Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
قوله تعالى : إذ جعل الذين كفروا . سورة الفتح .
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حِيَّةَ الْجَمِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ،
عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقٌّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ
اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا !
٢٦
عن الكافر ، نقول المراد عذاباً عاجلا بايديكم يبتدى. بالجنس إذكانوا غير مقرنين ولا منقلين
إليهم فیظهرون ويقتدرون یکون ألما.
﴿ البحث الثانى) ما الحكمة فى ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل فى ذكر
المذكر عند الاجتماع؟ قلنا الجواب عنه من وجهين (أحدهما) ما تقدم يعنى أن الموضع موضع
وثم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله ( تطرثم فتصيبكم ) معناه تهلكوم والمراد لاتقاتل ولا
تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال المؤمنين فقال (والنساء المؤمنات) أيضاً لأن تخريب
بيوتهن ويتم أولادهن بسبب رجالهن وطأة شديدة (وثانيهما) أن فى محل الشفقة تعد المواضع
لترقيق القلب ، يقال لمن يعذب شخصاً لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه، ويقال أولاده وصغاره
وأهله الضعفاء العاجزين ، فكذلك ههنا قال (لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) لترقيق قلوب
المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر .
قوله تعالى: ﴿إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكيفته على
رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شىء عليما﴾.
إذ يحتمل أن يكون ظرفاً فلابد من فعل يقع فيه ويكون عاملا له، ويحتمل أن يكون مفعولا
به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور، ويحتمل أن يقال هو مفهوم
غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان (أحدهما) هو قوله تعالى (وصدوكم) أى وصدوكم
حين جعلوا فى قلوبهم الحمية (وثانيها) قوله تعالى ( لعذبنا الذين كفروا منهم) أى لعذبناهم حين
جعلوا فى قلوبهم الحمية ( والثانى) أقرب لقربه لفظاً وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا فى قلوبهم
الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم السكينة لا يتركون
الاجتهاد فى الجهاد واللّه مع المؤمنين فيعذبونهم عذاباً أليماً أو غير المؤمنين، وأما إن قلنا إن ذلك
مفهوم غير مذكور فقيه وجهان (أحدهما ) حفظ الله المؤمنين عن أن يطثوم وهم الذين كفروا
الذين جعل فى قلوبهم الحمية (وثانيها) أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية،
وعلى هذا فقوله تعالى (فأنزل الله سكينته) تفسير لذلك الإحمان، وأما إن قلنا إنه مفعول به، فالعامل
مقدر تقديره اذكر ، أى اذكر ذلك الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد، أى أتذكر وقت قيامه
١٠١
قوله تعالى : إذ جعل الذين كفروا . سورة الفتح .
كما تقول أتذكر زيداً، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه، وفيه لطائف معنوية
ولفظية: (الأولى) هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء
(أحدها) جعل ما للكافرين بجعلهم فقال (إذ جعل الذين كفروا) وجعل ما للمؤمنين بجعل الله،
فقال ( فأنزل الله) وبين الفاعلين ما لا يخفى ( ثانيها) جعل للكافرين الخمرية وللمؤمنين السكينة وبين
المفعولين تفاوت على ما سنذكره (ثالثها) أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث
قال: حمية الجاهلية، وقال: سكينته، وبين الإضافتين مالا يذكر (الثانية) زاد المؤمنين خيراً بعد
حصول مقابلة شىء بشىء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى الله
تعالى (وألزمهم كلمة التقوى) وسنذكر معناه، وأما اللفظية فثلات لطائف (الأولى) قال فى حق
الكافر (جعل) وقال فى حق المؤمن (أنزل) ولم يقل خلق ولا جعل سكيفته إشارة إلى أن الحمية كانت
مجعولة فى الحال فى العرض الذى لا يبقى، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة فى خزانة الرحمة معدة
لعباده فأنزلها (الثانية) قال الحمية ثم أضافها بقوله (حمية الجاهلية) لأن الحمية فى نفسها صفة مذمومة
وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحاً، والحمية فى القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى
الجاهلية . وأما السكينة فى نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى اللّه فيها من الحصن مالا يبقى معه
لحسن اعتبار، فقال سكينته ا كتفاه بحسن الإضافة (الثالثة) قوله (فأنزل) بالفاء لا بالواو إشارة إلى
أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمنى فأ كرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمنى وأكرمته لا ينى عن
ذلك، وحينئذ يكون فيه لطيفة: وهى أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن
يكون ضعيفاً أو قوياً، فإن كان ضعيفاً ينهزم وينقهر ، وإن كان قوياً فيورث غضبه فيه غضباً،
وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال فى نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا، وقوله تعالى
(فأنزل الله) بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شىء، نقول فيه وجهان: (أحدهما)
ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله (إذ جعل الذين كفروا) وقوله (فأنزل) تفسير
لذلك الإحسان كما يقال أكرمنى فأعطانى لتفسير الإكرام (وثانيهما) أن تكون الفاء الدلالة على
أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية فى قلوبهم على معنى المقابلة، تقول أكرمنى فأثنيت عليه ،
ويجوز أن يكونا فعلين واقعين من غير مقابلة ، كما تقول جانی زید وخرج عمرو، وهو هنا كذلك
لأنهم لما جعلوا فى قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم لزم أن يوجد منهم
أحد الأمرين: إما إقدام، وإما انهزام. لأن أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان
مثله فى القوة يغضب أيضاً وهذا يثير الفتن، وإن كان أضعف منه ينهزم أوينقاد له فالله تعالى أنزل
فى مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل يصبروا، وهو بعيدفى
العادة فهو من فضل الله تعالى، قوله تعالى (على رسوله وعلى المؤمنين) فإنه هو الذى أجاب الكافرين
إلى الصلح ، وكان فى نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر فى المنحر، وأبوا أن
١٠٣
قوله تعالى : وألزمهم كلمة التقوى . سورة الفتح .
لا يكتبوا محمداً رسول الله وبسم الله، فلما سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن المؤمنون،
وقوله تعالى ( وألزمهم كلمة التقوى) فيه وجوه أظهرها أنه قول لا إله إلا الله فإن بها يقع الاتقاء
عن الشرك، وقيل هو بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون
القزموه، وقيل هى الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فتقول ( وألزمهم)
يحتمل أن يكون عائداً إلى النبى معَة له والمؤمنين جميعاً يعنى ألزم النبى والمؤمنين كلمة التقوى،
ويحتمل أن يكون عائداً إلى المؤمنين لحسب، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعاً نقول هو الأمر بالتقوى
فإن الله تعالى قال النبى وزن (ياأيها النبى اتق ولا قطع الكافرين) وقال للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا
اتقوا الله حق تقاته) والأمر بتقوى الله حتى تذهله تقواه عن الالتفات إلى ماسوی الله ، کما قال فى
حق النبى صلى الله عليه وسلم (اتق الله ولا قطع الكافرين) وقال تعالى (وتخشى الناس والله أحق
أن تخشاه) ثم بين له حال من صدقه بقوله (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أجداً
إلا الله) وأما فى حق المؤمنين فقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) وقال (فلا تخشوم
واخشونى) وإن قلنا بأنه راجع إلى المؤمنين فهو قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم
عنه فانتهوا) ألا ترى إلى قوله ( واتقوا الله) وهو قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين
يدى الله ورسوله) وفى معنى قوله تعالى (وألزمهم كلمة التقوى) على هذا معنى لطيف وهو
أنه تعالى إذا قال (اتقوا) يكون الأمر وارداً ثم إن من الناس من يقبله بتوفيق الله. ويلتزمه
ومنهم من لا يلتزمه، ومن التزمه فقد التزمه بإلزام الله إياه فكأنه قال تعالى (وألزمهم كلمة التقوى)
وفى هذا المعنى رجحان من حيث إن التقوى وإن كان كاملا ولكنه أقرب إلى الكلمة ، وعلى هذا
فقوله ( وكانو أحق بها وأهلها) معناه أنهم كانوا عند الله أكرم الناس فألزموا تقواه، وذلك لأن
قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون معناه أن من يكون
تقواه أكثر يكرمه الله أكثر (والثانى) أن يكون معناه أن من سيكون أكرم عند الله وأقرب إليه
كان أتقى، كما فى قوله «والمخلصون على خطر عظيم)» وقوله تعالى (وثم من خشية ربهم مشفقون)
وعلى الوجه الثانى يكون معنى قوله (وكانوا أحق بها) لأنهم كانوا أعلم بالله لقوله تعالى (إنما يخشى الله
من عباده العلماء) وقوله ( وأهلها) يحتمل وجهين (أحدهما) أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت
وججاناً على الكافرين إن لم يثبت الأهلية، كما لو اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح
له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق فقال فى الأقرب إلى الاستحقاق إذا كان ولابد فهذا أحق،
كما يقال الحبس أهون من القتل مع أنه لامين هناك فقال (وأهلها) دفعاً لذلك (الثانى) وهو أقوى
وهو أن يقال قوله تعالى ( وأهلها) فيه وجوه نبينها بعد مانبين معنى الأحق، فنقول هو يحتمل
وجهين (أحدهما ) أن يكون الأحق بمعنى الحق لا للتفضيل كما فى قوله تعالى (خير مقاماً وأحسن
ندياً) إذ لاخير فى غيره ( والثانى) أن يكون للتفضيل وهو يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون
١٠٤
قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا . سورة الفتح .
:١٫٠
لَّقَدْ صَدَقَ اللَهُ رَسُولَهُ آلرِّيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَآءَ اللّه
ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِ ينَ لَا تَحَافُونَ فَعَلِمَ مَالَمْ تَعْلُواْ لَعَّلُ مِنْ
دُوِنِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا
بالنسبة إلى غيرهم أى المؤمنون أحق من الكافرين (والثانى) أن يكون بالنسبة إلى كلمة التقوى
من كلمة أخرى غير تقوى، تقول زيد أحق بالإكرام منه بالإهانة ، كما إذا سأل شخص عن زيد
إنه بالطب أعلم لو بالفقه، نقول هو بالفقه أعلم أى من الطب.
قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين
محلقين ر.وسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا نجعل من دون ذلك فتحاً قريباً.
بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ووقوفهم عند
ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا
حيث كان النبى صلى الله عليه وسلم رآى فى منامه أن المؤمنين يدخلون مكه ويتمون الحج ولم يبين
له وقتاً فقص رؤياه على المؤمنين، فقطعوا بأن الأمر كما رآى النبى صلى الله عليه وسلم فى منامه
وظنواأن الدخول يكون عام الحديبية، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام الفتح قلبا صالحوا ورجعوا
قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال تعالى (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالخق) وتعدية
صدق إلى مفعولين يحتمل أن يكون بنفسه، وكونه من الأفعال التى تتعدى إلى المفعولين ككلمة
جعل و خلق، ويحتمل أن يقالعدى إلى الرؤيا بحرف تقديرهصدق اللهرسوله فىالرؤيا ، وعلى الأول
معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعودبه وأتى به ، وعلى الثانى معناه ما أراه الله لميكذب
فيه، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رآى فى منأمه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون
قوله (صدق) ظاهراً لأن استعمال الصدق فى الكلام ظاهر، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة
والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله ( صدق الله) معناه أنه أتى بما يحقق المتام ويدل
على كونه صادقاً يقال صدقنى سن بكره مثلا وفيما إذا حقق الأمر الذى يريه من نفسه، مأخوذ من
الإبل إذا قيل له هدع سكن حقق كونه من صغار الإبل، فإن مدع كلمة يسكن بها صغار الإبل
وقوله تعالى (بالحق) قال الزمخشرى هو حال أو قسم أو صفة صدق، وعلى كونهحال تقديره.
صدقة الرؤيا ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقاً ملتبساً بالق وعلى تقدير،
كونه قسما ، إما أن يكون قسما بالله فإن الحق من أسمائه، وإما أن يكون قسما بالحق الذى هو !
نقيض الباطل هذا ماقاله، ويحتمل أن يقال [إن] فيه وجهين آخرين: (أحدهما) أن يقال فيه تقديم
١٠٥
قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام . سورة الفتح .
تأخير تقديره: صدق الله رسوله بالحق الرؤيا، أى الرسول الذى هورسول بالحق وفيه إشارة إلى
امتناع الكذب فى الرؤبا لأنه لما كان ردولا بالحق فلا يرى فى منامه الباطا (والثانى) أن يقال
أن يقال بأن قوله ( لتدخلن المسجد الحرام) إن قلنا بأن الحق قسم فأمر اللام ظاهر، وإن لم يقل به
فتقديره: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، واللّه لتدخلن، وقوله: والله لتدخلن، جاز أن يكون
تفسيراً الرؤبا يعنى الرؤبا هى: والله لندخلن، وعلى هذا تبين أن قوله ( صدق الله) كان فى الكلام
لأن الرؤيا كانت كلاماً، ويحتمل أن يكون تحقيقاً لقوله تعالى (صدق الله رسوله) يعنى واللّه ليقعن
الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ابتداء كلام وقوله تعالى ( إن شاء الله) فيه وجوه (أحدها) أنه
ذكره تعليما للعباد الأدب وتأ كيداً لقول تعالى ( ولا تقولن لشى. إنى فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء
الله) (الثانى) هو أن الدخول لما لم يقع عام الحديبية ، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون
الصلح قال (لتدخلن) ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى (الثالث)
هو أن الله تعالى لما قال فى الوحى المنزل على النبى وزيع (لتدخلن) ذكر أنه بمشيئة الله تعالى، لأن
ذلك من الله وعد ليس عليه دين ولا حق واجب، ومن وعد بشىء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى
وإلا فلا يلزمه به أحد ، وإذا كان هذا حال الموعود به فى الوحى المنزل صريحاً فى اليقظة فما ظنكم
بالوحى بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما يحتمله الكلام ، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون ؟
(الرابع) هو أن ذلك تحقيقاً للدخول وذلك لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد
دخولكم فى هذه السنة ، ونختار دخولكم فى السنة القابلة ، والمؤمنون أرادوا الدخول فى عامهم ولم
يقع. فكان لقائل أن يقول بقى الأمر موقوفاً على مشيئة أهل مكة إن أرادوا فى السنة الآتية يتركوننا
ندخلها . وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط إرادتهم ومشيئتهم ، بل تمام الشرط بمشيئة الله،
وقوله ( محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون) إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره،
فقوله ( لتدخلن) إشارة إلى الأول وقوله ( محلقين) إشارة إلى الآخر، وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ (محلقين) حال الداخلين. والداخل لا يكون الآن محرماً، والمحرم لا يكون
محلقاً ، فقوله (آمنين) ينى عن الدوام فيه إلى الحلق فكأنه قال: تدخلونها آمنين متمكنين من أن
تتموا الحج محلقين.
المسألة الثانية ) قوله تعالى (لا تخافون) أيضا حال معناه غير خاتفين، وذلك حصل بقوله
تعالى (آمنين) فما الفائدة فى إعادتها ؟ نقول: فيه بيان كمال الأمن، وذلك لأن بعد الحلق يخرج
الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل
الحرم فقال: تدخلون آمنين، وتحلقون، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، وقوله تعالى
(فعلم ما لم تعدوا) أى من المصلحة وكون دخولكم فى سنتكم سباً لوط. المؤمنين والمؤمنات.
١٠٦
قوله تعالى : هو الذى أرسل رسوله بالهدى . سورة الفتح .
هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ وَكَفَ بِأَّـ
شَِيدًا ﴾ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رَُةُ بَيْنَهُمْ
تَرَئُهُمْ رُكَعًا مُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانًا
أو (فعلم) للتعقيب، (فعلم) وقع عقيب ماذا؟ نقول إن قلنا المراد من (فعلم) وقت الدخول فهو
عقيب صدق ، وإن قلنا المراد (فعلم) المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب، والتقدير
يعنى حصلت المصلحة فى العام القابل ( فعلم مالم تعلموا) من المصلحة المتجددة (تجعل من دون ذلك
فتحاً قريباً) إما صلح الحديبية، وإما فتح خيبر، وقد ذكرناه وقوله تعالى (وكان الله بكل شىء علي))
يدفع وم حدوث علمه من قوله (فعلم) وذلك لأن قوله (وكان الله بكل شىء عليها) يفيد سبق عليه
العام لكل علم محدث .
قوله تعالى: ﴿ هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله
شهيداً، محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركماً جداً يجغون فضلا
من الله ورضواناً﴾.
تأ کیداً لبيان صدق الله فى رسوله الرؤيا، وذلك لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدى ، لا يريد
مالا يكون مهدياً للناس فيظهر خلافه ، فيقع ذلك سبباً للضلال، ويحتمل وجوهاً أقوى من ذلك،
وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل ، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها فى اليقظة
لا تقع لكل أحد فقال تعالى (هو الذى أرسل رسوله بالهدى) وحكى له ما سيكون فى اليقظة،
ولا يبعد من أن يريه فى المنام ما يقع فلا استبعاد فى صدق رؤياه، وفيها أيضاً بيان وقوع الفتح
ودخل مكا بقوله تعالى (ليظهره على الدين كله) أى من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح
مكت له (والهدى) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى (أنزل فيه القرآن هدى للناس) وعلى هذا
( دين الحق) هو ما فيه من الأصول والفروع، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أى أرسله.
بالحق أى مع الحق إشارة إلى ما شرع، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول (ودين الحق) هو
الأحكام، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول حسب، والألف واللام فى
(الهدى) يحتمل أن تكون للاستغراق أى كل ما هو هدى، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله
تعالى ( ذلك هدى الله يهدى به من يشاء) وهو إما القرآن لقوله تعالى (كتاباً متشابهاً مثاني
تقشعر ) إلى أن قال (ذلك هدى الله يهدى به من يشاء) وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى
(أولئك الذين هدى الله فيهداهم اقتده) والكل من باب واحد لأن مافى القرآن موافق لما اتفق
١٠٧
قوله تعالى : يبتغون فضلاً من الله ورضواناً . سورة الفتح .
عليه الأنبياء وقوله تعالى (ودين الحق) يحتمل وجوها: (أحدها) أن يكون الحق اسم الله
تعالى فيكون كأنه قال: بالهدى ودين الله، (وثانيها) أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون
كأنه قال (ودين) الأمر (الحق) (وثالثها) أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزا ....
(ليظهره) أى أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه (ليظهره على الدين كله) أى جنس.
الدين، فينسخ الأديان دون دينه، وأكثر المفسرين على أن الهاء فى قوله (ليظهره) راجعة إلى
الرسول ، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أى أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أى ليظهر
الدين الحق على الأديان ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو الله، ويحتمل أن
يكون هو النبى أى ليظهر النبى دين الحق، وقوله تعالى (وكفى بالله شهيداً) أى فى أنه رسول الله
وهذا مما يسلى قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب ، وقالوا لإنعلم أنه
رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول اللّه بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى (كفى بالله شهيداً)
فى أنه رسول الله، وفيه معنى لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف فى كل شىء، لكنه فى الرسالة
أظهر كفاية، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل، فإذا قال ملك هذا رسولى، لو أنكركل من
فى الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أى خلل فى رسالته بإنكارهم مع تصديق إياه بأنه
رسولى، وقوله ( محمد رسول الله) فيه وجوه (أحدها) خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذى
سبق ذكره بقوله ( أرسل رسوله)،رسول الله عطف بيان (وثانيها) أن محمداً مبتدأ خبره رسول
الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال (هو الذى أرسل رسوله) ولا تتوقف رسالته إلا على
شهادته، وقد شهد له بها محمد رسول الله من غير نكير (وثالثها) وهو مستنبط وهو أن يقال (محمد)
مبتدأ و(رسول الله) عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز (والذين معه) عطف على محمد، وقوله (أشداء)
خبره ، كأنه تعالى قال (والذين معه) جميعهم (أشداء على الكفار رحماء بينهم) لأن وصف الشدة
والرحمة وجد فى جميعهم ، أما فى المؤمنين فكما فى قوله تعالى ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافريز )
وأما فی حق النبى صلى الله عليه وسلم فکا فی قوله (واغلظ عليهم) وقال فى حقه ( بالمؤمنین ر.وف
رحيم) وعلى هذا قوله (تراهم) لايكون خطاباً مع النبى صلى الله عليه وسلم . م يكون عاماً أخرج
مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائناً من كان ، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع
الانتباه ولا يريد به واحداً بعينه، وقوله تعالى (يبتغون فضلا من الله ورضواناً) لتميز ركوعهم
وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المزائى وسجوده ، فإنه لا يبتغى به ذلك . وفيه
إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الرا كعون والساجدون ( فيوفيهم أجروم
ويزيدهم من فضله) وقال الراكع يبتغى الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر
كان ذلك منه تفضلا، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ماطلب الله منكم ، لأن الأجرة لا تستحق
إلا على العمل الموافق للطلب من المالك ، والمؤمن إذا قال أنا أبتغى فضلك يكون منه اعترافاً
١٠٨
قوله تعالى : سيماهم في وجوههم . سورة الفتح .
سِمَاهُمْ فِى وُجُوِهِهِمٍ مِنْ أَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَئِ وَمَثَلُهُمْ فِى
اُلْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَنْرَجَ شَطْئَهُ فَفَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ
آلُّرَّاعَ
---
بالتقصير فقال (يبتغون فضلا من الله) ولم يقل أجراً.
قوله تعالى: ﴿ سيمام فى وجوههم من أثر السجود﴾ فيه وجهان (أحدهما) أن ذلك يوم
القيامة . كما قال تعالى ( يوم تبيض وجوه) وقال تعالى (نورثم يسعى) وعلى هذا فنقول نورم
فى وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام (إنى وجهت وجهى الذى:
فطر السموات والأرض) ومن يحاذى الشمس يقع شعاعها على وجهه ، فيقبين على وجهه النور
منبطاً، مع أن الشمس لها نور عارضى يقبل الزوال، والله نور السموات والأرض فمن يتوجه
إلى وجهه یظهر فى وجهه نور يبهر الأنوار (وثانيهما) أن ذلك فى الدنيا وفيه وجهان (أحدهما):
أن المراد ما يظهر فى الجباه بسبب كثرة السجود ( والثانى) ما يظهره الله تعالى فى وجوه الساجدين.
ليلا من الحسن نهاراً ، وهذ محقق لمن يعقل فان رجلين يسهران بالليل أحدهما قداشتغل بالشراب.
واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد فى اليوم الثانى يفرق بين
الساخر فى الشرب واللعب ، وبين الساهر فى الذكر والشكر .
قوله تعالى : ﴿ ذلك مثلهم فى التوراة ﴾ فيه ثلاثة أوجه مذكورة (أحدها) أن يكون (ذلك)
مبتدأ، و (مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل) خبراً له، وقول تعالى (كزرع أخرج شطأه) خبراً
مبتدأ محذوف تقديره و مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل کزرع( وثانيها )أن يكون خبر ذلك هو
قوله (مثلهم فى التوراة) وقوله (ومثلهم فى الإنجيل) مبتدأ وخبره كزرع (وثالثها ) أن يكون ذلك
إشارة غير معينة أو ضحت بقوله تعالى ( كزرع) كقوله (ذلك الأمر أن دابر مؤلاء مقطوع.
مصبحین) وفيه وجه ( رابع) وهو أن يكون ذلك خبراً له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر فى
وجوههم ذلك يقال ظهر فى وجهه أثر الضرب، فنقول أى واللّه ذلك أى هذا ذلك الظاهر، أوا
الظاهر الذى تقوله ذلك .
قوله تعالى : ﴿ ومثلهم فی الإنجيل کزرع أخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه
يعجب الزراع ﴾ .
أى وصفوا فى الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفاً
وله نمو إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، والشطء الفرخ و(فآزره) يحتمل أن يكون المراد أخرج
١٠٩
قوله تعالى : ليغيظ بهم الكفار . سورة الفتح .
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَبْرًا
عَظيمًا
٢٩
الشط. وآزر الشط.، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله (يعجب الزراع).
قوله تعالى: ﴿ ليغيظ بهم الكفار﴾ أى تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو.
قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أى وعد ( ليغيظ بهم الكفار)
يقال رغماً لأنفك أنعم عليه .
قوله تعالى: ﴿منهم مغفرة وأجراً عظيما﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض، ويحتمل أن يقال هو
للتبعيض، ومعناه : ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم، والعظيم والمغفرة
قد تقدم مراراً والله تعالى أعلم، وههنا لطيفة وهو أنه تعالى قال فى حق الرا كعين والساجدين (إنهم
يبتغون فضلا من الله) وقال: لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن
عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتد به، فقال لا أبتغى إلا فضلك، فإن عملى نزر
لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجراً إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع
وعدم كونه عند الله نزراً لا يستحق عليه المؤمن أجراً، وقد علم بما ذكرنا مراراً أن قوله (وعد
الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) لبيان ترقب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال
تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) والأجر العظيم على العمل
الصالح والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الخميس السابع عشر من شهر
ذى الحجة سنة ثلاث وستمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والحمد لله
رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
١١٠
سورة الحجرات
(٤٩) سُورَة المُرَاتِ مَدِّنْبَة
وَآيَاتِهَائَِانِى عَشِرَة
٠٠
◌ِشْـ
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾.
فى بيان حسن الترتيب وجوه : (أحدها) أن فى السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إنى
الامتناع ما أجاز النبى وضع من الصلح وترك آية القسمية والرسالة وألزمهم كلمة التقوى كأن
رسول الله وَبيع قال لهم على سبيل العموم: لا تقدموا بين يدى الله ورسوله، ولا تتجاوزوا
ما يأمر الله تعالى ورسوله (الثانى) هو أن الله تعالى لما بين محل النبى عليه الصلاة والسلام وعلو
درجته بكونه رسوله الذى يظهر دينه وذكره بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله (رحيما) قال لا تركوا
من احترامه شيئاً لا بالفعل ولا بالقول، ولا تغتروا برأفته، وانظروا إلى رفعة درجته (الثالث)
هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم: أشداء، ورحما. فيما بينهم، را كمين ساجدين نظراً إلى
جانب الله تعالى، وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء فى الكتب المتقدمة بقوله
( ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل ) فإن الملك العظيم لا يذكر أحداً فى غيبته إلا إذا كان
عنده محترماً ووعدهم بالأجر العظيم ، فقال فى هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم
وإحباظ حسناتكم ( ولا تقدموا) وقيل فى سبب نزول الآية وجوه : قيل نزلت فى صوم يوم
الشك ، وقيل نزلت فى التضحية قبل صلاة العيد ، وقيل نزلت فى ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما
من بنى عامر، وقيل نزلت فى جماعة أكثروا من السؤال وكان قد قدم على النبى محمدبنع وفود والأصح
أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على
فعل غبر ضرورى من غير مشاورة وفى التفسير مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قوله تعالى (لا تقدموا) يحتمل وجهين: (أحدهما ) أن يكون من
التقديم الذى هو متعد، وعلى هذا ففيه وجهان : (أحدهما) ترك مفعوله برأسه كما فى قوله تعالى
١١١
قوله تعالى : واتقوا الله . سورة الحجرات .
(يحي ويميت) وقول القائل فلان يعطى ويمنع ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شىء معين
وإنما يريد بهما أن له منعاً وإعطاء كذلك ههنا ، كأنه تعالى يقول لا ينبغى أن يصدر منكم تقديم
أصلا (والثانى) أن يكون المفعول الفعل أو الأمر كأنه يقول (لا تقدموا) يعنى فعلا (بين يدى الله
ورسوله) أولا تقدموا أمراً (الثانى) أن يكون المراد (لا تقدموا) بمعنى لا تتقدموا، وعلى هذا فهو
بازليس المراد هو نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً عندالنبى توزيع يقال فلان تقدم من
بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه ، والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدماً فى الدخول فى
الأمور العظام، وفى الذكر عند ذكر الكرام ، وعلى هذا نقول سواء جعلناه متعدياً أو لازماً لا
يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم فى قولنا قدمت زيداً، فالمعنى واحدلأن قوله (لا تقدموا) إذا جعلناه
متعدياً أو لازماً لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم فى قولنا قدمت زيداً ، فتقدره لا تقدموا
أنفسكم فى حضرة النبى ورائع أى لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً ورأياً عنده، ولانقول بأن المرادلا تقدموا
أمراً وفعلا، وحينئذ تتحد القراءتان فى المعنى، وهما قراءة من قرأ بفتح التاء والدال وقراءة من
قرأ بضم التاء وكسر الدال ، وقوله تعالى (بين يدى الله ورسوله) أى بحضرتهما لأن ما بحضرة
الإنسان فهو بین یدیه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه وفى قوله ( بین یدی الله ورسوله) فوائد:
(أحدها) أن قول القائل فلان بين يدى فلان، إشارة إلى كون كل واحد منهما حاضراً عند
الآخر مع أن لأحدهما على الشأن والآخر درجة العبيد والغلمان ، لأن من يجلس بجنب الإنسان
يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام والأمر ، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه
ذلك، ولأن اليدين تنى عن القدرة يقول القائل هو بين يدى فلان، أى يقلبه كيف شاء فى أشغاله
كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعاً بين يديه، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز من التقدم ،
وتقديم النفس لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون له عنده التقدم ( وثانيها)
ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لأوامره ، وذلك
لأن احترام الرسول رائع قد يترك على بعد المرسل وعدم إطلاعه على ما يفعل برسوله فقال (بين
يدى الله) أى أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم، وفى مثل هذه الحالة يجب احترام رسوله
( وثالثها) هو أن هذه العبارة كما تقرر النهى المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله (وانقوا)
لأن من يكون بين يدى الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديراً بأن يتقيه ،
وقوله تعالى (واتقوا الله) يحتمل أن يكون ذلك عطفاً يوجب مغايرة مثل المغايرة التى فى قول القائل
لا تم واشتغل ، أى فائدة ذلك النهی هو مافی هذا،الأمر ، وليسالمطلوب بهتركالنوم کیفکان ، بل
المطلوب بذلك الاشتغال فكذلك لا تقدموا أنفسكم ولا تتقدموا على وجه التقوى ، ويحتمل أن
يكون بينهما مغايرة أتم من ذلك ، وهى التى فى قول القائل احترم زيداً واخدمه ، أى انت بأتم
الاحترام ، فكذلك ههنا معناه لا تنقدموا عنده وإذا تركتم التقدم فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا
١١٢
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم . سورة الحجرات .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَاتَرْقَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيِّ وَلَا تَجْهَمُواْلَهُ.
٠٤٠
بِالْقَوْلِ بَخَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ("
بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له اتقوا الله واخشوه وإلا لم تكونو أنيتم بواجب الاحترام
وقوله تعالى (إن الله سميع عليم) يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا آمناً، لأن الخطاب يفهم بقوله
(يا أيها الذين آمنوا) فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما فى قلوبهم من التقوى والخيانة ، فلا ينبغى
أن يختلف قولكم وقعلكم وضمير قلبكم، بل ينبغى أن يتم ما فى سمعه من قولكم آمناً بوسمعنا وأطعنا
وما فى علمه من فعلكم الظاهر، وهو عدم التقدم وما فى قلوبكم من الضمائر وهو التقوى. أ . ...
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتزفدوا أصواتكم فوق صوت التى ولا تجهزواله بالقول
كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾.
( لا تقدموا) نهى عن فعل يفى. عن كونهم جاعلين لأنفسهم عند الله ورسوله بالنسبة إليهمنا
وزناً ومقداراً ومدخلا فى أمر من أو امرهما ونواهيهما، وقوله (لا ترفعوا) نهى عن قول ينى.
عن ذلك الأمر، لأن من يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتباراً وعظمة وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) ما الفائدة فى إعادة النداء، وما هذا النمط من الكلامين على قول القائمل
(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله)، و(لا ترفعوا أصواتكم)؟ نقول فى إعادة النداء فوائد
خمسة: منها أن يكون فى ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما فى قول لقمان لابنه (إنى لا تشرك
بالله، بابى إنها إن تك مثقال حبة، يا بنى أقم الصلاة) لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام
ويجعل باله منه، فإعادته تفيد ذلك، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن الخاطب ثانياً غير المخاطب أولا، فإن
من الجائز أن يقول القائل يازيد أفعل كذا وقل كذا باعمرو، فإذا أعاده مرة أخرى، وقال يازيد
قل كذا، يعلم من أول الكلام أنه هو المخاطب ثانياً أيضاً ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين
مقصود، وليس الثانى تأ كيداً للأول كما تقول يازيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق فإنه لا يحسن أن
يقال يازيد لا تنطق يازيد لا تتكلم كما بحسن عند اختلاف المطلوبين، وقوله تعالى (لا ترفعوا
أصواتكم) يحتمل وجوها: (أحدها) أن يكون المراد حقيقته، وذلك لأن رفع الصوت دليل
قلة الاحتشام وترك الاحترام، وهذا من مسألة حكمية وهى أن الصوت بالمخارج ومن خشى قلبه
ارتجف وتضعف حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف ثبت قلبه وقرى، فرفع
الهواء دليل عدم الخشبية ( ثانيها) أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن من يكثر الكلام
يكون متكلما عن سكوت الغير فيكون فى وقت سكوت الغير لصوته ارتفاع وإن كان خائفاً إذا
نظرت إلى حال غيره فلا ينبغى أن يكون لأحد عند النبى و علام كثير بالنسبة الى كلام النبى.
١١٣
قوله تعالى: لا ترفعوا أصواتكم . سورة الحجرات .
لأن التى عليه الصلاة والسلام مبلغ، فالمتكلم عنده إن أراد الإخبار لا يجوز، وإن استخبر النبى
عليه السلام عما وجب عليه البيان، فهو لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل، وربما يكون فى
السؤال حقيدة برد جواب لا يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى فى ورطة العقاب ( ثالثها) أن
يكون المراد رفع الكلام بالتعظيم أى لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعاً على كلام النبى ربين فى الخطاب
كما يقول القائل لغيره أمرتك مراراً بكذا عند ما يقول له صاحبه مرنى بأمر مثله، فيكون أحد
الكلامين أعلى وأرفع من الآخر، والأول أصح والكل يدخل فى حكم المراد، لأن المنع من رفع
الصوت لا يكون إلا للاحترام وإظهار الاحتشام، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات
عنده من هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا يرجع المتكلم معه فى الخطاب ، وقوله
تعالى ( ولا تجهروا له بالقول كهر بعضكم لبعض ) فيه فوائد:
﴿ إحداها) أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النبى
ولا وصوته، ولقائل أن يقول فما منعت من المساواة فقال تعالى ( ولا تجهروا له ) كما تجهرون
الأقرانكم ونظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا .
﴿ والثانية) أن هذا أفاد أنه لا ينبغى أن يتكلم المؤمن عند النبى عليه السلام كما يتكلم العبد
عند سيده، لأن العبد داخل تحت قوله (باهر بعضكم لبعض) لأنه للعموم فلا ينبغى أن يجهر المؤمن
النبى صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض، لا يقال
المفهوم من هذا النمط أن لاتجعلوه كما يتفق بينكم ، بل تميزوه بأن لا تجهروا عنده أبداً وفيما بينكم
لاتحافظون على الإحترام، لأنا نقول ماذكرنا أقرب إلى الحقيقة، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة،
ويؤيد ماذكرنا قوله تعالى (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم) والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه
حتى لوكانا فى مخمصة ووجد العبد مالو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبى
صلى الله عليه وسلم، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه فى التهلكة لإنجاء سيده،
ويجب لإنجاء النى عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية، وأن الحكمة تقتضى
ذلك كما أن الغضوا الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لأن عند خلل القلب مثلا لا بقى اليدين والرجلين
استقامة فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبى عليه الصلاة والسلام لهلك هو أيضاً بخلاف
العبد والسيد .
( الفائدة الثانية) أن قوله تعالى (لاترفعوا أصواتكم) لما كان من جنس (لا تجهروا)
لم يستأنف النداء، ولما كان هو مخالف التقدم لكون أحدهما فعلاو الآخر قولا استأنف. كما فى
قول لقمان ( يابنى لا تشرك) وقوله ( يا بنى أقم الصلاة) لكون الأول من عمل القلب والثانى من
عمل الجوارح، وقوله (يابنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر) من غير استئناف النداء
لأن الكل من عمل الجوارح .
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٨
١١٤
قوله تعالى : إن الذين يغضون أصواتهم . سورة الحجرات .
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اللهُ
واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله (لا ترفعوا أصواتكم) أى لاتكثروا الكلام فقوله
(ولا تجهروا) يكون مجازاً عن الإتيان بالكلام عن النبى صلى الله عليه وسلم بقدر مايؤتى به
عند غيره، أى لا تكثروا وقالوا غاية التقليل، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب قالمراد بقوله
(لا تجهروا) أى لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى (أن تحبط أعمالكم) فيه وجهان
مشهوران: (أحدهما ) لئلا تخبط ( والثانى) كراهة أن تحبط ، وقد ذكرنا ذلك فى قوله تعالى
( يبين الله لكم أن تضلوا) وأمثاله، ويحتمل ههنا وجهاً آخر وهو أن يقال معناه: واتقوا الله
واجتنبوا أن تحبط أعمالكم، والدليل على هذا أن الإضمار لما لم يكن منه بد فما دل عليه الكلام
الذى هو فيه أولى أن يضمر والأمر بالتقوى قد سبق فى قوله تعالى ( واتقوا) وأما المعنى فنقول
قوله (أن تحبط) إشارة إلى أنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتكم تتمكن منكم هذه الرذائل وتؤدى
إلى الاستحقار، وإنه يفضى إلى الانفراد والارتداد المحبط وقوله تعالى (وأنتم لا تشعرون) إشارة
إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان، فإن من ارتكب ذنباً لم يرتكبه فى عمره
تراه نادماً غاية الندامة خائفاً غاية الخوف فإذا ارتكبه مراراً يقل الخوف والندامة ويصير عادة
من حيث لا يعلم أنه لا يتمكن ، وهذا كان للتمكن فى المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها ،
وهذا كما أن من بلغه خبر فإنه لا يقطع بقول المخبر فى المرة الأولى ، فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ
حد التواتر يحصل له اليقين ويتمكن الاعتقاد ، ولا يدرى متى كان ذلك، وعند أى خبر حصل هذا
اليقين ، فقوله ( وأنتم لا تشعرون) تأكيد للمنع أى لا تقولوا بأن المرة الواحدة تعقى ولا توجب
رده، لأن الأمر غير معلوم فاحسموا الباب، وفيه بيان آخروهو أن المكلف إذا لم يحترم التى تبيع
ويجعل نفسه مثله فيما يأتى به بناء على أمره يكون كما يأتى به بناء على أمر نفسه ، لكن ما تأمر به
النفس لا يوجب الثواب وهو مخط حابط، كذلك ما يأتى به بغير أمر التى تعرض له حيفئذ حابط
محبط والله أعلم .
واعلم أن الله تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبى صب له وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى
كل من خلقه الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالرأفة والرحمة، وأن يكون ارأنى بهم من الوالد، كما
قال (واخفض جناحك للمؤمنين) وقال تعالى ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) وقال
(ولا تكن كصاحب الحوت ) إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون
الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله .
قوله تعالى: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن انه
١١٥
قوله تعالى : امتحن الله قلوبهم للتقوى . سورة الحجرات .
قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى
قلوبهم للتقوى
وفيه الحث على ما أرشدهم إليه من وجهين (أحدهما) ظاهر لكل أحد وذلك فى قوله تعالى
( امتحن الله قلوبهم للتقوى) وبيانه هو أن من يقدم نفسه ويرفع صوته يريد إكرام نفسه واحترام
شخصه، فقال تعالى ترك هذا الإحترام يحصل به حقيقة الاحترام، وبالإعراض عن هذا الإكرام
يكمل الإكرام، لأن به تقبين تقواكم، و(إن أكرمكم عند الله أنقا كم) ومن القبيح أن يدخل
الإنسان حراماً فيتخير لنفسه فيه منصباً ويفوت بسببه منصبة عند السلطان، ويعظم نفسه فى الخلاء
والمستراح وبسببه يهون فى الجمع العظيم، وقوله تعالى ( امتحن الله قلوبهم للتقوى) فيه وجوه:
(أحدها) امتحنها ليعلم منها التقوى فإن من يعظم واحداً من أبناء جنسه لكونه رسول مرسل يكون
تعظيمه للمرسل أعظم وخوفه منه أقوى ، وهذا كما فى قوله تعالى ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من
تقوى القلوب ) أى تعظيم أوامر الله من تقوى الله فكذلك تعظيم رسول الله من تقواه (الثانى)
امتحن أى علم وعرف، لأن الامتحان تعرف الشىء فيجوز استعماله فى معناه ، وعلى هذا فاللام
تتعلق بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم صالحة ، أى كائنة للتقوى، كما يقول القائل أنت لكذا
أى صالح أو كان (الثالث) امتحن: أى أخلص يقال: للذهب متجن ، أى مخلص فى النار وهذه
الوجوه كلها مذكورة ويحتمل أن يقال معناه امتحنها للتقوى اللام للتعليل، وهو يحتمل وجهين
(أحدهما ) أن يكون تعليلا يجرى مجرى بيان السبب المتقدم، كما يقول القائل: جئتك لإكرا.ك
لى أمس، أى صار ذلك الإكرام السابق سبب المجىء ( وثانيها) أن يكون تعليلا بحری مجرى بان
غاية المقصود المتوقع الذى يكون لاحقاً لا سابقاً كما يقول القائل جئتك لأداء الواجب ، فإن قلنا
بالأول فتحقيقه هو أن الله على ما فى قلوبهم من تقواه ، وامتحن قلوبهم للنقوى التى كانت فيها ،
ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم ، بل
كان يقول لهم آمنوا برسولى ولا تؤذوه ولا تكذبوه، فإن الكافر أول ما يؤمن يؤمن بالاعتراف
بکون النی ژے صادقاً ، وبین من قيل له لا تستهزی. برسول الله ولا تکذبه ولا تؤذه، و بین من
قيل له لا ترفع صوتك عنده ولا تجعل لنفسك وزناً بين يديه ولا تجهر بكلامك الصادق بين
يديه ، بون عظيم :
واعلم أن بقدر تقديمك للنبى عليه الصلاة والسلام على نفسك فى الدنيا يكون تقديم النبى عليه
الصلاة والسلام إياك فى العقبى، فإنه لن يدخل أحد الجنة مالم يدخل الله أمته،المتقين الجنة، فان قلنا
بالثانى فتحقيقه هو أن الله تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته ومعرفة رسوله بالتقوى، أى أيرزقهم الله
التقوى التى هى حق التقاة ، وهى التى لا تخشى مع خشية الله أحداً فتراء آمناً من كل مخيف لا يخاف
١١٦
قوله تعالى : لهم مغفرة وأجر عظيم . سورة الحجرات .
لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَبْرٌ عَظِيمٌ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ چے
فى الدنيا بخساً، ولا يخاف فى الآخرة نحساً، والناظر العاقل إذا علم أن بالخوف من السلطان يأمن
جور الغلمان ، وبتجنب الأراذل ينجو من بأس السلطان فيجعل خوف السلطان جنة . فكذلك
العالم لو أمعن النظر لعلم أن بخشية الله النجاة فى الدارين وبالخوف من غيره الهلاك فيهما فيجعل
خشية الله جنته الى يحس بها نفسه فى الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم﴾.
وقد ذكرنا أن المغفرة إزالة السيئات التى هى فى الدنيا لازمة للنفس والأجر العظيم إشارة إلى
الحياة التى هى بعد مفارقة الدنيا عن النفس ، فيزيل الله عنه القبائح البهيمية ويلبسه المحاسن الملكية.
قوله تعالى : ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون
بياناً لحال من كان فى مقابلة من تقدم فان الأول غض صوته والآخر رفعه، وفيه إشارة أى
أنه ترك لأدب الحضور بين يديه وعرض الحاجة عليه، وأما قول القائل للملك يا فلان من سوء
الأدب، فإن قلت كل أحد يقول يا أنه مع أن الله أكبر، نقول النداء على قسمين (أحدهما) لتنبيه
المنادى ( وثانيهما) لإظهار حاجة المنادى ( مثال الأول) قول القائل لرفيقه أو غلامه: يا فلان
( ومثالالثانى) قول القائل فى الندبة : یا أمير المؤمناه أو یا زيداه، ولقائل أن يقول : إن كان زید
بالمشرق لا تنبيه فإنه محال، فكيف يناديه وهو ميت؟ فنقول قولنا يا ألله لإظهار حاجة الأنفس
لا لتنبيه المنادى، وإنما كان فى النداء الأمران جميعاً لأن المنادى لا ينادى إلا لحاجة فى نفسه يعرضها
ولا ينادى فى الأكثر إلا معرضاً أو غافلا، حصل فى النداء الأمران ونداؤهم كان للتنبيه وهوسوء أدب
وأما قول أحدنا للكبير ياسيدى ويامولاى فهو جار مجرى الوصف والإخبار (الثانى) النداء من وراء
الحجرات فان من ينادى غيره ولا حائل بينهمالا يكلفه المشى والمجىء بل يجيبه من مكانه ويكلمه ولا
يطلب المنادى إلا لالتفات المنادى إليه ومن ينادى غيره من وراء الحائل فكا نه يريد منه حضوره كمن
ينادى صاحب البسنان من خارج البستان (الثالث) قوله (الحجرات ) إشارة إلى قول النبى صلى
الله عليه وسلم فى خلوته التی لا يحسن فى الأدب إتيان المحتاج إليه فى حاجته فى ذلك الوقت ، بل
الأحسن التأخير وإن كان فى ورطة الحاجة، وقوله تعالى (أكثرهم لا يعقلون) فيه بيان المعايب
بقدر مافى سوء أدبهم من القبائح، وذلك لأن الكلام من خواص الإنسان، وهو أعلى مرتبة من
غيره ، وليس لمن دونه كلام ، لكن النداء فى المعنى كالتنبيه، وقد يحصل بصوت ، يضرب شىء على شىء
١١٧
قوله تعالى : ولو أنهم صبروا . سورة الحجرات .
وَلَوْ أَنْهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ
وفى الحيوانات العجم ما يظهر لكل أحد كالنداء، فإن التناة تصيح وتطلب ولدها وكذلك غيرها من
الحيوانات ، والسخلة كذلك فكان النداء حصل فى المعنى لغير الآدمى ، فقال الله تعالى فى حقهم
(أ کثرهم لا يعقلون) یعنی النداء الصادر منهم لما لم یکن مقروناً بحسن الأدب کاوا فيه خارجین
عن درجة من يعقل وكان نداؤهم كصياح صدر من بعض الحيوان ، وقوله تعالى (أكثرهم) فيه
وجهان (أحدهما) أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل ، وإنما تأتى بالأكثر احترازاً عن
الكذب واحتياطاً فى الكلام، لأن الكذب مما يحبط به عمل الإنسان فى بعض الأشياء فيقول
الأكثر وفى اعتقاده الكل ، ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه بالأمورأتى بما يناسب كلامهم، وفيه
إشارة إلى لطيفة وهى أن الله تعالى يقول: أنا مع إحاطة علمى بكل شىء جريت على عادتكم استحساناً
لتلك العادة وهى الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها، واجعلوا اختيارى ذلك فى كلامى دايلا
قاطعاً على رضائى بذلك ( وثانيهما) أن يكون المراد أنهم فى أكثر أحوالهم لا يعقلون، وتحقيق
هذا هو أن الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر يكون المجموع الأول غير
المجموع الثانى ، مثاله الإنسان یکون جاهلا وفقیراً فیصیر عالماً وغنياً فیقال فى العرف زيد ليس هو
الذى رأيته من قبل بل الآن على أحسن حال ، فيجعله كأنه ليس ذلك إشارة إلى ما ذكرنا. إذا علم
هذا فهم، فى بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة ، مغايرون لأنفسهم إذا اعتبرتهم مع غيرها
فقال تعالى (أكثرهم) إشارة إلى ماذكرناه، وفيه وجه ثالث وهو أن يقال لعل منهم من رجع
عن تلك الأهواء ، ومنهم من استمر على تلك العادة الرديئة فقال أكثرهم إخراجاً لمن ندم
منهم عنهم ..
قوله تعالى : ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم ﴾ إشارة إلى حسن الأدب
الذى على خلاف ما أتوا به من سوء الأدب فإنهم لو صبروا لما احتاجوا إلى النداء، وإذا كنت
تخرج إليهم فلا يصح إتيانهمّ فى وقت اختلائك بنفسك أو بأهلك أو بربك ، فإن النفس حقاً.
وللأهل حقاً، وقوله تعالى ( لكان خيراً لهم) يحتمل وجهين (أخدهما) أن يكون المراد أن ذلك
هو الحسن والخير كقوله تعالى (خير مستقراً)، (وثانيهما) أن يكون المراد هوأن بالنداء وعدم
الصبر يستفيدون تنجيز الشغل ودفع الحاجة فى الحال وهو مطلوب ، ولكن المحافظة على النبى
صلى الله عليه وسلم وتعظيمه خير من ذلك، لأنها تدفع الحاجة الأصليه التى فى الآخره وحاجات
الدنيافضلية، والمرفوع الذى يقتضيه كلمة (كان) إما الصبر وتقديره لو أنهم صبروا لكان الصبر خيراً،
أو الخروج من غير نداء وتقديره لوصبروا حتى تخرج إليهم لكان خروجك من غير نداء خيراً لهم،
وذلك مناسب الحكاية ، لأنهم طلبوا خروجه عليه الصلاة والسلام ليأخذوا ذراريهم ، مخرج
١١٨
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق . سورة الحجرات .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍ فَتَبَّنُوا أَنْ
تُصِيبُوا قَوْمَا بَهَلَةٍ فَتُصِْحُواْ عَلَى مَافَعَلْتُمْ نَكِمِينَ (
٦
وأعتق نصقهم وأخذوا نصفهم، ولو صبروا لكان يعتق كلهم والأول أصح.
قوله تعالى: ﴿والله غفور رحيم﴾ تحقيقاً لأمرين (أحدهما) لسوء صنيعهم فى التعجل،
فإن الإنسان إذا أتى بقبيح ولا يعاقبه الملك أو السيد يقال ما أحلم سيده لا لبيان حلمه ، بل لبيان
عظيم جناية العبد ( وثانيهما) لحسن الصبر يعنى بسبب إتيانهم بما هو خير، يغفر الله لهم سيئاتهم
ويجعل هذه الحسنة كفارة لكثير من السيئات ، كما يقال الآبق إذا رجع إلى باب سيده, أحسنت
فى رجوعك وسيدك رحيم ، أى لا يعاقبك على ما تقدم من ذنبك . بسبب ما أتيت به من الحسنة
ويمكن أن يقال بأن ذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصفح، وقوله تعالى (أكثرهم لا يعقلون)
كالعذرلهم، وقد ذكرنا أن الله تعالى ذكر فى بعض المواضع الغفران قبل الرحمة، كما فى هذه السورة
وذكر الرحمة قبل المغفرة فى سورة سبأ فى قوله (وهو الرحيم الغفور) حيث قال (غفور رحيم)
أى يغفر سيئاته ثم ينظر إليه فيراه عارياً محتاجاً فيرحمه ويلبسه لباس الكرامة وقد يراه مغموراً فى.
السيئات فيغفر سيئاته ، ثم يرحمه بعد المغفرة ، فتارة تقع الإشارة إلى الرحمة التى بعد المغفرة فيقدم
المغفرة، وتارة تقع الرحمة قبل المغفرة فيؤخرها، ولما كانت الرحمة واسعة توجد قبل المغفرة
وبعدها ذكرما قبلها وبعدها .
:
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنيا فتبينوا أن تصيبوا قوماً بحمالة فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين
هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وهى إما مع الله تعالى أو مع الرسول
صلى الله عليه وسلم أو مع غيره) من أبناء الجنس، وهم على صنفين، لأنهم إما أن يكونوا على طريقة
المؤمنين وداخلين فى رتبة الطاعة أو خارجاًعنها وهو الفا-ق. والداخل فى طائفتهم السالك لطريقتهم
إما أن يكون حاضراً عندهم أو غائباً عنهم فهذه خمسة أقسام (أحدما) يتعلق بجانب الله و (ثانيها)
بجانب الرسول و(فائها) بجانب الفساق و(رابعها) بالمؤمن الحاضر و( خامسها) بالمؤمن الغائب
فذكرهم الله تعالى فى هذه السورة خمس مرات (يا أيها الذين آمنوا) وأرشدهم فى كل مرة إلى مكرمة
مع قسم من الأقسام الخمسة فقال أولا ( ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدعى أقه ورسوله) وذکر
الرسول كان لبيان طاعة الله لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله، وقال ثانياً ( يا أيها الذين آمنوا لا
ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى) لبيان وجوب احترام النبى مريم وقال ثالثاً (يا أيها الذين آمنوا
إن جاءكم فاسق بنبإ) لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم، فإنهم يربدون إلقاء الفتنة
١١٩
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق . سورة الحجرات
بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقال رابعاً ( يا أيها الذين
آمنوا لا يسخر قوم من قوم) وقال ( ولا تنابزوا ) لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين فى حضورهم
والازدراء بحالهم ومنصبهم، وقال خامساً ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض
الظن إثم) وقال (ولا تجسسوا) وقال (ولا يغتب بعضكم بعضاً) لبيان وجوب الاحتراز
عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته، وذكر مالو كان حاضراً لتأذى، وهو فى غاية الحسن من
الترتيب، فإن قيل: لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله ،
ثم بالمؤمن الحاضر ، ثم بالمؤمن الغائب، ثم بالفاسق؟ نقول: قدم اللّه ماهو الأهم على مادونه ،
فذكر جانب اللّه، ثم ذكر جانب الرسول ، ثم ذكر ما يفضى إلى الاقتال بين طوائف المسلمين
بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفاراً للصدور، وأما
المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذى المؤمن إلى حد يفضى إلى القتل ، ألا ترى أن الله تعالى ذكر
عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال ، فقال ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وفى التفسير مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى سبب نزول هذه الآية، هو أن النبى عن لهي بعث الوليد بن عقبة، وهو
أخو عثمان لأمه إلى بني المصطلق ولياً ومصدقاً فالتقوه، فظنهم مقاتلين، فرجع إلى النبى حول وقال:
إنهم امتنعوا ومنعوا، فهم الرسول عَ له بالإيقاع بهم، فنزلت هذه الآية، وأخبر النبي صلى الله
عليه وسلم بأنهم لم يفعلوا من ذلك شيئاً ، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت فى ذلك الوقت ،
وأما إن قالوا بأنها نزلت لذلك مقتصراً عليه ومتعدياً إلى غيره فلا ، بل نقول هو نزل عاماً لبيان
التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق، ويدل على ضعف قول من يقول: إنها نزلت لكذا،
أن الله تعالى لم يقل إنى أنزلتها لكذا، والنبى صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه بين أن الآية
وردت لبيان ذلك لحسب ، غاية مافى الباب أنها نزلت فى ذلك الوقت ، وهو مثل التاريخ لنزول
الآية، ونحن نصدق ذلك ، ويتأكد ماذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سى. بعيد، لأنه
توهم وظن فأخطأ، والمخطىء لا يسمى فاسقاً، وكيف والفاسق فى أكثر المواضع المراد به من
خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) وقوله تعالى ( ففسق عن
أمر ربه) وقوله تعالى ( وأما الذين فسقوا فأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها)
إلى غير ذلك .
المسألة الثانية) قوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنا) إشارة إلى لطيفة، وهى أن المؤمن
كان موصوفاً بأنه شديد على الكافر غليظ عليه ، فلا يتمكن الفاسق من أن يخبره بنبأ ، فإن تمكن
منه يكون نادراً، فقال (إن جاءكم) بحرف الشرط الذى لإ يذكر إلا مع التوقع، إذ لا يحسن
أن يقال: إن احمر البسر ، وإن طلعت الشمس.
المسألة الثالثة ﴾ النكرة فى معرض الشرط تعم إذا كانت فى جانب الثبوت، كما أنها تعم فى
١٢٠
قوله تعالى : أن تصيبوا قوماً بجهاله . سورة الحجرات .
الإخبار إذا كانت فى جانب النفى ، وتخص فى معرض الشرط إذا كانت فى جانب النفى ، كما تخص
فى الإخبار إذا كانت فى جانب الثبوت، فلنذكر بيانه بالمثال ودليله ، أما بيانه بالمثال فنقول: إذا
قال قائل لعبده: إن كلمت رجلا فأنت حر، فيكون كأنه قال: لا أكلم رجلا حتى يعتق بتكلم كل
رجل ، وإذا قال: إن لم أكلم اليوم رجلا فأنت حر ، يكون كأنه قال : لا أكلم اليوم رجلا حتى
لا يعتق العبد بترك كلام كل رجل ، كما لا يظهر الحلف فى كلامه بكلام كل رجل إذا ترك الكلام
مع رجل واحد، وأما الدلیل فلأن النظر أولا إلى جانب الإثبات، ألا ترى أنه من غير حرف
لما أن الوضع للاثبات والنفى بحرف ، فقول القائل: زيد قائم، وضع أولا ولم يحتج إلى أن يقال
مع ذلك حرف يدل على ثبوت القيام لزيد ، وفى جانب النفى احتجنا إلى أن نقول : زيد ليس بقائم ،
ولو كان الوضع والتركيب أولاً للنفى، لما احتجنا إلى الحرف الزائد اقتصاراً أو اختصاراً، وإذا
كان كذلك فتقول القائل: رأيت رجلا، يكفى فيه ما يصحح القول وهو رؤية واحد، فإذا قلت:
مارأيت رجلا ، وهو وضع لمقابلة قوله: رأيت رجلا، وركب لتلك المقابلة ، والتقابلان ينبغى
أن لا يصدقا، فقول القائل: ما رأيت رجلا، لو كفى فيه انتفاء الرؤية عن غير واحد لصح قولنا:
رأيت رجلا ، وما رأيت رجلا، فلا يكونان متقابلين، فيلزمنا من الاصطلاح الأول الاصطلاح
الثانى ، ولزم منه العموم فى جانب النفى، إذا علم هذا فنقول: الشرطية وضعت أولا ، ثم ركبت
بعد الجزمية بدليل زيادة الحرف وهو فى مقابلة الجزمية، وكان قول القائل؛ إذ لم تكن أنت حراً
ما كلمت وجلا يرجع إلى معنى النفى ، وكما علم عموم القول فى الفاسق علم عمومه فى النبأ فمعناه: أى
فاسق جاءكم بأى نبا، فالتثبت فيه واجب.
﴿ المسألة الرابعة) متمسك أصحابنا فى أن خبر الواحد حجة، وشهادة الفاسق لا تقبل ، أما
فى المسألة الأولى فقالوا علل الأمر بالتوقف بكونه فاسقاً، ولو كان خبر الواحد العدل لا يقبل ،
لما كان للترتيب على الفاسق فائدة، وهو من باب التمسك بالمفهوم. وأما فى الثانية فلوجهين:
(أحدهما ) أمر بالتبين ، فلو قبل قوله لما كان الحاكم مأموراً بالتبين، فلم يكن قول الفاسق مقبولا ،
ثم إن الله تعالى أمر بالتبين فى الخبر والنبأ، وباب الشهادة أضيق من باب الخبر (والثانى) هو أنه
تعالى قال ( أن تصير قوماً بجهالة) والجهل فوق الخطأ، لأن المجتهد إذا أخطأ لا يسمى جاهلا،
والذى يبنى الحكم على قول الفاسق : إن لم يصب جهل فلا يكون البناء على قوله جائزاً .
﴿ المسألة الخامسة ( أن تصيبوا) ذكرنا فيها وجهين (أحدهما) مذهب الكوفيين ، وهو
أن المراد لثلا تصيبوا، وثانيها مذهب البصريين، وهو أن المراد كرامة أن تصيبوا ، ويحتمل أن
يقال: المراد فتبينوا واتقواً، وقوله تعالى (أن تصيبوا قوماً) يبين ما ذكرنا أن يقول الفاسق:
تظهر الفتن بين أقوام، ولا كذلك بالألفاظ المؤذية فى الوجه، والغيبة الصادرة من المؤمنين، لأن
المؤمن بمنعه دينه من الإخاش والمبالغة فى الإيجاش، وقوله (بجهالة) فى تقدير حال ، أى أن