Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
قوله تعالى : فأخذناه وجوده. سورة الذاريات .
٠٠٠٠٠١٠١١٠١
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَذْتَلُهُمْ فِ آلْيِ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ وَفِ عَدٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
أَلِّحَ الْعَقِيمَ
أو يقرب منهم، والجن يقربون منه ويقصدونه إن كان هو لا يقصدهم ، فالساحر والمجنون كلاهما
أمره مع الجن، غير أن الساحر يأتيهم باختياره، والمجنون يأتونه من غير اختياره، فكأنه أراد
صيانة كلامه عن الكذب . فقال هو يسحر الجن أو يسحر، فإن كان ليس عنده منه خبر مولا
يقصد ذلك فالجن يأتونه .
ثم قال تعالى ﴿فأخذنا، وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مايم) وهو إشارة إلى بعض ماأتى به ،
كأنه يقول: واتخذ الأولياء فلم ينفعوه، وأخذه الله وأخذ أركانه وألقاهم جميعاً فى اليم وهو البحر،
والحكاية مشهورة ، وقوله تعالى (وهو مليم) نقول فيه شرف موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين،
أما شرفه فلأنه تعالى قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد قوله: إنى أريد هلاك أعدائك يا إله العالمين ،
فلم يكن له سبب إلا هذا، أما فرعون فقال (أنا ربكم الأعلى) فكان سببه تلك ، وهذا كما قال القائل:
فلان عيبه أنه سارق ، أو قاتل ، أو يعاشر الناس فيؤذيهم ، وفلان عيبه أنه مشغول بنفسه لا يعاشر ،
فتكون نسبة العيبين بعضهما إلى بعض سباً لمدح أحدهما وذم الآخر. وأما بشارة المؤمنين فهو
بسبب أن من التقمه الحوت وهو مايم نجاه الله تعالى بتسبيحه، ومن أهلكه الله بتعذيبه لم ينفعه إيمانه
حين قال ( آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل).
قوله تعالى: ﴿وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ وفيه ما ذكرنا من الوجوه التى ذكر ناها
فى عطف موسى عليه السلام ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) ذكر أن المقصود ههنا تسلية قلب النبى مؤلف ونذكيره بحال الآنياء ،
ولم يذكر فى عاد وثمود أنبياءهم ، كما ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، نقول فى ذكر الآيات
ست حكايات : حكاية إبراهيم عليه السلام وبشارته ، وحكاية قوم لوط ونجاة من كان فيها من
المؤمنين، وحكاية موسى عليه السلام، وفى هذه الحكايات الثلاث ذكر الرسل والمؤمنين، لأن
الناجين فيهم كانوا كثيرين ، أما فى حق إبراهيم وموسى عليهما السلام فظاهر ، وأما فى قوم لوط
فلأن الناجين ، وإن كانوا أهل بيت واحد، ولكن المهلكين كانوا أيضاً أهل بقعة واحدة .
وأما عاد وثمود وقوم نوح فكان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين أضعاف ما كان عدد
المهلكن بالنسبة إلى الناجين من قوم لوط عليه السلام .
فذكر الحكايات الثلاث الأول للتسلية بالنجاة ، وذكر الثلاث المتأخرة للتسلية بإهلاك العدو ،
والكل مذكور للتسلية بدليل قوله تعالى فى آخر هذه الآيات ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من
٢٢٢
قوله تعالى : ما تذر من شيء . سورة الذاريات .
٤٢
مَا تَذَرُ مِنْ شَىءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَأَلَّمِم
رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) إلى أن قال (فتول عنهم فما أنت بملوم: وذكر فإن الذكرى
تنفع المؤمنين ).
وفى هود قال بعد الحكايات ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك) إلى أن قال (وكذلك أخذ
ربك إذا أخد القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد) فذكر بعدها ما يؤكد التهديد، وذكر بعد
الحكايات ههنا ما يفيد التسلى، وقوله (العقيم) أى ليست من اللواقع لأنها كانت تنكسر وتقلع
فكيف كانت تلقح والفعيل لا يلحق به تاء التأنيث إذا كان بمعنى مفعول و كذلك إذا كان بمعنى فاعل
فى بعض الصور ، وقد ذكرنا سبيه أن فعيل لما جاء للمفعول والفاعل جميعاً ولم يتميز المفعول عن
الفاعل فأولى أن لا يتميز المؤنث عن المذكر فيه لأنه لو تميز لتميز الفاعل عن المفعول قبل تميرالمؤنث
والمذكر لأن الفاعل جزء من الكلام محتاج إليه فأول ما يحصل فى الفعل الفاعل ثم التذكير والتأنيث
يصير كالصفة للفاعل والمفعول ، تقول فاعل وفاعلة ومفعول ومفعولة ، ويدل على ذلك أيضاً
أن التمييز بين الفاعل والمفعول جعل بحرف ممازج الكلمة فقيل فاعل بألف فاصلة بين الفاء والعين
التى هى من أصل الكلمة، وقيل مفعول بواو فاصلة بين العين واللام والتأنيث كان بحرف فى آخر
الكلمة فالمميز فيهما غير نظم الكلمة لشدة الحاجة وفى التأنيث لم يؤثر، ولأن التمييز فى الفاعل
والمفعول كان بأمرين يختص كل واحد منهما بأحدهما فالألف بعدالفاء يختص بالفاعل والميم والواو
يختص بالمفعول والتمييز فى التذكير والتأنيث بحرف عند وجوده يميز المؤنث وعند عدمه يبقى اللفظ
على أصل التذكير فاذا لم يكن فعيل يمتاز فيه الفاعل عن المفعول إلا بأمر منفصل كذلك المؤنث
والمذكر لايمتاز أحدهما عن الآخر إلا بحرف غير متصل به .
قوله تعالى: ﴿ماتذر من شىء أنت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ وفيه مباحث:
﴿ الأول) فى إعرابه وفيه وجهان (أحدهما) نصب على أنه صفة الريح بعد صفة العقيم
ذكر الواحدى أنه وصف فإن قيل كيف يكون وصفاً والمعرفة لا توصف بالجمل وما تذر جملة ولا
يوصف بها إلا النكرات؟ نقول الجواب فيه من وجهين (أحدهما) أنه يكون بإعادة الريح تقديراً
كأنه يقول: وأرسلنا عليهم الريح العقيم ريحاً ماتذر (ثانيهما) هو أن المعرف نكرة لأن تلك
الريح منكرة كأنه يقول: وأرسلنا الريح التى لم تكن من الرياح التى تقع ولا وقع مثلها فهى لشدتها
منكرة، ولهذا أكثر ماذكرها فى القرآن ذكرها منكرة ووصفها بالجملة من جملتها قوله تعالى ( بل
هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم) وقوله (ريح صرصر عاتية سخرها) إلى غير ذلك (٠الوجه
الثانى) وهو الأصح أنه نصب على الحال تقول جاءفى مايفهم شيئاً فعلته وفهمته أى حاله كذا،
فإن قيل لم تكن حال الإرسال ما تذر والحال ينبغى أن يكون موجوداً مع ذى الحال وقت الفعل
٢٢٣
قوله تعالى : وفي ثمود اذ قيل لهم . سورة الذاريات .
وَفِى تَمُودَ إِذْقِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ خَتَّى حِينٍ (
فلا يجوز أن يقال جاءنى زيد أمس راكباً غداً ، والريح بعد ما أرست بزمان صارت ماتذر شيئاً
نقول المراد به البيان بالصلاحية أى أرسلناها وهى على قوة وصلاحية أن لا تذر ، نقول لمن جاء
وأقام عندك أياماً ثم سألك شيئاً، جثقنى سائلا أى قبل السؤال بالصلاحية والإمكان ، هذا إن قلنا
إنه نصب وهو المشهور، ويحتمل أنه رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هى ماتذر.
﴿البحث الثانى﴾ ماتذر للنفى حال التكلم يقال ما يخرج زيد أى الآن ، وإذا أردت المستقبل
تقول لايخرج أولن يخرج، وأما الماضى تقول ما خرج ولم يخرج ، والريح حالة الكلام مع النبى
صلى الله عليه وسلم كانت ما تركت شيئاً إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ الحالة ما تذر؟ نقول
الحكاية مقدرة على أنها محكية حال الوقوع ، ولهذا قال تعالى ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)
مع أن اسم الفاعل الماضى لا يعمل وإنما يعمل ما كان منه بمعنى الحال والاستقبال .
﴿ البحث الثالث ) هل فى قوله تعالى (ماتذر من شىء أتت عليه) مبالغة ودخول تخصیص كما
فى قوله تعالى (تدمر كل شىء بأمر ربها)؟ نقول هو كما وقع لأن قوله (أنت عليه) وصف لقوله (شىء)
كأنه قال كل شىء أتت عليه أو كل شىء تأتى عليه جعلته كالرميم ولا يدخل فيه السموات لأنها ما أنت
عليها وإنما يدخل فيه الأجسام التى تهب عليها الرياح ، فإن قيل فالجبال والصخور أتت عليها وما
جعلتها كالرفيم؟ نقول المراد أنت عليه قصداً وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم وذلك لأنها كانت مأمورة
بأمر من عند الله فكانها كانت قاصدة إياهم فما تركت شيئاً من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم مع
أن الصر الريح الباردة والمكرر لا ينفك عن المعنى الذى فى اللفظ من غير تكرير ، تقول حث
وحتحث وفيه مافى حث نقول فيه قولان (أحدهما) أنها كانت باردة فكانت فى أيام العجوز وهى
ثمانية أيام من آخر شباط وأول أذار ، والريح الباردة من شدة بردها تحرق الأشجار والثمار
وغيرهما وتسودهما (والثانى) أنها كانت حارة والصر هو الشديد لا البارد وبالشدة فسر قوله تعالى
( فى صرة ) أى فى شدة من الحر .
﴿ البحث الرابع) فى قوله تعالى (ماتذر من شىء أقت عليه إلا جعلته كالرميم) لأن فى قوله
تعالى (ماتذر) نفى الترك مع إثبات الإتيان فكأنه تعالى قال تأتى على أشياء وما تتركها غير محرقة
وقول القائل: ما أتى على شىء إلا جعله كذا يكون نفى الإتيان عما لم يجعله كذلك.
قوله تعالى ﴿وفی نمود) والبحث فيه وفى عاد هو ما تقدم فى قوله تعالى ( وفى موسى).
وقوله تعالى { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين) قال بعض المفسرين: المراد منه هو ما أمهلهم
انته ثلاثة أيام بعد قتلهم الناقة وكانت فى تلك الأيام تتغير ألوانهم فتصفر وجوههم وتسود، وهو
ضعيف لأن قوله تعالى (فعتوا عن أمر ربهم) بحرف الفاء دليل على أن العتوكان بعد قوله
٢٢٤
قوله تعالى : فعتوا عن أمر ربهم . -سورة الذاريات.
فَعَنَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِهِمْ فَأَخَلَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) أَمَا أَسْتَطَعُواْ مِنْ قِيَارِ
وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ
(تمتعوا) فإذن الظاهر أن المراد هو ماقدر الله للناس من الآجال، فما من أحد إلا وهو محمل مدة
الأجل يقول له تمتع إلى آخر أجلك فان أحسفت فقد حصل لك التمتّع فى الدارين. وإلا فمالك فى
الآخرة من نصيب .
وقوله ﴿فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون﴾ فيه بحث وهو أن عتا يستعمل
بعلى قال تعالى ( أيهم أشد على الرحمن عتياً) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعناء
حيث قال تعالى (عن أمرهم ربهم) كان كقوله (لا يستكبرون عن عبادته) وحيث قال على كان
كقول القائل . فلان يتكبير علينا، والصاعقة فيه وجهان ذكر ناهما هنا (أحدهما) أنها الواقعة
( والثانى) الصوت الشديد وقوله ( وهم ينظرون) إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم
قدرتهم على الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع،
وأما بمعنى أن العذاب أتاهم لاعلى غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام وانتظروه، ولو كان على
غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ العاجل المحتاج ، كما يقول المبارز الشجاع
أخبر تك بقصدى إياك فانتظرنى .
قوله تعالى: ﴿فما استطاعوا من قيام﴾يحتمل وجهين (أحدهما) أنه لبيان عجزهم عن الهرب
والفرار على سبيل المبالغة، فإن من لا يقدر على قيام كيف يمشى فضلا عن أن يهرب، وعلى هذا
فيه لطائف لفظية ( إحداها) قوله تعالى (فما استطاعوا) فإن الاستطاعة دون القدرة، لأن فى
الاستطاعة دلالة الطلب وهو يفىء عن عدم القدرة والاستقلال، فمن استطاع شيئاً كان دون من
يقدر عليه، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل إشار إلى قذرة مطلوبة من
الله تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى (هل يستطيع ربك) على قراءة من قرأ يالتا. وقوله
.(فما استطاعوا) أبلغ من قول القائل ما قدروا على قيام (ثانيها) قوله تعالى ( من قيام) بزيادة
من، وقد عرفت مافيه من التأكيد ( ثالثها) قوله (قيام ) بدل قوله هرب لما بينا أن العاجز عن
القيام أولى أن يعجز عن الهرب (الوجه الثانى) هو أن المراد من قيام القيام بالأمر، أى ما
استطاعوا من قيام به .
قوله تعالى: ﴿وما كانوا منتصرين﴾ أى ما استطاعوا الهزيمة والحرب، ومن لا يقدر عليه يقاتل
وينتصر بكل ما يمكنه لأنه يدفع عن الروح وم مع ذلك ما كانوا منتصرين، وقدّ عرف أن قول
القائل ماهو بمنتصر أبلغ من قوله ما انتصر ولا ينتصر والجواب ترك مع كونه يجب تقديره وقوله
٢٢٥
قوله تعالى : وقوم نوح من قبل . سورة الذاريات .
وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌ إِنْهُمْ كَانُوْقَوْمًا فَسِقِينَ (®) وَلَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْدٍ
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
( ما انتصر) أى لشىء من شأنه ذلك، كما تقول فلان لا ينصر أو فلان ليس ينصر.
قوله تعالى: ﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوماً فاسقين ) قرى. (قوم) بالجر والنصب فما
وجههما؟ نقول أما الجر فظاهر عطفاً على ما تقدم فى قوله تعالى وفى عاد وفى موسى ، تقول لك
فى فلان عبرة وفى فلان وفلان ، وأما النصب فعلى تقدير: وأهلكنا قوم نوح من قبل ، لأن
ما تقدم دل على الهلاك فهو عطف على المحل ، وعلى هذا فقوله (من قبل ) معناه ظاهر كأنه يقول
( وأهلكنا قوم نوح من قبل) وأما على الوجه الأول فتقديره: وفى قوم نوح لكم عبرة من قبل
نمود وعاد وغيرهم .
قوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) وهو بيان للوحدانية، وما تقدم كان
بياناً للحشر .
وأما قوله ههنا ( والسماء بنيناها بأيد) وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من دون الله ماخلقوا منها
شيئاً فلا يصح الإشتراك، ويمكن أن يقال هذا عود بعد التهديد إلى إقامة الدليل، وبناء السماء دليل
على القدرة على خلق الأجسام ثانياً، كما قال تعالى ( أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر
على أن يخلق مثلهم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ النصب على شريطة التفسير يختار فى مواضع، وإذا كان العطف على جملة
فعليه فما تلك الجملة ؟ نقول فى بعض الوجوه التى ذكرناها فى قوله تعالى (وفى عاد وثمود) تقديره
وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفاً على قوله ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم
المكرمين) وعلى هذا يكون ما تقدم جملة فعلية لاخفاء فيه، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور
النصب أقرب منه إلى الرفع فكان عطفاً على ما بالنصب أولى، ولأن قوله تعالى ( فنبذنام) وقوله
(أرسلنا) وقوله تعالى (فأخذتهم الصاعقة) و(فما استطاعوا) كلها فعليات قصار النصب مختاراً.
﴿ المسألة الثانية﴾ كرر ذكر البناء فى السموات، قال تعالى (والسماء وما بناها) وقال تعالى
(أم السماء بناها) وقال تعالى (جعل الأرض قراراً والسماء بناء) فما الحكمة فيه؟ نقول فيه وجوه
(أحدها) أن البناء باق إلى قيام القيامة لم يسقط منه شىء ولم يعدم منه جزء، وأما الأرض فهى
فى التبدل والتغير فهى كالفرش الذى يبسط ويطوى وينقل، والسماء كالبناء المبنى الثابت، وإليه
الإشارة بقوله تعالى ( سبعاً شداداً) وأما الأراضى فكم منها ماصار بحراً وعاد أرضاً من وقت
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ١٥
٢٢٦
قوله تعالى : والسماء بنيناها بأيد . سورة الذاريات .
حدوثها (ثانيها) أن السماء ترى كالقبة المبنية فوق الرءوس، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء
بالمرفوع أليق، كما قال تعالى (رفع سمكها) (ثالثها) قال بعض الحكماء: السماء مسكن الأرواح
والأرض موضع الأعمال والمسكن أليق بكونه بناء والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الأصل تقديم العامل على المعمول والفعل هو العامل فقوله (بنينا) عامل
فى السماء، فما الحكمة فى تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبنينا السماء بأيد، كان أوجز؟ نقول
الصانع قبل الصنع عند الناظر فى المعرفة، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع ، قدم الدليل فقال
والسماء المزينة التى لا تشكون فيها بنيناها فاعرفونا بها إن كنتم لا تعرفوننا .
المسألة الرابعة﴾ إذا كان المقصود إثبات التوحيد، فكيف قال ( بنيناها) ولم يقل بنيتها
أو بناها الله؟ نقول قوله (بنينا) أدل على عدم الشريك فى التصرف والاستبداد وقوله بنيتها يمكن أن
يكون فيه تشريك ، وتمام التقرير هو أن قوله تعالى ( بنيناها) لا يورث إيهاماً بأن الآلهة التى كانوا
يعبدونها هى التى يرجع إليها الضمير فى (بنيناها) لأن تلك إما أصنام منحوته وإما كوا كب اجعلوا
الأصنام على صورها وطبائها، فأما الأصنام المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء شيئاً ،
وأما الكوا كب فهى فى السماء محتاجة إليها فلا تكون هى بانيتها، وإنما يمكن أن يقال إنما
بنيت لها وجعلت أما كنها ، فلما لم يتوهم ماقالوا قال بنينا نحن ونحن غير ما يقولون ويدعونه فلا
يصلحون لنا شركا. لأن كل ماهو غير السماء ودون السماء فى المرتبة فلا يكون خالق السماء وبانيها.
بإذن علم أن المراد جمع التعظيم وأفاد النص عظمته، فالعظمة أنفى للشريك فثبت أن قوله ( بنيناها)
أداء على نفى الشريك من بنيتها وبناها الله .
فإن قيل : لم قلت إن الجمع يدل على التعظيم؟ قلنا الجواب من الوجهين (الأول) أن الكلام على
قدر فهم السامع، والسامع هو الإنسان، والإنسان يقيس الشاهد على الغائب ، فإن الكبير عندهم
من يفعل الشى جنده وخدمه ولا يباشر بنفسه، فيقول الملك فعلنا أى فعله عبادنا بأمرنا ويكون فى
ذلك تعظيم، فكذلك فى حق الغائب ( الوجه الآخر) هو أن القول إذا وقع من واحد وكان
الغير به راضياً يقول القائل فعلنا كلنا كذا وإذا اجتمع جمع على فعل لا يقع إلا بالبعض، كما إذا خرج
جم غفير وجمع كثير لقتل سبع وقتلوه يقال قتله أهل بلدة كذا لرضا الكل به وقصد الكل إليه ،
إدا عرفت هذا فالله تعالى كيف) أمر بفعل شی. لا يكون لأحد رده وکان کل واحد منقاداً له، يتمول
بدل فعلت فعلنا، ولهذا الملك العظيم أجمعنا بحيث لا ينكره أحد ولا يروده نفس، وقوله تعالى
(بأيد) أى قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسر قوله تعالى (ذا الأيد إنه أواب) يحتمل
أن يقال إن المراد جمع اليد، ودليله أنه قال تعالى (لما خلقت بيدي) وقال تعالى ( مما عملت أيدينا
أنعاماً) وهو راجع فى الحقيقة إلى المعنى الأول وعلى هذا. حيث قال (خلقت) قال (بيدى) وحيث قال
(بنينا) قال (بأيد) لمقا لة الجمع بالجمع، فان قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال (٤) علمت أيدينا)؟ نقول الفائدة
.
٢٢٧
قوله تعالى : والأرض فرشناها . سورة الذاريات :
وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (2) وَمِن كُلِّشَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
لَعَلَّكُمْ تَذَ كَّرُونَ.
جليلة ، وهى أن السماء لا يخظر بيال أحد أنها مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك، فقال هناك(عا
عملت أيدينا) تضريحاً بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك (خلقت بيدي) وفى السماء
(بأيد) من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهى أن هناك لما أثبت الاضافة بعد حذف
الضمير العائد إلى المفعول ، فلم يقل خلقته بيدى ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا (بفيناها) لأن هناك لم
يخطر ببال أحد أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلفته ولا عملته وأما السماء
فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال (بنيناها) بعود الضمير تصريحا بأنها مخلوقة.
قوله تعالى: ﴿وإنا لموسعون﴾ فيه وجوه (أحدها) أنه من أسعة أى أو سعناها بحيث صارت
الأرض وما يحيط بها من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كلقة فى فلاة، والبناء الواسع القضاء
مجيب فان القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدراتها
ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض (ثانيها) قوله ( وإنا لموسعون ) أى القادرون
ومنه قوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) أى قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة ، ويحتمل أن
يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول: بنينا السماء، وإنا لقادرون
على أن نخلق أمثالها، كما فى قوله تعالى ( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق
مثلهم ) ( ثاثها) ( إنا لموسعون ) الرزق على الخلق .
قوله تعالى: ﴿والأرض فرشناها فنعم الماهدون﴾ استدلالا بالأرض وقد علم ما فى قوله
(والأرض فرشناها) وفيه دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأن بناء البيت يكون فى
العادة قبل الفرش، وقوله تعالى (فنعم الماهدون ) أى نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها .
قوله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين ) استدلالا بما بينهما والزوجان إما الضدان فان
الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك ، وإما المتشاكلان فان كل شىء له شبيه ونظير
وضد وند ، قال المنطقيون المراد بالشىء الجنس وأقل مايكون تحت الجنس نوعان فن كل جنس
خلق نوعين من الجوهر مثلا المادى والمجرد، ومن المادى النامى والجامد ومن النامى المدرك والنبات
من المدرك الناطق والصامت، وكل ذلك يدل على أنه فرد لا كثرة فيه .
قوله تعالى: ﴿لعلكم تذكرون﴾ أى لعلكم تذكرون أن خالق الأزواج لا يكون له زوج
وإلا لكان ممكنا فيكون مخلوقا ولا يكون خالقاً، أو (لعلكم تذكرون) أن خالق الأزواج لا يعجز
عن حشر الأجسام وجمع الأرواح .
٢٢٨
قوله تعالى : ففروا إلى الله . سورة الذاريات .
فَفِرُّواْ إِلَىاللهِ إِى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(
ثم قال تعالى ﴿ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين) أمر بالتوحيد، وفيه لطائف (الأولى)
قوله تعالى (ففروا) ينى. عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن
يحتمل الحال الإبطاء فى الرجوع، فافزعوا إلى الله سريعا وفروا (الثانية) قوله تعالى (إلى الله) بيان
المهروب إليه ولم يذكر الذى منه الحرب لأحد وجهين، إما لكونه معلوما وهو هول العذاب
أو الشيطان الذى قال فيه (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) وإما ليكون عاما كأنه
يقول : كل ماعدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ماعداه، وبيانه وهو أن كل ماعداه فإنه يتلف
عليك رأس مالك الذى هو العمر، ويفوت عليك ماهو الحق والخير، ومتلف رأس المال مفوت
الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى الله وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء
لافناء معه (والثالثة) ألفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه راتركوا غير»
تركا مؤبداً (الرابعة) فى تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن الله تعالى قال (والسماء بنيناها والأرض
فرشناها) ومن كل شىء خلقنا، ثم جعل الكلام للنبى عليه السلام وقال (ففروا إلى الله إنى لكم منه
نذير مبين) ولم يقل ففروا إلينا، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيراً، وكذلك لاختلاف المتكلمين
تأثيراً، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذى حاد عن الجادة، ويجعل الكلام مختلفا ، توغا
ترغيباونوعاترهيبا، وتنبيها بالحكاية، ثم يقول لغيره تكلم معه لعل كلامك ينفع، لما فى أذهان الناس
أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما ، ؤثر، والله تعالى ذكر أنواعا من الكلام وكثيراً
من الاستدلالات والآيات وذكر طرفا صالحاً من الحكايات ، ثم ذكر كلاما من متكلم آخر هو النبى
بِّ، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله (إنى لكم منه نذير) إشارة إلى الرسالة.
وفيه أيضاً لظائف ( إحداها) أن الله تعالى بين عظمته بقوله ( والسماء بنيناها)
(والأرض فرشناها) وهيبته بقوله (فنبذناهم فى اليم) وقوله تعالى (أرسلنا عليهم الريح العقيم)
وقوله (فأخذتهم الصاعقة) وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء
والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار، جحكايات لوط تدل على أن التراب الذى منه الوجود
والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء والماء كذلك فى قوم فرعون والهواء. فى عاد والنار فى ثمود،
ولعل ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذى فى العناصر الأربعة وقد ذكرنا فى سورة
العنكبوت شيئا منه، ثم إذ أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات
وسرد الحكايات فلاردافه بذكرا الرسول فائدة ( ثانيها) فى الرساله أمور ثلاثة المرسل والرسول
والمرسا إليه وههنا ذكر الكل، فقوله (لكم) إشارة إلى المرسل إليهم وقوله (منه) إشارة إلى المرسل
وقوله (نذير) بيان للرسول، وقدم المرسل إليه فى الذكر، لأن المرسل إليه أدخل فى أمر الرسالة
٢٢٩
قوله تعالى: ولا تجعلوا مع الله الها آخر . سورة الذاريات.
وَلَ تَجْعَلُوْ مَعَ اللهِإِلَهَاءَالَّ إِ لَهُ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِنَ
مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَالِحُ أَوْ مَجْنُونٌ
لأن عنده يتم الأمر، والملك لو لم يكن هناك من يخالفه أو يوافقه فيرسل إليه نذيراً أو بشيراً
لا يرسل وإن كان ملكاعظيما ، وإذا حصل المخالف أو الموافق برسل وإن كان غير عظيم، ثم المرسل
لأنه متعين وهو الباعث ، وأما الرسول فباختياره، ولولا المرسل المتعين لما تمت الرسالة، وأما
الرسول فلا يتعين ، لأن للملك اختيار من يشاء من عباده، فقال ( منه) ثم قال ( نذير ) تأخيراً
للرسول عن المرسل (ثالثها) قوله (مبين) إشارة إلى مابه تعرف الرسالة، لأن كل حادث له سبب
وعلامة ، فالرسول هو الذى به تتم الرسالة، ولا بدله من علامة يعرف بها، فقوله (مبين) إشارة
إليها وهى إما البرهان والمعجزة .
قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر﴾ إتماماً للتوحيد، وذلك لأن التوحيد بين
التعطيل والتشريك، وطريقة التوحيد هى الطريقة ، فالمعطل يقول لا إله أصلا ، والمشرك يقول
فى الوجود آلهة، والموحد يقول قوله الإثنين باطل، نفى الواحد باطل، فقوله تعالى (ففروا
إلى اللّه) أثبت وجود اللّه، ولما قال ( ولا تج لوا مع اللّه إلهاً آخر) نفى الأكثر من الواحد فصح
التوحيد بالآيتين، ولهذا قال مرتين (إنى لكم منه نذير مبين﴾ أى فى المقامين والموضعين، وقد
ذكرنامراراً أن المعطل إذا قال لاواجب يجعل الكل مكناً، فإن كل موجود ممكن، ولكن الله
فى الحقيقة موجود ، فقد جعله فى تضاعيف قوله كالممكنات فقد أشرك، وجعل الله كغيره،
والمشرك لما قال بأن غيره إله يلزم من قوله نفى كون الإله إلهاً لما ذكرنا فى تقرير دلالة التمانع مع
أنه لو كان فيهما آلهة إلا اللّه الزم عجز كل واحد، فلا يكون فى الوجود إله أصلا .. فيكون نافياً
لا آية، فيكون معطلا، فالمعطل مشرك، والمشرك معظل، وكل واحد من الفريقين معترف بأن
سمه مبطل، لكنه هو على مذهب خصمه يقول إنه نفسه مبطل وهو لا يعلم، والحمد لله الذى
هدايا، وقوله ( ولا تجعلوا) فيه لطيفة، وهى أنه إشارة إلى أن الآلهة مجعولة، لا يقال فالله متخذ
لقوله ( فاتخذه وكيلا ) قلنا ( الجواب) عنه الظاهر ، وقد سبق فى قوله تعالى (واتخذوا من دون
اللّه آلهة) .
قوله تعالى: ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون
والتفسير معلوم مما سبق ، وقد ذكرنا أنه يدل على أن ذكر الحكايات للقلية ، غير أن فيه
لطيفة واحدة لانتركها ، وهى أن هذه الآية دليل على أن كل رسول كذب ، وحينئذ يرد عليه
أسئلة (الأول) هو أنه من الأنبياء من قرر دين النبى الذى كان قبله، وبقى القوم على ما كانوا عليه
٠٠٠.
٢٣٠
قوله تعالى : أتواصوا به . سورة الذاريات .
أَتَوَاصَوْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمُ طَائُونَ (٢﴾ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَآ أَنْتَ بِلُومٍ
٥٤
كأنبياء بنى إسرائيل مدة، وكيف وآدم لما أرسل لم يكذب (الثانى) ما الحكمة فى تقدير الله
تكذيب الرسل ، ولم يرسل رسولا مع كثرتهم واختلاف معجزاتهم بحيث يصدقه أهل زمانه ؟
(الثالث) قوله (ما أتى ... إلا قالوا) دليل على أنهم كلهم قالوا ساحر، وليس كذلك لأنه ما من
رسول إلا وآمن به قوم، وهم ما قالوا ذلك (والجواب عن الأول) هو أن نقول، أما المقرر
فلا نسلم أنه رسول، بل هو فى على دين رسول، ومن كذب رسوله فهو مكذبه أيضاً ضرورة.
(وعن الثانى) هو أن الله لا يرسل إلا عند حاجة الخلق، وذلك عند ظهور الكفار فى العالم، ولا
يظهر الكفر إلا عند كثرة الجهل، ثم إن الله تعالى لا يرسل رسولا مع كون الإيمان به ضرورياً،
وإلا لكان الإيمان به إيمان اليأس فلا يقبل، والجاهل إذا لم يكن المبين له فى غاية الوضوح لا يقبله
فيبقى فى ورطة الضلالة ، فهذا قدر لزم بقضاء الله على الخلق على هذا الوجه ، وقد ذكرنا مرة أخرى
أن بعض الناس يقول: كل ماهو قضاء الله فهو خير، والشر فى القدر ، فابته قضی بأن النار فيها
مصلحة للناس لأنها نور، ويجعلونها متاعاً فى الأسفار وغيرها كما ذكر الله، والماء فيه مصلحة
الشرب، لكن النار إنما تتم مصلحتها بالحرارة البالغة والماء بالبيلان القوى ، وكونهما كذلك
يلزمهما بإجراء الله عادته عليهما أن يحرق ثوب الفقير، ويغرق شاة المسكين ، فالمنفعة فى القضاء
والمضرة فى القدر، وهذا الكلام له غور ، والسنة أن نقول (يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد)
(وعن الثالث) أن ذلك ليس بعام، فإنه لم يقل إلا قال كلهم، وإنما قال: (إلا قالوا) ولما كان
كثير منهم، بل أكثرهم قائلين به ، قال الله تعالى ( إلا قالوا) فإن قيل: فلم لم يذكر المصدقين، كما
ذكر المكذبين ، وقال إلا قال بعضهم صدقت، وبعضهم كذبت؟ نقول لأن المقصود التسلية
وهى على التكذيب ، فكأنه تعالى قال: لا تأس على تكذيب قومك، فإن أقراءاً قبلك كذبوا،
ورسلا كذبوا .
قوله تعالى: ﴿ أتواصوّا به بل هم قوم طاغون ﴾ أى بذلك القول، وهو قولهم ( ساحر أو
مجنون ) ومعناه التعجيب ، أى كيف اتفقوا على قول واحد كانهم تواطؤاً عليه، وقال بعضهم
لبعض: لا تقولوا إلا هذا، ثم قال: لم يكن ذلك عن التواطؤ، وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل
أترفوا فاستغنوا فنسوا الله وطغوا فكذبوا رسله ، كما أن الملك إذا أمهل أهل بقعة، ولم يكلفهم
بشىء ، ثم قعد بعد مدة وطلبهم إلى بابه يصعب عليهم لاتخاذهم القصور والجنان، وتحسين بلادهم
من الوجوه الحسان، فيحملهم ذلك على العصيان ، والقول بطاعة ملك آخر .
قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ هذه تسلية أخرى، وذلك لأن النبى صلى الله عليه
وسلم كان من كرم الأخلاق ينسب نفسه إلى تقصير، ويقول إن عدم إيمانهم لتقصيرى فى التبليغ
٢٣١
قوله تعالى : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين . سورة الذاريات .
وَذَِكْرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (2﴾ وَمَا خَلَقْتُ أَلْنَّ وَآلْإِنسَ
٨٤٠٠
إِلَّا لِیعُبدونِ
فيجتهد فى الإنذار والتبليغ، فقال تعالى: قد أتيت بما عليك ، ولا يضرك التولى عنهم ، وكفرهم
ليس لتقصير منك ، فلا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد.
قوله تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) يعنى ليس التولى مطلقاً، بل تول وأقبل
وأعرض وادع، فلا التولى يضرك إذا كان عنهم، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين ، وفيه
معنى آخر ألطف منه، وهو أن المادى إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر، فلما قال تعالى
(فتول) كان يقع لمتوهم أن يقول، لحينئذ لا يكون النبى صلى الله عليه وسلم ثواب عظيم، فقال بلى
وذلك لأن فى المؤمنين كثرة، فإذا ذكرتهم زاد هداهم ، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم ،
فإن قوماً كثيراً إذا صلى كل واحد ركعة أو ركعتين، وقوماً قليلا إذا صلى كل واحد ألف ركعة
تكون العبادة فى الكثرة کالعبادة عن زيادة العدد، فالهادی له علىعبادة کل مهند أجر ، ولا ينقص
أجر المهتدى ، قال تعالى (إن لك لأجرأ) أى وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة
إعراضك عن المعاندين، وقوله تعالى ( فإن الذكرى تنفع المؤمنين) يحتمل وجوهاً: (أحدها)
أن يراد قوة يقينهم كما قال تعالى (ليزدادوا إيماناً) وقال تعالى (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا)
وقال تعالى (زادهم هدى وآنام تقوام) (ثانيها) تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك إذا
أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجى. بعدك من المؤمنين
( ثالثها) هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفعمؤمناً لآنه صار مؤمناً، وإن لم يفد يوجد
حسنة ويزاد فى حسنة المؤمنين فينتفعوا، وهذا هو الذى قيل فى قوله تعالى ( تلك الجنة التى
أور تموها).
قوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وهذه الآية فيها فوائد كثيرة،
ولنذكرها على وجه الاستقصاء، فنقول أما تعلقها بما قبلها فلوجوه (أحدها) أنه تعالى لما قال
(وذكر) يعنى أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة، فالمقصود من إيجاد الإنسان
العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ماعداء تضييع المزمان (الثانى) هو أنا ذكرنا مراراً أن شغل
الأنبياء منحصر فى أمرين عبادة الله وهداية الخلق، فلما قال تعالى (فتول عنهم فما أنت بملوم)
بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدى، وأما العبادة فهى لازمة والخلق المطلق لها
وليس الخلق المطلق للهداية، فما أنت بملوم إذا أتيت بالعبادة التى هى أصل إذا تركت الهداية بعد
بذل الجهد فيها (الثالث) هو أنه لما بين حال من قبله من التكذيب، ذكر هذه الآية ليبين سوء
٢٣٢
قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس . سورة الذاريات .
صنيعهم حيث تركوا عبادة الله فما كان خلقهم إلا للعبادة، وأما التفسير ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ الملائكة أيضاً من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن المنفعة الكبرى
فى إيجاده لهم هى العبادة ولهذا قال ( بل عباد مكرمون) وقال تعالى ( لا يستكبرون عن عبادته)
فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه (الأول) قد ذكرنا فى بعض الوجوه أن تعلق
الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له ، وهذا مختص بالجن والإنس لأن
الكفر فى الجن أكثر ، والكافر منهم أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء
صنيعهم ( الثانى) هو أن النبى ولئن كان مبعوثاً إلى الجن ، فلما قال وذكرهم ما يذكر به وهو كون
الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أى ذكر الجن والإنس (الثالث) أن عباد الأصنام كانوا يقولون
بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن
لنزول درجتنا لانصلح لعبادة الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله، فقال تعالى (وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون) ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً بين القوم فذكر المتنازع فيه
(الرابع) قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله من الاستتار وهم مستترون عن الخلق، وعلى
هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخلصها (الخامس) قال بعض الناس
كلما ذكر الله الخلق كان فيه التقدير فى الجرم والزمان قال تعالى ( خلق السموات والأرض وما
بينهما فى ستة أيام) وقال تعالى ( خلق الأرض فى يومين) وقال ( خلقت بيدي) إلى غير ذلك ،
وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) وقال
(قل الروح من أمر ربى) وقال تعالى (ألا له الخلق والأمر) والملائكة كالأرواح من عالم الأمر
أوجدهم من غير مرور زمان فقوله ( وما خلقت ) إشارة إلى من هو من عالم الخلق فلا يدخل فيه
الملائكة ، وهو باطل لقوله تعالى ( خالق كل شىء ) فالملك من عالم الخلق .
المسألة الثانية ﴾ تقديم الجن على الإنس لأية حكمة ؟ نقول فيه وجوه (الأول) بعضها
من فى المسألة الأولى ( الثانى) هو أن العبادة سرية وجهرية، والسرية فضل على الجهرية لكن
عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم، وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد الله الأبناء
جنسه، وقد يعبد الله ليستخير من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجز).
﴿ المسألة الثالثة ) فعل الله تعالى ليس الغرض وإلا لكان بالغرض مستكملا وهو فى نفسه
كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة؟ نقول المعترلة تمسكوا به، وقالوا أفعال الله تعالى
لأغراض وبالغوا فى الإنكار على منكرى ذلك، ونحن نقول فيه وجوه (الأول) أن التعليل
لفظى ومعنوى، واللفظى ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له فى الحقيقة ، مثاله إذا خرج
ملك من بلاده ودخل بلاد العدو وكان فى قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير، ففى المعنى المقصود
ذلك ، وفى اللفظ لايصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال
٢٣٣
قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس . سورة الذاريات .
هذا ليس بشىء ولا يصح عليه ، ولو قال قائل فى مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه
لصدق ، فالتعليل اللفظى هو جعل المنفعه المعتبرة علة للفعل الذى فيه المنفعة، يقال اتجر للريح،
وإن لم يكن فى الحقيقة له، إذا عرفت هذا، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس ، والمفهوم من
النصوص معانيها اللفظية لكن الشىء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً والنزاع فى الحقيقة
فى اللفظ (الثانى) هو أن ذلك تقدير كالتمنى والترجى فى كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند
الخلق شىء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها، كما قلنا فى قوله تعالى (لعله يتذكر) أى بحيث
يصير تذكره عندكم مرجواً وقوله ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم) أى يصير إهلاكد عندكم
مرجواً تقولون إنه قرب (الثانى) هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضً كما فى الوقت قال
تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس ) وقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) والمراد المقارنة، وكذلك
فى جميع الصور وحيئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أى بفرض العبادة أى خلقتهم وفرضت
عليهم العبادة، والذى يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع
فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير
من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لاليكون علة ، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل
فعلا هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهى على أنواع ، منها
ما يدل على أن الإضلال بفعل اللّه كقوله تعالى (يضل من يشاء) وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء
كلها بخلق الله كقوله تعالى (خالق كل شىء) ومنها الصرايح التى تدل على عدم ذلك ، كقوله تعالى
(لا يسأل عما يفعل) وقوله تعالى ( يفعل الله مايشاء ويحكم مايريد) والاستقصاء مفوض فيه إلى
المتكلم الأصولى لا إلى المفسر .
المسألة الرابعة ﴾ قال تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً
وقبائل لتعارفوا) وقال ( ليعبدون) فهل بينها اختلاف؟ نقول ليس كذلك فان الله تعالى علل
جعلهم شعوباً بالتعارف، وههنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك (أكرمكم عند الله أتقاكم)
دليل على ماذكره ههنا وموافق له ، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخاص عملا ، فيكون المطلوب منه
أنم فى الوجود فيكون أكرم وأعز ، كالشىء الذى منفعته فائدة، وبعض أفراده يكون أنفع فى تلك
الفائد، مثاله الماء إذا كان مخلوقاً للتطهير والشرب فالصافى منه أكثر فائدة فى تلك المنفعة فيكون
أشرف من ماء آخر ، فكذلك العبد الذى وجد فيه ماهو المطلوب منه على وجه أبلغ .
﴿ المسألة الخامسة﴾ ما العبادة التى خلق الجن والإنس لها؟ قلنا: التعظيم لأمر الله والشفقة على
خلق الله، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع
والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان ، ولما كان التعظيم اللائق بذى
الجلال والإكرام لا يعلم عقلا لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم
٢٣٤
قوله تعالى : ما أريد منهم من رزق . سورة الذاريات .
oV
مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ
الله علىعباده بارسال الرسل وإيضاح السبل فى نوعی العبادة ، وقيل إن معنا. لیعرفونی، روى عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ربه «كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف)).
قوله تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾ وفيه جواب سؤال وهو أن
الخلق الغرض ينى عن الحاجة، فقال ماخلقتهم ليطعمون والنفع فيه لهم لا لى ، وذلك لأن منفعة
العبد فى حق السيد أن يكتسب له، إما بتحصيل المال له أو بحفظ المال عليه، وذلك لأن العبد
إن كان للكسب فغرض التحصيل فيه ظاهر ، وإن كان للشغل فلولا العبد لاحتاج السيد إلى استئجار
من يفعل الشغل له فيحتاج إلى إخراج مال، والعبد يحفظ ماله عليه ويغنيه عن الإخراج فهو نوع
كسب فقال تعالى (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) أى لست كالسادة فى طلب
العبادة بل هم الرابحون فى عبادتهم ، وفيه وجهآخر وهو أن يقال هذا تقرير لكونهم مخلوقين للعبادة،
وذلك لأن الفعل فى العرف لابد له من منفعة ، لكن العبيد على قسمين قسم منهم يكون للمظمة
والجمال كماليك الملوك يطعمهم الملك ويسقيهم ويعطيهم الأطراف من البلاد ويؤتيهم الطراف
بعد التلاد، والمراد منهم التعظيم والمثول بين يديه ، ووضع اليمين على الشمال لديه ، وقسم منهم
للانتفاع بهم فى تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها فقال تعالى إنى خلقتهم فلا بد فيهم من منفعة فليتفكروا
فى أنفسهم هل هم من قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك ، فما أريد منهم من رزق ،
أو هل : من يطلب منهم إصلاح قوت كالطباخ والخوانى الذى يقرب الطعام وليسوا كذلك فما
أريد أن يطعمون، فإذنهم عبيد من القسم الأول فينبغى أن لا يتركوا التعظيم، وفيه لطائف نذكرها
فى مسائل :
ف المسألة الأولى ﴾ ما الفائدة فى تكرار الإرادتين، ومن لايريد من أحد رزقاً لايريد أن
يطعمه ؟ نقول هو لما ذكر ناه من قبل، وهو أن السيد قد يطلب من العبد الكسب له، وهو طلب
الرزق منه ، وقد يكون للسيد مال وافر يستغنى عن الكسب لكنه يطلب منه قضاء حواتجه بماله
من المال وإحضار الطعام بين يديه من ماله ، والسيد قال لا أريد ذلك ولا هذا .
المسألة الثانية﴾ لم قدم طلب الرزق على طلب الإطعام؟ نقول ذلك من باب الارتقاء كقول
القائل لا أطلب منك الإعانة ولا ممن هوأقوى ولا يعكس، ويقال فلان يكرمه الأمراء بل السلاطين
ولا يعكس ، فقال «هنا لا أطلب منكم رزقاً ولا ماهو دون ذلك وهو تقديم طعام بين يدى السيد
فان ذلك أمر كثير الطلب من العباد وإن كان الكسب لا يطلب منهم .
المسألة الثالثة﴾ لو قال ما أريد منهم أن يرزقون وما أريد منهم من الطعام مل تحصل هذه
الفائدة ؟ نقول على ، افصل لا وذلك لأن بالتكسب يطلب الغنى لا الفعل قان من اشتغل بشغل
٢٣٥
سوله تعالى: إن الله هو الرزاق . سورة الذاريات .
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (
٥٨
ولم يحصل له غنى لا يكون كمن حصل له غنى، وإن لم يشتغل ، كالعبد المتكسب إذا ترك الشعل
لحاجته ووجد مطلباً يرضى منه السيد إذا كان شغله التكسب ، وأما من يراد منه الفعل لذات الفعل،
كالجائع إذا بعث عبده لإحضار الطعام فاشتغل بأخذ المال من مطلب فربما لايرضى به السيد فالمقصود
من الرزق الغنى، فلم يقل بلفظ الفعل والمقصود من الإطعام الفعل نفسه فذكر بلفظ الفعل ، ولم يقل
وما أريد منهم من طعام هذا مع ما فى اللفظين من الفصاحة والجزالة للتنويع.
﴿ المسألة الرابعة) إذا كان المعنى به ماذكرت، فما فائدة الإطعام وتخصيصه بالذكر مع أن
المقصود عدم طلب فعل منهم غير التعظيم ؟ نقول لما عم فى المطلب الأول اكتفى بقوله ( من
رزق) فإنه يفيد العموم ، وأشار إلى التعظيم فذكر الإطعام، وذلك لأن أدنى درجات الأفعال أن
تستعين السيد بعبده أو جاريته فى تهيئة أمر الطعام، ونفى الأدنى يستتبعه نفى الأعلى بطريق الأولى
فصار كأنه تعالى قال ( ما أريد منهم) من عين ولا عمل .
المسألة الخامسة ﴾ على ما ذكرت لا تنحصر المطالب فيما ذكره، لأن السيد قد يشترى العبد
لا لطلب عمل منه ولا لطلب رزق ولا للتعظيم ، بل تشتريه للتجارة والربح فيه ، نقول عموم قرله
( ما أريد منهم من رزق ) يتناول ذلك فإن من اشترى عبداً ليتجر فيه فقد طلب منه رزقاً.
﴿ المسألة السادسة ﴾ ما أريد فى العربية يفيد النفى فى الحال، والتخصيص بالذكر يوم نفى
ماعدا المذكور، لكن الله تعالى لا يريد منهم رزقاً لا فى الحال ولا فى الاستقبال ، فلملم يقل لا أريد
منهم من رزق ولا أريد؟ نقول ماللنفى فى الحال، ولا للنفى فى الا قبال، فالقائل إذا قال فلان لا يفعل
هذا الفعل وهو فى الفعل لا يصدق، لكنه إذاترك مع فراغه من قوله يصدق القائل ، ولو قال ما يفعل
لما صدق فيما ذكرنا من الصورة، مثاله إذا كان الإنسان فى الصلاة وقال قائل إنه ما يصلى فانظر إليه
فإذا كان نظر إليه الناظر وقد قطع صلاة نفسه صح أن يقول إنك لا تصلى ، ولو قال القائل إنه
ما يصلى فى تلك الحالة لماصدق ، فإذا علمت هذا فكل واحدمن اللفظين النافية فيه خصوص لكن النفى
فى الحال أولى لأن المراد من الحال الدنيا والاستقبال هو فى أمر الآخرة فالدنيا وأمورها كلها حالية
فقوله (ما أريد) أى فى هذه الحالة الراهنة التى هى ساعة الدنيا ، ومن المعلوم أن العبد بعد موته
لا يصلح أن يطلب منه رزق أو عمل فكان قوله (ما أريد) مفيداً للنفى العام ولو قال لاأريد لما أفادذلك.
قوله تعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ تعليلا لما تقدم من الأمرين، فقوله هو
الرزاق تعليل لعدم طلب الرزق وقوله تعالى (ذو القوة ) تعليل لعدم طلب العمل، لأن من يطلب
رزقاً يكون فقيراً محتاجاً ومن يطلب عملامن غيره يكون عاجزاً لاقوة له ، فصار كأنه يقول ما أريد
منهم من رزق فإنى أنا الرزاق ولا عمل فإنى قوى وفيه مباحث (الأول) قال (ما أريد) ولم يقل إنى
٢٣٦
قوله تعالى : إن الله هو الرزاق . سورة الذاريات .
رزاق بل قال على الحكاية عن الغائب (إن الله) فما الحكمة فيه؟ نقول قد روى أن التى تدلّ
قرأ (إنى أنا الرزاق) على ما ذكرت وأما القراءة المشهورة ففيها وجوه (الأول) أن يكون المعنى قل
يا محمد (إن الله هو الرزاق) (الثانى) أن يكون ذلك من باب الإلتفات والرجوع من التكلم عن
النفس إلى التكلم عن الغائب، وفيه ههنا فائدة وهى أن اسم الله يفيد كونه رزافاً وذلك لأن الإله
بمعنى المعبود كما ذكرنا مراراً وتمسكنا بقوله تعالى (ويذرك وآلهتك) أى معبوديك وإذا كان الله هو
المعبود ورزق للعبد استعمله فى غير الكسب إذ رزقه على السيد وههنا لما قال ( ما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون) فقد بين أنه استخلصهم لنفسه وعبادته وكان عليه رزقهم فقال تعالى (إن الله
هو الرزاق) بلفظ الله الدال على كونه رزاماً، ولو قال إنى أنا الرزاق لحصلت المناسبة التى ذكرت
ولكن لا يحصل ما ذكرنا (الثالث) أن يكون قل مضمراً عند قوله تعالى (ما أريد منهم) تقديره قل
يا محمد (ما أريد منهم من رزق) فيكون بمعنى قوله (قل ما أسألكم عليه من أجر) ويكون على هذا
قوله تعالى ( إن الله هو الرزاق) من قول النبى رؤيته ولم يقل القوى، بل قال ( ذو القوة) وذلك
لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير ، ولكن فى عدم طلب
الرزق لا یکفی کون المستغنى بحيث يرزق واحداً فإن كثيراً من الناس يرزق ولده وغيرها ويستززق
والملك يرزق الجند ويسترزق، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب، لأن المسترزق من يكثر الرزق
لا يسترزق من رزقه، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له إلا بالمبالغة فى وصف الرزق، فقال (الرزاق)
وأما ما يغنى عن الاستعانة بالغير فدون ذلك : وذلك لأن القوى إذا كان فى غاية القوة يعين الغير
فادا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به، وإذا كان دون ذلك يستعين استعانة ما وتتفاوت
بعد ذلك، ولما قال (وما أريد أن يطعمون) كفاه بيان نفس القوة فقال (ذو القوة) إفادة معنى القدرة
دون القوی لأن ذا لا يقال فى الوصف اللازم البین فیقال فى الآدمى ذو مال ومتمول وذو جمال
وجميل وذو بخلق حسن وخليق إلى غير ذلك مما لا يلزمه لزوماًبيناً، ولا يقال فى الثلاثة ذات فردية
ولا فى الأربعة ذات زوجية ، ولهذا لم يرد فى الأوصاف الحقيقية التى ليست مأخوذة من الأفعال
ولذا لم يسمع ذو الوجود وذو الحياة ولا ذو العلم ويقال فى الإنسان ذو علم وذوحياة لأنها عرض فيه
عارض لا لازم بين ، وفى صفات الفعل يقال الله تعالى ذو الفضل كثيراً وذوالخلق قليلا لأن
ذا كذا بمعنى صاحبه وربه والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلا عن اللزوم البين ، والذى يؤيد هذا
هو أنه تعالى قال (وفوق كل ذي علم عليم) لجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذى العلم
والعليم فرق وكذلك بين ذى القوة والقوى، ويؤيده أيضاً أنه تعالى قال (فأخذهم الله إنه قوى
شديد العقاب) وقال تعالى (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوى العزيز) وقال تعالى
(لأغلبن أنا ورسل إن الله لقوى عزيز) لأن فى هذه الصور كان المراد بيان القيام بالأفعال العظيمة
والمرادههنا عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر ما، ومن يقوم مستبداً
٢٢٧
فوله نعانى : فإن للدين ظلموا . سورة الداریات
فَإِنَّ ◌ِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَعَِْهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ (﴿ فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ
٦٠
بالفعل لا بد له من قوة عظيمة ، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه ، ولو بين
هذا البحث فى معرض الجواب عن سؤال سائل عن الفرق بين قوله ذو القوة ههنا وبين قوله قوى
فى تلك المواضع لكان أحسن ، فإن قيل فقد قال تعالى ( ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله
قوى عزيز) وفيه ما ذكرت من المعنى وذلك لأن قوله قوى لبيان أنه غير محتاج إلى النصرة وإنما
يريد أن يعلم ليغيب الناصر، لكن عدم الاحتياج إلى النصرة يكفى فيه قوة ما، فلم لم يقل إن الله
ذو القوة؟ نقول فيه إنه تعالى قال من ينصره ورسله، ومعناه أنه يغنى رسله عن الحاجة ولا يطلب
نصرتهم من خلقه ليعجزهم وإنما يطلبها لثواب الناصرين لا لاحتياج المستنصرين. وإلا فالله تعالى
وعدهم بالنصر حيث قال ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون) ولما ذكر
الرسل قال قوى يكون ذلك تقويه تقارب رسله المؤمنين ، وتسلية لصدورهم وصدور المؤمنين .
(البحث الثانى) قال (المتين) وذلك لأن (ذو القوة) كما بينا لا يدل إلا على أن له قوة ما فزاد
فى الوصف بياناً وهو الذى له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظاً ومعنى فإن متن
الشىء هو أصله الذى عليه ثبانه، والمتن هو الظهر الذى عليه أساس البدن، والمتانة مع القوة كالعزة
مع القوة حيث ذكر الله تعالى فى مواضع ذكر القوة والعزة فقال (قوى عزيز) وقال القوى العزيز.
وفيه لطيفة تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوى وذى القوة، وذلك لأن المتين هو الثابت إلذى
لا يتزلزل والعزيز هو الغالب ، ففى المتين أنه لا يغلب ولا يقهر ولا يهزم، وفى العزيز أنه يغلب
ويقهر ويزل الأقدام، والعزة أكمل من المتانة ، كما أن القوى أكمل من ذى القوة، فقرن الأكمل
بالأكمل وما دونه بما دونه، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت فى كتاب الله تعالى
لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين .
قوله تعالى : ﴿فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون، فويل للذين كفروا
من يومهم الذى يوعدون ﴾،
وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بين أن من يضع نفسه فى موضع عبادة غير الله يكون وضع
الشىء فى غير موضعه فيكون ظالماً ، فقال إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة
الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم، وذلك لأن الشىء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه ،
لا يحفظ وإن كان فى موضع يخلى المكان عنه ، ألا ترى أن الدابة التى لا يبقى منتفعاً بها بالموت
أو بمرض يخلى عنها الإصطبل ، والطعام الذى يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء، فكذلك الكافر
٢٣٨
قوله تعالى :فویل للذين كفروا . سورة الذاريات .
إذا ظلم ، ووضع نفسه فى غير موضعه ، خرج عن الانتفاع حسن إخلاء المكان عنه وحق نزول
الهلاك به، وفى التفسير مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فيما يتعلق به الفاء، وقد ذكر نالك فى وجه التعلق .
المسألة الثانية﴾ ما مناسبة الذنوب؟ نقول العذاب مصبوب عليهم، كأنه قال تعالى نصب
من فوق رءوسهم ذنوباً كذنوب صب فوق رءوس أولئك، ووجه آخر وهو أن العرب يستقون
من الآبار على النوبة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيشهم الطيب ، فكأنه تعالى قال (فإن للذين ظلموا )
من الدنيا وطيباتها ( ذنوباً) أى علاء، ولا يكون لهم فى الآخرة من نصيب، كما كان عليه حال
أصحابهم استقرا ذنوباً وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك ، وإنما هو رغد
العيش وهو أليق بالعربية، وقوله تعالى (فلا يستعجلون) فإن الرزق مالم يفرغ لا يأتى الأجل.
ثم أعاد ما ذكر فى أول السورة فقال ( فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
٢٣٩
سورة الطور
(٥٢) سُورة الطُوّرمَكِيَّة
وَآيَاتِهَا نِشُعْ وَارْبِعُونَ
لِشْـ
وَالطُّورِ * وَكِتْبٍ مَسْطُورٍ ﴾ٌ فِ رَقِّ مَّنْشُورٍ ﴾ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴾
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ◌ّ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ چ
بسم الله الرحمن الرحيم
والطور، وكتاب مسطور، فى رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر
المجرر﴾ هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما، وأول
هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها، لأن فى آخرها قوله تعالى (فويل للذين كفروا) وهذه السورة فى
أولها (فويل يومئذ للمكذبين) وفى آخر تلك السورة قال (فإن للذين ظلموا ذنوباً) إشارة إلى
العذاب وقال هنا ( إن عذاب ربك لواقع) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ما الطور، وما الكتاب المسطور؟ نقول فيه وجوه: (الأول) الطورهو
جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه (الثانى) هو الجبل الذى قال الله تعالى (وطور
سينين ) (الثالث) هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود، وأما
الكتاب ففيه أيضاً وجوه: ( أحدها) كتاب موسى عليه السلام (ثانيها) الكتاب الذى فى السماء
( ثالثها ) صحائف أعمال الخلق (رابعها) القرآن وكيفما كان فهى فى رقوق ، وسنبين فائدة قوله تعالى
( فى رق منشور) وأما البيت المعمور ففيه وجوه: (الأول) هو بيت فى السماء العليا عند العرش
ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة (الثانى) هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج
الطائفين به العاكفين (الثالث ) البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت
المعمورة والعمائر المشهورة، والسقف المرفوع السماء، والبحر المسجور ، قيل الموقد يقال سرت
التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل هو بحر معروف فى السماء يسمى بحر الحيوان.
المسألة الثانية) ما الحكمة فى اختيار هذه الأشياء؟ نقول هى تحتمل وجوهاً: (أحدها)
إن الأماكن الثلاثة وهى: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور ، أما كن كانت لثلاثة أنياء
ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله، أما الطور فانتقل إليه موسى
٢٤٠
قوله تعالى : والطور . سورة الطور .
عليه السلام، والبيت محمد رائع، والبحر المسجور يونس عليه السلام، والكل خاطبوا الله هناك فقال
موشى (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا فتفتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء) وقال
(أرفى أنظر إليك) وأما محمد رَّم فقال «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصى ثناء عليك
كما أثنيت على نفسك)) وأما يونس فقال ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فصارت
الأماكن شريفة بهذه الأسباب، خلف الله تعالى بها ، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم
فی ھذہ الأما کن مع الله تعالی کلام والكلام فیالکتاب واقتر انه بالطور أدل علىذلك، لأن مرسی
عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت
المعمور ليعلم عظمة شأن محمد ربيع (ثانيها) وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه
لا دافع له، وذلك لأن لامه ب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه، فتفى بعض
الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التى ليس لها طرف وهى متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن
بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام (سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء، قال لا عاصم
اليوم من أمر الله إلا من رحم) حكاية عن نوح عليه السلام .
﴿ المسألة الثالثة﴾ ما الحكمة فى تنكير الكتاب وتعريف باقى الأشياء؟ نقول ما يحتمل الخفاء
من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير ،
فاذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته، ويريد الواصف وصفه بالعظمة ، يقول:
اليوم رأيت أميراً ماله نظير جالساً وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم، والسبب فيه
أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ومعرف بكنه عظمته، فيكون كقوله تعالى (الحلقة
ما الحافة وما أدراك ما الحافة ) فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة
هزلها غير معروف ، فكذلك ههنا الطور ليس فى الشهرة بحيث بؤمن اللبس عند التنكير ،
وكذلك البيت المعمور، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب ، بحيث لا يسبق إلى
أفهام السامعين من النبى صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ذلك، فلما أمن اللبس وحصلت
فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصداً للفائدة الأخرى وهى فى الذكر بالتنكير.،
وفى تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها، وهذا يؤبد كون المراد
منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ما الفائدة فى قوله تعالى (فى رق منشور) وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه
لابخطه ورقه ؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح، وذلك لأن الكتاب المطوى لا يعلم مافيه فقال هو
( فى رق منشور) وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم
لا يمنعكم أحد من مطالعته ، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه
وفى رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى (كتاباً يلقاه منشوراً) وذلك لأن غير المعروف إذا