Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى : هو الذي خلقكم . سورة التغابن . هُوَ الَّذِ خَلَقَكُ فِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ خَلَقَ السَّمَنَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّ كُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمٌ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلُ مَنِ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَاتُسِرُونَ وَمَ ثُعْلِنُونَ وَلَهُ عَلِيْم ◌ِذَّاتِ ٣ الصُّدُورِ ﴾ آخر ( سبح لله ما فى السموات والأرض) فما الحكمة فيه؟ قلنا الحكمة لابد منها، ولا نعلمها كما هى، لكن نقول ما يخطر بالبال، وهو أن مجموع السموات والأرض شىء واحد، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا المجموع شىء والباقى منه شىء آخر، فقوله تعالى ( يسبح لله ما في السموات وما فى الأرض) بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى فى بعض السور كذا وفى البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسمانى من وجه شىء واحد، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق فى المجموع غير ما فى هذا الجزء ، وغير ما فى ذلك أيضاً ولا يلزم من وجود الشىء فى المجموع أن يوجد فى كل جزء من أجزائه إلا بدليل منفصل، فقوله تعالى ( سبح لله ما فى السموات وما فى الأرض) على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما فى السموات وعلى تسبيح ما فى الأرض، كذلك بخلاف قوله تعالى (سبح لله ما فى السموات والأرض). ثم قال تعالى ﴿هو الذى خلقكم فنكم كافراً ومنكم. ؤمن والله بما تعملون بصير، خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير، يعلم ما فى السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدر﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما إنه تعالى خاق بنى آدم مؤمناً وكافراً، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمناً وكافراً، وقال عطاء إنه يريد فمنكم مصدق ، ومنكم جاحد، وقال الضحاك مؤمن فى العلانية كافر فى السر كالمنافق ، وكافر فى العلانية مؤمن فى السر كعمار بن ياسر ، قال الله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقال الزجاج فنكم كافر بأنه تعالى خلقه، وهو من أهل الطبائع والدهرية ، ومنكم .ؤمن بأنه تعالى خلقه كماقال (قتل الإنسان ما أكفزه، من أى شىء خلقه) وقال (أكفرت بالذى خلقك من تراب، ثم من نطفة) وقال أبو إسحاق: خلقكم فى بطون أمهاتكم كفاراً ومؤمنين ، وجاء فى بعض التفاسير أن يحى خلق فى بطن أمه مؤمناً وفرعون خلق فى بطن أمه كافراً، دل عليه قوله تعالى (إن الله ببشرك بيحي مصدقاً بكلمة من الله) وقوله تعالى (والله بما تعملون بصير) أى عالم بكفركم ٢٢ قوله تعالى : ألم يأتكم نبأ الذين كفروا . سورة التغابن . أَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وإيمانكم اللذين من أعمالكم ، والمعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التى هى الخلق فانظروا النظر الصحيح وكونوا بأجمعكم عباداً شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم فرقاً فنكم كافر ومنكم مؤمن وقوله تعالى (خلق السموات والأرض بالحق) أى بالإرادة القديمة على وفق الحكمة، ومنهم من قال بالحق ، أى للحق، وهو البعث، وقوله (وصوركم فأحسن صوركم) يحتمل وجهين (أحدهما) أحسن أى أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه فى الغير ، وكيف يوجد وقد وجد فى أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة ( وثانيهما) أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر، فإن من نظر فى قد الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله تعالى (وإليه المصير) أى البعث وإنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية فى خلقهم والمقصود منه، ثم قال تعالى (وصور كم فأحسن صوركم) لأنه لا يلزم من خلق الشىء أن يكون مصوراً بالصورة، ولا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور ، ثم قال (وإليه المصير) أى المرجع ليس إلاله ، وقوله تعالى (يعلم ما فى السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور) نبه بعلمه ما فى السموات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه ما فى الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة البتة أزلا وأبداً، وفى الآية مباحث: (الأول) أنه تعالى حكيم، وقد سبق فى علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، والإصرار عليه فأى حكمة دعته إلى خلقهم ؟ نقول إذا علمنا أنه تعالى حكيم، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلفهم على وفق الحكمة . (الثانى) قال (وصوركم فأحسن صوركم) وقد كان من أفراد هذا النوع من كان. شوه الصورة سمح الخلقة ؟ نقول: لأسماجة ثمة لكن الجسن كغيره من المعانى على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بيناً لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل فى حيز الحسن غير خارج عن حده. ﴿ الثالث) قوله تعالى (وإليه المصير) يوهم الانتقال من جانب إلى جانب، وذلك لا يمكن إلا أن يكون الله فى جانب، فكيف هو ؟ قلت ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون فى نفس الأمر، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزماً عن الجانب وعن الجهة . ثم قال تعالى ﴿ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم، ذلك ١ ٢٣ قوله تعالى : ذلك بأنه كانت تأتيهم . سورة التغابن . ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتَ تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرْ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّاً وَأَسْتَغْفِى اللّهُ وَاللهُ غَنِىّ حِدٌ ﴾ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ أَن ◌َّنْ يُبْعَنُواْ قُلْ بَلَ وَرَبِ لَتُبْعَثُنَّثُمَ لَتُنَبَّؤُنَّ ◌ِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَهِ يَسِيْ بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات. فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد ، زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾ اعلم أن قوله (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا) خطاب لكفار مكة وذلك إشارة إلى الويل الذى ذاقوه فى الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب فى الآخرة . فقوله ( فذاقوا وبال أمرم ) أى شدة أمرهم مثل قوله (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقوله (ذلك بأنه) أى بأن الشأن والحديث أنكروا أن يكون الرسول بشراً. ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجراً فكفروا وتولوا ، وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل، وقوله تعالى ( والله غنى حميد ) من جملة ما سبق ، والحميد بمعنى المحمود أى المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد، وقوله تعالى (زعم الذين كفروا) قال فى الكشاف: الزعم ادعاء العلم، ومنه قوله ◌َّ له ((زعموا مطية الكذب)) وعن شريح لكل شىء كنية وكنية الكذب زعموا ، ويتعدى إلى مفعولين ، تعدى، العلم ، قال الشاعر ولم أزعمك عن ذلك معزولا والذين كفروا هم أهل مكة (بلى) إثبات لما بعدأن وهو البعث وقيل قوله تعالى (قل بلى وربى) يحتمل أن يكون تعليما للرسول ريم، أى يعلمه القسم تأ كيداً لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم فى القرآن وقوله تعالى ( وذلك على الله يسير ) أى لا يصرفه صارف، وقيل إن أمر البعث على الله يسير، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا تراباً، فأخبر أن إعادتهم أهون فى العقول من إنشائهم ، وفى الآ ية مباحث : (الأول) قوله (فكفروا) يتضمن قوله (وتولوا) فما الحاجة إلى ذكره؟ نقول إنهم كفروا وقالوا (أبشر يهدوننا) وهذا فى معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وذلك هو التولى، فكانهم كفروا وقالوا قولا يدل على التولى ، ولهذا قال (فكفروا وتولوا). ﴿ الثانى) قوله (وتولوا واستغنى اللّه) يوهم وجود التولى والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنياً، قال فى الكشاف معناه أنه ظهر استغناء اللّه حيث لم يلجتهم إلى الإيمان، ولم يضطرم إليه مع قدرته على ذلك . ﴿ الثالث ) كيف يفيد القسم فى إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته. نقول إنهم ٢٤ قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسوله . سورة التغابن . فَثَامِنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنْزَلْنَا وَاللهُبِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنْ بِلَّهِ وَيَعْمَلْ صَّالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِعَاتِهِ، وَيُدْخِْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَمْهَا الْأَنْهُرُ خَدِينَ فِيهَا أَبَدًّا ذَلِكَ أَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنََ أُوْلَئِكَ أَعْتَبُ النَّارِخَلِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( وإن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار أظهر من الشمس عنده وفى اعتقاده، والفائدة فى الإخبار مع القسم ليس إلا هذا، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم. ولما بالغ فى الإخبار عن البعث والاعتراف بالبعث من لوازم الايمان قال : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير، يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير قوله ( فآمنوا ) يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وذلك لكفرهم بالله وتكذيب الرسل قال (فآمنوا) أنتم (بالله ورسوله ) لئلا ينزل بكم مانزل بهم من العقوبة (والنور الذى أنزلنا) وهو القرآن فإنه يهتدى به فى الشبهات كما يهندى بالنور فى الظلمات ، وإنما ذكر النور الذى هو القرآن لما أنه مشتمل على الدلالات الظاهرة على البعث، ثم ذكر فى الكشاف أنه عنى برسوله والنور محمداً برقم والقرآن (والله بما تعملون خبير) أى بما تسرون وما تعلنون فراقبوه وخافوه فى الحالين جميعاً وقوله تعالى ( يوم بجمعكم ليوم الجمع) يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل السموات وأهل الأرض، و (ذلك يوم التغابن) والتغابن تفاعل من الغبن فى المجازاة والتجارات ، يقال غبنه يغبنه غبناً إذا أخذ الشىء منه بدون قيمته، قال ابن عباس رضى الله عنهما: إن قوماً فى النار يعذبون وقوماً فى الجنة يتنعمون، وقيل هو يوم يغبن فيه أهل الحق ، أهل الباطل، وأهل الهدى أهل الضلالة، وأهل الإيمان. أهل الكفر، فلا غبن أبين من هذا، وفى الجملة فالغبن فى البيع والشراء وقد ذكر تعالى فى حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة ٢٥ قوله تعالى : ما أصاب من مصيبه . سورة التغابن . مَ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِنَ بِلّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١٦) وَأَطِيعُواْ الهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا اَلْبَلَغُ الْمُّبِينُ (١٦) اللهُلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى ، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم ودل المؤمنين على تجارة رابحة ، فقال (هل أدلكم على تجارة) الآية، وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة لخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين، وقوله تعالى (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً) يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك، ويعمل صالحاً أى يعمل فى إيمانه صالحاً إلى أن يموت، قرى، يجمعكم ويكفر ويدخل بالياء والنون، وقوله (والذن كفروا) أى بوحدانية الله تعالى وبقدرته ( وكذبوا بآياتنا) أى بآياته الدالة على البعث ( أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ، ثم فى الآية مباحث: (الأول) قال (فآمنوا بالله ورسوله) بطريق الإضافة، ولم يقل ونوره الذى أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور ههنا هو القرآن والقرآن كلامه ومضاف إليه؟ نقول الألف واللام فى النور بمعنى الإضافة كانه قال ورسوله ونوره الذى أزلنا . ﴿ الثانى) بم انتصب الظرف؟ نقول: قال الزجاج بقوله ( لتبعثن ) وفى الكشاف بقوله (التنبؤن) أو بخير لما فيه من معنى الوعيد. كأنه قيل والله معاقبكم يوم بجمعكم أو باضمار اذكر. ( الثالث ) قال تعالى فى الإيمان (ومن يؤمن بالله) بلفظ المستقبل، وفى الكفر وقال (والذين كفروا) بلفظ الماضى، فنقول: تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار . (الرابع) قال تعالى (ومن ؤمن) بلفظ الواحد و(خالدين فيها) بلفظ الجمع، نقول: ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى . ﴿الخامس) ما الحكمة فى قوله ( وبئس المصير) بعد قوله ( خالدين فيها ) وذلك بئس المصير فنقول: ذلك وإن كان فى معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤ كده. ثم قال تعالى ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء عليم ، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين، الله لا إله إلا هو : وعلى الله فليتوكل المؤمنون قوله تعالى ( إلا بإذن الله) أى بأمر الله قاله الحسن، وقيل بتقدير اللّه وقضائه، وقيل بإرادة ٢٦ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن من ازواجكم . سورة التغابن . يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمَّ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ إِنَّمَاَ أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْ لَدُ كُمْ فِْنَةُ وَاللهُ عِنْدَهُ أَبٌْ عَظِيمٌ (2﴾ فَتَّقُوا لَهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ الله تعالى ومشيئته، وقال ابن عباس رضى الله عنهما بعلمه وقضائه وقوله تعالى (يهد قلبه ) أى عند المصيبة أو عند الموت أو المرض أو الفقر أو القحط، ونحو ذلك فيعلم أنها من الله تعالى فيسلم لقضاء الله تعالى ويسترجع، فذلك قوله (يهد قلبه) أى للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله (الذين إذا أصابتهم مصيبة) إلى قوله ( أولئك هم المهتدون)، قال أهل المعانى يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، وهو معنى قول ابن عباس رضى الله عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرى. (نهد قلبه) بالنون وعن عكرمة (بهد قلبه) بفتح الدال وضم الياء، وقرى. (يهدأ) قال الزجاج هدا قلبه يهدأ إذا سكن ، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل سفه نفسه (والله بكل شىء عليم) يحتمل أن يكون إشارة إلى اطمشان القلب عند المصيبة، وقيل (عليم) بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد هدى قلبه ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما جاء به من عند الله يعنى هونوا المصائب والنوازل وأتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى، ومن الرسول فيما دعاكم إليه . وقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ أى عن إجابة الرسول فيما دعا كم إليه (فما على الرسول إلا البلاغ) الظاهر والبيان البائن، وقوله ( اللّه لا إله إلا هو) يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة اللّه تعالى من قوله ( له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ) فإن من كان موصوفاً بهذه الصفات ونحوها (فهو الذى لا إله إلا هو) أى لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل فى كل باب، وإليه المرجع والمآب، وقوله ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون) بيان أن المؤمن لا يعتمد إلا عليه، ولا يتقوى إلابه لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلاهو، وقال فى الكشاف هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه والتقوى به فى أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه، فإن قيل كيف يتعلق ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) بما قبله ويتصل به؟ نقول يتعلق بقوله تعالى (فآمنوا بالله ورسوله) لما أن من يؤمن بالله فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله. ثم قال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم، إنما أموالكم وأولاد كم فتنة والله عنده أجر عظيم، ٢٧ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن من ازواجكم . سورة التغابن . وَأَنْفِقُوْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ تُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٦) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) قال الكلى كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته. فقالوا أنت تذهب ونذرنا ضائمين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فيذرهم اللّه طاعة نساتهم وأولادهم، ومنهم من لا يطيع ويقول أما والله لو لم نهاجر ويجمع الله بيننا وبينكم فى دار الهجرة لا تنفعكم شيئاً أبداً، فلما جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا، وقال مسلم الخراسانى، نزلت فى عوف بن مالك الأشجعى كان أهله وولده ينبطونه عن الهجرة والجهاد ، وسئل ابن عباس رضى الله عنهما عن هذه الآية ، فقال هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله (عدواً لكم فاحذروهم) أن تطيعوا وتدعوا الهجرة، وقوله تعالى ( وإن تعفوا وتصفحوا) قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا فى الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة . وإن لحقوا به فى دار الهجرة لم ينفق عليهم، ولم يصبهم بخير فنزل ( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ) الآية ، يعنى أن من أزواجكم وأولاد كم عدواً لكم، ينهون عن الإسلام ويتبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم، فظهر أن هذه العداوة إنما هى للكفر والنهى عن الإيمان، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدواً لهم، وفىهؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل (إنما أموالكم وأولاد كم فتنة) قال ابن عباس رضى الله عنهما، لا تطيعوهم فى معصية الله تعالى وفتنة أى بلاء وشغل عن الآخرة، وقيل أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم فى الفتنة وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله ، كغصب مال الغير وغيره ( والله عنده أجرعظيم) أى جزيل، وهو الجنة أخبر أن عنده أجراً عظيما. ليتحملوا المؤونة العظيمة، والمعنى لا تباشروا المعاصى بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم. وقوله تعالى (اتقوا الله ما استطعتم) قال مقاتل أى ما أطقتم يجتهد المؤمن فى تقوى الله ما استطاع، قال قنادة نسخت هذه الآية، قوله تعالى (اتقرا الله حق تقاته) ومنهم من طعن فيه وقال لا يصح لأن قوله تعالى (اتقوا الله حق تقاته) لايراديه الاتفاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة والاستطاعة، وقوله (اسمعوا) أى لله ولرسوله ولكتابه وقيل لما أمركم الله ورسوله به (وأطيعوا الله) فيما يأمركم (وأنفقوا) من أموالكم فى حق الله خيراً لأنفسكم، والنصب بقوله ( وأنفقوا) كأنه قيل وقدموا خيراً لأنفسكم ، وهو ٢٨ قوله تعالى : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً . .سورة التغابن . إِن تُفْرِضُواْ اللَّ قَرْضًا حَسَنَّا يُضَاِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللهُ شَكُورُ حَلِيمٌ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ كقوله (فآمنوا خيراً لكم) وقوله تعالى (ومن يوق شح نفسه) الشح هو البخل، وإنه يعم المال وغيره، يقال فلان شحيح بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف ، وقيل يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم، ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل إنما أموالكم وأولاد كم فتنة ، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء (وإن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض، فنقول هذا فى حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذى مرذكره من الأولاد يعنى من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع ، فيكون البعض منهم عدواً دون البعض . قوله تعالى: ﴿إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم، عالم الغيب والشهادة العزيز الحكـ أعلم أن قوله ( إن تقرضوا اللّه قرضاً حسناً) أى إن تنفقوا فى طاعة الله متقاربين إليه يجز كم بالضعف لما أنه ( شكور) يحب المتقربين إلى حضرته ( حليم ) لا يعجل بالعقوبة (غفور) يغفر لكم، والقرض الحسن عند بعضهم هو التصدق من الحلال ، وقيل هو التصدق بطيبة نفسه، والقرض هو الذى يرجى مثله وهو الثواب مثل الانفاق فى سبيل الله، وقال فى الكشاف ذكر القرض تلطف فى الاستدعاء وقوله (يضاعفه لكم) أى يكتب لكم بالواحدة عشرة وسبعمائة إلى ما شاء من الزيادة وقرىء يضعفه (شكور) مجاز أى يفعل بكم ما يفعل المبالغ فى الشكر من عظيم الثواب وكذلك (حليم) يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسىء فلا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم، ثم لقائل أن يقول هذه الأفعال مفتقرة إلى العلم والقدرة ، والله تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال عالم الغيب ، فنقول قوله (العزيز) يدل على القدرة من عز إذا غلب (والحكيم) على الحكمة ، وقيل العزيز الذى لا يعجزه شىء، والحكيم الذى لا يلحقه الخطأ فى التدبير، والله تعالى كذلك فيكون عالماً قادراً حكيما جل ثناؤه وعظم كبرياؤه، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيراً . ٢٩ سورة الطلاق (٦٥) سُورة الطّلاَقْمَانِيَّة وَآيَاتِها اثنتَالِحَشَرَة 13 ٩١- ١ 1 0 ◌َأَيُّهَا النَِّّ إِذَا طَلَّقْتُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةً بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال فى أول تلك السورة ( له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير) والملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك ، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل والإحسان فى حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير الأحكام فى هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمناً لا يفتقر إلى التأمل فيه، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة، وأما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار فى آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله (عالم الغيب) وفى أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكانه بين ذلك الكلى بهذه الجزائيات، وقوله ( يا أيها النبى إذا طلقتم النساء) عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأنت إلى أهلها فنزلت ، وقيل راجعها فإنها صوامة قوامة . وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لمبا طلقها النبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فى هذه الآية ( ولا يخرجن من بيوتهن) وقال الكلى إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة. فنزلت ، وقال السدى: نزلت فى عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضاً والقصة فى ذلك مشهورة وقال مقاتل: إن رجالا فعلوا مثل ما فعل ابن عمر ، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم، وفى قوله تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وجهان ( أحدهما) أنه نادى النبى صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم ، فاذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة فى ذلك الخطاب . قال أبى إسحق هذا خطاب النبى عليه السلام ، والمؤمنون داخلون معه فى الخطاب ( وثانيهما) أن المعنى يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فأضمر القول ، وقال الفراء: خاطبه وجعل الحكم للجميع ، كما تقول الرجل ويحك أما تتقون اللّه أما تستحيون، تذهب إليه وإلى أهل بيته ( وإذا طلقتم) أى إذا أردتم التطليق، كقوله (إذا قتم إلى الصلاة) أى إذا أردتم ٣٠ قوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن . سورة الطلاق . الصلاة، وقد مر الكلام فيه، وقوله تعالى (فطلقوهن لعدنهن) قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، فيطلقها طاهراً من غير جماع، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن ، قالوا أمر الله تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق فى طهر لم يجامعها فيه، وهو قوله تعالى (لعدتهن) أى لزمان عدتهن، وهو الطهر بإجماع الأمة، وقيل لإظهار عدتهن، وجماعة من المفسرين قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع ، وبالجملة ، فالطلاق فى حال الطهر لازم ، وإلا لا يكون الطلاق سنياً ، والطلاق فى السنة إنما يتصور فى البالغة المدخول بها غير الآيسة، والحامل إذ لا سنة فى الصغير وغير المدخول بها، والآيسة والحامل ، ولا بدعة أيضاً لعدم العدة بالإفراء، وليس فى عدد الطلاق سنة وبدعة ، على مذهب الشافعى حتى لو طلقها ثلاثاً فى طهر صحيح لم يكن هذا بدعياً بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا : السنة فى عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة فى طهر صحيح. وقال صاحب النظم : فطلقوهن لعدتهن صفة للطلاق، كيف يكون ، وهذه اللام تجىء لمعان مختلفة للاضافة وهى أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى ( إنما نطعمكم لوجه الله) وبمنزلة عند مثل قوله ( أقم الصلاة لدلوك الشمس) أى عنده ، وبمنزلة فى مثل قوله تعالى ( هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) وفى هذه الآية بهذا المعنى ، لأن المعنى فطلقوهن فى عدتهن، أى فى الزمان الذى يصلح لعدتهن) فقال صاحب الكشاف (فطلقوهن) مستقبلات (لعدتهن) كقوله: أتيته لليلة بقيت من المحرم أى مستقبلا لها ، وفى قراءة النبى صلى الله عليه وسلم: من قبل عدتهن فإذا طلقت المرأة فى الطهر المتقدم للقرء الأول من أفرائها فقد طلقت مستقبلة العدة ، المراد أن يطلقن فى طهر لم يجامعن فيه، يخلين إلى أن تقتضى عدتهن، وهذا أحسن الطلاق وأدخله فى السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ماروى عن إبراهيم النخعى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحيون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضى العدة وما كان أخس عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات ، وقال مالك بن أنس لا أعرف طلاقاً إلا واحدة ، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة فى طهر واحد، وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر حين طلق امرأته وهى حائض : ما هكذا أمرك الله تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة. وعند الشافعى لا بأس بإرسال الثلاث، وقال لا أعرف فى عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح . فمالك يراعى فى طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعى التفريق والوقت ، والشافعى يراعى الوقت وحده، وقوله تعالى (وأحصوا العدة) أى أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التى تجب فى العدة واحفظوا نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض ، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين (أحدهما) أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن (وثانيهما) ليقع ٣١ قوله تعالى : واتقوا الله ربكم . سورة الطلاق . وَتَّقُواْ اللّهَ رَبَّكُمْ لَاتُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِنَّ وَلَ يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَِئَةٍ مُبِنَّةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الَّهِفَقَدْ ظَلَمَنَفْسَهُ، لَا تَدْرِى لَعَلَّ تحصين الأولاد فى العدة، ثم فى الآية مباحث : ( الأول ) ما الحكمة فى إطلاق السنة وإطلاق البدعة؟ نقول إنما سمى بدعة لأنها إذا كانت حائضاً لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهى فى الخيض الذى طلقت فيه فى صورة المعلقة التى لاهى معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح الإضرار ، وإذا كانت ظاهرة بجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ولو علم الزوج لم يطلقها، وذلك أن الرجل قد يرغب فى (طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب فى ذلك إذا كانت حاملا منه بولد، فاذا طقها وهى بجامعة وعنده أنها حائل فى ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففى طلاقه إياها فى الحيض سوء نظر للمرأة، وفى الطلاق فى الطهر الذى جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج، فإذا طلقت وهى طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران، لأنها تعتد عقب طلاق. إياها، فتجرى فى الثلاثة قروء، والرجل أيضاً فى الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه . ﴿ الثانى) هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ نقول نعم، وهو إثم. لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلا طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال له ((أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهر كم)). ﴿ الثالث) كيف يطلق للسنة التى لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك ؟ نقول الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبى حنيفة، وأبى يوسف يفرق عليهن الثلاث فى الأشهر، وقال محمد وزفر: لا يطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة ، ولا يرعى الوقت. ﴿ الرابع) هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة ؟ نقول اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا ، والظاهر الكراهة . ﴿ الخامس) إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن ، وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء، والآيسات والصغار والحوامل، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء والمدخول بهن نقول لا عموم ثمة ولا خصوص أيضاً، لكن النساء اسم جنس للاناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم فى كلهن ، وفى بعضهن، جاز أن يراد بالنا هذا وذاك. فلما قيل (فطلقوهن امدتهن) علم أنه أطلق على بعضهن ، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض ، كذا ذكره فى الكشاف . قوله تعالى: ﴿واتقوا الله ربكم لاتخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ٣٢ قوله تعالى : لعل الله يحدث بعد ذلك أمر .. سورة الطلاق . اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدودالله فقد ظلم نفسه لاندرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} قوله ( اتقوا الله) قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم (ولا تخرجوهن) أى لا تخرجوا المعتدات من المساكن التى كنتم تشاكنونهن فيها قبل الطلاق ، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء، أو بطريق البكراء، أو بغير ذلك، وعلى الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقاً لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت ليلا أو نهاراً كان ذلك الخروج حراماً، ولا تنقطع العدة. وقوله تعالى ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال ابن عباس : هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن ، قال الضحاك الأكثرون : فالفاحشة على هذا القول هى الزنا ، وقال ابن عمر : الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة ، قال السدى والباقون : الفاحشة المبينة هى العصيان المبين ، وهو النشوز، وعن ابن عباس: إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن ، وفى الآية مباحث: ﴿ البحث الأول ) هل للزوجين التراضى على إسقاطها؟ نقول السكنى الواجبة فى حال قيام الزوجية حق المرأة وحدها فلها إبطالها، ووجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع. ثم لا بد فى تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها، وهذا لا يكون إلا بأنه يكفيها فى نفقتها، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها، وهذه كلها داخلة فى إحصاء الأسباب التى بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها ، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذى هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها ، واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى فى هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها، لأن أصلها السكنى، لأن بها تحصينها، فصارت السكنى فى هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج ، وصيانة الماء من حقوق الله، وما لا يجوز النراضى من الزوجين، على إسقاطه، فلم يكن لها الخروج، وإن رضى الزوج، ولا إخراجها، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل، وإخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكرا. قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة ، أو سيل أو حريق ، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس ، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان (الثانى) قال (واتقوا الله ربكم) ولم يقل واتقوا الله مقصوراً عليه . فنقول فيه من المبالغة ما ليس فى ذلك فان لفظ الرب يذبهم على أن التربية التى هى الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون فى التقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك الأدبية (الثانى) ما معنى الجمع بين إخراجهم وخروجهن؟ نقول معنى الإخراج أن لا يخرجهن ٣٣ قوله تعالى : فاذا بلغن أجلهن . سورة الطلاق . فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأْهُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِعُواْالََّدَةَ لِِّ ذَلِكُمْ يُوْعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ نَخْرَجًا جَ وَزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ : إِنَّاللَّ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن فى الخروج إذا طابن ذلك ، إيذاناً بأن إذنهم لا أثر له فى رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك. (الثالث) قرى. ( بفاحشة مبينة) و (مبينة) فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة، ومن قرأ مبية؛ لفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحجج، وقوله ( وتلك حدود الله) والحدود هى الموانع عن المجاوزة نحو النواهى، والحد فى الحقيقة هو النهاية التى يفنهى إليها الشىء ، قال مقاتل: يعود ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام (ومن يتعد حدود الله) وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير العدة (فقد ظلم نفسه) أى ضر نفسه، ولا يبعد أن يكون المعنى زمن بتجاوز الحد الذى جعله الله تعالى فقد وضع نفسه موضعاً لم يضعه فيه ربه ، والظلم هو وضع الشىء فى غير موضعه، وقوله تعالى ( لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) قال ابن عباس يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها فى العدة وهو دليل على أن المستحب فى التطليق أن يوقع متفرقاً، قال أبو إسحق إذا طلقها ثلاثاً فى وقت واحد فلا معنى فى قوله ( لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) . قوله تعالى : ﴿وإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أوفارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم بوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخرومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدراً﴾ . (فإذا بلغن أجلهن) أى قاربن انقضاء أجل العدة لا انقضاء أجلهن، والمراد من بلوغ الأجل هنا مقاربة البلوغ، وقد مر تفسيره. قال صاحب الكشاف: هو آخر العدة ومشارفته، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة ، وإبقاء الضرار الفخر الرازي - ج ٣٠ م ٣ ٣٤ قوله تعالى : وأشهدوا ذوى عدل منكم . سورة الطلاق . هو أن يراجعها فى آخر العدة، ثم يطلقها تطويلا للعدة وتعذيباً لها . وقوله تعالى (وأشهدوا ذوى عدل منكم) أى أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوى عدل ، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة ، كما فى قوله (وأشهدوا إذا تبايعتم) وعند الشافعى هو واجب فى الرجعة مندوب إليه فى الفرقة ، وقيل فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لايتهم فى إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقى ثبوت الزوجية ليرث ، وقيل الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضى العدة فتنكح زوجاً. ثم خاطب الشهداء، فقال (وأقيموا الشهادة) وهذا أيضاً مر تفسيره، وقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلا إلى الرجعة، وقال غيره ، مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس ، قال الكلى ومن يصبر على المصيبة يجعل الله له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقرأها النبى صلى الله عليه وسلم فقال: مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة ، وقال أكثر أهل التفسير، أنزل هذا وما بعده فى عوف بن مالك الأشجعى أسر العدو ابناً له فأتى النبى صلى الله عليه وسلم، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له ((اتق الله واصبر وأكثر من قول لاحول ولا قوة إلا بالله)) ففعل الرجل ذلك فبينما هو فى بيته إذ أناه ابنه، وقد غفل عنه العدو ، فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه، وقال صاحب الكشاف، فبينا هو فى بيته ، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها، فذلك قوله ( ويرزقه من حيث لا يحتسب) ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ( ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال فى الكشاف ( ومن يتق الله) جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كمامر. وقوله تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أى من وثق به فيما قاله كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله)) وقرى. ( إن الله بالغ أمره) بالإضافة (وبالغ أمره) أى نافذ أمره، وقرأ المفضل بالغاً أمره، على أن قوله قد جعل خبر إن، وبالغاً حال. قال ابن عباس يريد فى جميع خلقه . والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم و(قد جعل الله لكل شىء قدراً) أى تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه ، قال الكلى ومقاتل لكل شىء من الشدة والرخاء أجل ينتهى إليه قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر. وقال ابن عباس يريد قدرت ما خلقت بمشيثى، وقوله (فإذا بلغن أجلهن) إلى قوله (مخرجاً) آية ومنه إلى قوله ( قدراً ) آية أخرى عند الأكثر، وعند الكوفى والمدنى المجموع آية واحدة ثم فى هذه الآية ( لطيفة) وهى أن التقرى فى رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) وقريب من هذا قوله (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فإن قيل ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه) يدل على عدم الاحتياج للكسب فى طلب الرزق، وقوله تعالى ٣٥ قوله تعالى : واللائي يئسن من المحيض . سورة الطلاق . وَالَّتِى ◌َبِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن ◌ِسَآَبِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَائَةُ أَشْهُرٍ وَالََّهِى لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَلِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ ◌َلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل ◌َهُ، مِنْ أَمْرِهِ، يُسْرًا ﴿ ذَلِكَ أَمْرُاللهِ أَنْلَهُوَ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَّقِ اللهَ يُكَّفِرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْلَهٍُ أَبْرًا ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله) يدل على الاحتياج فكيف هر؟ نقول لا يدل على الاحتياج، لأن قوله (فانتشرواً وابتغوا من فضل الله) للاباحة كمامر والإباحة بما ينافى الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير . ثم قال تعالى ﴿ واللآئى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتتم فعدتهن ثلاثة أشهر والآتى لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً، ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرأ﴾ قوله (والآتى يئسن من المحيض) الآية، ذكر الله تعالى فى سورة البقرة عدة ذوات الإقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة الآتى لم يذكرن هناك فى هذه السورة . وروى أن معاذ بن جبل ، قال يا رسول الله قد عرفنا عدة التى تحيض ، فما عدة التى لم تحض فنزل (والآنى يحسن من المحيض ) وقوله (إن ارتتم) أى إن أشكل عليكم حملهن فى عدة التى لا تحيض، فهذا حكمهن ، وقيل إن ارتبتم فى البالغات مبلغ الإياس - وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين - أهو دم حيض أو استحاضة (فعدتهن ثلاثة أشهر) فلمانزل قوله تعالى (فعدتهن ثلاثة أشهر) قام رجل فقال: يا رسول الله فماعدة الصغيرة التى لم تحض؟ فنزل (والآنى لم يحتضن) أى هى بمنزلة الكبيرة التى قد يؤست عدتها ثلاثة أشهر، فقام آخر وقال، وما عدة الحوامل يارسول الله؟ فنزل (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملين) معناه أجلهن فى انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل ، وهذا عام فى كل حامل ، وكان على عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين ، ويقول (واللذين يتوفون منكم) لا يجوز أن يدخل فى قوله (وأولات الأحمال) وذلك لأن أولات الأحمال إنما هو فى عدة الطلاق، وهى لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين . وأما ابن مسعود فقال : يجوز أن يكون قوله (وأولات الأحمال) مبتدأ خطاب ليس بمعطوف على قوله تعالى (واللائى يئسن) ولما كان مبتدأ يتناول العدد كلها، ومما يد عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمسة عشر يوماً، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج، فدل على إباحة النكاح 31 ٣٦ قوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم . سورة الطلاق . أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُ مِّنْ وُ جْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَبِّقُوا عَلَيِْنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَتِفِقُواْعَيْهِنَّ خَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَ هُنَّ وَأَِّرُواْ بَيْنَكُم ◌ِعْرُوفٍ وَ إِن تَعَرْتُمْ فَسَرْضِعُ لَهُ ◌ٍ أَنْرَى إِ لِيُنْفِقْ دُو سَعَةٍ مِّنِ سَعَتِهِ، وَمَنَ قُدِرَ عَيْهِ رِزْقُ فَلُفِقْ ◌ِّ ◌َهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّ مَآءَ اتَهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ مُسْرِ يُشْرًا قبل مضى أربعة أشهر وعشر، على أن عدة الحامل تنقضى بوضع الحمل فى جميع الأحوال . وقال الحسن: إن وضعت أحد الوالدين انقضت عدتها، واحتج بقوله تعالى ( أن يضعن حملهن ) ولم يقل أحمالهن، لكن لا يصح، وقرىء أحمالهن، وقوله (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً) أى ييسر الله عليه فى أمره، ويوفقه للعمل الصالح. وقال عطاء: يسهل اللّه عليه أمر الدنيا والآخرة، وقوله ( ذلك أمر الله أنزله إليكم) يعنى الذى ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم، ومن يتق الله بطاعته، ويعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ويعظم له فى الآخرة أجراً، قاله ابن عباس ، فإن قيل قال تعالى ( أجاهن أن يضعن حملهن) ولم يقل أن يلدن ، نقول الحمل اسم لجميع ما فى بطنهن، ولو كان كما قاله، لكانت عدتهن بوضع بعض حملهن ، وليس كذلك . ثم قال تعالى ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملين، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ، لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مماآتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾، قوله تعالى (أسكنوهن) وما بعده بيان لما شرط من التقوى فى قوله (ومن يتق الله) كأنه قيل كيف يعمل بالتقوى فى شأن المعتدات، فقيل (أسكنوهن) قال صاحب الكشاف: من صلة، والمعنى أسكنوهن حيث سكنتم. قال أبو عبيدة (من وجد كم) أى وسعكم وسعتكم، وقال الفراء: على قدر طاقتكم، وقال أبو إسحاق: يقال وجدت فى المال وجداً ، أى صرت ذا مال ، وقرىء بفتح الواو أيضاً وبخفضها ، والوجد الوسع والطاقة ، وقوله ( ولا تضاروهن) نهى عن مضارتهن بالتضييق عليهن فى السكنى والنفقة (وإن كن أولات حمل ٣٧ قوله تعالى : وکأين من قرية عتت عن أمرربها . سورة الطلاق . وَكَأَبٍِّ مِّنْ قَرَّةٍ عَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) وهذا بيان حكم المطلقة البائنة ، لأن الرجعية تستحق النفقة، وإن لم تكن حاءلا، وإن كانت مطلقة ثلاثاً أو مختلفة فلا نفقة لها، إلا أن تكون حاملا، وعند مالك والشافعى. ليس للمبتوتة إلا السكنى، ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس ، أن زوجها بت طلافها، فقال: لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسكنى لك ولا نفقة، وقوله (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) يعنى حق الرضاع وأجرته وقد مر، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر ، وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج فى حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل، وقوله تعالى (وانتمروا بينكم بمعروف) قال عطاء: يريد بفضل معروفاً منك، وقال مقاتل بتراضى الأب والأم، وقال المبرد: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، والخطاب للأزواج من النساء والرجال ، والمعروف ههنا أن لا يقصر الرجل فى حق المرأة ونفقتها ولا فى فى حق الولد ورضاعه وقدمر تفسير الاثمار ، وقيل : الاقتمار التشاور فى إرضاعه إذا تعاسرت هى ، وقوله تعالى (وإن تعاسر تم) أى فى الأجرة (فسترضع له أخرى) غير الأم، ثم بين قدر الإنفاق بقوله (لينفق ذو سعة من سعته) أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك ، ونظيره ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) وقوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاعا) أى ما أعطاها من الرزق، قال السدى. لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغنى، وقوله (سيجعل اللّه بعد عسر يسراً) أى بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب فى ذلك الوقت الفقر والفاقة ، وأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسراً وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم ، ثم فى الآية مباحث : ( الأول) إذا قيل من فى قوله (من حيث سكنتم) ماهى؟ نقول هى التبعيضية أى بعض مكان سكناكم إن لم يكن [لكم] غير بيت واحد فأسكنوها فى بعض جوانبه. ﴿ الثانى) ما موقع (من وجدكم )؟ نقول عطف بيان لقوله (من حيث سكنتم) وتفسير له ، أى مكاناً من مسكنكم على قدر طاقتكم . ﴿ الثالث ) فإذا كانت كل مطلقة عددكم يجب لها النفقة، فما فائدة الشرط فى قوله تعالى (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) نقول فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار مدة الحمل ، فنفى ذلك الظن . قوله تعالى: ﴿وكاين من قرية عنت عن أمر ربها ورسله خاصبناها حساباً شديداً وعذبناها ٣٨ قوله تعالى : وعذبناها عذاباً نكراً . سورة الطلاق . عَذَابًا ثُكْرًا ﴾ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِ هَا وَ كَانَ عَقِبَةُ أَمْرِ هَا خُسْرَادِيٌ أَعَّ اللهُ ح لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُواْ اله ◌َأُوْلِ الأَلْبَبِ الَّذِينَءَ امَنُواْ قَدْ أَنْزَّلَ الهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (٢﴾ رَّسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْءَايَتِ اللّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعمِلُواْ الصَّالِحَتِ مِنَ الْقُلْمَتِ إِلَى النُّورِ عذاباً نكراً، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً، أعد الله لهم عذاباً شديداً فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكراً، رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور﴾. قوله تعالى ( وكاين من قرية) الكلام فى كأين قد مر ، وقوله (عنت عن أمر ربها) وصف القرية بالعتو والمراد أهلها ، كقوله ( واسأل القرية) قال ابن عباس (عنت عن أمر ربها) أى أعرضت عنه، وقال مقاتل: خالفت أمر ربها، وخالفت رسله، فماسبناها حساباً شديداً، خاسبها الله بعملها فى الدنيا جازاها العذاب، وهو قوله (وعذبناها عذاباً نكراً) أى عذاباً منكراً عظيما، فسر المحاسبة بالتعذيب . وقال الكلى: هذا على التقديم والتأخير ، يعنى فعذبناها فى الدنيا وحاسبناها فى الآخرة حساباً شديداً، والمراد حساب الآخرة وعذابها ( فذافت وبال أمرها) أى شدة أمرها وعقوبة كفرها . وقال ابن عباس: عاقبة كفرها (وكان عاقبة أمرما خسراً) أى عاقبة عقرها خساراً فى الآخرة، وهو قوله تعالى (أعد الله لهم عذاباً شديداً) يخوف كفار مكة أن يكذبوا محمداً فينزل بهم ما نزل بالأمم قبلهم، وقوله تعالى (فاتقوا الله يا أولى الألباب) خطاب لأهل الإيمان، أى فاتقوا الله عن أن تكفروا به وبرسوله، وقوله (قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولا) هو على وجهين (أحدهما) أنزل الله إليكم ذكراً، هو الرسول، وإنما سماه ذكراً لأنه يذكر ما يرجع إلى دينهم وعقباهم (وثانيهما) أنزل الله إليكم ذكراً، وأرسل رسولا. وقال فى الكشاف: (رسولا) هو جبريل عليه السلام، أبدل من ذكراً، لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله فى معنى إنزال الذكر، والذكر قد يراد به الشرف، كما فى قوله تعالى (وإنه لذكر لك ولقومك) وقد يراد به القرآن، كما فى قوله تعالى ( وأنزلنا الذكر) وقرىء رسول على هو رسول ، ويتلو عليكم آيات الله مبينات بالخفض والنصب، والآيات هى الحجج فبالخفض، لأنها تبين الأمر والنهى والحلال والحرام، ومن نصب يريد أنه تعالى أوضح آياته وبينها أنها من عنده. وقوله تعالى ( ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ) يعنى من ظلمة ٣٩ قوله تعالى : ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً . سورة الطلاق . وَمَنْ يُؤْمِنَّ ◌ِللهِ وَ يَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلُهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِمَا الْأَنْهُرُ تَدِينَ فِيهَا أَبَدًّا قَدْ أَحْسَنَ اللهُهُ رِزْقًا (٢) اللهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَوَّتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَُّ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلُواْأَنَّالَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلّا لَه الكفر إلى نور الإيمان. ومن ظلمة الشبهة إلى نور الحجة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم . وفى الآية مباحث : ﴿الأولى) قوله تعالى (فاتقوا الله يا أولى الألباب) يتعلق بقوله تعالى ( وكاين من قرية عنت عن أمر ربها) أم لا ؟ فنقول: قوله (فاتقوا الله) يؤكد قول من قال: المراد من قرية أهلها، لما أنه يدل على أن خطاب الله تعالى لا يكون إلا لذوى العقول فمن لا عقل له فلا خطاب عليه، وقيل قوله تعال ( وكاين من قرية) مشتمل على الترهيب والترغيب ، ﴿ الثانى) الإيمان هو التقوى فى الحقيقة وأولوا الألباب الذين آمنوا كانوا من المتقدمين بالضرورة فكيف يقال لهم ( فاتقوا الله)؟ نقول للنقوى درجات ومراتب فالدرجة الأولى هى التقوى من الشرك والبواقى هى التقوى من المعاصى التى هى غير الشيرك فأهل الإيمان إذا أمروا بالتقوى كان ذلك الأمر بالنسبة إلى الكبائر والصغائر لا بالنسبة إلى الشرك . (الثالث) كل من آمن بالله فقد خرج من الظلمات إلى النور وإذا كان كذلك فحق هذا الكلام وهو قوله تعالى (ليخرج الذين آمنوا) أن يقال ليخرج الذين كفروا؟ نقول يمكن أن يكون المراد: ليخرج الذين يؤمنون على ماجاز أن يراد من الماضى المستقبل كما فى قوله تعالى (وإذ قال الله يا عيسى) أى وإذ يقول الله، ويمكن أن يكون ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم. قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً، الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علماً﴾. قوله ( ومن يؤمن بالله) فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب، وقرى. يدخله بالياء والنون ، وقد أحسن الله له رزقاً قال الزجاج رزقه الله الجنة التى لا ينقطع نعيمها، وقيل (رزقاً) أى طاعة فى الدنيا وثواباً فى الآخرة ونظيره (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) قال الكلبى خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة، ومن الأرض ٤٠ قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن . سورة الطلاق . مثلهن فى كونها طباقاً متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة وطبقة طينية، وهى غير محضة، وطبقة منكشفة بعضها فى البحر وبعضها فى البر وهى المعمورة ، ولا بعد فى قوله ( ومن الأرض مثلهن) من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات ، وسبع كواكب فيها وهى السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص فى كل أقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار ، فهذه هى الوجوه التى لا يأباها العقل ، وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال السموات السبع (أولها) موج مكفوف ( وثانيها) صخر (وثالثها) حديد ( ورابعها) نحاس ( وخامسها) فضة (وسادسها) ذهب (وسابعها) ياقوت، وقول من قال بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك ، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق ، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر [أ]، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ماهو وكيف هو فقوله (الله الذى خلق) مبتدأ وخبر، وقرى. (مثلهن) بالنصب عطفاً على سبع سموات وبالرفع على الإبتداء وخبره من الأرض: وقوله تعالى ( يتنزل الأمر بينهن) قال عطاء يريد الوحى بينهن إلى خلقه فى كل أرض وفى كل سماء، وقال مقاتل يعنى الوحى من السماء العليا إلى الأرض السفلى، وقال مجاهد (يتنزل الأمر بينهن ) بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلا وقال قتادة فى كل سماء من سمواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه ، وقرى. ( ينزل الأمر بينهن) قوله تعالى ( لتعلموا أن الله على كل شىء قدير) قرى. (ليعلموا) بالياء والتاء أى لكى تعلموا إذا تفكرتم فى خلق السموات والأرض ، وما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذى لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرنه ذاتية لا يعجزه شىء عما أراده وقوله ( أن الله على كل شىء قدير) من قبل ما تقدم ذكره (وقد أحاط بكل شىء علماً) يعنى بكل شىء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء بعد الإفناء، فتبارك اللّه رب العالمين، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .