Indexed OCR Text

Pages 81-100

٠
٨١
قوله تعالى : في مقعد صدق. سورة القمر.
فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْتَدِرٍ
٥٥
قوله تعالى: ﴿ فى مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى مقعد صدق ، كيف مخرجه ؟ نقول يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن
يكون على صورة بدل كما يقول القائل فلان فى بلدة كذا فى دار كذا. وعلى هذا يكون مقعد من
جملة الجنات موضعاً مختاراً له مزبة على مافى الجنات من المواضع وعلى هذا قوله ( عند مليك )
لأنا بينا فى أحد الوجوه أن المراد من قوله ( فى جنات ونهر) فى جنات عند نهر فقال ( فى
مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ويحتمل أن يقال ( عند مليك ) صفة مقعد صدق تقول درهم فى
ذمة ملىء خير من دينار فى ذمة معسر ، وقليل عند أبين أفضل من كثير عند خائن فيكون صفة
وإلا لما حسن جعله مبتدأ ( ثانيهما) أن يكون ( فى مقعد صدق) كالصفة لجنات ونهر أى فى
جنات ونهر موصوفين بأنهما فى مقعد صدق ، تقول: وقفة فى سبيل الله أفضل من كدا و (عند
مليك ) صفة بعد صفة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (فى مقعد صدق) يدل على لبث لا يدل عليه المجلس ، وذلك لأن
قعد وجلس ليسا على ما يظن أنهما بمعنى واحد لا فرق بينهما يل بينهما فرق ولكن لا يظهر
إلا للبارع ، والفرق هو أن القعود جلوس فيه مكث حقيقة واقتضاء، ويدل عليه وجوه
(الأول) هو أن الزمن. يسمى مقعداً ولا يسمى مجلساً لطول المكث حقيقة. ومنه
سمى قواعد البيت . والقواعد من النساء قواعد ولا يقال لهن جوالس لعدم دلالة الجلوس على
المكث الطويل فذكر القواعد فى الموضعين لكونه مستقرأ بين الدوام والثبات على حالة واحدة
ويقال للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء، وإن لم يكن حقيقة فهو لصونه عن الحمل
واتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك ولم يرد للاجلاس (الثانى) النظر
إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د وقلبتها تجد معنى المكث فى الكل فإذا قدمت
القاف رأيت قعد وقدع بمعنى ومنه تقادع الفراش بمعنى تهافت ، وإذا قدمت الدين رأيت عقد
وعدق بمعنى المكث فى غاية الظهور وفى عدق لخفاء يقال أعدق بيدك الدلو فى البئر إذا أمره بطلبه
بعد وقوعه فيها والعودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع فى البتر، وإذا قدمت الدال
رأيت دفع ودعق والمكث فى الدفع ظاهر والدقعاء هى التراب الملتصق بالأرض والفقر المدقع
هو الذى يلصق صاحبه بالتراب. وفى دعق أيضاً إذ الدعق مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون
صلباً أجزاؤه متداخل بعضها ببعض لا يتحرك شىء منها عن موضعه ( الوجه الثالث) الاستعمالات
فى القعود إذا اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى
الضرر) والمراد الذى لا يكون بعده اتباع وقال تعالى (مقاعد للقتال) مع أنه تعالى قال (إن الله
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٦

٨٢
قوله تعالى: عند مليك مقتدر. سورة القمر.
يحب الذين يقاتلون فى سبيله صماً كأنهم بنيان مرصوص ) فأشار إلى الثبات العظيم، وقال تعالى
(إذا لقيتم فئة فاثبتوا) فالمقاعد إذن هى المواضع التى يكون فيها المفاتل بثبات ومكث وإطلاق مقعدة
على العضو الذى عليه القعود أيضاًيدل عليه، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقهر دحصل لك
فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول البث ، ومنها فى قوله تعالى (عن اليمين وعن
الشمال قعيد) فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم، ثم إذا عرف هذا وقيل المفسرين الظهرين
فما الفائدة فى اختيار لفظ القعيد بدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر؟ يكون جواهم أو آخر
الآيات من قوله ( حبل الوريد) (ولدى عتيد) وقوله ( بجبار عنيد) يناسب القعيد، ولا
الجليس وإعجاز القرآن ليس فى السجع، وإذا نظرت إلى ماذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية
فى وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه، وهدا هو
المعجز وذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعاً للفظ،
وأنّه تعالى بين الحكمة على ما ينبغى وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغى، وفائدة أخرى فى قوله تعالى
( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحرا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انهزوا
فانشروا) فإن قوله ( فافسحوا ) إشارة إلى الحركة، وقوله ( فانشزوا) إشارة إلى ترك الجلوس
فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته وليس بمقعد حتى لا يفارقونه.
﴿ المسألة الثالثة) فى مقعد صدق وجهان (أحدهما) مقعد صدق، أى صالح يقال رجل
--
صدق للصالح ورجل سوء للفاسد، وقد ذكرناه فى سورة ( إنا فتحنا) فى قوله تعالى (وطنفيم ظن
السوء)، (وثانيهما) الصدق المراد منه ضد الكذب، وعلى هذا ففيه وجهان (الأول) .ق.د
صدق من أخبر عنه وهو الله ورسوله ( الثانى) مقعد ناله من صدق فقال بأن الله واحد وأن محمداً
رسوله، ويحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا يوجد فيه كذب لأن الله تعالى صادق ويستحيل
عليه الكذب ومن وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب الجهل والواصل إليه ، يعلم
الأشياء كما هى ويستغنى بفضل الله عن أن يكذب ليستفيد بكذبه شيئاً فهو مقعد صدق وكامة
(عند) قد عرفت معناها والمراد منه قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان، وقوله تعالى (مليك
مقتدر) لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتداراً كان المتقرب منه أشد التذاذأ
وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك، فإن الملوك يقربون من يكون
من يحبونه وممن يرهبونه، مخافة أن يعصوا عليه وبنحازوا إلى عدوه فيغلبونه، والله تعالى قال
(مقتدر) لا يقرب أحداً إلا بفضله .
والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلامه .

٨٣
سورة الرحمن
(٥٥) سُورة الرحمْمَدِنِيَّة
وَآيَاتِها شِنَانِ وَسَيْعُونْ
بِسْـ
الَّحْمَنُ عَلَمَ الْقُرْءَانَ
٢
خَلَقَ الْإِنسَنَ
٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان﴾ أعلم أولا أن مناسبة هذه السورة لمـا
قبلها بوجهين (أحدهما) أن الله تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة والجبروت
والهيبة وهو انشقاق القمر ، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال وقد الرجال، وافتتح
هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والرحموت وهو القرآن الكريم ، فإن شفاء القلوب
بالصفاء عن الذنوب ( ثانيهما) أنه تعالى ذكر فى السورة المتقدمة ( فكيف كان عذابى ونذر)
غير مرة، وذكر فى السورة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) مرة بعد مرة لما بينا أن تلك السورة
سورة إظهار الهيبة، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة، ثم إن أول هذه السورة مناسب لآخر
ما قبلها . حيث قال فى آخر تلك السورة (عند مليك مقتدر )، والاقتدار إشارة إلى الهيبة والعظمة
وقال ههنا (الرحمن ) أى عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار، رجمن منعم غافر
للأبرار. ثم فى التفسير مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى لفظ الرحمن أبحاث، ولا يتبين بعضها إلا بعد البحث فى كلمة الله فنقول:
﴿المبحث الأول) من الناس من يقول إن الله مع الألف واللام اسم علم لموجد الممكنات
وعلى هذا فمنهم من قال (الرحمن ) أيضاً اسم علم له وتمسك بقوله تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا
الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى) أى أياماً منهما، وجوز بعضهم قول القائل يا الرحمن كما يجوز
يا ألله وتمسك بالآية وكل هذا ضعيف وبعضها أضعف من بعض، أما قوله اللّه مع الألف واللام
اسم علم ففيه بعض الضف وذلك لأنه لو كان كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية، فلا يجوز أن
تجعل وصلية، وكان يجب أن يقال خلق الله كما يقال علم أحمد وفهم إسماعيل، بل الحق فيه أحد
القولين إما أن نقول إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم، ثم استعمل مع الألف واللام كما فى
الفضل والعباس والحسن والخليل، وعلى هذا فمن سمى غيره إلهاًفهو كمن يستعمل فى مولود له فيقول
لابنه محمد وأحمد وإن كان علمين لغيره قبله فى أنه جائز لأن من سمى ابنه أحمد لم يكن له من الأمر المطاع

٨٤
قوله تعالى : الرحمن. سورة الرحمن.
ما يمنع الغير عن القسمية به ولم يكن له الاحتجار وأخذ الاسم لنفسه أو لولده ، بخلاف الملك
المطاع إذا استأثر لنفسه اسماً لا يستجرى. أحد من تحت ولايته مادام له الملك أن يسمى ولده أو
نفسه بذلك الاسم خصوصاً من يكون مملوكاً لا يمكنه أن يسمى نفسه باسم الملك ولا أن يسمى
ولده به، والله تعالى، لك مطاع وكل من عداه تحت أمره فإذا استأثر لنفسه اسماً لا يجوز للعبيد
أن يتسموا بذلك الاسم، فمن يسمى فقد تعدى فالمشركون فى القسمية متحدون، وفى المعنى ضالون
وإما أن نقول إله أولاه اسم لمن يعبد والألف واللام للتعريف، ولما امتنع المعنى عن غير الله امتنع
الاسم، فإن قيل فلو سمى أحد ابنه به كان ينبغى أن يجوز؟ قلنا لا يجوز لأنه يوهم أنه اسم موضوع
لذلك الابن لمعنى لالكونه علماً، فإن قيل تسمية الواحد بالكريم والودود جائزة قلنا كل ما يكون
حمله على العلم وعلى اسم لمعنى ملحوظ فى اللفظ الذكرى لا يفضى إلى خلل يجوز ذلك فيه فيجوز
تسمية الواحد بالكريم والودود ولا يجوز تسميته بالخالق.، والقديم لأن على تقدير حمله على أنه
علم غير ملحوظ فيه المعنى يجوز ، وعلى تقدير حمله على أنه أسم لمعنى هو قائم به كالقدرة التى بها بقاء
الخلق أو العدم ، فلا يجوز لكن اسم المعبود من هذا القبيل فلا يجوز القسمية به ، فأحد هذين
القولين حق وقولهم مع الألف واللام علم ليس بحق، إذا عرفت البحث فى الله فما يترتب عليه، وهو
أن الرحمن اسم على أضعف منه ، وتجويزيا الرحمن أضعف من الكل .
﴿ البحث الثانى) اللّه والرحمن فى حق الله تعالى، كالاسم الأول والوصف الغالب الذى يصير
كالاسم بعد الاسم الأول كما فى قولنا عمر الفاروق، وعلى المرتضى وموسى الرضا، وغير ذلك مما
نجده فى أسماء الخلفاء وأوصافهم المعرفة لهم التى كانت لهم وصفاً وخرجت بكثرة الأستعمال عن
الوصفية، حتى أن الشخص وإن لم يتصف به أو فارقه الوصف. يقال له ذلك كالعلم فإذن للرحمن
اختصاص بالله تعالى، كما أن لتلك الأوصاف اختصاصاً بأولئك غير أن فى تلك الأسماء والأوصاف
جاز الوضع لما بينا حيث استوى الناس فى الاقتدار والعظمة، ولا يجوز فى حق الله تعالى، فإن قيل
إن من الناس من أطلق لفظ الرحمن على اليمامى ، نقول هو كما أن من الناس من أطلق لفظ الإله على
غير اللّه تعدياً وكفراً، نظراً إلى جوازه لغة وهو اعتقاد باطل.
﴿ البحث الثالث ) لله تعالى رحمتان سابقة ولا حقة فالسابقة هى التى بها خلق الخلق واللاحقة
هى التى أعطى بها الخلق بعد إيجاده إياهم من الرزق والفطنة وغير ذلك٤، فهو تعالى بالنظر إلى الرحمة
السابقة رحمن ، وبالنظر إلى اللاحقة رحيم، ولهذا يقال يارحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، فهورحمن،
لأنه خلق الخلق أولا برحمته، فلما لم يوجد فى غيره هذه الرحمة ولم يخلق أحد أحداً لميجزأن يقال لغيره
رحمن ، ولما تخلق الصالحون من عباده ببعض أخلاقه على قدر الطاقة البشرية ، وأطعم الجائع وكسا
العاری ، وجد شیء من الرحمة اللاحقة التى بها الرزق والإعانة فاز أن يقال له رحيم، وقد ذکرنا
هذا كله فى تفسير سورة الفاتحة غير أنا أردنا أن يصير ماذكرنا مضموماً إلى ماذكرناه هناك ،

٨٥
قوله تعالى : خلق الإنسان علمه البيان. سورة الرحمن
وأعدناه ههنا لأن هذا كاء كالتفصيل لما ذكرناه فى الفاتحة .
المسألة الثانية﴾ الرحمن مبتدأ خبره الجملة الفعلية التى هى قوله (علم القرآن) وقيل الرحمن
[حبر] مبتدأ تقديره هو الرحمن، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال (علم القرآن) والأول أصح، وعلى
القول الضعيف الرحم آية .
المسألة الثالثة) قوله تعالى (علم القرآن) لا بد له من مفعول ثان فما ذلك ؟ نقول الجواب عنه
من وجهين ( أحدهما ) قيل علم بمعنى جعله علامة أى هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله
تعالى ( وانشق القمر) على ما بينا أنه ذكر فى أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة وهو أنه
شق مالا يشقه أحد غيره، وذكر فى هذه السورة معجزة من باب الرحمة ، وهو أنه نشر من العلوم
مالا ينشره غيره ، وهو ما فى القرآن، وعلى هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر ، وهو أنه
جعله بحث يعلم فهو كقوله ( ولقد يسرنا القرآن للذكر) والتعليم على هذا الوجه مجاز. يقال
إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمة عليه (وثانيهما) أن المفعول الثانى لا بد منه وهو جبريل
وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك)
ويحتمل أن يقال المفعول الثانى هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام الله
تعالى لا كلام محمد، وفيه ( وجه ثالث) وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان، وهذا أقرب ليكون
الإنعام أنم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة .
المسألة الرابعة﴾ لم ترك المفعول الثانى؟ نقول إشارة إلى أن النعمة فى تعميم التعليم لا فى
تعليم شخص دون شخص ، يقال فلان بطعم الطعام إشارة إلى كرمه، ولا يبين من يطعمه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما معنى التعليم؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به، فإن قيل كيف
يفهم قوله تعالى (علم القرآن) مع قوله (وما يعلم تأويله إلا الله)؟ نقول، من لا يقف عندقوله (إلا الله)
ويعطف (الراسخون ) على اللّه عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا، ومن يقف ويعطف قوله
تعالى ( الراسخون فى العلم) على قوله ( وما يعلم تأويله) عطف جملة على جملة يقول إنه تعالى علم
القرآن، لأن من علم كتاباً عظيما ، وقع على مافيه، وفيه مواضع مشكلة فعلم مافى تلك المواضع بقدر
الإمكان ، يقال فلان يعلم الكتاب الفلانى ويتقنه بقدر وسعه، وإن كان لم يعلم مراد صاحب
الكتاب بيقين، وكذلك القول فى تعليم القرآن، أو تقول ( لا يعلم تأويله إلا الله) وأماغيره فلا
يعلم من تلقاء نفسه ما لم يعلم، فيكون إشارة إلى أن كتاب الله تعالى ليس كغيره من الكتب التى
يستخرج ما فيها بقوة الذكاء والعلوم .
قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان ، علمه البيان﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى وجه الترتيب وهو على وجهين (أحدهما) ما ذكرنا أن المراد من علم
على الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة

٨٦
قوله تعالى : علمه البيان. سورة الرحمن.
.
يدل عليه قوله تعالى (إنه لقرآن كريم، فى كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون) ثم قال تعالى
( تنزيل من رب العالمين ) إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه، وعلى هذا ففى النظم حسن زائد. وذلك
من حيث إنه تعالى ذكر أموراً علوية وأموراً سفلية، وكل علوى قابله بسفلى، وقدم العلويات على
السفليات إلى أخر الآيات ، فقال (علم القرآن) إشارة إلى تعليم العلويين، وقال (علمه البيان)
إشارة إلى تعليم السفليين، وقال ( الشمس والقمر ) فى العلويات . وقال فى مقابلتهما من السفليات
( والنجم والشجر يسجدان).
ثم قال تعالى ( والسماء رفعها) وفى مقابلتها (والأرض وضعها)، (وثانيهما) أن تقديم تعليم
القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاماً، ثم بين كيفية تعليم القرآن ، فقال (خلق الإنسان،
عليه البيان) وهو كقول القائل علمت فلاناً الأدب حملته عليه، وأنفقت عليه مالى، فقوله حملته
وأنفقت بيان لما تقدم ، وإنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم .
﴿ المسألة الثانية) ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق، حيث قال هناك (إقرأباسم ربك
الذى خلق ) ثم قال ( وربك الأكرم الذى علم بالقلم) فقدم الخلق على التعليم؟ نقول فى تلك
السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذى ذكره فى هذه السورة بقوله ( علمه البيان) بعد
قوله ( خلق الإنسان ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما المراد من الإنسان؟ نقول هو الجنس، وقيل المراد محمد علي ، وقيل
المراد آدم والأول أصح نظراً إلى اللفظ فى خلق ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ ما البيان وكيف تعليمه؟ نقول من المفسرين من قال البيان المنطق فله
ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده ، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات، وقوله (خلقى
الإنسان) إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص، (وعلمه البيان) إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره.
وقد خرج ما ذكرنا أولا أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ما ذكره إجمالا بقوله تعالى (علم
القرآن) كما قلنا فى المثال حيث يقول القائل: علمت فلاناً الأدب حملته عليه، وعلى هذا فالبيان. صدر
أريد به مافيه المصدر، وإطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن فى القرآن كثير ، قال تعالى (هذابان
للناس) وقد سمى الله تعالى القرآن. فرقاناً وبيانً، والبيان فرقان بين الحق والباطل، فصح إطلاق.
للبيان، وإرادة القرآن .
﴿ المسألة الخامسة) كيف صرح بذكر المفعولين فى علمه البيان ولم يصرح بهما فى علم القرآن
نقول أما إن قلنا إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه علم الإنسان القرآن، فنقول حذفه لعظم نجمة
التعليم وقدم ذكره على من عليه وعلى بيان خلقه، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن ، فقال (خلق
الإنسان علمه) وقد بين ذلك، وأما إن قلنا المراد علم القرآن الملائكة فلأن المقصود تعديد النعم
على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه من التكذيب به ، وتعليمه للملائكة لا يظهر للانسان أنه فائدة

٨٧
قوله تعالى : الشمس والقمر بحسبان. سورة الرحمن.
الشَّمْسُ وَالْقَمَرِ بِحُسْبَانِ
٠١٠٠١٠٠
وَالنَّجُمُ وَالشَّجَرَ يَسْجَدَان
٢
راجعة إلى الإنسان، وأما تعليم الإنسان فهى نعمة ظاهرة ، فقال ( علمه البيان ) أى علم الإنسان
تعديداً للنعم عليه ومثل هذا قال فى (اقرأ) قال مرة (علم بالقلم) من غير بيان المعلم، ثم قال مرة
أخرى (علم الإنسان مالم يعلم) وهو البيان ، ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توقيفية
حصل العلم بها بتعليم الله .
ثم قال تعالى ﴿الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان﴾ وفى الترتيب وجوه
(أحدها) هو أن الله تعالى لما ثبت كونه رحمن وأشار إلى ماهو شفاء ورحمة وهو القرآن ذكر
نعمه وبدأ بخلق الانسان فإنه نعمة جميع النعم به تتم ، ولولا وجوده لما انتفع بشىء ، ثم بين نعمة
الادراك بقوله ( علمه البيان) وهو كالوجود إذ لولاه لما حصل النفع والانتفاع ، ثم ذكر من
المعلومات فعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع النعم السماوية وهما الشمس والقمر ولولا الشمس
لما زالت الظلمة، ولولا القمر لفات كثير من النعم الظاهرة بخلاف غيرهما من الكوا كب فإن
نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ما تظهر نعمتهما، ثم بين كمال نفعهما فى حركتهما بحساب لا يتغير ولو
كانت الشمس ثابتة فى موضع لما انتفع بها أحد ، ولو كان سيرها غير معلوم للخلق لما انتفعوا
بالزراعات فى أوقاتها وبناء الأمر على الفصول ، ثم بين فى مقابلتهما نعمتين ظاهر تين من الأرض
وهما النبات الذى لا مناق له والذى له ساق، فإن الرزق أصله منه، ولولا النبات لما كان الآدمى
رزق إلا ما شاء الله، وأصل النعم على الرزق الدار، وإنما قلنا النبات هو أصل الرزق لأن الرزق
إما نباتى وإما حيونى كاللحم واللبن وغيرهما من أجزاء الحيوان ، ولولا النبات لما عاش الحيوان
والنبات وهو الأصل وهو قسمان قائم على ساق كالحنطة والشعير والأشجار الكبار وأصول الثمار
وغير قائم كالبقول المنبسطة على الأرض والحشيش والعشب الذى هو غذاء الحيوان (ثانيها) هو
أنه تعالى لما ذكر القرآن وكان هو كافياً لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده ( الشمس والقمر
بحسبان، والنجم والشجر) وغيرها من الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن تكن له النفس
الزكية التى يغنيها الله بالدلائل التى فى القرآن، فله فى الآفاق آيات منها الشمس والقمر، وإنما
اختار هما الذكر لأن حر كتهما بحسبات تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص، ولو اجتمع
من فى العالم من الطبيعيين والفلاسفة وغيرهم وتواطؤا أن يثبتوا حركتهما على الممر المعين
على الصواب المعين والمقدار المعلوم فى البطء والسرعة لما بلغ أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق

٨٨
قوله تعالى : الشمس والقمر. سورة الرحمن.
ويقول حركهما الله تعالى كما أراد، وذكر الأرض والسماء وغيرهما إشارة إلى ماذكرنامن.
الدلائل العقلية المؤكدة لما فى القرآن من الدلائل السمعية (ثالثها) هو أنا ذكرنا أن هذه السورة
مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جواباً لمشكرى النبوة على
الوجه الذى نبهنا عليه، وذلك هو أنه تعالى أنزل على نبيه الكتاب وأرسله إلى الناس بأشرف
خطاب ، فقال بعض المنكرين كيف يمكن نزول الجرم من السماء إلى الأرض وكيف يصعد ما حصل
فى الأرضِ إلى السماء؟ فقال تعالى ﴿الشمس، القمر بحسبان﴾ إشارة إلى [أن] حركتهما بمحرك مختار
ليس بطبيعى وهم وافقونا فيه وقالوا إن الحركة الدورية لا يمكن أن تكون طبيعية اختيارية
فنقول من حرك الشمس والقمر على الإستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة ثم النجم والشجر
وتتحركان إلى فوق على الاستقامة مع أن الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة
الله تعالى وإردته، فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك، وأما قوله ( بحسبان) ففيه إشارة إلى
الجواب عن قولهم (أأنزل عليه الذكر من بيننا) وذلك لأنه تعالى كما اختار لحر كهما ممراً معيناً وصوباً
معلوماً ومقداراً مخصوصاً كذلك اختار الملك وفتاً معلوماً وممراً معيناً بفضله وفى التفسير مباحث:
﴿ الأول) ما الحكمة فى تعريفه عما يرجع إلى الله تعالى حيث قال هما (بحسبان) ولم يقل
حركهما الله بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال ( خلق الإنسان) وقال ( علمه البيان ) ؟
تقول فيه حكم منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان أنم وأعظم من خلق
المنافع له من الرزق وغيره، حيث صرح هناك أنه فاءله وصافعه ولم يصرح هنا ، ومنها أن قوله
( الشمس والقمر ) ههنا بمثل هذا فى العظم يقول القائل إنى أعطيتك الألوف والمثات مراراً
وحصل لك الآحاد والعشرات كثيراً وما شكرت ، ويكون معناه حصل لك منى ومن عطائی لکنه.
يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير، ومنها أنه لما بينا أن قوله ( الشمس والقمر ) إشارة إلى
دليل عقلى مؤكد السمعى ولم يقل فعلت صريحاً إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه
منى واعترفت به، وأما السمعى فصرح بما يرجع إليه من الفعل (الثانى) على أى وجه تعلق
الباء من بحسبان، تقول هو بين من تفسيره والتفسير أيضاً مر بيانه وخرج من وجه آخر ، فنقول
فى الحسبان وجهان (الأول) المشهور أن المراد الحساب يقال حسب حساباً وحسباناً، وعلى
هذا فالباء للمصالحة تقول قدمت بخير أى مع خير ومقروناً بخير فكذلك الشمس والقمر يحريان
ومعهما حسابهما ومثله ( إنا كل شىء خلقناه بقدر، وكل شىء عنده بمقدار) ويحتمل أن تكون
للاستعانة كما فى قولك بعون الله غلبت، وبتوفيق الله حجت، فكذلك يجريان بحسبان من الله
(والوجه الثانى) أن الحسبان هو الفلك تشبيها له بحسبان الرحا وهو ما يدور فيدير الحجر، وعلى
هذا فهو للاستعانة كما يقال فى الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران بالفلك وهو كقوله تعالى (وكل
فى ٠لك يسبحون)، (الثالث) على الوجه المشهور هل كل واحد يجرى بحسبان أو كلاهما محسبان
واحد ما المراد ؟ نقول: كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو

٨٩
قوله تعالى : والنجم والشجر. سورة الرحمن.
كقوله تعالى (كل فى ذلك) لا بمعنى أن الكل مجموع فى ذلك واحد وكقوله ( وكل شىء عنده
بمقدار) وإن نظرنا إلى اللّه تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب، مثاله
من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيباً معلوماً بحساب واحد، ثم يختلف الأمر عندهم
فيأخذالبعض السدس والبعض كذا والبعض كذا، فكذلك الحساب الواحد. وأما قوله (والنجم
والشجر يسجدان ) ففيه أيضاً مباحث:
﴿ الأول ) ما الحكمة فى ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة ، ومن هنا ذكرما بالواو
العاطفة ؟ نقول ليننوع الكلام نوعين ، وذلك لأن من بعد النعم على غيره قارة يذكر نسقاً من غير
حرف، فيقول فلان أنعم عليك كثيراً ، أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، قواك بدضعف ،
وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك العاطف قديكون واوا وقد يكون فا. وقديكون ثم ، فيقول
فلان أكرمك وأنعم عليك وأحسن إليك ، ويقول رباك فعلك فأغناك ، ويقول أعطاك ثم
أغناك ثم أحوج الناس إليك، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعاً ، فإن قيل زده بياناً وبين
الفرق بين النوعين فى المعنى، قلنا : الذى يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة
فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام ، ولهذا يكون ذلك النوع فى أغلب الأمر
عند مجاوزة النعم ثلاثاً أو عند ما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول فلان
أعطاك المال وزوجك البنت ، فيكون فى كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين
للأنموذج ، والذى يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها، وإذهاب توم
البدل والتفسير ، فإن قول القائل أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير للأول فليس فى كلامه ذكر
نعمتين معاً بخلاف ما إذا ذكر بحرف، فإن قيل إن كان الأمر على ماذكرت فلو ذكر النعم الأول
بالواو . ثم عند تطويل الكلام فى الآخر سردها سرداً ، هل كان أقرب إلى البلاغة ؟ وورود كلامه
تعالى عليه كفاه دليلا على أن ماذكره الله تعالى أبلغ، وله دليل تفصيلى ظاهر يبين بعث وهو
أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولا على قصد الاختصار. فيقتضى الحال التطويل، إما لسائل يكثر
السؤال ، وإما لطالب يطلب الزيادة للطف كلام المتكلم ، وإما لغيرهما من الأسباب وقد يشرع
على قصد الأطناب والتفصيل، فيعرض ما يقتضى الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو
المتكلم وغير ذلك مما جاء فى كلام الآدميين ، نقول كلام اللّه تعالى فوائده لعباده لا له ففى هذه
السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو المقصود، فأنى بما يختص بالكثرة، ثم إن
الإنسان ليس بكامل العلم يعلم مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه، فكيف إذا كان الكلام
كلام اللّه تعالى، فبدأ الله به على الفائدة الأخرى وإذهاب توهم البدل والتفسير والنعى على أن
كل واحد منها نعمة كاملة ، فإن قيل إذا كان كذلك فما الحكمة فى تخصيص العطف بهذا
الكلام والابتداء به لا بما قبله ولا بما بعده ؟ قلنا ليكون النوعان على السواء فذكر
الثمانية من النعم كتعليم القرآن وخلق الإنسان وغير ذلك أربعاً منها بغير واو وأربعاً بواو ،

٩٠
..
قوله تعالى : والسماء رفعها. سورة الرحمن.
٧
وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
وأما قوله تعالى (فيها فاكهة والنخل) وقوله (والحب ذو العصف) فليان نعمة الأرض على
التفصيل ثم فى اختيار الثمانية لطيفة ، وهى أن السبعة عدد كامل والثمانية هى السبعة مع الزيادة
فيكون فيه إشارة إلى أن ذم اللّه خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا يكون معيناً
مبيناً، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد العدد لا لبيان الانحصار فيه .
﴿ المسألة الثانية﴾ النجم ماذا؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) النبات الذى لا ساق له (والثانى)
نجم السماء والأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر فى مقابلة الشمس والقمر ذكر أرضين فى مقابلة
سماوين ، ولأن قوله (يسجدان) يدل على أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال يجد
بالغروب ، وعلى هذا فالشمس والقمر أيضاً كذلك يغربان، فلا يبقى الاختصاص فائدة ، وأما
.إذا قلنا هما أرضان فنقول (يسجدان) بمعنى ظلالها تسجد فيختص السجود بهما دون الشمس
والقمر، وفى جيدهما وجوه (أحدها) ما ذكرنا من سيرد الظلال (ثانيها) خضوعهمالله تعالى
وخروجهما من الأرض ودوامها وثباتهما عليها بإذن الله تعالى، فسخر الشمس والقمر بحركة
مستديرة والنجم بحركة مستقيمة إلى فوق , فشبه النبات فى مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت.
( ثالثها) حقيقة السجود توجد منهما وإن لم تكن مرئية كما يسبح كل منهما وإن لم يفقه كما قال
تعالى ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم)، (رابعها) الجود وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على
الأرض والنجم والشجر فى الحقيقة رؤوسها على الأرض وأرجلها فى الهواء، لأن الرأس من
الحيوان مابه شربه واغ ذاؤه، وللجم والشجر اغتفاؤهما وشربها بأجذالهما ولأن الرأس لا تقى
بدونه الحياة والشجر والنجم لا يبقى شيء منهما ثابتاً غضاً عند وقوع الخلل فى أصولهما، ويقى عند
قطع فروعهما وأعاليهما، وإنما يقال للفروع رؤوس الأشجار، لأن الرأس فى الإنسان هو ما بلى
جهة فوق «ڤيل لأعالى الشجر رؤوس، إذا علمت هذا فالنجم والشجررؤوسهما على الأرض دائما،
* دهما بالشبه لا بطريق الحقيقة.
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس والقمر وأمر معنوى،
وهو أن النجم فى معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة، كما أن
الشمس فى الحسبان أدخل، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر، إذليس
عند المقومين أصعب من تقويم القمر فى حساب الزيج .
ثم قال تعالى ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ ورفع السماء معلوم معنى، ونصبها معلوم
لفظاً فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله (رفعها) كأنه تعالى قال رفع السماء، وقرى. والسماء بالرفع
على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التى هى قوله (الشمس والقمر) وأما ( وضع الميزان)

قوله تعالى : الا تطغوا في الميزان. سورة الرحمن.
أَلَّا تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ
، وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
٨
فإشارة إلى العدل ( وفيه لطيفة) وهى أنه تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم
وهو القرآن ، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى ( وأنزلنا
الكتاب والميزان) ليعمل الماس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمر هم به الكتاب فقوله (علم القرآن،
ووضع الميزان) مثل ( وأنزلنا الكتاب والميزان ) فان قيل العلم لاشك فى كونه نعمة عظيمة ،
وأما الميزان فما الذى فيه من النعم العظيمة التى بسببها يعد فى الآلاء؟ نقول: النفوس تأبى الغبن
ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو فى الشىء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه
لغلبة ، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوى لأوقع الشيطان بين الناس
البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر، فكما أن العقل والعلم صارا سبباً. لبقاء عمارة
العالم ، فكذلك العدل فى الحكمة سبب، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم
ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلها إلا عند فقدهما .
ثم قال تعالى ﴿ألا تطغوا فى الميزان) وعلى هذا قيل المراد من الميزان الأول العدل ووضعه
شرعه كأنه قال شرع الله العدل لئلا تطغوا فى الميزان الذى هو آلة العدل، هذا هو المنقول ،
والأولى أن يعكس الأمر، ويقال الميزان الأول هو الآلة، والثانى هو بمعنى المصدر ومعناه
وضع الميزان لئلا قطفوا فى الوزن أو بمعنى العدل وهو إعطاء كل مستحق حقه، فكأنه قال وضع
الآلة لئلا قطغوا فى إعطاء المستحقين حقوقهم. ويجوز إرادة المصدرمن الميزان كإرادة الوثوق
من الميثاق والوعد من الميعاد، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن. (والوجه الثانى) إن أن مفسرة
والتقدير شرع العدل، أى لا تطغوا، فيكون وضع الميزان بمعنى شرع العدل، وإطلاق الوضع
للشرع والميزان العدل جائز ، ويحتمل أن يقال وضع الميزان أى الوزن.
وقوله ( ألا تطغوا فى الميزان) على هذا الوجه ، المراد منه الوزن ، فكأنه نهى عن الطغيان فى
الوزن، والاتزان وإعادة الميزان بلفظه يدل على أن المراد منهما واحد ، فكأنه قال ألا تطغوا
فيه ، فإن قيل لو كان المراد الوزن ، لقال ألا تطغوا فى الوزن ، نقول لو قال فى الوزن لظن
أن النهى مختص بالوزن ، للغير لا بالاتزان للنفس ، فذكر بلفظ الآلة التى تشتمل على الأخذ .
والإعطاء، وذلك لأن المعطى لو وزن ورجح رجحاناً ظاهراً ، يكون قدأربى ، ولا سيما فى
الصرف وبيع المثل .
وقوله تعالى ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ يدل على أن المراد من قوله ( أن لا تطغوا فى
الميزان) هو بمعنى لا تطغوا فى الوزن ، لأن قوله (وأقيموا الوزن) كالبيان لقوله ( ألا تطغوا
فى الميزان) وهو الخروج عن إقامته بالعدل، وقوله (وأقيموا الوزن بالقسط ) يحتمل وجهين

١٢
قوله تعالى : ولا تخسروا الميزان. سورة الرحمن
وَلَا تُخْسُرُواْ الْمِيزَانَ
(أحدهما) أقيموا بمعنى قوموا به كما فى قوله تعالى (أقيموا الصلاة ) أى قوموابها دواءاً، لأن
الفعل تأرة يعدى بحرف الجر ، وتارة بزيادة الهمزة، تقول أذهبه وذهب به ( ثانيها ) أن يكون
أقيموا بمعنى قوموا، يقال فى العود أقمته وقومته، والقسط العدل ، فإن قيل كيف جاء قسط بمعنى
جار لا بمعنى عدل؟ نقول القسط اسم ليس بمصدر، والأسماء التى لا تكون مصادراً إذا أتى بها
آت أو وجدها موجد، يقال فيها أفعل بمعنى أثبت، كما قال فلان أطرف وأتحف وأعرف بمعنى
جاء بطرفة وتحفة وعرف ، وتقول أقبض السيف بمعنى أثبت له قبضة، وأعلم الثوب بمعنى جعل
له علاً ، وأعلم بمعنى أثبت العلامة ، وكذا ألجم الفرس وأسرج، فإذا أمر بالقسط أو أثبته فقد
أقسط، وهو بمعنى عدل، وأما قسط فهو فعل من اسم ليس بمصدر، والاسم إذا لم يكن مصدراً
فى الأصل، ويورد عليه فعل فربما يغيره عما هو عليه فى أصله، مثاله الكتف إذا قلت كتفته كتافاً
فكانك فلت أخر جته عما كان عليه من الانتفاع وغيرته ، فإن معنی کتفته شددت کتفیه بعضه،)
إلى بعض فهو مكتوف، فالكتف كالقسط صارا مصدرين عن اسم وصار الفعل معناه تغير عن
الوجه الذى ينبغى أن يكون، وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقال القاسط والمقسط ليس أصلهما
وأحداً وكيف كان يمكن أن يقال أقسط بمعنى أزال القسط ، كما يقال أشكى بمعنى أزال الشكوى
أو أعجم بمعنى أزال العجمة ، وهذا البحث فيه فائدة فإن قول القائل فلان أقسط من فلان وقال الله
تعالى (ذلكم أقسط عند اللّه) والأصل فى أفعل التفضيل أن يكون من الثلاثى المجرد تقول أظلم
وأعدل من ظلم وعادل ، فكذلك أقسط كان ينبغى أن يكون من قاسط ، ولم يكن كذلك، لأنه على
ما بينا الأصل القسط، وقسط فعل فيه لا على الوجه، والإقساط إزالة ذلك، ورد القسط إلى أصله،
فصار أقسط موافقاً الأصل ، وأفعل التفضيل يؤخذ مما هو أصل لا من الذى فرع عليه، فيقال
أظلم من ظالم لا من منظلم وأعلم من عالم لا من معلم، والحاصل أن الأقسط وإن كان نظراً إلى
اللفظ ، كان ينبغى أن يكون من القاسط ، لكنه نظراً إلى المعنى ، يجب أن يكون من المقط ،،
لأن المقسط أقرب من الأصل المشتق، وهو القسط، ولا كذلك الظالم والمظلم، فإن الأظلم صار
مشتقاً من الظالم، لأنه أقرب إلى الأصل لفظاً، ومعنى، وكذلك العالم والمعلم، والخبر والخبر .
ثم قال ﴿ولا تخسروا الميزان ﴾ أى لا تنقصوا الموزون والميزان ذكره الله تعالى ثلاث
مرات كل مرة بمعنى آخر، فالأول هو الآلة ووضع الميزان، والثانى بمعنى المصدر لا تطغوا فى
الميزان أبى الوزن، والثالث للمفعول (لا تخسروا الميزان) أى الموزون، وذكر الكل بلفظ الميزان
لما بينا أن الميزان أشمل للفائدة وهو كالقرآن ذكره الله تعالى بمعنى المصدر فى قوله تعالى (فاتبع
قرآنه) وبمعنى المقروء فى قوله (إن علينا جمعه وقرآنه) ومعى الكتاب الذى فيه المقروء فى

٩٣
قوله تعالى : والارض وضعها للانام. سورة الرحمن.
٩٥٠
وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (٨٢ فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكَم
قوله تعالى ( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال) فكأنه آلة ومحل له، وفى قوله تعالى (آتيناك سبعاً
من المثانى والقرآن العظيم ) وفى كثير من المواضع ذكر القرآن لهذا الكتاب الكريم ، وبين
القرآن والميزان مناسبة، فإن القرآن فيه من العلم مالا يوجد فى غيره من الكتب ، والميزان في من
العدل مالا يوجد فى غيره من الآلات، فان قيل ما الفائدة فى تقديم السماء على الفعل حيث قال (والسماء
رفعها) وتقديم الفعل على الميزان حيث قال (ووضع الميزان) ؟ نقول قد ذكرنامراراً أن فى كل
كامه من كلمات الله فوائد لا يحيط بها على البشر إلا ما ظهر. والظاهر ههنا إنه تعالى لما عد النعم
الثمانية كما بينا وكان بعضها أشد اختصاصاً بالإنسان من بعض فما كان شديد الاختصاص بالإنسان
قدم فيه الفعل، كما بينا أن الإنسان يقول أعطيناك الألوف وحصلت لك العشرات ، فلا يصرح فى
القليل بإسناد الفعل إلى نفسه ، وكذلك يقول فى النعم المختصة، أعطيتك كذا ، وفى التشريك
وصل إليك ما اقتسمتم بينكم كذ، فبصرح الاعطاء عند الاختصاص، ولا يسند الفعل إلى
نفسه عند القشريك، فكذلك ههنا ذكر أموراً أربعة بتقديم الفعل، قال تعالى (علم القرآن،
خلق الإنسان، علمه البيان) ووضع الميزان وأموراً أربعة بتقديم الاسم ، قال تعالى (والشمس
والقمر، والنجم والشجر، والسماء رفعها، والأرض وضعها) لما أن تعليم القرآن نفعه إلى الإنسان
أعود، وخلق الإنسان مختص به، وتعليمه البيان كذلك ووضع الميزان ، كذلك لأنهم هم
المنتفعون به الملائكة ، ولا غير الإنسان من الحيوانات.، وأما الشمس والقمر والنجم والشجر
والسماء والأرض فينتفع به كل حيوان على وجه الأرض وتحت السماء،
ثم قال تعالى ﴿ والأرض وضعها للأنام﴾ فيه مباحث:
(الأول) هو أنه قد مر أن تقديم الاسم على الفعل كان فى مواضع عدم الاختصاص وقوله
تعالى (للأنام) يدل على الاختصاص، فان اللام لعود النفع. نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما)
ما قيل أن الأنام يجمع الإنسان وغيره من الحيوان، فقوله للأنام لا يوجب الاختصاص بالإنسان
(ثانيهما) أن الأرض موضوعة لكل ما عليها، وإنما خص الإنسان بالذكر لأن انتفاعه بها أكثر
فإنه ينتفع بها وبمافيها وبما عليها، فقال للأنام لكثرة انتفاع الأنام بها، إذا قلنا إن الأنام هو
الإنسان ، وإن قلنا إنه الخلق فالخلق يذكر ويراد به الإنسان فى كثير من المواضع .
وقوله تعالى ﴿فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام) إشارة إلى الأشجار، وقوله ( والحب
ذو العصف ) إشارة إلى النبات الذى ليس بشجر والفاكهة ما تطيب به النفس، وهى فاعلة إما على
طريقة (عيشة راضية) أى ذات رضى يرضى بها كل أحد، وإما على تسمية الآلة بالفاعل بقال راوية
الغربة التى يروى بها العطشان، وفيه معنى المبالغة كالراحلة لما يرجل عليه، ثم صار اسماً لبعض الثمار

٩٤
قوله تعالى : والارض وضعها للانام. سورة الرحمن.
وضعت أولا من غير اشتقاق، والتنكير للتكثير ، أى كثيرة كما يقال لفلان مال أى عظيم، وقد
ذكرنا وجه دلالة التفكير على التعظيم. وهو أن القائل كأنه يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به معرفة
كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه .
وقوله تعالى ﴿والنخل ذات الأكمام﴾ إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار، لأن الأشجار
المثمرة أفضل الأشجار . وهى منقسمة إلى أشجار ثمار هى فواكه لا يقتات بها وإلى أشجار ثمار
هى ق.ت وقد يتفكه بها ، كما أن الفاكهة قد يقتات بها ، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه بتقوت
بها ويأكل غير متفكه بها، وفيه مباحث :
( الأول) ما الحكمة فى تقديم الفاكهة على القوت؟ نقول هو باب الابتداء بالأدنى
والارتقاء إلى الأعلى، والفاكهة فى النفع دون النخل الذى منه القوت ، والتفكه وهو دون الحب،
الذى عليه المدار فى سائر المواضع, وبه يتغذى الأنام فى جميع البلاد، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل
ثم ذكر الحب الذى هو أنم نعمة لموافقتهمزاج الإنسان، ولهذا خلقه الله فى سائر البلاد وخصص
النخل بالبلاد الحارة .
﴿ البحث الثانى) ما الحكمة فى تفكير الفاكهة وتعريف النخل؟ وجوابه من وجوه (أحدها)
أن القوت محتاج إليه فى كل زمان متداول فى كل حين وأوان فهو أعرف والفاكهة تكون فى بعض
الأزمان وعند بعض الأشخاص ( ونافيها ) هوأن الفاكهة على مابينا ما يتفكه به وتطيب به النفس
وذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شىء ، فمن غلب عليه حرارة وعطش، يريد التفتكه بالحامض
وأمثاله، ومن الناس من يريد التفكة بالحلو وأمثاله، فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل والحب
معتادان معلومان فعرفهما ( وثالثها) النخل وحدما نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة ، وأما
الفاكهة فنوع منها كالخوخ، والإجاص مثلاليس فيه عظيم النعمة كما فى النخل، فقال فاكهة بالتنكير
ليدل على الكثرة وقد صرح بالكثرة فى مواضع أخر ، فقال ( يدعون فيها بفاكهة كثيرة) وقال
(وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا منوعة)، فالفاكهة ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحاً
وذكرها منكرة، لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة فى النوع الواحد. ثم الخلاف النخل.
﴿ البحث الثالث ) ما الحكمة فى ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها ، وذكر النخل باسمها
لا باسم ثمرها؟ نقول قد تقدم بيانه فى سورة ( يس) حيث قال تعالى (من نخيل وأعناب) وهو
أن شجرة العنب، وهى الكرم بالنسبة إلى ثمرتها وهى العنب حقيرة، وشجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها
عظيمة ، وفيها من الفوائد الكثيرة على ماعرف من اتخاذ الظروف منها والانتفاع بجمارها وبالطلع
والبسر والرطب وغير ذلك، فثمرتها فى أوقات مختلفة كأنها ثمرات مختلفة، فهى أثم نعمة بالنسبة
إلى الغير من الأشجار ، فذكر النخل باسمه وذكر الفاكهة دون أشجارها، فإن فوائد أشجارها
فى عين تمارها .
﴿البحث الرابع﴾ ما معنى (ذات الأكمام)؟ نقول: فيه وجهان (أحدهما) الأكمام كل ما يغطى

٩٥
قوله تعالى : والحب ذو العصف والريحان. سورة الرحمن.
وَالْحَبُّ ذُوْ اْلْعَصْفِ وَالَّتْحَانُ () فَبِأَيِّءَالَاءِ رَبُِّمَا تُكَذِّبَانِ
جمع كم بضم الكاف ، ويدخل فيه لحاؤها وليفها ونواها والكل منتفع به ، كما أن النخل منتفع بها
وأغصانها وقلبها الذى هو الجمار (ثانيهما) الأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الطلع فانه يكون
أولا فى وعاء فينشق ويخرج منه الطلع، فان قيل على الوجه الأول (ذات الأكمام) فى ذكرها فائدة
لأنها إشارة إلى أنواع النعم، وأما على الوجه الثانى فما فائدة ذكرها؟ نقول الإشارة إلى سهولة جمعها
والانتفاع بها فإن النخلة شجرة عظيمة لا يمكن هزها لتسقط منها الثمرة فلابدمن قطف الشجرة فلوكان
مثل الجميز الذى يقال إنه يخرج من الشجرة متفرقاً واحدة واحدة لصعب قطافها. فقال (ذات الأكمام)
أى يكون فى كم شىء كثير إذا أخذ عنقود واحد منه كفى رجلا واثنين كعناقيد العنب ، فانظر إليها
فلو كان العنب حياتها فى الأشجار متفرقة كالجميز والزعرور لم يمكن جمعه بالهزمتى أريد جمعه ، خلقه
اللّه تعالى عناقيد مجتمعة، كذلك الرطب فكونها (ذات الأكمام) من جملة إتمام الإنعام.
ثم قال تعالى ﴿والحب ذو العصف والريحان) اقتصر من الأشجار على النخل لأنها أعظمها
ودخل فى الجب القمح والشعير وكل حب يقتات به خبزاً أو ؤدم به بينا أنه أخره فى الذكر
على سبيل الارتقاء درجة فدرجة فالحبوب أنفع من النخل وأعم وجوداً فى الأماكن. وقوله تعالى
( ذو العصف) فيه وجوه ( أحدها ) التبن الذى تنتفع به دوابنًا التى خلقت لنا ( ثانيها) أوراق
النبات الذى له ساق الخارجة من جوانب الساق كأوراق السفلة من أعلاها إلى أسفلها ( ثاثها)
العصف هو ورق ما ؤكل حسب ( والريحان ) فيه وجوه ، قيل ما يشم وقيل الورق ، وقيل هو
الريحان المعروف عندنا ويزره ينفع فى الأدوية ، والاظهر أن رأسها كالزهر وهو أصل وجود
المقصود، فإن ذلك الزهر يتكون بذلك الحب وينعقد إلى أن يدرك (فالعصف ) إشارة إلى ذلك
الورق والريحان إلى ذلك الزهر ، وإنما ذكرهما لأنهما . ؤولان إلى المقصود من أحدهما علف
الدواب، ومن الآخر دواء الإنسان ، وقرى. الريحان بالجر معطوفا على العصف ، وبالرفع عطفاً
على الحب وهذا يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون المراد من الريجان المشموم فيكون أمر أًمغايراً
للحب فيعطف عليه ( والثانى ) أن يكون التقدير ذو الريحان بحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه
مقامه كما فى (واسأل القرية) وهذا مناسب المعنى الذى ذكرنا، ليكون الريحان الذى ختم به أنواع
النعم الأرضية أعز وأشرف، ولو كان المراد من الريحان هو المعروف أو المشمومات لما حصل
ذلك الترتيب ، وقرىء (والريحان) ولا يقرأ هذا إلا من يقرأ (والحب ذو العصف) ويعود
الوجهان فيه .
ثم قال تعالى ﴿ فبأی آلاء ربكما تكذبان ﴾ و فيه مباحث:
﴿ الأول) الخطاب مع من؟ نقول فيه وجوه (الأول) الإنس والجن وفيه ثلاثة أوجه

٩٦
قوله تعالی : فبأي آلاء ربكما تكذبان. سورة الرحمن.
(أجدها) يقال الأنام اسم الجن والإنس وقد سبق ذكره، فعاد الضمير إلى مافى الأنام من الجنس
(ثانيها) الأنام اسم (الإنسان) و(الجان) لما كان منوياً وظهر من بعد بقوله (وخلق الجان)
جاز عود الضمير إليه، وكيف لا وقد جاز عود الضمير إلى المنوى، وإن لم يذكر منه شىء ، تقول
لا أدرى أيهما خير من زيد وعمرو ( ثالثها ) أن يكون المخاطب فى النية لا فى اللفظ كأنه قال (فبأنى
آلاء ربكما تكذبان) أيها الثقلان (الثانى) الذكر والأنثى. فعاد الضمير إليهما والخطاب معهم)
(الثالث ) فبأي آلاء ربك تكذب، فبأى آلا. ربك تكذب، بلفظ واحد والمراد التكرار
للنأ كيد (الرابع) المراد العموم، لكن العام يدخل فيبه قسمان بهما ينحصر الكل ولا يبقى شىء
من العام خارجاً عنه. فإنك إذا قلت إنه تعالى خلق من يعقل ومن لا يعقل، أو قلت الله يعلم
ما ظهر وما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الخاصرة يلزم التعميم ، فكاته قال يا أيها القسمان
(فبأي آلاء ربكما تكذبان) واعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلا ولا يحصل الحصر
إلا بهما، فإن زاد فهناك قسمان قد طرى أحدهما فى الآخر، مثاله إذا قلت اللون إما سواد وإما
بياض، وإما حمرة وإما صفرة وإما غيرها فكأنك فلت اللون إما أسود واما ليس بسواد أو اما
بياض واما ليس ببياض ، ثم الذى ليس بياض اما حمرة واما ليس بحمرة وكذلك إلى جملة
التقسيمات، فأشار إلى القسمين الحاصرين على أن ليس لأحد ولا لشىء أن ينكر نعم الله (الخامس)
التكذيب قد يكون بالقلب دون اللسان، كما فى المنافقين ، وقد يكون باللسان دون القلب كما فى
المعاندين وقد يكون بهما جميعاً، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان أو بالقلب فكانه تعال
قال: يا أيها القلب واللسان فبأي آلاء ربكما تكذبان. فإن النعم بلغت حداً لا يمكن المعاند
أن يستمر على تكذيها، (السادس) المكذب مكذب بالرسول والدلائل السمعية التى بالقرآن
ومكذب بالعقل والبراهين والتى فى الآفاق والأنفس فكأنه تعالى قال: يا أيها المكذبان بأى
آلاء ربكما تكذبان، وقد ظهرت آيات الرسالة فإن (الرحمن علم القرآن)، وآيات الوحدانية
فإنه تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان، ورفع السماء ووضع الأرض (السابع) المكذب قد يكون
مكذباً بالفعل وقد يكون التكذيب منه غير وافع بعد لكنه متوقع فالله تعالى قال يا أيها المكذب
تكذب وتلبس بالكذب، ويختلج فى صدك أنك تكذب ، (فبأي آلاء ربكانكذبان)، وهذه
الوجوه قريبة بعضها من بعض. والظاهر منها الثقلان، لذكرهما فى الآيات من هذه السورة بقوله
( سنفرغ لكم أيها الثقلان)، وبقوله (يا معشر الجن والإنس) وبقوله (خلق الإنسان من صلصال
كالفخار وخلق الجان) إلى غير ذلك، (والزوجان) لوروده فى القرآن كثير والتعميم بإرادة نوعين
حاصرين للجميع ، ويمكن أن يقال التعميم أولى لأن المراد لو كان الإنس والجن اللذان خاطبها
بقوله ( فبأى آلا- ربكما تكذبان) ما كان يقول بعد خلق الإنسان ، بل كان يخاطب ويقول
خلقناك يا أيها الإنسان (من صلصال) وخلقناك يا أيها الجان أو يقول خلقك يا أيها الإنسان

٩٧
قوله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان. سورة الرحمن.
لأن الكلام صار خطاباً معهما ، ولما قال الانسان، دل على أن المخاطب غيره وهو الجمرم
فيصير كأنه قال يا أيها الخلق والسامعون: إنا خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلقنا الجان
من مارج من نار . وسيأتى باقى البيان فى مواضع من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى
(الثانى) ما الحكمة فى الخطاب ولم يسبق ذكر مخاطب، نقول هو من باب الالتفات إذ مبنى
افتاح السورة على الخطاب مع كل من يسمع، فكأنه لما قال (الرحمن على الخمرآن) قال اسمعوا أيها
السامعون، والخطاب للقريع والزجر كانه تعالى به الفلفل المكذب على أنه يفرض ففه كالواقف
بين يدى ربه يقول له ربه أنعمت عليك بكذا وكذا، ثم يقول فبأى آلاتى تكذب، لاشك أنه عندهذا
يستحى استحياء لا يكون عنده فرض الغيبة (الثالث) ما العائدة فى اختيار لفظة الرب وإذا خاطب أراد
خطاب الواحد فلم قال ربكما تكذبان وهو الحاضر المتكلم فكيف يجعل التكذيب المسند إلى
المخاطب وارداً على الغائب ولو قال بأى آلاتى تكذبلن كان أليق فى الخطاب ؟ نقول فى الـورة
المتقدمة قال (كذبت ثمود بالنذروكذبت قوم لوط بالنذر) وقال (كذبوا بآياتنا) وقال (مأخذنام)
وقال (كيف كان عذابى وبذر) كلها بالاستناد إلى ضمير المتكلم حيث كان ذلك التخويف فلته تعالى
أعظم من أن يخشى فلو قال أخذهم القادر أو المهلك لما كان فى التعظيم مثل قوله ( فأخذناهم)
ولهذا قال تعالى ( ويحذركم الله نفسه) وهذا كما أن المشهور بالقوة يقول أنا الذى تعرفى يكون
فى إثبات الوعيد فوق قوله أنا المعذب فلما كان الإسناد إلى النفس مستعملا فى تلك السورة عند
الإهلاك والتعذيب ذكر فى هذه السورة عند بيان الرحمة لفظ يزيل الهيبة وهو لفظ الرب فكانه
تعالى قال ( فبأي آلاء ربكما تكذبان) وهو رباكما (الرابع) مالحكمة فى تكرير هذه الاية وكونه
إحدى وثلاثين مرة ؟ نقول الجواب عنه من وجوه (الأول) إن فائدة التكرير التقرير وأما هذا
العدد الخاص فالأعداد توقيفية لا تطلع على تقدير المقدرات أذهان الناس والأولى أن لا يبالغ
الإنسان فى استخراج الأمور البعيدة فى كلام الله تعالى تمسكا بقول عمر رضى الله تعالى عنه حيث
قال مع نفسه عند قراءته سورة عبس كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفض عصا كانت بيده وقال
هذا لعمر الله التكليف وما عليك يا عمر أن لا تدرى ما الأب ثم قال اتبعوا ما بين لكم من هذا
الكتاب وما لافدعوه وسيأتى فائدة كلامه تعالى فى تفسير السورة إن شاء اللّه تعالى (الجواب الثانى)
ما قلاه إنه تعالى ذكر فى السورة المتقدمة ( فكيف كان عذابى ونذ) أربع مرات لبيان مافى
ذلك من المعنى وثلاث مرات للتقرير والتكرير والثلاث والسبع من بين الأعداد فوائد ذكرناها
فى قوله تعالى ( والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) فلما ذكر العذاب ثلاث مرات ذكر الآلام
إحدى وثلاثين مرة لبيان ما فيه من المعنى وثلاثين مرة للتقرير الآلاء مذكورة عشر مرات
أضعاف مرات ذكر العذاب إشارة إلى معنى قوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن
جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)، (الثالث) إن الثلاثين مرة تكرير بعد البيان فى المرة الأولى لأن
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٧

٩٨
قوله تعالى : خلق الانسان من صلصال كالفخار. سورة الرحمن
١٤
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلَّصَلِ كَالْفَخَارِ
الخطاب مع الجن والإنس ، والنعم منحصرة فى دفع المكروه وتحصيل المقصود ، لكن أعظم
المكروهات عذاب جهنم ( ولها سبعة أبواب) وأتم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب فإغلاق
الأبواب السبعة وفتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة وإكرام ، فإذا اعتبرت تلك النعم بالنسبة إلى جنسى
الجن والإنس تبلغ ثلاثين مرة وهى مرات التكرير للتقرير ، والمرة الأولى ليان فائدة الكلام ،
وهذا منقول وهو ضعيف، لأن الله تعالى ذكر نعم الدنيا والآخرة، وما ذكره اقتصار على بيان
فعم الآخرة (الرابع) هو أن أواب النار سبعة والله تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من
النار، من قوله تعالى ( سنفرغ لكم أيها الثقلان). إلى قوله تعالى ( يطوفون بينها وبين حميم آن)
ثم إنه عالی ذکر بعد ذلك جنتین حيث قال (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ولكل جنة ثمانية أبواب
تفتح كلها للمتقين ، وذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آبات التخفيف ثمانى مرات (بأى
آلاء ربكما تكذبان) سبع مرات للتقرير بالتكرير استيفاء العدد الكثير الذى هو سبعة. وقد بينا
سبب اختصاصه فى قوله تعالى ( سبعة أبحر) وسنعيد منه طرماً إن شاء الله تعالى، فصار المجموع
ثلاثين مرة المرة الواحدة التى هى عقيب النعم الكثيرة لبيان المعنى وهو الأصل والتكثير
تكرار فصار إحدى وثلاثين مرة .
ثم قال تعالى ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار﴾ وفى الصلصال وجهان (أحدهما) هو
بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن، ويكون الصلصال حينئذ من الصلول (وثانيهما) من الصليل يقال
صل الحديد صليلا إذا حدث منه صوت، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذى يقع بعضه على بعض
فيحدث فيما بينهما صوت، إذ هو الطين اللازب الحر الذى إذا التزق بالشىء ثم انفصل عنه دفعة
سمع منه عند الانفصال صوت ، فإن قيل الانسال إذا خلق من صلصال كيف ورد فى القرآن أنه
خلق من التراب وورد أنه خلق من الظين ومن حماً ومن ماء مهين إلى غير ذلك نقول : أما قوله
من تراب نارة . ومن ماء مهين أخرى ، فذلك باعتبار شخصبن آدم خلق من الصلصال ومن حما
وأولاده خلفوا من ماء مهين ، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده ، ويجوز أن يقال زيد خلق
من حماً بمعنى أن أصله الذى هو جده خلق منه، وأما قوله من طين لازب ، ومن حما وغير ذلك
فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أو لا من التراب ، ثم صار طيناً ثم حما مسنوناً ثم لازباً،
فكأنه خلق من هذا ومن ذلك ، ومن ذلك، والفخار البطين المطبوخ بالنار وهو الخرف مستعمل
على أصل الاشتقاق، وهو مبالغة الفاخر كالعلام فى العالم، وذلك أن التراب الذى من شأنه التفتت
إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء والمائعات. ولا يتفتت ولا ينقع فكأنه بفخر على أفراد مجنسه.

٩٩
قوله تعالى : وخلق الجان من مارج من نار. سورة الرحمن.
وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِچٍ مِّنِ نَّارِ (﴿ فَبِأَيِّءَالَاءِ رَبِّكُاَ تُكَذِّبَانِ
ثم قال تعالى ﴿ وخلق الجان من مارج من نار، فبأي آلاء ربكما تكذبان) وفى الجان وجهان
(أحدهما) هو أبو الجن كما أن الانسان المذكور هنا هو أبو الإنس وهو آدم ( ثانيهما) هو الجن
بنفسه فالجان والجن وصفان من باب واحد ، كما يقال ملح ومالح ، أو نقول الجن اسم الجنس
كالملح والجان مثل الصفة كالمالح .
﴿ وفيه بحث) وهو أن العرب تقول جن الرجل ولا يعلم له فاعل يبنى الفعل معه على
المذكور ، وأصل ذلك جنه الجان فهو مجنون، فلا يذكر الفاعل لعدم العلم به، ويقتصر على قولهم
جن فهو مجنون ، وينبغى أن يعلم أن القائل الأول لا يقول الجان اسم علم لأن الجان للجن كآدم
لنا، وإنما يقول بأن المراد من الجان أبوهم ، كما أن المراد من الإنسان أبونا آدم ، فالأول منا
خلق من صلصال ، ومن بعده خلق من صلبه ، كذلك الجن الأول خلق من نار ، ومن بعده من
ذريته خلق من مارج، والمارج المختلط ثم فيه وجهان (أحدهما) أن المارج هو النار المشوبة
بدخان ( والثانى) النار الصافية والثانى أصح من حيث اللفظ والمعنى ( أما اللفظ) فلأنه تعالى
قال ( من مارج من نار ) أى نار مارجة ، وهذا كقول القائل هو مصوغ من مذهب فان قوله من
ذهب. فيه بيان تناسب الأخلاط فيكون المعنى الكل من ذهب غير أنه يكون أنواعاً مختلفة مختلطة
بخلاف ما إذا قلت هذا قمح مختلط فلك أن تقول مختلط بماذا فيقول من كذا وكذا فلو اقتصر على
قوله من قمح وكان منه ومن وغيره أيضاً لكان اقتصاره عليه مختلط بما طلب من البيان (وأما المعنى)
فلأنه تعالى كما قال ( خلق الانسان من صلصال ) أى من طين حر كذلك بين أن خلق الجان من
نار خالصة فإن قيل فكيف يصح قوله مارج بمعنى مختلط مع أنه خالص ؟ نقول النار إذا قويت
التهبت ، ودخل بعضها فى بعض كالشىء الممتزج امتزاجاً جيداً لا تميز فيه بين الأجزاء المخلطة
وكأنه من حقيقة واحدة كما فى الطين المختمر، وذلك يظهر فى التنور المسجور، إن قرب منه
الحطب تحرقه فكذلك مارج بعضها ببعض لا يعقل بين أجزائها دخان وأجزاء أرضية، وسفبين
هذا فى قوله تعالى (مرج البحرين) فإن قيل المقصود تعديد النجم على الانسان ، فما وجه بيان خلق
الجان؟ نقول الجواب عندمن وجوه (أحدها) ما بينا أن قوله (ربكما) خطاب مع الانس والجن
يعدد عليها النعم بل على الانسان وحده ( ثانيها ) أنه بيان فضل الله تعالى على الإنسان ، حيث بين
أنه خلق من أصل كثيف كدر، وخلق الجان من أصل لطيف، وجعل الإنسان أفضل من الجان
فانه إذا نظر إلى أصله، علم أنه ما نال الشرف إلا بفضل الله تعالى فكيف يكذب بآلاء الله (ثالثها)
أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا لبيان النعمة، وكأنه تعالى لما بين النعم الثمانية التى ذكرها فى
أول السورة ، فكأنه ذكر الثمانية لبيان خروجها عن العدد الكثير الذى هو سبعة ودخولها فى

١٠٠
قوله تعالى : رب المشرقين ورب المغربین. سورة الرحمن.
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴿ فَبِأَيِّءَ الَآءِرَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٨)
مَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٨) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لََّيَبْغِيَانِ (*) فَأَّءَالَآءِ رَبِّكَا
تُكذّبَانِ
٢١
الزيادة التى يدل عليها الثمانية كما بينا وقلنا إن العرب عند الثامن تذكر الواو إشارة إلى أن الثامن
من جنس آخر ، فبعد تمام السبعة الأول شرع فى بيان قدرته الكاملة ، وقال : هو الذى خلق
الإنسان من تراب والجان من نار (فبأي آلاء) الكثيرة المذكورة التى سبقت من السبعة، والتى
دلت عليها الثامنة ( تكذبان) وإذا نظرت إلى مادلت عليه لثمانية وإلى قوله (كل يوم هو فى شأن
فبأي آلاءربكما تكذبان) يظهر لك هة ما ذكر أنه بين قدرته وعظمته. ثم يقول فبأى تلك الآلاء التى
عددتها أولا تكذبان ، وسنذكر تمامه عند تلك الآيات .
ثم قال تعالى ﴿رب المشرقين ورب المغربین ، فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وفيه وجوه
أولها مشرق الشمس والقمر ومغربها ، والبيان حينئذ فى حكم إعادة ماسبق مع زيادة ، لأنه تعالى
لما قال ( الشمس والقمر بحسبان) دل على أن لهما مشرقين ومغربين، ولما ذكر (خلق الإنسان
علمه البيان ) دل على أنه مخلوق من شىء فبين أنه الصلصال (الثانى) مشرق الشتاء ومشرق الصيف
فان قيل ما الحكمة فى أختصاصها مع أن كل يوم من ستة أشهر للشمس مشرق ومغرب يخالف
بعضها البعض؟ نقول غاية انخطط الشمس فى الشتاء وغاية ارتفاعها فى الصيف والإشارة إلى الطرفين
تتناول ما بينهما فهو كما يقول القائل فى وصف ملك عظيم له المشرق والمغرب ويفهم أن له ما بينها
أيضاً (الثالث) التقنية إشارة إلى النوعين الحاصرين كما بينا أن كل شىء فانه ينحصر فى قسمين فكانه
قال رب مشرق الشمس ومشرق غيرها فهما مشرقان فتناول الكل، أو يقالمشرق الشمس
والقمر وما بغرض إليهما العافل من مشرق غيرهما فهو تثنية فى معنى الجمع .
٠ ٠٠
قوله تعالى : ﴿ مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فبأي آلاء ربكما تكذبان
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى تعلق الآية بما قبلها فنقول: لما ذكر تعالى المشرق والمغرب وهما
حركتان فى الفلك باسب ذلك ذكر البحرين لأن الشمس والقمر يجريان فى الفلك كما يجرى
الإنسان فى البحر قال تعالى ( وكل فى ذلك يسبحون) فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين
ولأن المشرقين والمغربين فيما إشارة إلى البحر لا نحصار البر والبحر بين المشرق والمغرب، لكن
البر كان مذكوراً بقوله تعالى ( والأرض وضعها) فذكرههنا مالم يكن مذكوراً .