى ﴿بل لجوا فى عتو ونفور) والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق، فى عتو
أى فى تمرد وتكبر ونفور، أى تباعد عن الحق وإعراض عنه. فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا
وهو إشارة إلى فساد القوة العملية ، والنفور بسبب جهلهم ، وهذا إشارة إلى فساد القوة النظرية ،
واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور ، نبه على ما يدل على قبح هذين الوصفين ،
قوله تعالى: ﴿أفمن يمشى مكباً على وجهه أهدى أمن يمشى سوياً على صراط مستقيم﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال الواحدى: أكب مطاوع كبه، يقال كبيته، فأ كب ونظيره قشعت

٧٣
قوله تعالى : قل هو الذي أنشأكم . سورة الملك .
قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنْسَّأْكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ الَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
الريح السحاب فأقشع، قال صاحب الكشاف: ليس الأمر كذلك، وجاء شيء من بناء أفعل
مطاوعاً، بل قولك أكب معناه دخل فى الكب وصار ذا كب، وكذلك أقشع السحاب دخل فى
· القشع، وأنفض ، أى دخل فى النقض، وهو نفض الوعاء، فصار عبارة عن الفقر وألام دخل فى
اللوم ، وأما مطاوع كب وقشع فهو انكب وانقشع .
المسألة الثانية ﴾ ذكروا فى تفسير قوله (بمشى مكباً على وجهه) وجوهاً: (أحدها) معناه أن
الذى يمشى فى مكان غير مستو بل فيه ارتفاع وانخفاض. فيعثر كل ساعة وبخر على وجه مكباً
فىاله نقيض حال من يمشى سوياً أى قائماً بالماً من العثور والخرور (وثانيها) أن المتعف الذى
يمشى هكذا وهكذا على الجهالة والحيرة لا يكون كمن يمشى إلى جهة معلومة مع العلم واليقين
(وثالثها) أن الأعمى الذى لا يهتدى إلى الطريق فيتعسف ولا يزال ينكب على وجهه لا يكون
كالرجل السوى الصحيح البصر الماشى فى الطريق المعلوم ، ثم اختلفوا فمنهم من قال هذا حكاية حال
الكافر فى الآخرة ، قال قتادة الكافر أ كب على معاصى الله خسره الله يوم القيامة على وجهه،
والمؤمن كان على الدين الواضح حشره الله تعالى على الطريق السوى يوم القيامة، وقال آخرون
بل هذا حكاية حال المؤمن والكافر والعالم والجاهل فى الدنيا، واختلفوا أيضاً فمنهم من قال هذا
عام فى حق جميع المؤمنين والكفار، ومنهم من قال بل المراد منه شخص معين ، فقال مقاتل المراد
أبو جهل والنبى عليه الصلاة والسلام، وقال عطاء عن ابن عباس المراد أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب
وقال عكرمة هو أبو جهل وعمار بن ياسر .
﴿ البرهان الثانى) على كمال قدرته قوله تعالى ﴿قل هو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع
والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون﴾.
اعلم أنه تعالى لما أورد البرهان (أولا) من حال سائر الحيوانات، وهو وقوف الطير فى
الهواء، أورد البرهان بعده من أحوال الناس وهو هذه الاية، وذكر من ج ئب مافيه حال السمع
والبصر والفؤاد، ولقد تقدم شرح أحوال هذه الأمور الثلاثة فى هذا الكتاب مراراً فلا فائدة
فى الإعادة، واعلم أن فى ذكر هاعهنا تنبيهاً على دقيقة لطيفة. كأنه تعالى قال أعطيتكم هذه الإعطاءات
الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة، لكنكم ضيعتموها فلم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبر تم بما
أبصر تموه، ولا تأملتم فى عاقبة ماعقلتموه، فكانكم ضيعتم هذه النعم وأمدتم هذه المواهب، فلهذا
أ قال (قليلا ماتشكرون) وذلك لأن شكر نعمة الله تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه،

٧٤
قوله تعالى : قل هو الذي ذرأكم . سورة الملك .
قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَ كُمْ فِى الْأَرْضِ وَالَيْهِ تُخْرُونَ (﴾ وَيَقُولُونَ مَى هَذَا الْوَعْدُ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (﴾ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللّهِ وَ إِنَّمَا أَنَاْ نَذِيْرٌ مُّبِينٌ
٢٦
وانتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل لا إلى طلب مرضاته فأنتم ما شكر تم نعمته البتة .
﴿البرهان الثالث) قوله تعالى ﴿قل هو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون﴾.
أعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانات (أولا) ثم بصفات الإنسان ( ثانياً) وهى السمع
والبصر والعقل، ثم بحدوث ذاته (ثالثاً) وهو قوله (هو الذى ذراكم فى الأرض) واحتج المتكلمون
بهذه الآية على أن الإنسان ليس هو الجوهر المجرد عن التخيز والكمية على ما يقوله الفلاسفة
وجماعة من المسلمين لأنه قال (قل هو الذى ذرأكم فى الأرض ) فبين أنه ذرا الإنسان فى
الأرض، وهذا يقتضى كون الإنسان متحيزاً جسما، واعلم أن الشروع فى هذه الدلائل إنما كان
لبيان صحة الحشر والنشر ليثبت ما ادعاه من الابتلاء فى قوله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز
الغفور ) ثم لأجل إثبات هذا المطلوب، ذكر وجوهاً من الدلائل على قدرته، ثم ختمها بقوله
( قل هل الذى ذرأ كم فى الأرض) ولما كانت القدرة على الخلق ، ابتداء توجب القدرة على الإعادة
لا جرم قال بعده ( وإليه تحشرون) فبين بهذا أن جميع ما تقدم ذكره من الدلائل إنما كان لإثبات
هذا المطلوب.
وأعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار شيئين
(أحدهما ) أنهم طالبوه بتعيين الوقت .
قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال أبو مسلم إنه تعالى قال: يقول بلفظ المستقبل فهذا يحتمل ما يوجد
. من الكفار من هذا القول فى المستقبل، ويحتمل الماضى، والتقدير: فكانوا يقولون هذا الوعد.
﴿ المسألة الثانية) املهم كانوا يقولون ذلك على سبيل السخرية، ولعلهم كانوا يقولونها إيبهاما
للعنعفة أنه لما لم يتعجل فلا أصل له.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الوعد المسؤول عنه ما هو ؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه القيامة ( والثانى)
أنه مطلق العذاب، وفائدة هذا الاختلاف تظهر بعد ذلك إن شاء الله.
ثم أجاب اللّه عن هذا السؤال بقوله تعالى ﴿قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين
والمراد أن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع، فالعلم الأول حاصل عندى، وهو كاف فى
الإنذار والتحذير، أما العلم الثانى فليس إلا لله، ولا حاجة فى كونى نذيراً مبيناً إليه.

٧٥
قوله تعالى : فلما رأوه زلفه ... سورة الملك .
فَلَّا رَأَوْهُ زُلْفَةٌ سِبَعَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَاذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِ تَدَّعُونَ
,٢٧
ثم إنه تعالى بين حالهم عند نزول ذلك الوعد فقال تعالى ﴿فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين
كفروا﴾ و فيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قوله فلما رأوه الضمير الوعد، والزلفة القرب والتقدير، فلما رأوه قرباً
ويحتمل أنه لما اشتد قربه ، جعل كأنه فى نفس القرب. وقال الحسن معاينة، وهذا معنى وليس
بتفسير ، وذلك لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة .
المسألة الثانية) قوله (سيئت وجوه الذين كفروا) قال ابن عباس أسودت وعلتها الكآبة
والفترة، وقال الزجاج تبين فيها السوء، وأصل السوء القبح، والسيئة ضد الحسنة ، يقال ساء الشىء
يسوء، فهوسي. إذا قبح، وسيء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت
بأن علنها الكآبة وغشيها الكسوف والفترة وكلحوا، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى القتل.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن قوله (فلما رأوه زلفة) إخبار عن الماضى، فمن حمل الوعد فى
قوله ( ويقولون متى هذا الوعد) على مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم
فى قوله ( فلما رأوه زلفة) يعنى أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذى نزل بعاد وثمود سيئت
وجوههم عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله ( فلما رأوه زلفة ) معناه
فتى ما رأوه زلفة، وذلك لأن قوله ( فلما رأوه زلفة) إخبار عن الماضى وأحوال القيامة
مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ بما قدناه، قال مقاتل (فلما رأوه زلفة) أى لما رأوا
العذاب فى الآخر قريباً .
قوله تعالى : ﴿ وقيل هذا الذى كنتم به تدعون ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال بعضهم القائلون هم الزبانية ، وقالآخرون بل يقول بعضهم لبعض ذلك.
المسألة الثانية﴾ فى قوله (تدعون) وجوه: (أحدها) قال الفراء يريد (تدعون) من
الدعاء أى تطلبون وتستعجلون به ، وتدعون وندعون واحد فى اللغة مثل تذكرون وتذكرون
وتدخرون وتدخرون ( وثانيها) أنه من الدعوى معناه: هذا الذى كنتم تبطلونه أى ( تدعون)
أنه باطل لا يأتيكم أو هذا الذى كنتم بسببه (وتدعون) أنكم لا تبعثون ( وثالثها) أن يكون هذا
استفهاماً على سبيل الإنكار، والمعنى أهذا الذى تدعون، لا بل كنتم تدعون عدمه .
المسألة الثالثة) قرأ يعقوب الحضرمى (تدعون) خفيفة من الدعاء، وقرأ السبعة (تدعون)
مثقلة من الادعاء .

٧٦
قوله تعالى : قل أرأيتم إن أهلكني الله . سورة الملك .
قُلْ أَ يُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ اللهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَهَنَا فَنْ يُحِرُالْكَِّرِينَ مِنْ عَذَابٍ
أَلِ يْ قُلْ هُوَ الَّحْمَنُ ءَ امَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
قُلْ أَرَةَيُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُ كُمْ نَوْرًا فَمَنْ يَأْنِّكُ بِمٍَّ مَّعِينٍ(
٢٩
قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أهلكنى الله ومن معى أورحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم)
اعلم أن هذا الجواب هو من النوع الثانى بما قاله الكفار لمحمد بَ لّم حين خوفهم بعذاب الله،
يروى أن كفارمكة كانوايدعون على رسول الله مترجم وعلى المؤمنون بالهلاك، كما قال تعالى (أم يقولون
شاعر نتربص به ريب المنون) وقال ( بل ظنقتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) ثم
إنه تعالى أجاب عن ذلك من وجهين ( الوجه الأول) هو هذه الآية، والمعنى قل لهم إن الله تعالى
سواء أهلكنى بالإماتة أورحمنى بتأخير الأجل ، فأى راحة لكم فى ذلك، وأى منفعة لكم فيه، ومن
الذى يجير كم من عذاب الله إذا نزل بكم، أنظنون أن الأصنام تجير كم أو غيرها، فإذا علمتم أن
لا مجير لكم فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث.
( الوجه الثانى) فى الجواب قوله تعالى ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فتعلمون من
هو فى ضلال مبين
والمعنى أنه الرحمن آمنابه وعليه توكلنافيعلم أنه لا يقبل دعاء كم وأنتم أهل الكفر والعناد فى حقنا، مع
أنا آمنا به ولم نكفربه كما كفرتم، ثم قال (وعليهتوكلنا) لا على غيره كما فعلتم انتم حيث توكانم على رجالكم
وأموالكم، وقرى. فستعلمون على المخاطبة، وقرى. بالياء ليكون على وفق قوله (فمن يجير الكافرين).
واعلم أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره، ذكر الدليل عليه، فقال تعالى ﴿قل
أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بما. معين﴾
والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر، أى أخبرونى إن
صار ماؤكم ذاهباً فى الأرض فمن يأتيكم بماء معين، فلا بد وأن يقولوا هو الله ، فيقال لهم حينئذ
فلم تجعلون من لا يقدر على شىء أصلا شريكا له فى المعبودية؟ وهو كقوله ( أفرأيتم الماء الذى
تشربون، أأنتم أنز لتموه من المزن أم نحن المنزلون) وقوله (غوراً) أى غاراً ذاهباً فى الأرض
يقال غار الماء يغرر غوراً، إذا نضب وذهب فى الأرض، والغور ههنا بمعنى الغائر سمى بالمصدر
كما يقال رجل عدل ورضا، والمعين الظاهر الذى تراه العيون فهو من مفعول العين كمبيع ، وقيل
المعين الجارى من العيون من الإمعان فى الجرى كأنه قيل معن فى الجرى ، والله سبحانه وتعالى
أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

٧٧
سورة القلم
(٦٨) سُورة الفِلِمَكِيَّةْ
وَآياتها ئِنْتَانِ وَخُسُونَ
٠
اللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحِيمِ
بِسْـ
- ج
بسم الله الرحمن الرحيم
فيه مسألتان :
ن
المسألة الأولى ﴾ الأقوال المذكورة فى هذا الجنس قد شرحناها فى أول سورة البقرة
والوجوه الزائدة التى يختص بها هذا الموضع (أولها) أن النون هو السمكة ، ومنه فى ذكر يونس
( وذا النون) وهذا القول مروى عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى ثم القائلون بهذا منهم
من قال إنه قسم بالحوت الذى على ظهره الأرض وهو فى بحر تحت الأرض السفلى ، ومنهم من
قال إنه قسم بالحوت الذى احتبس يونس عليه السلام فى بطنه ، ومنهم من قال : إنه قسم بالحوت
الذى لطخ سهم نمروذ بدمه ( والقول الثانى) وهو أيضاً مروى عن ابن عباس واختيار الضحاك
والحسن وقتادة أن النون هو الدواة ، ومنه قول الشاعر :
إذا ما الشوق يرجع بى إليهم ألقت النون بالدمع السجوم
فيكون هذا فسما بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة ، فإن التفاهم تارة يحصل
بالنطق و[تارة] يتحرى بالكتابة ( والقول الثالث) أن النون لوح تكتب الملائكة ما بأمرهم الله
به فيه رواه معاوية بن قرة مرفوعاً (والقول الرابع) أن النون هو المداد الذى تكتب به الملائكة
واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة لأنا إذا جعلناه مقسما به وجب إن كان جذساً أن نجره وننونه ، فإن
القسم على هذا التقدير يكون بدواة منكرة أو بسمكة منكرة، كأنه قيل وسمكة والقلم ، أو قيل
ودواة والقلم ، وإن كان علماً أن نصرفه ونجره أولا نصرفه ونفتحه إن جعلناه غير منصرف .
(والقول الخامس) أن نون ههنا آخر حروف الرحمن فإنه يجتمع من الرحمن ن اسم الرحمن فذ كر
الله هذا الحرف الأخير من هذا الإسم، والمقصود القسم بتمام هذا الإسم ، وهذا أيضاً ضعيف
لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية، بل الحق أنه إما أن يكون اسما للسورة أو يكون الغرض
منه التحدى أو سائر الوجوه المذكورة فى أول سورة البقرة.
المسألة الثانية ﴾ القراء مختلفون فى إظهار النون وإخفائه من قوله (ن والقلم) فمن أظهرها فلأنه
:

٧٨
قوله تعالى : والقلم وما يسطرون . سورة القلم .
وَالْقَلَ وَمَا يَسْطُرُونَ.
يغوى بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت فى تقدير الانفصال ،ما
بعدها ، وإذا انفصلت مما بعدها وجب التبيين ، لأنها إنما تخفى فى حروف الفم عند الاتصال ، ووجه
الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف فى نحو (المّ اللّه) وقولهم فى العدد واحد اثنان
فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها فى تقدير الوصل وإذا وصلنها أخفيت النون وقد ذكرنا
هذا فى طس ويس ، قال الفراء وإظهارها أعجب إلى لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل،
وقوله تعالى ﴿والقلم) فيه قولان (أحدهما) أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل
قلم يكتب به من فى السماء ومن فى الأرض ، قال تعالى ( وربك الأكرم ، الذى علم بالقلم، علم
الإنسان ما لم يعلم) فمن بتيسير الكتابة بالقلم كما من بالنطق فقال ( خلق الإنسان، علمه البيان)
ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن
باللسان من تعريف القريب (والثانى) أن المقسم به هو القلم المعهود الذى جاء فى الخبر أن أول
ما خلق الله القلم، قال ابن عباس أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كان إلى أن تقوم
الساعة ، نجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال، قال وهو قلم من نورطوله كما
بين السماء والأرض، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال اكتب القدر فكتب
ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجرى الناس على أمر قد فرغ منه . قال القاضى هذا الخبر يجب
حمله على المجاز، لأن القلم الذى هو آلة مخصوصة فى الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عافلا فيؤمر
وينهى. فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه أنه تعالى
أجراه بكل ما يكون وهو كقوله (إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) فإنه ليس هناك أمر.
ولا تكليف، بل هو مجرد نفاذ القدرة فى المقدور من غير منازعة ولا مدافعة، ومن الناس من زعم
أن القلم المذكور ههنا هو العقل، وأنه شىء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا والدليل عليه أنه
روى فى الأخبار أن أول ما خلق الله القلم، وفى خبر آخر : أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر
إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد الق من الدخان السموات ومن الزبد
الأرض، قالوا فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التى هى أصل
المخلوقات شىء واحد وإلا حصل التناقض .
قوله تعالى ﴿ وما يسطرون﴾ .
اعلم أن ما مع ما بعدها فى تقدير المصدر ، فيحتمل أن يكون المراد وسطرم، فيكون القسم
واقعاً بنفس الكتابة، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب، وعلى التقديرين فإن حملنا
القلم على كل قلم فى مخلوقات الله كان المعنى ظاهراً ، وكانه تعالى أقسم بكل قلم ، وبكل ما یکتب

٧٩
قوله تعالى . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . سورة القلم.
مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِجُنُونٍ (٣) وَإِنَّلَكَ لَأَبْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
بكل قلم، وقيل بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ،
فيكون الضمير فى (يسطرون) لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم، أى ومسطورانهم . وأما
إن حملنا الفلم على ذلك القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله ( وما يسطرون) أى وما
يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ، ولفظ الجمع فى قوله ( يسطرون ) ليس المراد منه الجمع ، بل
التعظيم، أو يكون المراد تلك الأشياء التى سطرت فيه من الأعمال والأعمار، وجميع الأمور
الكائنة إلى يوم القيامة .
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون،
وإن لك لأجراً غير ممنون ، وإنك لعلى خلق عظيم ﴾.
اعلم أن قوله (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) فيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ روى عن ابن عباس: أنه عليه السلام غاب عن خديجة إلى حراء، فطلبته
فلم بجده، فإذا به وجهه متغير بلا غبار ، فقالت له مالك ؟ فذكر نزول جبريل عليه السلام، وأنه
قال له (اقرأ باسم ربك) فهو أول ما نزل من القرآن، قال: ثم نزل بى إلى قرار الأرض
فتوضأ، وتوضأت، ثم صلى، وصليت معه ركعتين، وقال هكذا الصلاة يا محمد، فذكر عليه
الصلاة والسلام ذلك لخديجة ، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وهو ابن عها، و كان قد
خالف دين قومه، ودخل فى النصرانية ، فسألته فقال: ارسلى إلى محمداً، فأرسلته فأتاه، فقال له :
هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو إلى الله أحداً؟ فقال لا، فقال والله لئن بقيت إلى دعوتك
لأنصرنك نصراً عزيزاً، ثم مات قبل دعاء الرسول، ووقعت تلك الواقعة فى ألسنة كفار قريش،
فقالوا إنه لمجنون ، «أقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون، وهو خمس آيات من أول هذه السورة،
ثم قال ابن عباس: وأول ما نزل قوله ( سبح اسم ربك ) وهذه الآية هى الثانية .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج (أنت) هو اسم (ما) و (بمجنون) الخبر، وقوله (بنعمة ربك)
كلام وقع فى البين والمعنى أنتفي عنك الجنون (بنعمة ربك) كما يقال أنت بحمد الله عاقل ،
وأنت بحمد الله لست بمجنون، وأنت بنعمة الله فهم، وأنت بنعمة الله لست بفقير، ومعناه أن
تلك الصفة المحمودة إنما حصلت، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام الله واطفه وإكرامه،
وقال عطاء وابن عباس يريد ( بنعمة ربك) عليك بالإيمان والنبوة، وهو جواب لقولهم (يا أبها
الذى نزل عليه الذكر إنك لجنون) واعلم أنه تعالى وصفه ههنا بثلاثة أنواع من الصفات .

٨٠
قوله تعالى : وانك لعلى خلق عظيم . سورة القلم .
(الصفة الأولى) نفى الجنون عنه ثم إنه تعالى، قرن بهذه الدعوى ما يكون كالدلالة القاطعة
على صحتها وذلك لأن قوله ( بنعمة ربك) يدل على أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة فى حقه من
الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة المرضية ، والبراءة من كل عيب ، والاتصاف بكل مكرمة
وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة فوجودها ينافى حصول الجنون ، فالله تعالى نبه على هذه
الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين فى قولهم له أنه مجنون .
﴿ الصفة الثانية) قوله (وإن لك لأجراً غير منون) وفى المعنون قولان (أحدهما) وهو
قول الأكثرين، أن المعنى غير منقوص ولا مقطوع يقال منه السير أى أضعفه، والمنين الضعيف
ومن الشىء إذا قطعه ، ومنه قول لبيد :
غيش كواسب ما يمن طعامها
يصف كلاباً ضارية، ونظيره قوله تعالى ( عطاء غير مجذوذ).
﴿ والقول الثانى) وهو قول مجاهد ومقاتل والكلى، إنه غير مقدر عليك بسبب المنة،
قالت المعتزلة فى تقرير هذا الوجه ( إنه غير منون ) عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس
بتفضل ابتداء، والقول الأول أشبه لأن وصفه بأنه أجر يفيد أنه لا منة فيه فالخمل على هذا الوجه
يكون كالتكرير ، ثم اختلفوا فى أن هذا الأجر على أى شىء حصل؟ قال قوم معناه، إن لك على
احتمال هذا الطعن والقول القبيح أجراً عظيما دائماً ، وقال آخرون المراد إن لك فى إظهار
النبوة والمعجزات ، فى دعاء الخلق إلى الله، وفى بيان الشرع لهم هذا الأجر الخالص الدائم، فلا
تمنعك نسبتها إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا المهم العظيم، فإن لك بسبه المنزلة العالية عندالله.
﴿ الصفة الثالثة) قوله تعالى ﴿وإنك لعلى خلق عظيم) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم من قوله (بنعمة ربك) وتعريف لمن رماه
بالجنون بأن ذلك كذب، وخطأ وذلك لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة
منه، ومن كان موصوفاً بتلك الأخلاق والأفعال لم يجز إضافة الجنون إليه لأن أخلاق المجانين
سيئة ، ولما كانت أخلاقه الحميدة كاءلةٍ لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة ولهذا قال (قل لا أسألكم عليه
أجراً وما أنا من المتكلفين ) أى لست متكلفاً فيما يظهر لكم من أخلاقى لأن المتكلف لا يدوم
أمره طويلاً بل يرجع إلى الطبع، وقال آخرون إنما وصف خلقه بأنه عظيم وذلك لأنه تعالى قال
له ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وهذا الهدى الذى أمر الله تعالى محمداً بالاقتداء به ليس
هو معرفة الله لأن ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول، وليس هو الشرائح لأن شريعته مخالفة
لشرائعهم فتعين أن يكون المراد منه أمره عليه الصلاة والسلام بأن يقتدى بكل واحد من الأنبياء
المتقدمين فيما اختص به من الخلق الكريم ، فكأن كل واحد منهم كان مختصاً بنوع واحد ، فلما أمر
محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدى بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقاً فيهم ، ولما كان
ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله، لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم ، وفيه دقيقة