Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
قوله تعالى : ولقد راودوه عن ضيفه. سورة القمر.
وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ ﴾
ربك لشديد) بيان لجنس بطشه ، فإذا كان جنسه شديداً فكيف الكبرى منه ، وأما لوط عليه
السلام فذكر لهم البطشة الكبرى لئلا يكون مقصراً فى التبليغ ، وقوله تعالى (فتماروا بالنذر)
يدل على أن النذر هى الإنذارات .
ثم قال تعالى ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذقوا عذابى ونذر﴾ والمراودة
من الرود، ومنه الإرادة وهى قريبة من المطالبة غير أن المطالبة تستعمل فى العين يقال طالب
زيد عمراً بالدراهم، والمراودة لا تستعمل إلا فى العمل يقال راوده عن المساعدة ، ولهذا تعدى
المراوردة إلى مفعول ثان بعن ، والمطالبة بالباء، وذلك لأن الشغل منوط باختيار الفاعل ، والعين
قد توجد من غير اختيار منه وهذا فرق الحال ، فإذا قلت أخبرنى بأمره تعين عليه الخبر العين ،
بخلاف ما إذا قيل عن كذا ، ويزيد هذا ظهوراً قول القائل أخبرنى زيد عن مجىء فلان ، وقوله
أخبرنى بمجيئه فان من قال عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجىء لا عن نفسه وأخبرنى
بمجيئه لا يكون إلا عن نفس المجىء والضيف يقع على الواحد والجماعة ، وقد ذكرناه فى سورة
الذاريات وكيفية المراودة مذكورة فيما تقدم ، وهى أنهم كانوا مفسدين وسمعوا يضيف دخلوا
على لوط فراودوه عنهم . وقوله ( فطمسنا أعينهم ) نقول إن جبريل كان فيهم فضرب ببعض
جناحه على وجوههم فأعمام، وفى الآية مسائل:
( الأولى) الضمير فى راودوه إن كان عائداً إلى قوم لوط فما فى قوله (أعينهم) أيضاً عائداً
إليهم فيكون قد طمس أعين قوم ولم يطمس إلا أعين قليل منهم وهم الذين دخلوا دار لوط ،
وإن كان عائداً إلى الذين دخلوا الدار فلا ذكر لهم فكيف القول فيه ؟ نقول المراودة حقيقة
حصلت من جمع منهم لكن لما كان الأمر من القوم وكان غيرهم ذلك مذهبه أسندها إلى الكل
ثم بقوله راودوه حصل قوم هم المراودون حقيقة فعاد الضمير فى أعينهم إليهم مثاله قول القائل
الذين آمنوا صلوا فصحت صلاتهم فيكون هم فى صلاتهم عائداً إلى الذين صلوا بعد ما آمنوا ولا
يعود إلى مجرد الذين آمنوا لأنك لو اقتصرت على الذين آمنوا فصحت صلاتهم لم يكن كلاماً
منظوماً ولو قلت الذين صلوا فصحت صلاتهم صح الكلام ، فعلم أن الضمير عائد إلى ما حصل بعد
قوله (راودوه) والضمير فى راودوه عائد إلى المنذرين المتمارين بالنذر ..
المسألة الثانية) قال ههنا ( فطمسنا أعينهم) وقال فى يس (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم)
فما الفرق ؟ نقول هذا مما يؤيد قول ابن عباس فإنه نقل عنه أنه قال المراد من الطمس الحجب
عن الإدراك فما جعل على بصرهم شىء غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً فكانوا كالمطموسين ،
وفى يس أراء أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة، أى ألزق أحد الجفنين بالآخر فيكون على
٦٢
قوله تعالى : ولقد راودوه عن ضيفه. سورة القمر.
العين جلدة فيكون قد طمس عليها، وقال غيره أنهم عموا وصارت عينهم مع وجههم كالصفحة
الواحدة، ويؤيده قوله تعالى (فذوقوا عذابى) لأنهم إن بقوا مصرين ولم يروا شيئاً مناك لا يكون
ذلك عذاباً والطمس بالمعنى الذى قاله غير ابن عباس عذاب ، فنقول الأولى أن يقال إنه تعالى
حكى ههذا ما وقع وهو طمس العين وإذهاب ضوئها وصورتها بالكلية حتى صارت وجوههم
كالصفحة الملساء ولم يمكنهم الإنكار لأنه أمر وقع، وأما هناك فقد خوفهم بالممكن المقدور عليه
فاختار ما يصدقه كل أحد ويعرف به وهو الطمس على العين، لأن إطباق الجفن على العين أمر
كثير الوقوع وهو بقدرة الله تعالى وإرادة فقال (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) وما شققنا جفهم
عن عينهم وهو أمر ظاهر الإمكان كثير الوقوع والطمس على ما وقع لقوم لوط نادر ، فقال هناك
على أعينهم ليكون أقرب إلى القبول .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( فذوقوا عذابى ونذر) خطاب من وقع ومع من وقع ؟ قلنا
فيه وجوه (أحدها) فيه إضمار تقديره فقلت على لسان الملائكة ذوقوا عذابى ( ثانيها) هذا خطاب
مع كل مكذب تقديره كنتم تكذبون فذوقوا عذابى فإنهم لما كذبوا ذاقوه ( ثالثها) أن هذا .
الكلام خرج مخرج كلام الناس فإن الواحد من الملوك إذا أمر بضرب مجرم وهو شديد الغضب
فإذا ضرب ضرباً مبرحا وهو يصرخ والملك يسمع صراخه يقول عند سماع صراخه ذق إنك
مجرم مستأهل ويعلم الملك أن المعذب لا يسمع كلامه ويخاطب بكلامه المستغيث الصارخ . وهذا
كثير فكذلك لما كان كل أحد بمرآى من اللّه تعالى يسمع إذا عذب معانداً كان قد سخط الله
عليه يقول (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (ذوقوا لقاء يومكم هذا) ( فذوقوا عذابى) ولا
يكون به مخاطباً لمن يسمع ويجيب ، وذلك إظهار العدل أى لست بغافل عن تعذيبك فتتخلص
بالصراخ والضراعة ، وإنما أنا بك عالم وأنت له أهل لما قد صدر منك، فان قيل هذا وقع بغير
الفاء، وأما بالفاء فلا تقول وبالفا فإن ربما يقول كنتم تكذبون فذوقوا.
1
﴿ المسألة الرابعة ﴾ النذر كيف يذاق؟ نقول معناه ذق فعلك أى مجازاة فعلك وموجبه ويقال
ذق الألم على فعلك وقوله (فذوقوا عذابى) كقولهم ذق الألم، وقوله (ونذر) كقولهم ذق فعلك
أى ذق مالزم من إنذارى، فإن قيل فعلى هذا لا يصح العطف لأن قوله (فذوقوا عذابى) وما لزم من
إنذارى وهو العذاب يكون كقول القائل ذوقوا عذابى وعذابى؟ نقول قوله تعالى (فذوقواعذابى)
أى العاجل منه، وما لزم من إنذارى وهو العذاب الآجل، لأن الإنذار كان به على ماتقدم بيانه،
فكأنه قال: ذوقوا عذابى العاجل وعذابى الآجل، فإن قيل هما لم يكونا فى زمان واحد، فكيف
يقال ذوقوا ، نقول العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل ، فهما كالواقع فى زمان واحد
وهو كقوله تعالى ( أغرقوا فأدخلوا ناراً).
٦٣
قوله تعالى : ولقد صبحهم بكره. سورة القمر.
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةٌ عَذَابٌ مُسْتَقِرَّهٌ
ثم قال تعالى ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر﴾ أى العذاب الذى عم القوم بعد الخاص
الذى طمس أعين البعض ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (صبحهم) فيه دلالة على الصبح، فما معنى ( بكرة ) ؟ نقول فائدته تبيين
انطراقه فيه، فقوله (بكرة) يحتمل وجهين (أحدهما) أنها منصوبة على أنها ظرف ، ومثله نقول
فى قوله تعالى (أسرى بعبده ليلا) وفيه بحث، وهو أن الزمخشرى قال: ما الفائدة فى قوله ( ليلا)
وقال جواباً فى التفكير دلالة على أنه كان فى بعض الليل، وتمسك بقراءة من قرأ (من الليل)
وهو غير ظاهر ، والأظهر فيه أن يقال بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس
بمقصود المتكلم وأنه لا يريد بيانه، كما يقول: خرجنا فى بعض الأوقات، مع أن الخروج لا بد من
أن يكون فى بعض الأوقات ، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين ، ولو قال خرجنا ، فربما يقول
السامع متى خرجتم، فإذا قال فى بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ،
فكذلك قوله تعالى (صبحهم بكرة) أى بكرة من البكر (وأسرى بعبده ليلا) أى ليلا من
الليالى فلا أبينه، فإن المقصود نفس الإسراء، ولو قال أسرى بعبده من المسجد الحرام ، لكان
للسامع أن يقول إيما ليلة ؟ فإذا قال ليلة من الليالى قطع سؤاله وصار كانه قال لا أبينه ، وإن كان
القائل من يجوز عليه الجهل ، فإنه يقول لا أعلم الوقت ، فهذا أقرب فإذا علمت هذا فى أسرى
ليلا، فاعلم مثله فى ( صبحهم بكرة) ويحتمل أن يقال على هذا الوجه (صبحهم) بمعنى قال لهم .
عموا صباحاً استهزاء بهم، كما قال (فبشرهم بعذاب أليم) فكانه قال: جاءهم العذاب بكرة كالمصبح،
والأول أصح، ويحتمل فى قوله تعالى (صبحهم بكرة) على قولنا إنها منصوبة على الظرف ما لا
يحتمله قوله تعالى (أسرى بعبده ليلا) وهو أن (صبحهم ) معناه أقام وقت الصبح ، لكن
التصبيح يطلق على الإتيان فى أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار ، فإذا قال (بكرة )
أفاد أنه كان أول جزء منه، وما أخر إلى الإسفار، وهذا أوجه وأليق، لأن الله تعالى أوعدهم به
وقت الصبح، بقوله ( إن موعدهم الصبح) وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجىء العذاب
فى أول الصبح، ومجرد قراء (صبحهم) ما كان يفيد ذلك ، وهذا أقرى لأنك تقول: صبيحة
أمس بكرة واليوم بكرة، فيأتى فيه ماذكرنا من أن المراد بكرة من البكر (الوجه الثانى) أنها منصوبة
على المصدر من باب ضربته سوطاً ضرباً فإن المنصوب فى ضربته ضرباً على المصدر ، وقد يكون غير
المصدر كما فى ضربته سوطاً ضرباً، لا يقال ضرباً سوطاً بين أحد أنواع الضرب، لأن الضرب قديكون
بسوط وقد يكون بغيره، وأما (بكرة) فلا يبين ذلك، لأنا نقول قدبينا أن بكرة بين ذلك، لأن الصبح
قد يكون بالإتيان وقت الإسفار، وقد يكون بالإتيان بالأبكار ، فإن قيل مثله يمكن أن يقال فى
٦٤
قوله تعالى: ولقد جاء آل فرعون. سورة القمر.
فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ (﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِّكْرِفَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ﴾ وَلَقَدْ جَاءَ
قَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾ كَذَّبُواْ بِهَايَئِنَا كُلِهَا فَأَخَذْنَنُهُمْ أَخْدَ عَنْ ◌ِ مُقْتَدٍِ
٤٢
( أسرى بعبده ليلا ) قلنا نعم، فإن قيل ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء، نقول هو كقول
القائل: ضربته شيئاً، فإن شيئاً لا بد منه فى كل ضرب، ويصح ذلك على أنه نصب على المصدر.
وفائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه ، وكأن القائل يقول. إنى لا أبين ما ضربته
به ، ولا أحتاج إلى بيانه لعدم تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل: بماذا ضربه يسوط أو بعصا،
فـ كذلك القول فى ( أسرى بعبده ليلا) يقطع سؤال السائل عن الإسراء، لأن الإسراء هو السير
أول الليل، والسرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك.
﴿ المسألة الثانية﴾ (مستقر) يحتمل وجوهاً (أحدها) عذاب لا مدفع له، أى يستقر عليهم
ويثبت ، ولا يقدر أحد على إزانته ورفعه. أو إحالته ودفعه ( ثانيها) دائم، فإنهم لما أهلكوا
نقلوا إلى الجحيم، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم ، فإن الموت يخلص من الألم الذى يجده
المضروب من الضرب والمحبوس من الحبس، وموتهم ما خلصهم ( ثالثها) عذاب مستقر عليهم
لا يتعدى غيرهم، أى هو أمر قد قدره الله عليهم وقرره فاستقر، وليس كما يقال إنه أمر أصابهم
إتفاقاً كالبرد الذى يضر زرع قوم دون قوم ، ويظن به أنه أمر اتفاقى ، وليس لو خرجوا من
أما كنهم لنجواكما نجا آل لوط ، بل كان ذلك يقبعهم ، لأنه كان أمراً قد استقر.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الضمير فى (صبحهم) عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير فى أعينهم فيعود
لفظاً إليهم للغرب ، ومعنى إلى الذين تماروا بالنذر ، أو الذين عاد إليهم الضمير فى قوله ( ولقد
أنذرهم بطشتنا ) .
ثم قال تعالى ﴿فذوقوا عذائى ونذر﴾ مرة أخرى.، لأن العذاب كان مرتين (أحدهما)
خاص بالمراودين، والآخر عام .
وقوله تعالى ﴿ولقد يسرنا القرآن الذكر فهل من مذكر﴾ قد فسر نادمراراً وبينا ما لأجله تكراراً
ثم قال تعالى ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر، كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ما الفائدة فى لفظ (آل فرعون) بدل قوم فرعون ؟ نقول القوم أعم
من الآل ، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره ، والآل كل من يؤول إلى
٦٥
قوله تعالى : فأخذناهم آخذ عزيز مقتدر. سورة القمر.
الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره ، فالبعيد الذى لا يعرفه الرئيس ولا يعرف
هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه، فليس هو بآله، إذا عرفت الفرق، نقول قوم الأنبياء الذين هم
غير موسى عليهم السلام ، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة ، وإنما كانوا
هم رؤساء وأتباعاً، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد ، أما على من هو
مثله فظاهر ، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخرة، فيصير كل
واحد برأسه، فكان الإرسال إليهم جميعاً، وأمافرعون فكان قاهراً يقهر الكل ، وجعلهم
بحيث لا يخالفونه فى قليل ولا كثير ، فأرسل الله إليه الرسول وحده، غير أنه كان عنده جماعة
من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم، وهامان لدهائه ، فاعتبرهم الله فى
الإرسال، حيث قال فى مواضع ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه) وقال تعالى
(بآياتنا إلى فرعون وهامان وقارون) وقال فى العنكبوت ( وقارون وفرعون وهامان ولقد
جاءهم موسى) لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال (ولقد
جاءآل فرعون النذر) وقال كثيراً مثل هذا كما فى قوله (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)، (وقال
رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) وقال بلفظ الملأ أيضاً كثيراً .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال (ولقد جاء) ولم يقل فى غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم، كما
جاء المرسلون أقوامهم، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائباً عن القوم فقدم عليهم، ولهذا قال تعالى
( فلما جاء آل لوط المرسلون) وقوله تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) حقيقة أيضاً لأنه
جاءهم من اللّه من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة.
﴿ المسألة الثالثة﴾ النذر إن كان المراد منها الإنذرات وهو الظاهر ، فالكلام الذى جاءهم على
لسان موسى ويده تلك ، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهرون عليهما السلام جاءه وكل
مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعدذلك ( كذبوابآياتنا)
من غير فاء تقتضى ترتب التكذيب على المجىء فيه وجهان (أحدهما ) أن الكلام تم عند قوله
(ولقد جاءآل فرعون النذر) وقوله ( كذبوا) كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم
من قوم نوح إلى آل فرعون (ثانيهما) أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم ، فكأنه قال: (فكيف
كان عذابى ونذر) وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة ، وعلى الوجه
الثانى المراد آياته التى كانت مع موسى عليه السلام وهى التسع فى قول أكثر المفسرين، ويحتمل أن
يقال المراد أنهم كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن فى كل شىء له آية تدل على أنه واحد.
وقوله تعالى (فأخذناهم ) إشارة إلى أنهم كانوا كالآ بقين أو إلى أنهم عاصون يقال أخذ الأمير فلاناً
إذا حبسه، وفى قوله (عزيز مقتدر) لطيفة وهى أن العزيز المرادمنه الغالب لكن العزيز قديكون [الذى]
يغلب على العدو ويظفر به وفى الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هارباً ولمنعته إن
الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٥
٦٦
قوله تعالى : اكفاركم خير من اولئكم. سورة القمر.
٤٣
أَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌمِنْ أَوْلَبِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبُرِ
كان محارباً، فقال أحذ غالب لم يكن عاجزاً وإنما كان مهلا .
ثم قال تعالى ﴿أ كفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة فى الزر﴾ تنبيهاً لهم لئلا أمنوا العذاب
فإنهم ايسرا بخير من أولئك الذين أهلكوا وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ الخطاب مع أهل مكة فينيفى أن يكون كفارهم بعضهم ، إلا لعال أتم حير
من أولئكم، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال ( أم لكم براءة) ولم يقل أم لهم كما يقول القائل
جاءنا الكرماء وأ كرمناهم، ولا يقول فأكرمنا كم؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن
المراد منه أكفاركم المستمرون على الكفر الذين لا يرجعون وذلك لأن جمعاً عظيما فى كان كافراً
من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك، والعذاب لا يقع إلا بعد العلم بأنه لم يبق من القوم
من يؤمن فقال: الذين يصرون منكم على الكفر باأهل مكة خير، أم الذين أصروا من قبل؟ فيصح
كون التهديد مع بعضهم، وأما قوله تعالى ( أم الكم براءة) ففيه وجهان (أحدهما) أم لكم لعمومكم
براءة فلا يخاف المصر منكم لكونه فى قوم لهم براءة (وثانيهما) أم لكم براءة إن أصررتم فيكون
الخطاب عاما والتهديد كذلك، فالشرط غير مذكور وهو الإصرار .
المسألة الثانية﴾ ما المراد بقوله خير ، وقول القائل خير يقتضى اشتراك أمرين فى صفة
محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر ولم يكن فيهم خير ولا صفة محمودة ؟ نقول : الجواب عنه
من وجره (أحدها ) منع اقتضاء الاشتراك يدل عليه قول حسان:
إليهجوه ولست له بكف.] فشركما لخيركما الفداء
مع اختصاص الخير بالنبى عليه السلام والشر بمن جاه وعدم اشترا كما فى شىء منهما (ثانيها)
أن ذلك عائد إلى مافى زعمهم أى. أيزعم كفاركم أنهم خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا وهم
كانوا يزعمون فى أنفسهم الخير، وكذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان ومكذبى الرسل وكانوا
يقولون إن الهلاك كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ( ثالثها) المراد :
أ كفاركم أشد قوة، فكأنه قال أكفاركم خير فى القوة؟ والقوة محمودة فى العرف (رابعها) أن كل
موجود ممكن ففيه صفات محمودة وأخرى غير محمودة فاذا نظرت إلى المحمودة فى الموضعين وقابلت
إحداهما بالأخرى ، استعمل فها لفظ الخير، وكذلك فى الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر؟
فاذا نظرت إلى كافرين وقلت أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر فى
الحسن والجمال، وإذا نظرت إلى مؤمنين وذيانك قلت أحد هما شر من الآخر، أى فى الأذنة لا الإيمان
فكذلك ههنا أكفاركم خير لأن النظر وقع على ما يصلح مخاصًلهم من العذاب، فهر كما يقال أكفازكم
فيهم شىء ما يخلصهم لم يكن فى غيرهم فهم خيرام لاشىء فيهم يخلصهم لكن الله بفضله منهم لا يخصال منهم.
٦٧
قوله تعالى : ام يقولون نحن جميع منتصر. سورة القمر.
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَميعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾
المسألة الثالثة﴾ أم لكم براءة إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص، وذلك لأن الخلاص
إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك، فإن كان بسبب أمر فيهم وذلك السبب لم يكر فى
غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيراً منهم وإن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل الله ومسامحته
إياهم وإيمانه إياهم من العذاب فقال لهم أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم لكن الله آمنكم
وأهلكهم وكل واحد منهما منتف فلا تأمنوا، وقوله تعالى (أم لكم براءة فى الزبر) إشارة إلى
لطيفة وهى أن العاقل لا يأمن إلا إذا حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من
القطع، فقال لكم براءة يوثق بها وتكون متكررة فى الكتب، فإن الحاصل فى بعض الكتب ربما
يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف والتبديل كما فى التوراة والإنجيل، فقال هل حصل
لكم براءة متكررة فى كتب تأمنون بسببها العذاب فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة
لم تحصل فى كتب ولا كتاب واحد ولاشبه كتاب، فيكون أمنهم من غاية الغفلة. وعند هذا تبين
فضل المؤمن، فإنه مع ما فى كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من الوعد
لا يأمن وإن بلغ درجة الأولياء والأنبياء، لما فى آيات الوعيد من احتمال التخصيص، وكون كل
واحد من يستثنى من الأمة ويخرج عنها فالمؤمن خائف والكافر آمن فى الدنيا ، وفى الآخرة
الأمر على العكس .
ثم قال تعالى ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾ تتميما لبيان أقسام الخلاص وحصره فيها،
وذلك لأن الخلاص إما أن يكون لاستحقاق من يخلص عن العذاب كما أن الملك إذا عذب جماعة
ورأى فيهم من أحسن إليه فلا يعذبه، وإما أن يكون لأمر فى المخلص كما إذا رأى فيهم منله ولد
صغير أو أم ضعيفة فيرحمه وإن لم يستحق ويكتب له الخلاص ، وإما أن لا يكون فيه ما يستحق
الخلاص بسببه ولا فى نفس المعذب مما يوجب الرحمة لكنه لا يقدر عليه بسبب كثرة أعوانه
وتعصب إخوانه، كما إذا هرب واحد من الملك والتجأ إلى عسكر يمنعون الملك عنه ، فكما نفى
القسمين الأولين كذلك نفى القسم الثالث وهو التمتع بالأعوان وتحزب الإخوان، وفيه مسائل :
{ المسألة الأولى﴾ فى حسن الترتيب وذلك لأن المستحق لذاته أقرب إلى الخلاص من
المردوم، فإن المستحق لم يوجد فيه سبب العذاب والمرحوم وجد فيه ذلك، ووجد المانع من.
العذاب، وما لاسبب له لا يتحقق أصلا، وماله مانع ربما لا يقوى المانع على دفع السبب، وما فى
نفس المعذب من المانع أقوى من الذى بسبب الغير ، لأن الذى من عنده يمنع الداعيه ولا يحقق
الفعل عند عدم الداعيه ، والذى من الغير بسبب التمتع لا يقطع قصده بل يجتهد وربما يغلب
فيكون تعذيبه أضعاف ما كان من قبل ، بخلاف من برق له قلبه وتمنعه الرحمة فإنها وإن لم تمنعه
٦٨
قوله تعالى : سيهزم الجمع ويولون الدبر. سورة القمر.
٤٥
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُونَ الَُّرَ (
٠٠درا
سيهزم
لكن لا يزيد فى حمله وحبسه وزيادته فى التعذيب عند القدرة، فهذا ترتيب فى غاية الحبس.
المسألة الثانية﴾ جميع فيه فائدتان إحداهما الكثرة والأخرى الاتفاق. كانه قال نحن كثير
متفقون فلنا الانتصار ولا يقوم غير هذه اللفظة مقامها من الألفاظ المفردة ، إنما قلنا إن فيه
فائدتين لأن الجمع يدل على الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع وبوزنه وهو فعيل بمعنى مفعول
على أنهم جمعوا جمعيتهم العصبية ، ويحتمل أن يقال معناه نحن الكل لا خارج عنا إشارة إلى أن
من اتبع النبى صلى الله عليه وسلم لا اعتداد به قال تعالى فى نوح ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)
( إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى) وعلى هذا جميع يكون التنوين فيه لقطع الإضافة كانهم قالوا
نحن جمع الناس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع؟ نقول على الوجه الأول
ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبراً فهو كقول القائل: أنتم جفس منتصر وهم عسكر
غالب والجميع كالجنس لفظه لفظ واحد، ومعناه جمع فيه الكثرة، وأما على الوجه الثانى فالجواب
عنه من وجهين (أحدهما) أن المعنى وإن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به، لكن
لما قطع ونون صار كالمنكر فى الأصل فاز وصفه بالمنكر نظراً إلى اللفظ فعاد إلى الوجه الأول
(وثانيهما) أنه خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة والآخرين نكرة، قال تعالى
(وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد) وعلى هذا فقوله (نحن جميع منتصر)
أفرده لمجاورته جميع، ويحتمل أن يقال معنى (نحن جميع منتصر) أن جميعاً بمعنى كل واحد كأنه
قال نحن كل واحد منا منتصر ، کما تقول هم جميعهم أقوبا. بمعنى أن كل واحد منهم قوی، وهم كلهم
علماء أى كل واحد عالم فترك الجمع واختار الإفراد لعود الخبر إلى كل واحد فإنهم كانوا يقولون.
كل واحد منا يغلب محمداً صل الله عليه وسلم كما قال أبى بن خلف الجمحى. وهذا فيه معنى لطيف
وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب، والله رد عليهم بأجمعهم بقوله:
﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيثويغلب كل وأحسد
منهم محمداً صلى الله عليه وسلم والله تعالى بين ضعفهم الظاهر الذى يعمهم جميعهم بقوله ( وبولون
الدبر) وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال (يولون الدبر) ولم يقل: يولون الأدبار. وقال فى.
موضع آخر ( يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) وقال (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون
الأدبار) وقال فى موضع آخر ( فلا تولوهم الأدبار) فكيف تصحيح الإفراد وما الفرق بين.
المواضع؟ نقول أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ذاك وفعل
الآخر. قالوا وفى الجمع تنوب مناب الوارات التی فی العطف ، وقوله ( یولون) بمثابة یول هذا
٦٩
قوله تعالى : بل الساعة موعدهم. سورة القمر.
٠٤/١/ ٤,٤٠
٤٦
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
الدبر ، وبول ذاك ويول الآخر أى كل واحد بولى دره ، وأما الفرق فنقول اقتضاء أو اخر
الآيات حسن الإفراد، فقوله (يولون الدر) إفراده إشارة إلى أنهم فى النولية كنفس واحدة، فلا
يتخف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا فى التولية كدبر واحد ، وأما فى قوله
(فلا قولوهم الأدبار ) أى كل واحد يوجد به ينغى أن يثبت ولا يولى دبره ، فليس المنهى هناك
قوليتهم بأجمعهم بل المنهى أن يولى واحد منهم دبره، فكل أحد منهى عن تولية دبره، جعل كل
واحد برأسه فى الخطاب ثم جمع الفعل بقوله (فلا تولوهم) ولا يتم إلا بقوله (الأدبار) وكذلك فى
قوله ( ولقد كانوا عاهدوا الله) أى كل واحد قال أنا أثبت ولا أولى دبرى، وأما فى قوله (ليولن
الأدبار ) فإن المراد المنافقون الذين وعدوا اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى (تحسبهم جميعاً
وقلوبهم شتى)، وأما فى هذا الموضع فهم كانوا يداً واحدة على من سواهم.
ثم قال تعالى ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر
على انهزامهم وإدبارهم بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم فى الدنيا من
الدبر ، ثم بين ما هو منه على طريقة الإصرار ، هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الانذار
بالساعة عام لكل من تقدم ، كأنه قال أهلكنا الذين كفروامن قبلك وأصروا وقوم محمد عليه السلام
ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام
المجازاة بالأليم الدائم . وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ما الحكمة فى كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل أحد؟
نقول الموعد الزمان الذى فيه الوعد والوعيد والمؤمن موعود بالخير ومأمور بالصبر فلا يقول هو
متى يكون، بل يفوض الأمرإلى الله، وأما الكافر فغير مصدق فيقول متى يكون العذاب؟ فيقال له
أصبر فإنه آت يوم القيامة، ولهذا كانوا يقولون (مجل لنا قطنا) وقال ( ويستعجلونك بالعذاب )
﴿ المسألة الثانية) أدهى من أى شىء ؟ نقول يحتمل وجهين (أحدهما) ما مضى من أنواع
عذاب الدنيا (ثانيهما ) أدهى الدواهى فلا داهية مثلها .
﴿المسألة الثالثة﴾ ما المراد من قوله (وأمر)؟ قلنا فيه وجهان (أحدهما) هو مبالغة من المر
وهو مناسب لقوله تعالى (فذوقوا عذابى) وقوله (ذوقوا مس سقر) وعلى هذا فأدهى أى أشد وأمر
أى آلم، والفرق بين الشديد والأليم أن الشديد يكون إشارة إلى أنه لا يطيقه أحد لقوته ولا يدفعه
أحد بقوته ، مثاله ضعيف ألقى فى ماء يغلبه أو نار لا يقدر على الخلاص منها ، وقوى ألقى فى بحرأو
نار عظيمة يستويان فى الألم والعذاب ويتساويان فى الإيلام لكن يفترقان فى الشدة فان نجاة الضعيف
من الماء الضعيف بإعانة معين ممكن، ونجاة القوى من البحر العظيم غير مكن (ثانيهما) أمر مبالغة
٧٠
قوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعر. سورة القمر.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَالٍ وَسُرٍ (®) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ
ذُوقُواْ مَسَّ سُقَرَ
٤٨
فى المار إذ هى أكثر مروراً بهم إشارة إلى الدوام، فكانه يقول أشد وأدوم، وهذا مختص بعذاب
الآخرة ، فان عذاب الدنيا إن اشتد قتل المعذب وزال فلا يدوم وإن دام بحيث لا يقتل فلا يكون
شديداً ( ثالثها) أنه المرير وهو من المرة التى هى الشدة. وعلى هذا فإما أن يكون الكلام كما يقول
الفائل فلان نحيف نحيل وقوى شديد، قيأتى بلفظين مترادفين إشارة إلى التأكيد وهو ضعيف، وإما
أن يكون أدهى مبالغة من الداهية التى هى اسم الفاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه، وهو أمر صعب
لأن الداهية صارت كالإسم الموضوع للشديد على وزن الباطية والسائبة التى لا تكون من أسماء
الفاعلين ، وإن كانت الداهية أصلها ذلك ، غير أنها استعملت استعمال الأسماء وكتبت فى أبوابها
وعلى هذا يكون معناه ألزم وأضيق، أى هى بحيث لا تدفع .
ثم قال تعالى ﴿ إن المجرمين فى ضلال وسعر﴾ وفى الآية مسائل:
﴿ الأولى ) فيمن نزلت الآية فى حقهم؟ أكثر المفسرين اتفقوا على انها نازلة فى القدريةروی
الواحدى فى تفسيره. قال سمعت الشيخ رضى الدين المؤيد الطوسى بنيسابور، قال سمعت عبد الجبار
قال أخبرنا الواحدى قال أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج قال أخبرنا أبو محمد عبدالله
الکمی ، قال حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبى داود ، حدثنا
سفيان الثورى عن زياد بن اسماعيل المخزومى عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبى هريرة قال جاء
مشركوا قريش بخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القدر، فأنزل الله تعالى (إن
المجرمين فى ضلال وسعر ) إلى قوله ( إنا كل شىء خلقناه بقدر ) وكذلك نقل عن النبي صلى الله عليه
وسلم أن هذه الآية نزلت فى القدرية. وروى عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال
((مجوس هذه الآمة القدرية)) وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى فى قوله (إن المجرمين فى ضلال
وسعر) وكثرت الأحاديث فى القدرية. وفيها مباحث (الأول) فى معنى القدرية الذين قال النبى
صلى الله عليه وسلم نزلت الآية فيهم ، فنقول كل فريق فى خلق الأعمال يذهب إلى أن القدرى
خصمه ، فالجبرى يقول القدرى من يقول الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره، فهم
قدرية لأنهم ينكرون القدر. والمعتزلى يقول، القدرى هو الجبرى الذى يقول حين يزنى ويسرق
الله قدرنی فهو قدری لإثباته القدر ، وهما جمیعاً یقولانلا هل السنة الذی یعترف بخلق الله و ایس
من العبد إنه قدرى، والحق أن القدرى الذى نزل فيه الآية هو الذى ينكر القدر و يقول بأن الحوادث
كلها حادثة بالكوا کب واتصالاتها ويدل عليه قوله جاء مشر کوا قریش یحاجون رسول الله صلى
٧١
قوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعر. سورة القمر.
الله عليه وسلم فى القدر فإن مذهبهم ذلك، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لى
سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنى من الطاعة والمعصية، واللّه قادر على أن يخلق فى الطاعة إجا.
والمعصية إلجاء، وقادر على أن يطعم الفقير الذى أطعمه أنا بفضل الله، والمشركون كانوا يقولون
( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام، وأما قوله صلى الله عليه
وسلم ((مجوس هذه الأمة هم القدرية)) فنقول المراد من هذه الأمة، إما الأمة التى كان محمد صلى الله
عليه وسلم مرسلا إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كامظ القوم، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان
المراد الأول فالقدرية فى زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث فلا يدخل فيهم
المعتزلة، وإن كان المراد هو الثانى فقوله (مجوس هذه الأمة)) يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة
كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة، والمجوس نوع منهم أضعف
شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية فى هذه الأمة تكون نوعاً منهم أضعف دليلا ولا يقتضى
ذلك الجزم بكونهم فى النار فالحق أن القدرى هو الذى ينكر قدرة الله تعالى، إن قلنا إن النسبة
للنفى أو الذى يثبت قدرة غير الله تعالى على الحوادت إن قلنا إن النسبة للاثبات وحينئذ يقطع.
بكونه ( فى ضلال وسعر ) وإنه ذائق مس لسقر.
﴿ البحث الثانى﴾ فى بيان من يدخل فى القدرية التى فى النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة
محمد صلى الله عليه وسلم، إن قلنا القدرية سموا هذا الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذى يقول لا قدرة
لله على تحريك العبد بحركة هى الصلاة وحركة هى الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم ،
وأما الذى يقول بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد كالوالد الذى يجرب الصبى فى
حمل شىء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء والامتحان، لا كالمفلوج الذى لا قوة له إذا قال لغيره
احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهراً وإن كان مخطئاً، وإن ولنا أن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم
القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب، والجبرى الذى قال هو الحائط الساقط الذى لا يجوز
تكليفه بشىء لصدور الفعل من غيره وهم أهل الإباحة ، فلا شك فى دخوله فى القدرية فإنه يكفر
بنفيه التكليف. وأما الذى يقول خلق الله تعالى فينا الأفعال وقد ها وكلنا، و(لا يسأل عما يفعل)
فماهو منهم .
﴿البحث الثالث﴾ اختلف القائلون فى التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم بالأشاعرة؟ فقالت
المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون الاثبات لا للنفى ، يقال الدهرى دهرى لقوله بالدهر ،
وإثباته، وللمباحى إباحى لإثباته الإباحة والتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين، هما النور والظلمة، وكذلك
أمثله وأنتم تثبتون القدر، وقالت الأشاعرة النصوص تدل على أن القدرى من ينفى قدرة الله
تعالى ومشركوا قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير الله، قالت المعتزلة إنما سمى
المشركون قدرية لأنهم قالوا إن كان قادرا على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء اللّه لهدانا ولوشاء
٧٢
قوله تعالى : يوم يسحبون. سورة القمر ..
لأطعم الفقير ، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء، وهذا .
مذهبكم أيها الأشاعرة ، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن
القدرية ، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلا إذا صار النافى نافياً للقدوة والمثبت منكراً للتكليف.
المسألة الثانية ﴾ المجرمون هم المشركون ههنا كما فى قوله تعالى (ولو ترى إذ المجرمون
ناكسوا رؤوسهم) وقوله ( يود المجرم لو يفتدى) وفى قوله (يعرف المجرمون بسيماهم) فالآية
عامة ، وإن نزلت فى قوم خاص. وجرمهم تكذيب الرسل والنذر بالإشراك وإنكار الحشر
وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإمانة، وعلى غيره من الحوادث.
﴿المسألة الثالثة﴾ (فى ضلال وسعر) يحتمل وجوهاً ثلاثة (أحدها) الجمع بين الأمرين فى
الدنيا أى م فى الدنيا فى ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون، وعلى هذا فقوله (يشحبون)
بيان حالهم فى تلك الصورة وهو أقرب (ثانيها) الجمع فى الآخرة أى م فى ضلال الآخرة وسفر
أيضاً . أما السعر فكونهم فيها ظاهر، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصداً
وهم متحيرون سبيلا، فإن قيل الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى (يوم يسحبون)
ظرف القول أى يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا، وسفبين ذلك فنقول (يوم يسحبون) يحتمل
أن يكون منصوباً بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور، والاحتمال الأول له وجهان (أحدهما)
العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسياً منسياً ( ثانيهما) العامل متأخر وهو
قوله (ذوقوا) تقديره: ذوة ا مس سقر يوم يحب المجرمون، والخطاب حينئذ مع من خوطب
بقوله (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة) (والاحتمال الثانى) أن المفهوم هو أن يقال لهم
يوم يسحبون ذوقوا ، وهذا هو المشهور، وقوله تعالى (ذوقوا) استعارة وفيه حكمة وهو أن
الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللان يدرك أيضاً حرارته وبرودته وخشونته
وملاسته، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضاً طعمه ولا يدكه غير اللسان، فإدراك اللسان
أتم، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته. فإذن
الذوق إدراك لمى أتم من غيره فى الملموسات فقال (ذوقوا) إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أثم.
الإدراكات فيجتمع فى العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه، ويكون المدرك له لا عذر له
يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم. وقد ذكرنا أن على قول.
الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر. وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع
غير من قيل فى حقهم ( إن المجرمين فى ضلال) فإنه يصير كأنه قال: ذوقوا أيها المكذبون بمحمد
صلى الله عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون فى النار.
٧٣
قوله تعالى : إنا كل شيء خلقناه بقدر. سورة القمر.
٤٩
إنّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ (
ثم قال تعالى ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ وفيه مسائل:
﴿ الأولى) المشهور أن قوله (إنا كل شىء) متعلق بما قبله كأنه قال ذوقوا فإنا كل شى.
خلقناه بقدر ، أى هو جزاء لمن أنكر ذلك، وهو كقوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم)
والظاهر أنه ابتداء كلام وتم الكلام عند قوله (ذوقوا مس سقر) ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف
(وما أمرنا إلا واحدة) يدا، على أن قوله (إنا كل شىء خلقناه بقدر) ليس آخر الكلام. وبدل
عليه قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) وقد ذكر فى الآية الأولى الخلق بقوله (إنا كل شىء خلقناه)
فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال ( وما أمرنا إلا واحدة) وأما ما ذكر من الجدل
فنقول النبى صلى الله عليه وسلم تمسك عليهم بقوله ( إن المجرمين فى ضلال) إلى قوله ( ذوقوا
مس سقر ) وتلاآية أخرى على قصد التلاوة ، ولم يقرأ الآية الآخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية
كما تقول فى الاستدلالات ( لا تأكلوا أموالكم) الاية (ولا تأكلواما لم يذكر اسم الله عليه)
الآية ( وإذا تدايتم ) الآية إلى غير ذلك.
المسألة الثانية ﴾ كل قرى. بالنصب وهو الأصح المشهور، وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه
بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله ( والقمر قدرناه) وقوله (والظالمين أعد لهم ) وذلك الفعل
هو خلقناه وقد فسره قوله ( خلقناه) كأنه قال : إنما خلفنا كل شىء بقدر ، وخلقناه على هذا لا يكون
صفة لشىء كما فى قوله تعالى ( ومن كل شىء خلقنا زوجين) غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة
كونه خالياً عن ضمير عائد إلى الموصوف، وههنا لم يوجد ذلك المانع ، وعلى هذا فالآية حجة
على المعتزلة لأن أفعالنا شىء فتكون داخلة فى كل شىء فتكون مخلوقة لله تعالى، ومن قرأ بالرفع
لم يمكنه أن يقول كما يقول فى قوله ( وأما نمود فهديناهم) حيث قرى. بالرفع لأن كل شىء نكرة
فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول كل شىء خلفناه فهو بقدر ، كقوله تعالى ( وكل شىء عنده بمقدار)
فى المعنى ، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية فى تفسيره وذكر أن المعتزلى يتمسك بقراءة الرفع
ويحتمل أن يقال القراءة الأولى وهو النصب له وجه آخر ، وهو أن يقال نصبه بفعل معلوم
لابمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا، كأنه قال إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، أو قدرنا كل شىء
خلقناه بقدر ، وإنما قلنا إنه معلوم لأن قوله (ذلكم الله ربكم خالق كل شىء) دل عليه، وقوله
( وكل شىء بمقدار ) دل على أنه قدر وحينئد لا يكون فى الآية دلالة على بطلان قول المعتزلى
وإنما يدل على بطلان قوله (الله خالق كل شىء) وأما على القراءة الثانية وهى الرفع، فنقول جاز أن
يكون كل شىء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه ، وقوله
(كل شىء) نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله كل شىء عم الأشياء كلها بأسرها، فليس فيه
٧٤
قوله تعالى : إنا كل شيء خلقناه. سورة القمر.
المحذور الذى فى قولنا رجل قائم ، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة ، وقوله كل شىء يفيد ما يفيد زيد
خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة، ولهذا جرزوا ما أحد حير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن
قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم .
1
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما معنى القدر؟ قلنا فيه وجوه (أحدها ) المقدار كما قال تعالى ( وكل شىء
عنده بمقدار ) وعلى هذا فكل شىء مقدر فى ذاته وفى صفاته. أما المقدر فى الذات فالجسم وذلك
ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد، وأما الجوهر الفرد مالا قدار
له والقائم بالجوهر مالا مقدار له معنى الامتداد كالعلم والجه وغيرهما، فنقول ههنا مقادير لا بمعنى
الامتداد ، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة، ولولا أن حجماً يزداد به
الامتداد ، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه. وأما القائم : لجوهر فله نهاية وبداية، فقدار العلوم
الحادثة والقدر المخلوقة متناهية، وأما الصفة ولأن لكل شىء اندى. زماناً فله مقدار فى البقاء
الكون كل شىء حادثاً. فإن قيل الله تعالى وصف به، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده، نقول
المتكلم إذا كان موصوفاً بصفة أو مسمى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسماء بذلك الإسم أو الأشياء
الموصوفة بتلك الصفة، وأسند فعلا من أفعاله إليه يخرج هو عنه، كما يقول القائل: رأيت جميع
من فى هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمنى، ويقول ما فى البيت أحد إلا وضربنى أو ضربته يخرج هو
عنه لالعدم كونه مقتضى الاسم، بل بما فى التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك
قوله ( خلقناه) و ( خالق كل شىء) يخرج عنه لا بطريق التخصيص، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا
إن التركيب وضعى، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ( ثانيها ) القدر التقدير،
قال الله تعالى (فقدرنا فنعم القادرون ) وقال الشاعر:
وقد قدر الرحمن ما هو قادر
أى قدر ماهو مقدر، وعلى هذا فالمعنى أن اللّه تعالى لم يخلق شيئاً من غير تقدير، كما يرمى الرامى
السهم فيقع فى موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته
والاختلاف للفوابل، فالذي جاء قصيراً أو صغيراً فلاستعداد مادته؛ والذى جاء طويلا أو كبيراً
فلاستعداد آخر ، فقال تعالى ( كل شىء خلفناه بقدر ) منا فالصغير جاز أن يكون كبيراً، والكبير
جاز خلقه صغيراً (ثالثها) (بقدر) هو ما يقال مع القضاء، يقال بقضاء الله وقدره، وقالت الفلاسفة
فى القدر الذى مع القضاء: إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر، فيقولون خلق النار حارة بقضاء
وهو مقضى به لأنها ينبغى أن تكون كذلك، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن مجموز
أو وقعت فى قصب صعلوك تخرقه، فهو (بقدر) لا بقضاء، وهو كلام فاسد، بل الفضاء ما فى العلم
والقدر ما فى الإرادة فقوله ( كل شيء خلقناه بقدر) أى بقدره مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه
موجب، رداً على المشركين .
٧٥
قوله تعالى : وما أمرنا إلا واحدة. سورة القمر.
وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَيْجِ بِالْبَصَرِ
٥٠
ثم قال تعالى ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾
أى إلا كلمة واحدة، وهو قوله له (كن) هذا هو المشهور الظاهر، وعلى هذا فالله إذا أراد
شيئاً قال له ( كن) فهناك شيئان: الإرادة والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله (واحدة)
يحتمل أمر بن (أحدهما) بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر (ثانيهما) بيان عدم
اختلاف الحال، فأمره عند خلق العرش العظيم كاره عند خلق النمل الصغير ، فأمره عند الكل
واحدوقوله ( كلمح بالبصر) تشبيه الكون لا تشبيه الأمر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذن المأمور
كائن كلمح بالبصر، لأنه لو كانراجعاً إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به ، فإن كلمة (كن)
شىء أيضاً يوجد ( كلمح بالبصر) هذا هو التفسير الظاهر المشهور ، وفيه وجه ظاهر ذهب إليه
الحكماء، وهى أن مقدورات اللّه تعالى هى الممكنات يوجدها بقدرته ، وفى عدمهاخلاف لا يليق بيانه
بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره ، ثم إن الممكنات التى يوجدها الله تعالى قسمان (أحدهما)
أمور لها أجزاء ملتئمة عند النشاءها يتم وجودها ، كالإنسان والحيوان والأجسام النباتية والمعدنية .
وكذلك الأركان الأربعة، والسموات، وسائر الأجسام . وسائر ما يقوم بالأجسام من
الأعراض ، فهى كلها مقدرة له وحوادث، فإن أجزاءها توجد أولا، ثم يوجد فيها التركيب
والالتئام بعينها ، ففيها تقديرات نظراً إلى الأجزاء والتركيب والأعراض (وثانيهما) أمور ليس
لها أجزاء ومفاصل ومقادير امتدادية، وهى الأرواح الشريفة المنورة للأجسام ، وقد أثبتها جميع
الفلاسفة إلا قليلا منهم ، ووافقهم جمع من المتكلمين ، وقطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب
الرياضات وأرباب المجاهدات ، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولا أجزاء ، وثانياً
تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام والأعراض القائمة بها ، إذا عرفت هذا قالوا . الأجسام
خلقية قدرية ، والأرواح إبداعية أمرية، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر)
فالخلق فى الأجسام والأمر فى الأرواح ثم قالوا لا ينبغى أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف
الأخبار فإنه صلى الله عليه وسلم قال أول ما خلق الله العقل، وروى عنه عليه السلام أنه قال تدخاق الله
الأرواح قبل الأجسام بألفى عام)) وقال تعالى (الله خالق كل شىء) فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح
والعقل لأن إطلاق الخلق على ما يطلق عليه الامر جائز، وإن العالم بالكلية حادث وإطلاق الخلق
بمعنى الإحداث جائز ، وإن كان فى حقيقة الخلق تقدير فى أصل اللغة ولا كذلك فى الأحداث،
ولولا الفرق بين العبارتين وإلا لاستقبح الفلسفى من أن يقول المخلوق قديم كما يستقبح من أن
المحدث قديم، فإذن قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح بمعنى أحدثها بأمره ، وفى هذا
الإطلاق فائدة عظيمة وهى أنه صلى الله عليه وسلم لو غير العبارة وقال فى الأرواح أنها موجودة.
٧٦
قوله تعالى: وما أمرنا إلا واحدة . سورة القمر.
بالأمر والأجسام بالخلق لظن الذى لم يرزقه الله العلم الكثير أن الروح ليست بمخلوقة بمعنى ليست
بمحدثة فكان يضل والنبى صلى الله عليه وسلم بعث رحمة، وقالوا إذا نظرت إلى قوله تعالى (ويسألونك
عن الروح قل الروح من أمر ربى) وإلى قوله تعالى (خلق السموات والأرض في ستة أيام) وإلى ...
قوله تعالى ( خلقنا النطفة علقة خلفا العلقة ، صغة خلقنا المضغة عظاما) تجد التفاوت بين الأمر
والخلق والأرواح والأشباح حيث جعل لخلق بعض الأجسام زماناً متداً هو ستة أيام وجعل
لبعضها تراخياً وترتيباً بقوله ( ثم خلفنا) وبقوله (غلقنا) ولم يجعل الروح ذلك ، ثم قالوا ينبغى
أن لا يظن بقولنا هذا أن الأجسام لابد لها من زمان متد وأيام حتى يوجدها الله تعالى فيه، بل
الله مختار إن أراد خلق السموات والأرض والإنسان والدواب والشجر والنبات فى أسرع من
لمح البصر لخلقها كذلك، ولكن مع هذا لا تخرج عن كونها موجودات حصلت لها أجزاءووجود
أجزائها قبل وجود التركيب فيها ووجودها بعد وجود الأجزاء والتركيب فيها فهى ستة ثلاثة فى
ثلاثة كما يخلق الله الكسر والانكسار فى زمان واحد ولهما ترتيب عقلى. فالجسم إذن كيفها فرضت
خلقه ففيه تقدير وجودات كلها بإيجاد الله على الترتيب والروح لها وجود واحد بايجاد الله تعالى.
هذا قولهم. ولنذكر ما فى الخلق والأمر من الوجود المنقولة والمعقولة (أحدها) ماذكرنا أن الأمر
هو كلمة (كن) والخلق هو ما بالقدرة والإرادة (ثانيها) ماذكروا فى الأجسام أن منها الأرواح
( ثالثها) هو أن الله له قدرة بها الإيجاد وإرادة بها التخصيص، وذلك لأن المحدث له وجود
مختص بزمان وله مقدار معين فوجوده بالقدرة واختصاصه بالزمان بالإرادة فالذى بقدرته خاق
والذى بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان ويدل عليه المنقول والمعقول ، أما المنقول فقوله
تعالى (إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) جعل كن لتعلق الإرادة، واعلم أن المراد من
(كن) ليس هو الحرف والكلمة التى من الكاف والنون، لأن الحصول أسرع من كلمة كن إذا حملتها
على حقيقة اللفظ فان الكاف والنون لا يوجد من متكلم واحد إلا الترتيب ففى كن لفظ زمان
والكون بعد بدليل قوله تعالى (فيكون). بالفاء فإذن لو كان المراد بكن حقيقة الحرف والصوت
لكان الحصول بعده بزمان وليس كذلك، فإن قال قائل يمكن أن يوجد الحرفان معاً وليس كلام
اللّه تعالى كمكلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ. وأما المعقول
فلان الاختصاص بالزمان ليس لمعنى وعلة وإن كان بعض الناس ذهب إلى أن الخلق والإيجاد
لحكمة وقال بأن الله خلق الأرض لتكون مقر الناس أو مثل هذا من الحكم ولم يمكنه أن تقول
خلق الأرض فى الزمان المخصوص لتكون مقرأ لهم لأنه لو خلقها فى غير ذلك لكانت أيضاً مقر آلهم
فإذن التخصيص ليس لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر ولا يقال له لم
أمرت ولم فعلت ولا يعلم مقصود الآمر إلا منه (رابعها) هو أن الأشياء المخلوقة لا تنفك عن أو صاف.
ثلاثة أوعن وصفين متقابلين ، مثاله الجسم لابد له بعد خلقه أن يكون متحيزاً ولا بد له من أن يكون.
٧٧
قوله تعالى : كلمح البصر. سورة القمر.
سا كناً أو متحركا فإيجاده أولا يخلقه وما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى (إن ربكم الله الذى
خلق السموات والأرض في ستة أيام) إلى أن قال (مسخرات بأمره) فجعل مالها بعد خلقها من الحركة
والسكون وغيرهما بأمره. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ((أول ماخلق الله تعالى العقل فقال له
أقبل فأقبل ثم قال له أدس فأدبر ، حعز الخلق فى الحقيقة والامر فى الوصف، وكذلك قوله تعالى
(خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام) ثم قال (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج
إليه فى (، م كان مقداره) وقد ذكرنا تفسيره (خامسها ) مخلوقات الله تعالى على قسمين (أحدهما)
خلقه الله تعالى فى أسرع ما يكون كالعقل، غيره ( وثانيهما) حلقه بمهلة كالسموات والإنسان
والحيوان والنبات، فالمخلوق سريعاً أطلق عليه الأمر والمخلوق بمهلة أطلق عليه الخلق، وهذامثل
الوجه الثانى (سادسها) مافاله والدن الرازى فى تفسير قوله تعالى (فقال لها والأرض ائقيا
طوعاً أو كرهاً) وهو أن الخلق هو التقدير والإيجاد بعده بعدية ترتيبية لازمانية ففى علم الله تعالى
أن السموات تكون سبع سموات فى يومين تقديرية فهو قدر خلقه كما علم وهو إيجاد فالأول
خلق والثانى وهو الإيجاد أمر وأخذ هذا من المفهوم اللغوى قال الشاعر:
و بعض الناس يخلق ثم لا يفرى
أى يقدر ولا يقطع ولا يفصل كالخياط الذى يقدر أولا وقطع ثانياً وهو قريب إلى اللغة
لكنه بعيد الاستعمال فى القرآن، لأن الله تعالى حيث ذكر الخاق أراد الإيجاد منه قوله تعالى(ولئن
سألهم من حلق ) ومنه قوله تعالى ( أو لم ير الإنسان أنا خلفناه من قطعة) وليس المراد أنا قدرنا
أنه -يوجد منها إلى غير ذلك (سابعها ) الخلق هو الإيجاد ابتداء والأمر هو مابه الإعادة فإن الله
خلق الخلق أو لا مهلة ثم يوم القيامة يبعثهم فى أسرع من لحظة ، فيكون قوله ( وما أمرنا إلا
واحدة ) كقوله تعالى ( فإنما هى زجرة واحدة) وقوله ( صيحة واحدة)، (ونفخة واحدة)
وعلى هذا فقوله ( إنا كل شىء خلقناه بقدر ) إشارة إلى الوحدانية . وقوله تعالى (وما أمرنا إلا
واحدة) إلى الحشر فكأنه بين الأصل الأول والأصل الآخر بالآيات (ثامنها) الإيجاد خلق
والإعدام أمر، يعنى يقول الملائكة العلاظ الشداد أهلكوا وافعلوا فلا يعصون الله ما أمرهم
ولا يوقفون الامتثال على إعادة الأمر مرة أخرى فأمره مرة واحدة يعقبه العدم والهلاك .
﴿ وفيه لطيفة) وهى أن اللّه تعالى جعل الإيجاد الذى هو من الرحمة بيده، والإهلاك يسلط
عليه رسله وملائكته، وجعل الموت بيد ملك الموت ولم يجعل الحياة بيد ملك، وهذا مناسب لهذا
الموضع لأنه بين النعمة بقوله ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وبين قدرته على النقمة فقال ( وما
أمرنا إلا واحدة) . ( وإنا على ذهاب به لقادرون) وهو كقوله ( إذا جاء أمرنا وفار التنور)
عند العذاب، وقوله تعالى (فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً) وقوله تعالى ( فلما جاء أمرنا جعلنا
عاليها سافلها) وكما ذكر فى هذه الحكايات العذاب بلفظ الأمر وبين الإهلاك به كذلك ههنا
٧٨
قوله تعالى : ولقد اهلكنا اسياعكم. سورة القمر.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْبَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مَُّّكِرٍ (﴾ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُُّرِ
٥٢
٤٠٠٠٤
٥٣
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُّ
ولا سيما إذا نظرت إلى ما تقدم من الحكايات ووجدتها عين تلك الحكايات يقرى هذا القول
وكذلك قوله تعالى ( ولقد أُهلكنا أشياعكم فهل من مذكر) يدل على صحة هذا القول ( تأسعها)
فى معنى اللمح بالبصر وجهان (أحدهما) النظر بالعين يقال لمحته ببصرى كما يقال نظرت إليه بعينى
والباء حينئذ كما يذكر فى الآيات فيقال كتبت بالقلم، واختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع
حركة توجد فى الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة (أحدها) قرب المحرك
منها فإن المحرك العصبية ومندتها الدماغ والعين فى غاية القرب منه (ثانيها) صغر حجمها فإنها
لا تعصى على المحرك ولا تثقل عليه بخلاف العظام (ثالثها ) استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة
أسهل من دحرجة المربع والمثلث (رابعها) كونها فى رطوبة مخلوفة فى العضو الذى هو موضعها
وهذه الحكمة فى أن المرئيات فى غاية الكثرة بخلاف المأكولات والمسموعات والمقاصد التى
تقصد بالأرجل والمذوقات، فلولا سرعة حركة الآلة التى بها إدراك المبصرات لما وصل إلى الكل
إلا بعد طول زمان (وثانيهما) اللمح بالبصر معناه البرق يخطف بالبصر ويمر به سريعاً والباء حينئذ
للالصاق لا للاستعانة كقوله مررت به وذلك فى غاية السرعة، وقوله (بالبصر) فيه فائدة وهى
غاية السرعة فإنه لو قال كلمح البرق حين برق ويبتدى. حركته من مكان وينتهى إلى مكان آخر
فى أقل زمان يفرض لصح، لكن مع هذا فالقدر الذى مروره يكون بالبصر أقل من الذى يكون
من مبتداه إلى منتهاه، فقال (كلمح) لا كما قيل من المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذى يمر بالبصر
وهو غاية القلة ونهاية السرعة .
ثم قال تعالى ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم قهل من مذكر﴾ والأشياع الأشكال، وقد ذكرنا أن
هذا يدل على أن قوله ( وما أمرنا إلا واحدة) تمديد بالإهلاك والثانى ظاهر.
وقوله تعالى ﴿وكل شىء فعلوه فى الزبر﴾ إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم
بل الإهلاك هو العاجل والعذاب الآجل الذى هو معد لهم على ما فعلوه. مكتوب عليهم، والزبر
هى كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم ( كلا بل تكذبون بالدين، وإن عليكم لحافظين، كراماً
كاتبين) و (فعلوه) صفة شىء والنكرة توصف بالجمل .
وقوله تعالى ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ تعميم الحكم أى ليست الكتابة مقتصرة على
ما فعلوه بل ما فعله غيرهم أيضاً مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة، وقد ذكرنا فى
قوله تعالى ( لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر
٧٩
قوله تعالى : إن المتقين في جنات ونهر. سورة القمر.
٥٤
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَنَهَرٍ
إلا فى كتاب) أن فى قوله أكبر فائدة عظيمة وهى أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتيه فى غالب
الأمر لئلا ينسى فإذا جاء بالجملة العظيمة التى يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها ويشتغل بكتابة ما يخاف
نسيانه ، فلما قال (ولا أكبر من ذلك ) أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة
أى ليست كتابتنا مثل كتابتكم التى يكون المقصود منها الأمن من النسيان ، فكذلك نقول ههنا
وفى قوله تعالى ( مالهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وفى جميع هذه المواضع
قدم الصغيرة لأنها أليق بالثبت عند الكتابة فيبتدى. بها حفظاً عن النسيان فى عادة الخلق فأجرى
اللّه الذكر على عادتهم، وهذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا وإن كان نكرة يحسن الابتداء به
للعموم وعدم الإبهام .
ثم قال تعالى ﴿ إن المتقين فى جنات ونهر ) قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات فى سور منها
(الطور) وأما النهر ففيه قراءات فتح النون والهاء كمجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار.
وهذا هو الظاهر الأصح. وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ لا شك أن كان اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه ، وليس من اللذة
بالنهرأن يكون الإنسان فيه، بل لذته أن يكون فى الجنة عند النهر، فما معنى قوله تعالى(ونهر)؟ نقول
قد أجبنا عن هذا فى تفسير قوله تعالى ( إن المتقين في جنات وعيون ) فى سورة الذاريات ، وقلنا
المراد فى خلال العيون، وفيما بينها من المكان وكذلك فى جنات لأن الجنة هى الأشجار التى تستر
شعاع الشمس ، ولهذا قال تعالى (فى ظلال وعيون). وإذا كانت الجنة هى الأشجار الساترة فالإنسان
لا يكون فى الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها، فكذلك النهر، ونزيد ههنا (وجها آخر) وهو
أن المراد فى جنات وعند نهر الكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذى لا يحسن إطلاقه عند عدم
المجاورة كما قال :
((علفتها تبناً وما. بارداً))
وقالوا: تقلدت سيفاً ورمحاً، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن المجاورة التبن والسيف
حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت فى الثانى بما أتى به فى الأول من كلمة فى .
المسألة الثانية) وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفى كثير من المواضع كما فى قوله
تعالى (تجرى من تحتها الأنهار) إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه ؟ نقول أما على الجواب الأول
فنقول لما بين أن معنى فى نهر فى خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار، لعلمه بأن النهر
الواحد لا يكون له خلال. وأما فى قوله تعالى ( تجرى من تحتها الأنهار ) فلو لم يجمع الأنهار لجاز
أن يفهم أن فى الجنات كلها نهراً واحداً كما فى الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار فى جنات كثيرة
وأما على الثانى فنقول: الإنسان يكون فى جنات لأنا بينا أن الجمع فى جنات إشارة إلى سعتها وكثرة
٨٠
قوله تعالى : في جنات ونهر. سورة القمر.
أشجارها وتنوعها والتوحيد عند ما قال ( مثل الجنة) وقال (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة) لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها ، وإذا علمت هذا
فالإنسان فى الدنيا إذا كان فى بيت فى دار وتلك الدار فى محلة , وتلك المجلة فى مدينة، يقال إنه فى
بلدة كذا ، وأما القرب فإذا كان الإنسان فى الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء
يقال إنه جالس عند نهرين، فاذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر، لكن فى
دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند نهرين، والثالث منه أبعد
من النهرين، فهو فى الحقيقة ليس يكون فى زمان واحد عند أنهار والله تعالى يذكر أمر الآخرة
على ما نفهمه فى الدنيا، فقال عند نهر لما بينا أن قوله ( ونهر) وإن كان يقتضى فى نهر لكن ذلك
المجاورة كما فى: تقلدت سيفاً ورمحاً، وأما قوله (تجرى من تحتها الأنهار) حقيقته مفهومة عندنا
لأن الجنة الواحدة قد يجرى فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة وأربعة، فهذا ما فيه مع أن أواخر
الآيات يحسن فيها التوحيد دون الجمع، ويحتمل أن يقال ونهر التفكير للتعظيم. وفى الجنة نهروهو
أنظم الأنهر وأحسنها، وهو الذى من الكوثر، ومن عين الرضوان وكان الحصول عنده شرفاً
وغبطه وكل أحد يكون له مقعد عنده وسائر الأنهار تجرى فى الجنة ويراها أهلها ولا يرون القاعد
عندها فقال (فى جنات ونهر) أى ذلك النهر الذى عنده مقاعد المؤمنين، وفى قوله تعالى (إن الله
مبتليكم بنهر) لكونه غير معلوم لهم، وفى هذا وجه حسن أيضاً ولا يحتاج على الوجهين أن تقول نهر
فى معنى الجمع لكونه اسم جنس .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال ههنا ( فى نهر) وقال فى الذاريات (وعيون ) فما الفرق بينهما ؟ نقول
إنا إن قلنا فى نهر معناه فى خلال فالإنسان يمكن أن يكون فى الدنيا فى خلال عيون كثيرة تحيط
به إذا كان على وضع مرتفع من الأرض والعيون تنفجر منه وتجرى فتصير أنهاراً عند الامتداد
ولا يمكن أن يكون وفى خلال أنهار وإنما هى نهران فحسب، وأما إن قلنا أن المراد عندنهر فكذلك
وإن قلنا: رأى عظيم عليه . قاعد، فنقول يكون ذلك النهر ممتداً واصلا إلى كل واحد وله عنده مقعد
عيون كثيرة تابعة ، فالهر للتشريف والعيون للتفرج والتنزه مع أن النهر العظيم يجتمع مع العيون
الكثيرة فكان النهر مع وحدته يقوم مقام العيون مع كثرتها وهذا كاء مع النظر إلى أواخر الآيات
ههنا وهناك بحمن ذكر لفظ الواحد مهنا والجمع هناك.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرى. (فى جنات ونهر) على أنها جمع نهار إذ لاليل هناك وعلى هذا
فكلمة فى حقيقة فيه فقوله ( فى جنات ) ظرف مكان، وقوله ( ونهر ) أى وفى نهر إشارة إلى
ظرف زمان، وقرى ونهر بسكون الها، وضم النون على أنه جمع تهر كاسد فى جمع أسد نقله
الزمخشرى، ويحتمل أن يقال نهر بضم الهاء جمع نهر كثمر فى جمع ثمر .