Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازِى الشََّهُ بالتفسير الكبيرِ وَمَفَاتِح الغَيب للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلّا مِ خَيَا والدين عمر الشَّهِ بخطِ الرَّى نَفَعَ اللّه بالمسلمين ٠ ٦٠٤ هـ ٥٤٤ تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع : حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برايا فيكسي + ٣ قوله تعالى : ذلك مبلغهم من العلم. سورة النجم. الجزء السابع والعشرون بِسْـ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلُ بِمَنِ أُهْتَدَى ٣٠ ثم قال تعالى ﴿ ذلك مبلغهم من العلم﴾ ذلك فيه وجوه (الأول) أظهرها أنه عائد إلى الظن ، أى غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن ( وثانيها) إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم، أى ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ( ثالثها) (فأعرض عمن تولى) وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم ، والعلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم، وتكون الألف واللام التعريف، والعلم بالمعلوم هو ما فى القرآن، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلفاه بالقبول والشرح صدره فبلغ الغاية القصوى ، وبعضهم قله من حيث إنه معجزة، واتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى، وبعضهم توقف فيه كأبى طالب ، وذلك أدنى المراتب، وبعضهم رده وعابه، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم ، والآخرون وجب الإعراض عنهم ، وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه، وعليه سؤال وهو: أن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك (ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها) والمجنون الذى لا علم له، والصبى لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله ؟ نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم ، وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب، قال الزمخشرى : ذلك مبلغهم من العلم كلام معترض بين كلامين ، والمتصل قوله تعالى ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به ، يكون كأنه تعالى قال: أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم، ولا يوجد وراء ماظهر بنهم شىء , وكأن قوله (عمن تولى) إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل ، فإن الجهل كان بالتولى وإيثار العاجل. ثم ابتدأ وقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ وفى المناسبة وجوه (الأول) أنه تعالى لما قال النبى صلى الله عليه وسلم، أعرض وكان النبى محت اليوم شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما جس فى خاطره، أن فى الذكرى بعد منفعة، وربما ؤمن من الكافرين قوم آخرون من غير قتال فقال له (إن ربك هوأعلم بمن ضل عن سبيله) علم أنه يؤمن بمجرد الدعا. أحد من المكلفين، وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال فأعرض عن الجدال وأقبل على ٤ قوله تعالى : هو أعلم بمن ضل عن سبيله. سورة النجم. .. القتال، وعلى هذا فقوله ( بمن اهتدى) أى على فى الأزل، من ضل فى تقديره ومن اهتدى ، فلا يشتبه عليه الأمران ، ولا يأس فى الإعراض ويعد فى العرف مصلحة ( ثانيها) هو على معنى قوله تعالى ( وإنا أو إيا كم لعلى هدى أو فى ضلال مبين)، وقوله تعالى (الله يخكم بيننا) ووجهه أنهم كاوا يقولون نحن على الهدى وأنتم مبطلون وأقام النبي صَّ لي الحجة عليهم فلم ينفعهم، فقال تعالى أعرض عنهم وأجرك وقع على الله، فإنه يعلم أنكم مهتدون، ويعلم أنهم ضالون، والمتناظران إذا تناظرا عند ملك قادر مقصودهم ظهور الأمر عند الملك فإن اعترف الخصم بالحق فذاك، وإلا فغرض المصيب يظهر عند الملك. فقال تعالى جادات وأحسنت والله أعلم بالمحق من المبطل (ثالثها) أب تعالى لما أمر نبيه بالإعراض وكان قد صدر منهم إيذاء عظيم وكان النبى مؤتم يتحمله رجاء أن يؤمنوا، فنسخ جميع ذلك فذا لم يؤمنوا فكأنه قال سعي وتحملى لإبذاتهم وقع هباء، فقال الله تعالى إن الله يعلم حال المضلين والمهتدين (لله مافى السموات والأرض ليجزى الذين أساؤا بمنا عملوا ويجزى الذين أحسنوا) من المهتدين. وفيه مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ (هو) يسمى عماداً وفصلا، ولو قال إن ربك أعلم لتم الكلام ، غير أن عند خلو الكلام عن هذا العماد ربما يتوقف السامع على سماع ما بعده، ليعلم أن (أعلم) خبر (ربك) أو هو مع شىء آخر خبر ، مثاله لو قال إن زيداً أعلم منه عمرو يكون خبر زيد الجملة التى بعده ، فإن قال (هو أعلم ) أنتفى ذلك النوم . ﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم يقتضى مفضلا عليه. يقال زيد أعلم من عمرو والله أعلم من ؟ نقول أفعل يجىء كثيراً بمعنى عالم لا عالم مثله ، وحينئذ إن كان هناك عالم فذلك مفضل عليه وإن لم يكن ففى الحقيقة هو العالم لاغير، وفى كثير من المواضع أفعل فى صفات الله بذلك المعنى يقال اللهأ كبر وفى الحقيقة لا كبير مثله ولا أكبر إلا هو ، والذى يناسب هذا أنه ورد فى الدعوات يا أكرم الأكرمين كأنه قال لاأكرم مثلك، وفى الحقيقة لاأكرم إلا هو وهذا معنى قول من يقول (أعلم) بمعنى عالم بالمهتدى والضال، ويمكن أن يقال أعلم من كل عالم بفرض عالم غيره. ﴿ المسألة الثالثة ﴾ علمته وعلمت به مستعملان ، قال الله تعالى فى الأنعام ( هو أعلم من يضل عن سبيله) ثم ينبغى أن يكون المراد من المعلوم العلم إذا كان تعلقه بالمعلوم أقوى. إما لقوة العلم" وإما لظهور المعلوم وإما لتأكيد وجوب العلم به، وإما لكون الفعل له قوة ، أما قوة العلم فكما فى قوله تعالى ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه) وقال ( ألم يعلم بأن الله يرى) لما كان علم اللّه تعالى تاما شاملا علقه بالمفعول الذى هو حال من أحوال عبده الذى هو بمرأى منه من غير حرف ، ولما كان علم العبد ضعيفا حادثاً علقه بالمفعول الذى هو صفة من صفات الله تعالى الذى لا يحيط به علم البشر بالحرف أو لما كان كون الله رائياً لم يكن محسوساً به مشاهداً علق الفعل به بنفسه وبالآخر بالحرف، وأما ظهور المعلوم فكما قال تعالى ( أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق ..- ٥ قوله تعالى : هو أعلم بمن ضل عن سبيله. سورة النجم. لمن يشاء) وهو معلوم ظاهر وأما تأكيد وجوب العلم به كما فى قوله تعالى فاعلم ( أنه لا إله إلا الله) ويمكن أن يقال هو من قبيل الظاهر ، وكذلك قوله تعالى (واعلموا أنكم غير معجزى الله) وأما قوة الفعل فقال تعالى (علم أن أن تحصوه ) وقال تعالى ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى) لما كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف وقال تعالى (إن ربك هو أعلم بمن) كما كان المستعمل اسماً دالا على فعل ضعف عمله لتعلقه بالمفعول. المسألة الرابعة﴾ قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدى فى كثير من المواضع منها فى سورة الأنعام ومنها فى سورة (ن) ومنها فى السورة، لأن فى المواضع كلها المذكور نبيه صلى الله عليه وسلم والمعاندون، فذكرهم أو لا تهديداً لهم وتسلية لقلب نبيه عليه الصلاة والسلام. ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال فى موضع واحد من المواضع (هو أعلم من يضل عن سيله) وفى غيره قال (من ضل) فهل عندك فيه شىء ؟ قلت نعم، ونبين ذلك ببحث تقلى وآخر نقلى (أما العقلى) فهو أن العلم القديم يتعلق بالمعلوم على ماهو عليه، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس فى نهار أمس، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشىء أمس، ونحن لا نعلمه إلا فى يومناهذا بل ( لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض) ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين ( وأما النقلى) فهو أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضيًفلا تقول أنا ضارب زيداً أمس ، والواجب إن كنت تنصب أن تقول ضربت زيداً وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول ضارب زيد أمس أنا ويجوز أن يقال أنا غداً ضارب زيداً والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجددله فى [غير] الاستقبال، ولا تحقق له فى الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل ، وأما الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله. إذا ثبت هذا فنقول لما قال ضل كان الأمر ماضياً وعليه تعلق به وقت وجوده فعلم، وقوله أعلم بمعنى عالم فيصير كأنه قال عالم بمن عضل فلو ترك الباء لكان إعمالا للفاعل بمعنى الماضى ، ولما قال يضل كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم فى الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد، وهو تعلقه بكون الضلال قد وقع وحصل ولم يكن ذلك فى الأزل ، فإنه لا يقال إنه تعالى علم أن فلانا ضل فى الأزل ، وإنما الصحيح أن يقال علم فى الأزل ، فإنه سيضل، فيكون كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل، فلا يقال زيد أعلم مسألتنا من عمرو، وإنما الواحب أن يقال زيد أعلم بمسألتنا من عمرو، ولهذا قالت النحاة فى سورة الأنعام (إن ربك هو أعلم من يضل) يعلم من يضل وقالوا أعلم للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير متعد، فإن كان متعدياً يرد إلى لازم . وقولنا علم كأنه من باب علم بالضم وكذا فى التعجب إذا قلنا ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم . وأما أنا فقد أجبت عن هذا بأن قوله (أعلم من يضل) معناه عالم ، وقد قدمنا ما يجب أن يعتقد فى أوصاف الله فى أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال هو بمعنى عالم لاغير، فإن قيل فلم قال ههنا (بمن ضل) وقال هناك (يضل)؟ قلنا لأن ٦ قوله تعالى : ولله ما في السموات وما في الأرض. سورة النجم. وَلِلَّ مَا فِ السَّمَنَوَاتِ وَمَا فِ اْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَتْعُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى أُ ههنا حصل الضلال فى الماضى وتأكد حيث حصل يأس الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر بالإعراض ، وأما هناك فقال تعالى من قبل ( وإن قطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيله ) . ثم قال تعالى ﴿إن ربك هو أعلم من يضل﴾ بمعنى إن ضللت يعلمك الله فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضى . المسألة السادسة﴾ قال فى الضلال عن سبيله ولم يقل فى الاهتداء إلى سبيله، لأن الضلال عن السبيل هو الضلال وهو كاف فى الضلال. لأن الضلال لا يكون إلا فى السبيل، وأما بعد الوصول فلا ضلال أو لأن من ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلا أو [لم] يسلك وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه ، ويصحح هذا أن من ضل فى غير سبيله فهو ضال ومن اهتدى إليها لا يكون مهتدياً إلا إذا اهتدى إلى كل مسألة يضر الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقينى هو الاهتداء المطلق فقال (بمن اهتدى) وقال (بالمهتدين). ثم قال تعالى ﴿ولله مافي السموات وما فى الأرض ليجزى الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول: إن ربك هو أعلم من الغنى القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال (ولله مافى السموات ومافى الأرض) وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزمخشرى ما يدل على أنه يعتقد أن اللام فى قوله ( لیجری) كاللام فى قوله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) وهو جرى فى ذلك على مذهبه فقال ( ولله ما فى السموات وما في الأرض) معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال ، وقال الواحدى: اللام للعاقبة. كما فى قوله تعالى (ليكون لهم عدواً) أى أخذوه وغاقبته أنه يكون لهم عدواً، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان فى المعنى، لأن الغرض نهاية الفعل، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر ، يقال سرت حتى أدخلها ولكى أدخلها ، فلام العاقبة هى التى تستعمل فى موضع حتى للغاية ، ويمكن أن يقال هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال إن قوله (ليجزى) متعلق بقوله ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق مافى السموات ، تقديره كأنه قال هو أعلم بمن ضل واهتدى (ليجزى) أن من ضل واهتدى يجزى الجزاء والله أعلم به ، فيصير قوله ( ولله ما فى ٧ قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم. سورة النَّجم. الَّذِينَ يَجْتَغِبُونَ كَبَيْرَ آلْإِنْحِ وَالْفَوَِّشَ إِلَّ الَّمَمَّ السموات وما فى الأرض) كلاماً معترضاً ، ويحتمل أن يقال هو متعلق بقوله تعالى (فأعرض) أى أعرض عنهم ليقع الجزاء، كما يقول المريد فعلا لمن يمنعه منه زرنى لأفعله، وذلك لأن مادام النبى صلى الله عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس، وقوله تعالى (ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى ) حينئذ يكون مذكوراً ليعلم أن العذاب الذى عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذى قال تعالى فيه (واتقوا فتنة لا نصيين الذين ظلموا منكم خاصة) بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم لهم الحسنى ، وقوله تعالى فى حق المسيء ( بما عملوا) وفى حق المحسن (بالحسنى) فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال لا يعذب إلا عن ذنب، وأما فى الحسنى فلم يقل بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون فى غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الجسنى هى المثوبة بالحسنى ، وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك، وهى أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوى، وقال فى أعمال المحسنين (الحسنى) إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين. والحمنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كمقوله تعالى (الأسماء الحسنى) وحينئذ هو كقوله تعالى (لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون) أى يأخذ أحسن أعمالهم ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحمن أوهى صفة المثوبة، كأنه قال: ويجزى الذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أى جزاؤهم حسن العاقبة وهذا جزاء حسب، وأما الزيادة التى هى الفضل بعد الفضل فغير داخلة فيه . ثم قال تعالى ﴿الذين يجتذبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللم ﴾ الذين يحتمل أن يكون بدلا عن الذين أحسنوا وهو الظاهر، وكأنه تعالى قال ليجزى الذين أسلموا ويجزى الذين أحسنوا، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع اللّه بإحسانه شيئاً وهو الذى لا يسى. ولا يرتكب القبيح الذى هو سيئة فى نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتذبوا ولهم الحسنى ، وبهذا يتبين المسيء والمحسن لأن من لا يجتذب كبائر الإثم يكون مسيئاً والذى يحتنها يكون محسناً ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتذب الآثام فالذى يأت بالنوافل يكون فوق المحسن، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذى فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يحتذبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذى يدل عليه قوله تعالى (إن ربك واسع المغفرة) وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسيء والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فهم شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى ، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده (هو أعلم بكم إذ أنشأ كم من الأرض وإذ أنتم أجنة) أى يعلم الحالة التى لا إحسان فيها ولا ٨٠ قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم. سورة النَّجم. إساءة، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ إذا كان بدلا عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضى والاستقبال حيث قال تعالى (الذين أحسنوا) وقال (الذين يجتذبون) ولم يقل اجتذبوا؟ نقول هو كما يقول القائل الذين سألونى أعطيتهم ، الذين يترددون إلى سائلين أى الذين عادتهم التردد والسؤال سألونى وأعطيتهم فكذلك ههنا قال (الذين يحتفون ) أى الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوامرة وقدموا عليها أخرى، فان قيل فى كثير من المواضع قال فى الكبائر (والذين يحتفبون كبار الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون) وقال فى عباد الطاغوت (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابو إلى اللّه) فما الفرق؟ نقول عبادة الطاغوت راجعة إلى الاعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهراً فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر، وأما مثل الشرب والرنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زماناً ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستيرا الكافر إذا أسلم، فقال فى الآثام (الذين يحتذيون) دائماً، ويثابرون على الفرك أبداً، وفى عبادة الأصنام (اجتذبوا) بصيغة الماضى ليكون أدل على الحصول، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغى أن يجتذب عن نوع ويجتنب عن آخر ويحتقب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال ، وعبادة الصنم أمر واحد متحد، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضى الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة . ﴿ المسألة الثانية﴾ الكبائر جمع كبيرة وهى صفة فما الموصوف؟ نقول هى صفة الفعلة كأنه يقول الفعلات الكبائر من الإثم ، فإن قيل فما بال اختصاص الكبيرة بالذنوب فى الاستعمال ، ولو قال قائل الفعلة الكبيرة الحسنة لا يمنعه مانع؟ نقول الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما يجب أن يوجد من العبد فى مقابلة نعم الله تعالى تكون فى غاية الصغر، ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذى أنعم الله عليه بأنواع النعم كبيرة، ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل والشرب والإعراض عن عبادته سيئة، ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها. المسألة الثالثة) إذا ذكر الكبار فما الفواحش بعدها؟ نقول الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة، والفواحش إشارة إلى مافيها من وصف القبح كأنه قال عظيمة المقادير قبيحة الصور ، والفاحش فى اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف فى التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها وقلت حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد، ويقال فشحت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل الفواحش من الاثم وقال فى الكبائر (كبار الإثم) لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود خلاف الفواحش. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ كثرت الأقاويل فى الكبائر والفواحش، فقيل الكبثر ما أوعد الله عليه بالنار ٠١ ٩ قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم. سورة النّجم. صريحاً وظاهراً، والفواحش ما أوجب عليه حداً فى الدنيا، وقيل الكبائر ما يكفر مستحله ، وقيل الكبائر مالا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة، وكل هذه التعريفات تعريف الشىء بما هو مثله فى الخفاء أو فوقة، وقد ذكرنا أن الكبار هى التى مقدارها عظيم، والفواحش هى التى قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار، والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية، كما يقال مثلا فى الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان الكيفية. وعلى هذا فنقول على ما قلنا إن الأصل فى كل معصية أن تكون كبيرة، لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة ، غير أن الله تعالى حط عن عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم، إما لعمومه فى العباد أو الكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح التى فيها شبهة، فان المجتذب عنها قليل فى جميع الأعصار، ولهذا قال أصحابنا إن استماع الغناء الذى مع الأوتار يفسق به ، وإن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة. إلى ماذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركا للتعظيم لا يكون مرتكباً للكبيرة، وعلى هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المنقى إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتكباً للكبيرة، والدلال والباعة والمتفرغ الذى لا شغل له لا يكون كذلك، وكذلك اللعب وقت الصلاة ، واللعب فى غير ذلك الوقت ، وعلى هذا كل ذنب كبيرة إلا ماعلم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر. ﴿ المسألة الخامسة﴾ فى اللعم وفيه أقوال: (أحدها) ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه (وثانيها) ما يأتى به المؤمن ويندم فى الحال وهو من اللم الذى هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)، ( ثالثها) اللم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولا من غير لبث طويل، ويقال ألم بالطعام إذا قلل من أكله ، وعلى هذا فقوله إلا اللم يحتمل وجوهاً: (أحدها) أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذفيه وجهان: (أحدهما ) استثناء منقطع لأن اللم ليس من الفواحش (وثانيهما) غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب اللّه تعالى وما يجب أن يكون عليه فهى كبيرة وفاحشة، ولهذا قال الله تعالى (وإذا فعلو فاحشة) غير أن اللّه تعالى استثنى منها أموراً يقال الفواحش كل معصية إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالفعو عنه ( ثانيها) إلا بمعنى غير وتقديره والفواحش غير اللم. وهذا الوصف إن كان للتمييز كما يقال : الرجال غير أولى الإربة فاللم عين الفاحشة ، وإن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاؤوبى لتأكيد وبيان فلا ( وثالثها) هو استثناء من الفعل الذى يدل عليه قوله تعالى (الذين يجتذبون ) لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربون فكأنه قال لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللهم. ١٠ قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة. سورة النجم. إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْأَنَّأْكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْأَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَهَبِكُمْ فَلَ يُزَكُواْ أَنفُسَكٌ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقَ ﴾ ثم قال تعالى ﴿إن ربك واسع المغفرة) وذلك على قولنا (الذين يحتفبون) ابتداء الكلام فى غاية الظهور ، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور، ويجب الكبائر كدلك ذنيه الصغير مغفور، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب ، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف، وهو أنه تعالى لما أخرج المسىء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها، بل ذلك بمشيئة الله تعالى، ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل، وما كان يضيق عنهم مغفرته، والمغفرة من الستر، وهو لا يكون إلا على قبيح، وكل من خلقه الله إذا نظرت فى فعله، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصراً مسيئاً، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر، وعظمته الواضحة مدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله. ثم قال تعالى ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأ كم من الأرض وإذا نتم أجنة فى بطون أمهاتكم ولانزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ وفى المناسبة وجوه (أحدها) هو تقرير لما مر من قوله (هو أعلم بمن ضل) كأن العامل من الكفار يقول: نحن تعمل أموراً فى جوف الليل المظلم، وفى البيت الخالى فكيف يعلمه الله تعالى؟ فقال: ليس عملكم أخفى من أحر الكم وأنتم أجنة فى بطون أمهاتكم .. والله عالم بتلك الأحوال ( ثانيها) هو إشارة إلى الضال والمهتدى حصلا على ما هما عليه بتقدير الله ، فإن الحق علم أحوالهم وهم فى بطون الأمهات، فكتب على البعض أنه ضال، والبعض أنه . هند ( ثالثها) تاكيد وبيان للجزاء، وذلك لأنه لما قال (ليجزى الذين أساءوا بما عملوا) قال الكافرون: هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء فى بدنه من غير اختلاط غير ممكن ، فقال تعالى (هو أعلم بكم إذ أنشأ كم ) فيجمعها بقدرته على وفق علبه كما أنشأكم ، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ العامل فى (إذ) يحتمل أن يكون ما يدل عليه (أعلم) أى علمكم وقت الإنشاء، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريراً لكونه عالماً. ويكون تقديره (هو أعلم بكم) وقد تم الكلام، ثم يقول: إن كنتم فى شك من علمه بكم فاذكرواحال إنشائكم من التراب . المسألة الثانية) ذكرنا مراراً أن قوله (من الأرض ) من الناس من قال آدم فإنه من تراب، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء، ثم يصير نطفة. المسألة الثالثة﴾ لو قال قائل: لابد من صرف (إذ أنشأكم من الأرض) إلى آدم، لأن ( وإذا نتم أجنة فى بطون أمهاتكم). عائد إلى غيره، فإنه لم يكن جنيناً، ولو قلت بأن قوله تعالى ١١ قوله تعالى : افرأيت الذي تولى. سورة النجم. أَفَرََّيْتَ الْذِى تَوَّ هِ وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَىّ (﴿ أَعِندَهُ، عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ ( إذأنشاكم) عائد إلى جميع الناس ، فينبغى أن يكون جميع الناس أجنة فى بطون الأمهات، وهو قول الفلاسفة ؟ نقول ليس كذلك، لأنا نقول الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، وقوله تعالى (هو أعلم بكم) خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة. المسألة الرابعة﴾ الأجنة هم الذين فى بطون الأمهات، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سقطاً، فما فائدة قوله تعالى (فى بطون أمهاتكم)؟ نقول التنبيه على كال العلم والقدرة، فإن بطن الأم فى غاية الظلمة ، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد . ﴿المسألة الخامسة) لقائل أن يقول: إذا قلنا إن قوله (هو أعلم بكم) تقرير لكونه عالماً بمن ضل، فقوله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم) تعلقه به ظاهر، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها، فكيف يتعلق به (فلا تزكوا أنفسكم)؟ نقول معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة، وعلى هذا قوله (أعلم بمن اتقى) أى يعلم أجزاءه فيعيدها إليه، ويثيه بما أقدم عليه . ﴿ المسألة السادسة﴾ الخطاب مع من؟ فيه ثلاثة احتمالات (الأول) مع الكفار ، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله، فرد عليهم قولهم (الثانى) كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار (الثالث ) هو مع المؤمنين ، وتقريره: هو أن الله تعالى لما قال ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا) قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد علم كونك ومن معك على الحق، وكون المشركين على الباطل ، فأعرض عنهم . ولا تقولوا نحن على الحق وأنتم على الضلال ، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك، وفرض الأمر إلى الله تعالى، فهوأعلم بمن اتقى ومن طفى، وعلى هذا فقول من قال (فأعرض) منسوخ أظهر، وهو كقوله تعالى ( وإنا أو إيا كم لعلى هدى أو فى ضلال مبين ) والله أعلم بجملة الأمور، ويحتمل أن يقال على هذا الوجه الثالث: إنه إرشاد للمؤمنين ، المخاطبهم الله وقال: هو أعلم بكم أيها المؤمنون، علم ما لكم من أول خلفكم إلى آخر يومكم، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء، ولا تقولوا الآخر: أنا خير منك. وأنا أزكى منك وأتقى، فإن الأمر عند اللّه، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة ، أى لا تقطعو بخلاصكم أيها المؤمنون ، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقى، وهذا وبد قول من يقول: أنا مؤمن إن شاء اللّه للصرف إلى العاقبة. ثم قال تعالى ﴿ أفرأيت الذى تولى، وأعطى قليلا وأكدى، أعنده علم الغيب ١٢ قوله تعالى : أفرأيت الذي تولى . سورة النجم برى فهو يرى ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال بعض المفسرين: نزلت الآية فى الوليد بن المغيرة جلس عند النبى . مَ له وسمع وعظه، وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً، فقال له رجل: لم تترك دين آبائك، ثم قال له لا تخف واعطى كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك، فأعطاه بعض ما التزمه، وتولى عن الوعظ وسماع الكلام من النبى صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: نزلت فى عثمان رضى الله عنه ؛ كان يعطى ماله عطاء كثيراً، فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبى سرح: يوشك أن يفنى مالك فأمسك ، فقال له عثمان: إن لى ذنوباً أرجو أن يغفر الله لى بسبب العطاء، فقال له أخوه: أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطى ناقتك مع كذا، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء، فنزلت الآية، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان رضى الله عنه يأبى ذلك، بل الحق أن يقال إن الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم من قبل: ، (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) وكان التولى من جملة أنواعه تولى المستغنى،. فإن العالم بالشىء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشىء، ويسعى فى تحصيل غيره، فقال (أفرأيت الذى تولى) عن استغناء، أعلم بالغيب؟. ﴿ المسألة الثانية﴾ الفاء تقتضى كلاماً يترتب هذا عليه، فماذا هو ؟ نقول هو ما تقدم من يان ● علم الله وقدرته، ووعده المسىء والمحسن بالجزاء وتقديره: هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لابد من وقوعه على الإساءة والإحسان، وأن المحسن هو الذى يجتذب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان . مستغنياً عن سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد: غاية الحاجة ، ونهاية الافتقار . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الذى على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم، وهو ذلك الرجل وهو؛ الوليد، والظاهر أنه عائد إلى مذكور. فإن الله تعالى قال من قبل (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا). وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعابدين فقال ( أفرأيت الذى تولى) . أى الذى سبق ذكره ، فإن قيل كان ينبغى أن يقول الذين تولوا ، لأن من فى قوله ( عمن تولى) للعموم؟ نقول العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى (من جاء بالحسنة فله) ولم يقل فلهم . المسألة الرابعة) قوله تعالى ( وأعطى قليلا) ما المراد منه؟ نقول على ما تقدم هو المقدار الذى أعطاه الوليد، وقوله (وأكدى) هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموماً لأن الإعطاء كان بغير حق. فالامتناع لا يذم عليه، وأيضاً فلا يبقى لقوله قليلا فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموماً، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف ١٣ قوله تعالى : ام لم ينبأ بما في صحف موسى. سورة النجم. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّىَ أَمْ لَمْ يُنَبَأْبِمَا فِى مُحُفٍ مُوسَى ﴾ أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر، فإنه لا يحصل به، وأما العرف «لأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد، وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع ، والذى يليق بما ذكرنا هو أن نقول، تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يعنى إعطاء ما وجب إعطاؤه فىمقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة، ويقع فى قوله تعالى (أعنده علم الغيب) فى مقابلة قوله تعالى (ذلك مبلغهم من العلم) أى لم يعلم الغيب وما فى الآخرة وقوله تعالى (أم لم ينبأ بما فى صحف موسى، وإبراهيم الذى وفى ، ألا تزر وازرة وزر أخرى) فى مقابلة قوله (هو أعلم بمن ضل) إلى قوله (ليجزى الذين أساؤا) لأن الكلامين جميعاً لبيان الجزاء، ويمكن أن يقال إن اللّه تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات اللّه شرع فى بيان أهل الكتاب ، وقال بعد ما رأيت حال المشرك الذى تولى عن ذكرنا، أفرأيت حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلا من الزمان حقوق الله تعالى، ولما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئاً لم يرد فى كتبهم ولم ينزل عليهم فى الصحف المتقدمة ، ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى بعمله، وقوله تعالى (أم لم ينبأ بما فى محف موسى وإبراهيم الذى وفى) يخبر أن المتولى المذكور من أهل الكتاب . المسألة الخامسة) أكدى قيل هو من بلغ الكدية وهى الأرض الصلبة لا تحفر، وحافر البتر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال أكدى الحافر، والأظهر أنه الرد والمنع يقال أكديته أى رددته وقوله تعالى (أعنده علم الغيب فهو يرى) قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولى وحاجته وبيان قبح التولى مع الجاجة إلى الإقبال وعلم الغيب ، أى العلم بالغيب ، أى علم ما هو غائب عن الخلق وقوله ( فهو يرى ) تتمة بيان وقت جواز التولى وهو حصول الرؤية وهو الوقت الذى لا ينفع الإيمان فيه ، وهناك لا يبقى وجوب متابعة أحد فيما رآه، لأن الهادى يهدى إلى الطريق فإذا رأى المهتدى مقصده بعينه لا ينفيه السماع، فقال تعالى هل علم الغيب بحيث رآه فلا يكون علمه علماً نظرياً بل علماً بصرياً فعصى فتولى وقوله تعالى (فهويرى) يحتمل أن يكون مفعول یری هو احتمال الواحد وزر الآخر کأنه قال فهو يرى أن وزره محمول ألم يسمع أن وزره غير محمول فه: عالم بالحمل وغافل عن عدم الحمل ليكون معذوراً، ويحتمل أن لا يكون له مفعول تقديره فهو يرى رأى نظر غير محتاج إلى هاد ونذير . وقوله تعالى ﴿ أم لم بنبأ بما فى صحف موسى وإبراهيم الذى وفى﴾ حال أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولى وهو الجهل المطلق فإن من علم الشىء علماً تاماً لا يؤمر بتعلمه، والذى جهله جهلا مطلقاً وهو الغافل على الإطلاق كالنائم أيضاً لا يؤمر فقال هذا المتولى هل علم الكل بجازله التولى ١٤ قوله تعالى : أم لم ينبأ بما في صحف موسى . سورة النجم . أولم يسمع شيئاً ما بلغه دعوة أصلا فيعذر، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو فى التولى غير معذور ، وفيه مسائل : المسألة الأولى ) قوله تعالى ( بما فى ) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها، فكأنه تعالى يقول أم لم ينبأ بالتوحيد والحشر وغير ذلك، وهذه أمور مذكورة فى صحفموسى، مثاله: يقول القائل لمن توضأً بغير الماء توضأً بماتوضأً به النبى مصر له وعلى هذا الكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبى ومؤلم بما فى صحف موسى ( ثانيهما) أن المراد بما فى الصحف مع كونه فيها ، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما فى القربة لا بما فى الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين نبئوا به المسألة الثانية﴾ صحف موسى وإبراهيم ، هل جمعها لكونها صحفاً كثيرة أو لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى (فقد صغت قلوبكما)؟ الظاهر أنها كثيرة، قال الله تعالى (وأخذ الألواح) وقال تعالى (وألقى الألواح) وكل لوح صحيفة. المسألة الثالثة﴾. ما المراد بالذى فيها ؟ نقول قوله تعالى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وما بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ويقول ( وأن إلى ربك المنتهى) ففيه وجوه (أحدها) هو ما ذكره بقوله (ألاتزر وازرة وزر أخرى) وهو الظاهر، وإنما احتمل غيره، لأن صحف موسى وإبراهيم ليس فيها هذا فقط ، وليس هذا معظم المقصود بخلاف قراءة الفتح، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ( ثانيها) هو أن الآخرة خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى (إن هذا لفى الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى) ( ثالثها) أصول الدين كلها مذكورة فى الكتب بأسرها ، ولم يخل الله كتاباً عنها، ولهذا قال لنبيه مولتر ( فيهداهم اقتده) وليس المراد فى الفروع، لأن فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قدم موسى ههنا ولم يقل كما قال فى (سبح اسم ربك الأعلى) فهل فيه فائدة ؟ نقول مثل هذا فى كلام الفصحاء لا يطلب له فائدة ، بل التقديم والتأخير سراء فى كلامهم .. فيصح أن يقتصر على هذا الجواب، ويمكن أن يقال إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وههنا المقصود بيان انتفاء الأعذار، فذكر هناك على ترتيب الوجود صيف إبراهيم قبل صحف موسى فى الإنزال، وأما ههنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم اليهود فقدم كتابهم ، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت كثيرة الوجود ، فكأنه قيل لهم أنظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق، وأرسل من قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود كثيرة الوجود قدمها ، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التى فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها . المسألة الخامسة﴾ كثيراً ما ذكر الله موسى فأخر ذكره عليه السلام. لأنه كان مبتلى فى ١٥ قوله تعالى : الا تذر وازره وزر اخرى. سورة النجم. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُنْرَى ( ٣٨ ) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى ٣٩ أكثر الأمر بمن حواليه وهم كانوا مشركين ومتهودين والمشركون كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم، وأما قوله تعالى (وفى) ففيه وجهان (أحدهما) أنه الوفاء الذى يذكر فى العهود، وعلى هذا فالتشديد للمبالغة يقال وفى ووفى كقطع وقطع وقتل وقتل، وهو ظاهر لأنه وفى بالنذر وأضجع ابنه الذبح، وورد فى حقه ( قد صدقت الرؤيا) وقال تعالى ( إن هذا لهو البلاء المبين)، (وثنيهما) أنه من الترفية التى من الوفاء وهو التمام والتوفية الإتمام يقال وفاه أى أعطاه تاماً، وعلى هذا فهو من قوله ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) وقيل وفى أى أعطى حقوق الله فى بدنه، وعلى هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه ( وأعطى قليلا وأكدى) مدح إبراهيم ولم يصف موسى عليه السلام، نقول أما بيان توفيته ففيه لطيفة وهى أنه لم يعهد عبداً إلا وفى به، وقال لأبيه ( سأستغفرلك ربى) فاستغفر ووفى بالعهد ولم يغفر الله له ، فعلم (أن ليس الانسان إلا ماسعى) وأن وزره لا تزره نفس أخرى، وأما مدح إبراهيم عليه السلام دلأنه كان متفقاً عليه بين اليهود والمشركين والمسلمين ولم ينكر أحد كونه وفياً، وموفياً، وربما كان المشركون يتوقفون فى وصف موسى عليه السلام ، ثم قال تعالى ﴿الا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقد تقدم تفسيره فى سورة الملائكة ، والذى يحسن بهذا الموضوع مسائل: ( الأولى) أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله (بما فى صحف موسى) هو ما بينه بقوله ( ألا نزر) فيكون هذا بدلا عن ما وتقديره: أم لم ينبأ بألا تزر. وذكرنا هناك وجهين (أحدهما) المراد أنه الآخرة خير وأبقى (وثانيهما) الأصول . المسألة الثانية﴾ (ألا تزر) أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال أنه لانزر وتخفيف الثقيلة لازم وغير لازم جائز وغير جائر، فاللازم عند ما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل، ولزم فيها التخفيف، لأنها مشبهة بالفعل فى اللفظ والمعنى ، والفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن شبه الفعل إلى صورة تكون حرفاً مختصاً بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه. ﴿ المسألة الثالثة) إن قال قائل الآية مذكورة لبيان أن وزر المسىء لا يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئاً ولو قال لاتحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ تقول ليس كما ظننت، وذلك لأن المراد من الوازرة هى التى يتوقع منها الوزر والحمل لا التى وزرت وحملت كما يقال شقانى الحمل ، وإن لم يكن عليه فى الحال حمل ، وإذا لم تزر تلك النفس التى يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر غيرها فتكون الفائدة كاملة . وقوله تعالى ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ماسعى﴾ تتمة بيان أحوال المكلف فإنه لما بين له ١٦ قوله تعالى : وان ليس للإنسان إلا ما سعى. سورة النجم . أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعاً ومن لم يعمل صالحاً لا ينال خيراً فيكمل بها ويصهر أن المسىء لا يجد بسبب حسنة الغير ثواباً ولا يتحمل عنه أحد عقاباً، وفيه أيضاً مسائل : ﴿ الأولى) (ليس للانسان) فيه وجهان (أحدهما) أنه عام وهو الحق وقيل عليه بأن فى الأخبار أن ما يأتى به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت والدعاء أيضاً نأفع فللانسان شىء لم يسع فيه، وأيضاً قال الله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وهى فوق ماسمى، الجواب عنه أن الإنسان إن لم يسع فى أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له صدقته فليس له إلا ما سعى ، وأما الزيادة فتقول: اللّه تعالى لما وعد المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجياً أن يؤتيه الله ما يتفضل به فقد سعى فى الأمثال، فإن قيل أنتم إذن حملتم السعى على المبادرة إلى الشىء، يقال: سعى فى كذا إذا أسرع إليه، والسعى فى قوله تعالى (إلا ماسعى) معناه العمل يقال سعى فلان أى عمل، ولو كان كما ذكر تم لقال إلا ماسعى فيه نقول على الوجهين جميعاً لا بد من زيادة فإن قوله تعالى ( ليس الانسان إلا ماسعى) ليس المراد منه أن له عين ماسعى ، بل المراد على ماذكرت ليس له إلا ثواب ماسعى، أو إلا أجر ماسعى، أو يقال بأن المراد أن ماسعى محفوظ له مصون عن الإحباط بإذن له فعله يوم القيامة ( الوجه الثانى ) أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف، وقيل بأن قوله ( ليس للانسان إلا ماسعى) كان فى شرع من تقدم ، ثم إن الله تعالى نسخه فى شرع محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للانسان ما سعى وما لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بأن الحق، وعلى ماذكر فقوله ( ما سعى) مقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره). المسألة الثانية) أن ما خبرية أو مصدرية ؟ نقول كونها مصدرية أظهر بدليل قوله تعالى ( وأن سعيه سوف يرى) أى سوف يرى المسعى، والمصدر للمفعول يجى. كثيراً يقال هذا خلق الله أى مخلوقه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل عمل، نقول المشهور أنها لكل عمل فالخير مثاب عليه والشر معاقب به والظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام فى قوله تعالى ( للانسان) فإن اللام لعود المنافع وعلى لعود المضار تقول هذا له. وهذا عليه، ويشهد له ويشهد عليه فى المنافع والمضار، وللفائل الأول أن يقول بأن الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل بجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع الذكور، وأيضاً يدل عليه قوله تعالى(ثم يجزيهاجزاء الأوفى) والأوفى لا يكون إلا فى مقابلة الحسنة، وأما فى السيئة فالمثل أو دونه العفو بالكلية. ﴿ المسألة الرابعة﴾ (إلا ما سعى) بصيغة الماضي دون المستقبل لزياد الحث على السعى فى العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال: ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس إلى أصلى غداً ١٧ قوله تعالى : وان سعيه سوف يرى. سورة النجم. وَأَنَّ سَعْيَهُ، سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَآءَ الْأُوْنَى ٤١ كذا ركعة وأنصدق بكذا درهما ، ثم يجعل مثبتاً فى صحيفتى الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه، فقال ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها. ثم قال تعالى ﴿وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزيه الجزاء الأوفى﴾ أى يعرض عليه ويكشف له من أريته الشىء، وفيه بشارة للمؤمنين على ما ذكرنا، وذلك أن الله يربه أعماله الصالحة ليفرح بها، أو يكون يرى ملائكته وسائر خلقه ليفتخر العامل به على ما هو المشهور وهو مذكور لفرح المسلم ولحزن الكافر ، فإن سعيه يرى للخلق، ويرى لنفسه. ويحتمل أن يقال هو من رأى يرى فيكون كقوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) وفيها وفى الآية التى بعدها مسائل: ﴿ الأولى ) العمل كيف ! ى بعد وجوده ومضيه؟ نقول فيه وجهان: (أحدهما) يراه على صورة جميلة إن كان العمل صالحاً (ثانيهما) هو على مذهبنا غير بعيد فان كل موجود يرى، والله قادر على إعادة كل معدوم فبعد الفعل يرى (١) وفيه (وجهثالث) وهو أن ذلك مجاز عن الثواب يقال سترى إحسانك عند الملك أى جزاءه عليه وهو بعيد لما قال بعده ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى). ﴿ المسألة الثانية﴾ الهاء ضمير السعى أى ثم يجزى الإنسان سعيه بالجزاء، والجزاء يتعدى إلى مفعولين قال تعالى ( وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً) ويقال: جزاك الله خيراً، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف يقال جزاه الله على عمله الخير الجنة، ويحذف الجار ويوصل الفعل فيقال: جزاه الله عمله الخير الجنة، هذا وجه، وفيه وجه آخر وهو أن الضمير للجزاء، وتقديره ثم يجزى جزاء ويكون قوله (الجزاء الأوفى) تفسيراً أو بدلا مثل قوله تعالى (وأسروا النجوى الذين ظلموا) فإن التقدير والذين ظلموا أسروا النجوى، الذين ظلموا، والجزاء الأوفى على ماذكرنا يليق بالمؤمنين الصالحين لأنه جزاء الصالح ، وإن قال تعالى (فإن جهنم جزاؤ كم جزاء موفوراً) وعلى ماقيل يجاب أن الأوفى بالنظر إليه فإن جهنم ضررها أكثر بكثير مع نفع الآثام فهى فى نفسها أو فى . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ثم لتراخى الجزاء أو لتراخى الكلام أى ثم نقول يجزاه فإن كان لتراخى الجزاء فكيف يوخر الجزاء عن الصالح، وقد ثبت أن الظاهر أن المراد منه الصالح؟ نقول الوجهان محتملان وجواب السؤال هو أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت لأن الله تعالى من أول زمان يموت الصالح يجزيه جزاء على خيره ويؤخر له الجزاء الأوفى ، وهى الجنة أو نقول الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى ( الذين أحسنوا الحسنى) وهى الجنة (وزيادة) وهى الرؤية فكأنه (١) ثبت علماً أن أعمال الانسان وغيره مثبتة كما هى على لوحات الأثير كالصورة الفوتوغرافية تماماً وكذلك الأصوات فانها تسجل. فى الموجات الأثيرية غير أنها تبتعد عنا تقدم الزمان وقد استطاع العلماء سماع تلك الأصوات بمكبرات صوتية . والراديو والتليفزيون أمثلة مصغرة لذلك وهذا من أدلة القدرة الباهرة ومن الأدلة على البعث والحساب ، فمحال أن يكون حفظها. عبئاً. الفخر الرازي - ج ٢٩ م ٢ ١٨ قوله تعالى : وان الى ربك المنتهى. سورة النجم. وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ٤٣ تعالى قال (وأن سعيه سوف يرى) ثم يرزق الرؤية ، وهذا الوجه يلق بتفسير اللفظ فإن الأوفى مطلق غير مبين فلم يقل أوفى من كذا ، فينبغى أن يكون أو فى من كل وأف ولا يتصف به غير رؤية الله تعالى. ( المسألة الرابعة ﴾ فی بیان اطائف فى الآيات (الأولى) قال فی حق المسىء(لاتزر وازرة وزر أخرى) وهو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوازرة وهذا لا يلزم منه بقاء الوزر عليها من ضرورة اللفظ ، لجواز أن يسقط عنهاً ويمحو الله ذلك الوزر فلا يقى عليها ولا يتحمل عنها غيرها ولو قال لانزر وازرة إلا وزر نفسها كان من ضرورة الاستثناء أنها نزر، وقال فى حق المحسن ليس للانسان إلا ما سعى، ولم يقل ليس له ما لم يسع لأن العبارة الثانية ليس فيها أن له ما شعى، وفى العبارة الأولى أن له ماسعى، نظراً إلى الاستثناء، وقال فى حق المسيء بعبارة لا تقطع وجاءه؛ وفى حق المحسن بعبارة تقطع خوفه، كل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب . ثم قال تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما، يعنى أن هذا أيضاً فى الصحف وهو الحق ، وقرى. بالكسر. على الاستئناف ، وفيه مسائل: ﴿ الأولى﴾ ما المراد من الآية؟ قلنا فيه وجهان: (أحدهما) وهو المشهور بيان المعاد أى للناس بين يدى الله وقوف، وعلى هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه تعالى لما قال ثم يجزاه كأن قائلا قال لاترى الجزاء، ومتى يكون، فقال إن المرجع إلى الله، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزى الكفور (وثانيهما) المراد التوحيد، وقد فسر الذكاء أكثر الآيات التى فيها الانتهاء والرجوع بما سنذكره غير أن فى بعضها تفسيرهم غير ظاهر، وفى هذا الموضع ظاهر، فتقول هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته، وذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بدأً من موجد ، ثم إن موجدها ربما يظن أنه يمكن آخر كالحرارة التى تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس والنار تمكنتان فم. جودهما؟ فإن استندتا إلى يمكن آخر لم يجد العقل بدأ من الانتها. إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فاليه يقتهى الأمر فالرب هو المنتهى، وهذا فى هذا. الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول، فإن المرءى عن أبي بن كعب أنه قال عن النبى ستر الله أنه قال ((وأن إلى ربك المنتهى، لافكرة فى الرب)) أى انتهى الأمر إلى واجب الوجود، وهو الذى لا يكون وجوده ؛وجد ومنه كل وجود, وقال أنس عن النبى توزيع أنه قال ((إذا ذكر الرب فظنتهوا)) وهو محتمل لما ذكرنا، وأما بعض الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعى والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى قيل (إليه يصعد الكلم الطيب) بهذا المعنى , هذا دليل الوجود، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود، لأنه لو لم يكن واجب ١٩ قوله تعالى : وانه هو اضحك وابكى. سورة النجم. ٤٣ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ( الوجود لما كان منتهى بل يكون له موجد ، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب ، وهذا المعنى واحد فى الحقيقة والعقل، لأنه لا بد من الانتهاء إلى هذا الواجب أو إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذاً وجوبه، فلو كان واجبان فى الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب فهو المنتهى وهذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار. ﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى ( إلى ربك المنتهى) فى المخاطب وجهان: (أحدهما) أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل ( ثانيهما) الخطاب مع النبى صلى الله عليه وسلم وفيه بيان صحة دينه فإن كل أحد كان يدعى رباًوإلهاً، لكنه صلى الله عليه وسلم لما قال ((ربى الذى هو أحد وصمد)) يحتاج إليه كل يمكن فإذاً ربك هو المنتهى، وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب ، وعلى هذا القول الكاف أحسن موقعاً، أما على قولنا إن الخطاب عام فهوتهديد بليغ للمسى. وحث شديد للحسن، لأن قوله أيها السامع كائناً من كان إلى ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال، وأما على قولنا الخطاب مع النبى صلى الله عليه وسلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول لا تحزن فإن المنتهى إلى اللّه فيكون كقوله تعالى (فلا يحزنك قولهم، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) إلى أن قال تعالى فى آخر السورة ( وإليه ترجعون) وأمثاله كثيرة فى القرآن . المسألة الثالثة﴾ اللام على الوجه الأول للعهد لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول أبداً إن مرجعكم إلى الله فقال (وأن إلى ربك المنتهى) الموعود المذكور فى القرآن وكلام النبى صلى اللّه عليه وسلم، وعلى الوجه الثانى للعموم أى إلى الرب كل منتهى وهو مبدأ، وعلى هذا الوجه نقول: منتهى الإدراكات المدركات ، فإن الإنسان أولا يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهى إلى الله فيقف عنده . ثم قال تعالى ﴿ وأنه هو أضحك وأبكى﴾ وفيه مسائل: ﴿ الأولى) على قولنا إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جمّنها قدرة الله تعالى، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول هو موجب لا قادر، فقال تعالى هو أو جذ ضدين الضحك والبكاء فى محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة فى مادة واحدة، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل، وعلى قولنا إن قوله تعالى (وأن إلى ربك المنتهى) بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون فى بعضها ضاحكا فرحاً وفى بعضها باكياً محزوناً كذلك يفعل به فى الآخرة . المسألة الثانية﴾ (أضحك وأبكى) لامفعول لهما فى هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول. يقول القائل فلان بيده الأخذ والعطاء يعطى ويمنع ولا يريد ممنوعاً ومعطى . ٢٠ قوله تعالى : وانه هو أمات واحيا. سورة النجم. ٤٥) ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْبَارِ﴾ المسألة الثالثة) اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدى فى اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً وسبباً، وإذا لم يعلل بأمر ولابد له من موجد فهو اللّه تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا فى الضحك أمراً له الضحك قالوا قوة التعجب وهو فى غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك ، وقيل قوة الفرح، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيراً ولا يضحك ، والحزين الذى عند غاية الحزن یضحكه المضحك ، و کذلك الأمر فى البكاء ، وإن قیل لأ کثرم علماً بالأمور التی يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا؟ لا يقدر على تعليل صحيح، وعند الخواص كالتى فى المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعى ، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذى لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته. ثم قال تعالى ﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ والبحث فيه كما فى الضحك والبكاء، غير أن الله تعالى فى الأول بين خاصة النوع الذى هو أخص من الجنس ، فإنه أظهر وعن التعليل أبعد ثم عطف عليه ما هو أعم منه ودونه فى البعد عن التعليل وهى الإمانة والإحياء وهما صفتان متضادتان أى الموت والحياة كالضحك والبكاء والموت على هذا ليس بمجرد العدم وإلا لكان الممتنعَ ميناً، وكيفا كان فالإماتة والإحياء أمر وجودى وهما من خواص الحيوان ، ويقول الطبيعى فى الحياة لاعتدال المزاج ، والمزاج من أركان متضادة هى النار والهواء والماء والتراب وهى متداعية إلى الانفكاك وما لا تركيب فيه من المتضادات لا موت له ، لأن المتضادات كل أحد يطلب مفارقة مجاوره ، فقال تعالى الذى خلق ومزج العناصر وحفظها مدة قادر على أن يحفظها أكثر من ذلك فإذا مات فليس عن ضرورة فهو بفعل فاعل مختار وهو اللّه تعالى (فهو الذى أمات وأحيا) فإن قيل متى أمات وأحيا حتى يعلم ذلك بل مشاهدة الإحياء والإماتة بناء على الحياة والموت ؟ نقول فيه وجوه (أحدها) أنه على التقديم والتأخير كأنه قال أحيا وأمات ( ثانيها) هو بمعنى المستقبل، فإن الأمر قريب يقال فلان وصل والليل دخل إذا قرب مكانه وزمانه ، فكذلك الإحياء والإمائة ( ثالثها) أمات أى خلق الموت والجمود فى العناصر، ثم ركبها وأحيا أى خلق الحس والحرکة فيها ثم قال تعالى ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾ وهو أيضاً من جملة المتضادات التى تتوارد على النطفة فبعضها يخلق ذكراً، وبعضها أنثى ولا يصل إليه فهم الطبيعى الذى يقول إنه من البرد والرطوبة فى الأنثى ، فرب امرأة أيبس مزاجاً من الرجل، وكيف وإذا نظرت فى المميزات