Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله . سورة محمد .
فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مُتَقَلَبَكُمْ وَمَثْوَسَكُمْ ﴾
قوله تعالى: ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم
متقلبكم ومنواكم﴾ ولبيان المناسبة وجوه (الأول) هو أنه تعالى لما قال ( فقد جاء أشراطها)
قال (فاعلم أنه لا إله إلا الله) يأتى بالساعة، كما قال تعالى (أزفت الآزفة ليس لها من دون الله
كاشفة)، (وثانيها) (فقد جاء أشراطها) وهى آتية فكان قائلا قال متى هذا ؟ فقال (فاعلم أنه
لا إله إلا الله) فلا تشتغل به واشتغل بما عليك من الاستغفار، وكن فى أى وقت مستعداً للقائها
ويناسبه قوله تعالى (واستغفر لذنبك)، (الثالث) (فاعلم أنه لا إله إلا الله) ينفعك ، فان قيل
النبى عليه الصلاة والسلام كان عالماً بذلك فما معنى الأمر، نقول عنه من وجهين (أحدهما) فاثبت
على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد القيام: اجلس أى لا تقم (ثانيهما) الخطاب مع
النبى عليه الصلاة والسلامة ، والمراد قومه والضمير فى أنه للشأن، وتقدير هذا هو أنه عليه السلام
لما دعا القوم إلى الإيمان ولم يؤمنوا ولم يبق شىء، يحملهم على الإيمان إلا ظهور الأمر بالبعث
والنشور، وكان ذلك ما يحزن النبى عليه الصلاة والسلام ، فسلى قلبه وقال أنت كامل فى نفسك مكمل
لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد الله تعالى بهم خيراً فأنت فى نفسك عامل بعلمك وعلمك حيث تعلم
أن الله واحد وتستغفر وأنت بحمد الله مكمل تكمل المؤمنين والمؤمنات وأنت تستغفر لحم، فقد
حصل لك الوصفان، فاثبت على ما أنت عليه ولا يحزنك كفرهم ، وقوله تعالى (واستغفر لذنبك)
يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون الخطاب معه والمراد المؤمنون وهو بعيد لأفراد المؤمنين
والمؤمنات بالذكر، وقال بعض الناس ( لذنبك) أى الذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات
أى الذين ليسوا منك بأهل بيت ( وثالثهما) المراد هو النبى والذنب هو ترك الأفضل الذى هو
بالنسبة إليه ذنب وحاشاه من ذلك ( وثالثها) وجه حسن مستقبط وهو أن المراد توفيق العمل
الحسن واجتناب العمل السيء، ووجهه أن الاستغفار طلب الغفران، والغفران هو الستر على
القبيح ومن عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى ، ومعنى طلب الغفران أن لا تفضحنا وذلك قد يكون
بالعصمة منه فلا يقع فيه كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما
هو فى حق المؤمنين والمؤمنات، وفى هذه الآية لطيفة وهى أن النبى صلى الله عليه وسلم له أحوال
ثلاثة حال مع الله وحال مع نفسه وحال مع غيره، فأما مع الله وحده، وأما مع نفسك فاستغفر
لذنبك واطلب العصمة من الله، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم واطلب الغفران لهم من الله ( والله
پعلم متقلبکم ومثرا کم) یعنی حالكم فی الدنیا وفى الآخرة وحالگے فى الليل والنهار.

٦٢
قوله تعالى : ويقول الذين آمنوا لولا انزلت سورة . سورة محمد .
وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحَّْةٌ وَذُكِرَفِيَهَا
الْفِقَالُ رَأَيْتَ الّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ ◌َلَيْهِ مِنَ
الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ طَاءَةٌ وَقَوَّلُ مَّعْرُوفٌ
قوله تعالى: ﴿ويقول الذين آمنو لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر
فيها القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لحم﴾.
لما بين الله حال المنافق والكافر والمهتدى المؤمن عند استماع الآيات العلمية من التوحيد
والحشر وغيرهما بقوله (ومنهم من يستمع إليك) وقوله (والذين أفتد زادهم هدى) بين حالهم
فى الآيات العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ويطلب تنزيلها وإذا تأخر عنه التكليف كان
يقول هلا أمرت بشىء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها، والمنافق إذا نزلت السورة أو الآية
وفيها تكليف شق عليه، ليعلم تباين الفريقين فى العلم والعمل ، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد
العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل وقولهم (لولا نزلت سورة) المراد منه سورة فيها تكليف
بمحن الكرمن والمنافق .
ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف وقوله (سورة محكمة) فيها وجوه :
(أحدها) سورة لم تنسخ ( ثانيها) سورة فيها ألفاظ أريدت حتقائقها بخلاف قوله (الرحمن على
العرش استوى) وقوله فى ( جنب الله) فإن قوله تعالى (فضرب الرقاب) أراد القتل وهو أبلغ
من قوله (اقتلوهم) وقوله (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) ضريح وكذلك غير هذا من آيات القتال
وعلى الوجهين فقوله ( محكمة ) فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا المراد غير
مايظه منه أو يقولوا هذه آية، وقد نسخت فلا نقاتل، وقوله (رأيت الذين فى قلوبهم مرض)
أى المنافقين (ينظرون إليك نظر المغنى عليه من الموت) لأن عند التكاليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم
فائدة، فإنهم قيل القتال كانو يترددون إلى القبيلتين وعند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك (فأولى
لهم) دعاء كقول القائل فويل لهم، ويحتمل أن يكون هو خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره وهو الموت
كأن الله تعالى لما قال (نظر المغشى عليه من الموت) قال فالموت أولى لهم، لأن الحياة التى لا فى
طاعة الله ورسوله المرت خير منها، وقال الواحدى يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم طاعة أى
الطاعة أولى لهم .
.
قوله تعالى: ﴿طاعة وقول معروف
كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أى أحسن وأمثل، لا يقال طاعة نكرة لا تصلح

٦٣
قوله تعالى : فإذا عزم الأمر . سورة محمد .
فَهَلْ عَسيتم إِن
فَإِذَا عَمَ آلْأَمْرُ فَلَوْ صَدّقُواْ اللّهَ لَكَانَ خَيْرًا فَهُمْ
تَوَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْ حَامَكُمْ (أَّ
للابتداء، لأنا نقول می موصوفة بدل عليه قوله ( وقول معروف) فإنه موصوففكانه تعالى قال
(طاعة) مخاصة (وقول معروف) خير، وقيل معناه قالوا (طاعة وقول معروف) أى قولهم
أمرنا (طاعة وقول معروف) ويدل عليه قراءة أبى (يقولون طاعة وقول معروف).
وقوله ﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقرا الله لكان خيراً لهم﴾ .
جوابه محذوف تقديره (فإذا عزم الأمر) خالفوا وتخلفوا ، وهو مناسب لمعنى قراءة أبى كأنه
يقول فى أول الأمر قالوا سمعنا وطاعة ، وعند آخر الأمر خالفوا وأخلفوا موعدهم ، وذب العزم
إلى الأمر والعزم لصاحب الأمر معناه: فإذا عزم صاحب الأمر. هذا قول الزمخشرى، ويحتمل
أن يقال هو مجاز كقولنا جاء الأمر وولى فإن الأمر فى الأول يتوقع أن لا يقع وعند إظلاله
وحجز الكاره عن إبطاله فهو واقع فقال (عزم) والوجهان متقاربان ، وقوله تعالى ( فلو صدقوا)
فيه وجهان على قولنا المراد من قوله طاعة أنهم قالوا طاعة فمعناه لو صدقوا فى ذلك القول وأطاعوا
(لكان خيراً لهم) وعلى قولنا (طاعة وقول معروف) خير لهم وأحسن ، فمعناه (لو صدقوا)
فى إيمانهم واتباعهم الرسول ( لكان خيراً لهم) .
قوله تعالى: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾.
وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالؤه، وهو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل والقتل إفساد
والعرب من ذوى أرحامنا وقبائلنا؟ فقال تعالى (إن توليتم) لا يقع منكم إلا الفساد فى الأرض
فإنكم تقتلون من تقدرون عليه وتنهبونه والفتال واقع بينكم، أليس قتلكم البنات إفساداً وقطعاً
للرحم؟ فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى استعمال عسى ثلاثة مذاهب (أحدها) الإتيان بها على صورة فعل
ماض معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتها وعسيتم وعست وعستا (والثانى)
أن يؤتى بها على صورة فعل معه مفعول تقول عساه وعساهما وعساك وعساكما وعساى وعسانا .
( والثالث ) الإتيان بها من غير أن يقرن بها شىء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى
أنا أخرج والكل له وجه وما عليه كلام اللّه أوجه، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران
الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجزفيه أربع متحركات
فى مثل قول القائل نصرت وجوز فى مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له فاعل سواء كان لازماً
أو متعدياً ولا كذلك المفعول به ، فعسيت وعساك كعصيت وعصاك فى اقتران الفاعل بالفعل

٦٤
قوله تعالى : اولئك الذين لعنهم الله . سورة محمد .
٠٠٠٠١٠٠١٠/٤/١
أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَّهُمْ وَأَعْمَ أَبْصََّهُمْ
والمفعول به، وأما قول من قال عسى أنت تقوم وعسى أن أقوم فدون ماذكرنا للتطويل الذى فيه.
المسألة الثانية ) الاستفهام للتقرير المؤكد، فإنه لو قال على سبيل الإخبار (عسيتم إن توليتم)
لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر
أن تجيب إلا بلا أو نعم فهو مقرر عندك وعندى.
المسألة الثالثة﴾ عسى التوقيع والله تعالى عالم بكل شىء فنقول فيه ما قلنا فى لعل ، وفى قوله
( لنبلوهم) إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجى والمبتلى والمتوقع، وقال آخرون كل من
ينظر إليهم تتوقع منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان يتمكناً فى نفسه
فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه قارة ولا يحصل منه أخرى فيكون
الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجى سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن
لم يكن يعلم ، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فأن حصل له العلم بوقوعه
فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لايخرج عن التوقع ، غاية ما فى الباب أن فى
الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما تتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم المتوقع، وليس كذلك بل
المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظراً ذلك الأمر لحسب سواء كان له به علم
أولم يكن وقوله (إن توليتم) فيه وجهان: (أحدهما) أنه من الولاية يعنى إن أخذتم الولاية
وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم الأرحام (وثانيهما) هو من التولى الذى هو الإعراض
وهذا مناسب لما ذكرنا، أى كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام
لكون الكفار أناربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شىء كماكان عادة العرب
(الأول) يؤكده قراءة على عليه السلام توليتم، أى إن تولا كم ولاة ظلمة جفاة غشمة ومشيم
تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم، والنبى عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح
وصلة الأرحام، فلم تنقاعدون عن القتال وتتباعدون فى الضلال .
قوله تعالى: ﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم
إشارة لمن سبق ذكرهم من المنافقين أبعدهم الله عنه أو عن الخير فأصمهم فلا يسمعون الكلام
المستين وأعماهم فلا يتبعون الصراط المستقيم، وفيه ترتيب حسن ، وذلك من حيث إنهم استمعوا
الكلام العلمى ولم يفهموه فهم بالنسبة إليه صم أصمهم الله وعند الأمر بالعمل تركوه وعللوا بكونه
إفساداً وقطعاً الرحم وهم كانوا يتعاطونه عند النهى عنه فلم يروا حالهم عليه وتركوا اتباع النبى
الذى يأمرهم بالإصلاح وصلة الأرحام ولو دعاهم من يأمر بالإفساد وقطيعة الرحم لا تبعوه فهم
حى أعمامهم الله، وفيه لطيفة: وهى أن الله تعالى قال أصمهم ولم يقل أضم آذانهم، وقال (وأعمى
---

٦٥
قوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن . سورة محمد .
أَفَلاَ يَتَدَبْرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَ قُلُوبٍ أَقْفَاهُمَآَ (
٢٤
أبصارهم) ولم يقل أعماهم، وذلك لأن العين آلة الرؤية ولو أصابها آفة لا يحصل الإبصار والأذن
لو أصابها آقة من قطع أو قلع تسمع الكلام، لأن الآذن خلقت وخلق فيها تعاریج لیکثر فيها
الهواء المتموج ولا يقرع الصماخ بعنف فيؤذى، كما يؤذى الصوت القوى فقال (أصمهم) من غير
ذكر الأذن، وقال (أعمى أبصارهم) مع ذكر العين لأن البصرههنا بمعنى العين ، ولهذا جمعه بالأبصار ،
ولو كان مصدراً لما جمع فلم يذكر الأذن إذ لا مدخل لها فى الإصمام، والعين لها مدخل فى الرؤية
بل هى الكل ، ويدل عليه أن الآفة فى غير هذه المواضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقراً، كماقال
تعالى (وفى آذاننا وقر) وقال (كان فى أذنيه وقراً) والوقر دون الصم وكذلك الطرش.
قوله تعالى : ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ ولنذكر تفسيرها فى مسائل:
المسألة الأولى ﴾ لما قال الله تعالى (فأصمهم وأعمى أبصارهم) كيف يمكنهم التدبر فى
القرآن قال تعالى (أفلا يتدبرون) وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع؟ فنقول
(الجواب) عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض (الأول) تكليفه ما لا يطاق جائز
راقه أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التعبير (الثانى)
أن قوله (أفلا يتدبرون) المراد منه الناس (الثالث) أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى
الآية المتقدمة ، فإنه تعالى قال (أولئك الذين لعنهم الله) أى أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير
أو غير ذلك من الأمور الحسنة (فأصمهم) لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يقبعون طريق
الإسلام فإذن هم بين أمرين (( إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم
عن الخير والصدق ، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف، وأما يتدبرون لكن
لاندخل معانيه فى قلوبهم لكونها مقفلة ، تقديره ( أفلا يتدبرون القرآن ) لكونهم ملعونين
ميعودين ، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون ، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل ،
بل هى على حقيقتها للاستفهام واقعة فى وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر ، رأم
دخلت على القلوب التى فى وسط الكلام .
المسألة الثانية) قوله (على قلوب) على التفكير ما الفائدة فيه؟ نقول قال الزعخضرى يحتمل
وجهين (أحدهما) أن يكون للتنبية على كونه موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة
فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة (الثانى) أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض
القلوب لأن النكرة لاقعم ، تقول بانی رجال فيفهم البعض وجانى الرجال فيفهم الكل ، ونحن
نقول التنكير للقلوب للتنبيه على الإنكار الذى فى القلوب ، وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان
الفخر الرازي - ج ٢٨ م ٥

٦٦
قوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم . سورة محمد .
إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَّ أَدْبَتِهِمٍ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَيِّنَ لَهُمُ الْمُدَىُّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ
وَأَمْلَى لَهُمْ (2﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضٍ
الْأَمِّرِّ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
٢٦
معروفاً لأن القلب خلق للمعرفة ، فاذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف ، وهذا كما يقول
القائل فى الإنسان المؤذى: هذا ليس بإنسان هذا سبع ، ولذلك يقال هذا ليس بقلب هذا حجر.
إذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة ، واللام لتعريف الجنس أو للعهد، ولم
يمكن إرادة الجنس إذ ليس على قلب قفل، ولا تعريف العهد لأن ذلك القلب ليس ينبغى أن يقال
له قلب، وأما بالإضافة بأن نقول على قلوب أقفالها وهى لعدم عود فائدة إليهم، كأنها ليست لهم.
فإن قيل فقد قال ( ختم الله على قلوبهم) وقال ( فويل للقاسية قلوبهم) فنقول الأقفال أبلغ من
الختم فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً .
المسألة الثالثة﴾ فى قوله (أقفالها) بالإضافة ولم يقل أقفال كما قال (قلوب) لأن الأقفال
كانت من شأنها فأضافها إليها كأنها ليست إلا لها ، وفى الجملة لم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها
إياهم وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، ونقول أراد به أقضالا مخصوصة هى أقفال
الكفر والعناد .
قوله تعالى: ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم
وأملى لهم﴾ .
إشارة إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق فى التوراة بنعت محمد مط وبعثه وارتدوا ،
أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، وهم جماعة منعهم حب الرئاسة عن اتباع محمد
عليه السلام وكانوا يعلمون أنه الحق (الشيطان سول لهم) سهل لهم (وأملى لهم) يعنى قالوا نعيش
أياماً ثم تؤمن به، وقرىء ( وأملى لهم) فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من
الته، فكيف يصح قراءة من قرأ ( وأملى لهم) فان المعلى حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب
عنه من وجهين (أحدهما) جاز أن يكون المراد ( وأملى لهم) الله فيقف على (سول لهم)
(وثانيها) هو أن المسول أيضاً ليس هو الشيطان، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده
ولسانه ذلك ، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم فى آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم فى آخر الأمر
تؤمنون، وقرى. ( وأملى لهم) بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول.
قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم قالوا الذين كرهوا مانزل الله ستطيعكم فى بعض الأمروالله يعلم إسرارهم)

٦٧
قوله تعالى : فكيف إذا توفتهم الملائكة . سورة محمد .
فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتُهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
قال بعض المفسرين ذلك إشارة إلى الإملاء ، أى ذلك الإملاء بسبب أنهم ( قالوا الذين
كرهوا) وهو اختيار الواحدى، وقال بعضهم ( ذلك) إشارة إلى التسويل، ويحتمل أن يقال
ذلك الارتداد بسبب أنهم قالوا ( سنطيعكم) وذلك لأنا نبين أن قوله ( سنطيعكم فى بعض الأمر)
هو أنهم قالوا: نوافقكم على أن محمداً ليس بمرسل، وإنما هو كاذب، ولكن لا نوافقكم فى إنكار
الرسالة والحشر والإشراك بالله من الأصنام، ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر،
وإن آمن بغيره. لا بل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا يؤمن بالله ولا برسله ولا
بالحشر، لأن الله كما أخبر عن الحشر وهو جائز، أخبر عن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وهى
جائزة فاذا لم يصدق الله فى شىء لا ينفى الكذب بقول الله فى غيره، فلا يكون مصدقاً موقناً
بالحشر ، ولا برسالة أحد من الأنبياء ، لأن طريق معرفتهم واحد ، والمراد من الذين ( كرهوا
ما نزل الله) هم المشركون والمنافقون، وقيل المراد اليهود، فإن أهل مكة قالوا لهم: نوافقكم فى
إخراج محمد وقتله وقتال أصحابه، والأول أصح، لأن قوله ( كرهوا ما نزل الله) لو كان مسنداً
إلى أهل الكتاب لكان مخصوصاً ببعض ما أنزل الله، وإن قلنا بأنه مسند إلى المشركين يكون
عاماً ، لأنهم (كرهوامانزل الله) وكذبوا الرسل بأسرهم، وأنكروا الرسالة رأساً، وقوله (سنطيعكم
فى بعض الأمر) يعنى فيما يتعلق بمحمد من الإيمان به فلانؤمن، والتكذيب به فتكذبه كما تكذبونه
والقتال معه، وأما الإشراك بالله، واتخاذ الأنداد له من الأصنام، وإنكار الحشر والنبوة فلا ،
وقوله (والله يعلم إسرارهم) قال أكثرهم: المراد منه هو أنهم قالوا ذلك سراً، فأفشاه الله وأظهر.
لنبيه عليه الصلاة والسلام، والأظهر أن يقال ( والله يعلم إسرارهم) وهو ما فى قلوبهم من العلم
بصدق محمد عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا مكابرين معالدين، وكانوا يعرفون رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، وقرى. (إسرارهم) بكسر الهمزة على المصدر ، وما ذكرنا
من المعنى ظاهر على هذه القراءة، فإنهم كانوا يسرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى قولنا
المراد من الذين ارتدوا المنافقون ، فكانوا يقولون للمجاهدين من الكفار (سنطيعكم فى بعض
الأمر) وكانوا يسرون أنهم إن غلبوا انقلبوا، كما قال الله تعالى ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا
کنا معكم) وقال تعالى ( فإذا جاء الخوف سلقوكم بألسنة حداد).
قوله تعالى : ﴿ فکیف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ .
أعلم أنه لما قال الله تعالى (والله يعلم إسرارهم) قاله فيب أنهم بسرين ولته لا يظهره اليوم
فكيف يبقى مخفياً وقت وفاتهم، أو نقول كانه تعالى قال ( والله يعلم إسرارهم) وهب أنهم

٦٨
قوله تعالى : ذلك بأنهم اتبعوا ما أشحط الله . سورة محمد .
ذَلِكَ بِأَنَهُمُ أَتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَهُ,
يختارون القتال لما فيه الضراب والطعان، مع أنه مفيد على الوجهين جميعاً، إن غلبوا فالمال فى
الحال والثواب فى المآل، وإن غلبوا فالشهادة والسعادة ، فكيف عالهم إذا ضرب وجوههم
وأدبارهم، وعلى هذا فيه لطيفة، وهى أن القتال فى الحال إن أقدم المبارزة فربما يهزم الخصم ويسلم
وجهه وقفاه، وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن صبر وثبت وإن لم يثبت وانهزم، فإنه فات القرن
فقد سلم وجهه وقفاه. وإن لم يفته فالضرب على قفاه لا غير ، ويوم الوفاة لا نصرة له ولا مفر،
فوجهه وظهره مضروب مطعون، فكيف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر.
قوله تعالی : ﴿ ذلك بأنهم اتبعوا ما أهخط الله و کرهوا رضوانه ﴾ وفيه لطيفة، وهى أن الله
تعالى ذكر أمرين: ضرب الوجه، وضرب الأدبار، وذكر بعدهما أمرين آخرين: اتباع ما أتخط
الله وكرامة رضوانه، فكأنه تعالى قابل الأمرين فقال (يضربون وجوههم) حيث أقبلوا على سخط.
الته، فإن المقسع الشىء متوجه إليه، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا الله، فإن الكاره
الشىء يتولى عنه، وما أسخط الله يحتمل وجوهاً (الأول) إنكار الرسول عليه الصلاة والسلام
ورضوانه الإقرار به والإسلام (الثانى) الكفر هو ما أسخط الله والإيمان يرضيه يدل عليه قوله
تعالى (إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضناه لكم) وقال
تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) إلى أن قال (رضى الله عنهم ورضوا
عنه) (الثالث) ما أسخط الله تسويل الشيطان، ورضوان الله التعويل على البرهان والقرآن، فان
قیل هم ما كانوا يكرهون رضوان الله، بل كانوا يقولون: إن ما نحن عليه فيه رضوان الله، ولا
نطلب إلا رضاء الله، وكيف لاوالمشر كون باشرا كهم كانوا يقولون: إنا نطلب رضاء الله ، كما قالوا
( ليقربونا إلى الله زلفى) وقالوا (ليشفعوا لنا) فنقول معناه كرهوا ما فيه رضاء الله تعالى.
(وفيه لطيفة) وهى أن الله تعالى قال (ما أسخط الله) ولم يقل: ما أرضى الله وذلك لأن رحمة
الله سابقة، فله رحمة ثابتة وهى منشأً الرضوان، وغضب الله متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال
(رضوانه) لأنه وصف ثابت بله سابق، ولم يقل سخط الله، بل (ما أسخط اللّه) إشارة إلى أن
السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان، ولهذا المعنى قال فى اللعان فى حق المرأة (والخامسة أن
غضب الله عليها إن كان من الصادقين) يقال (غضب الله) مضافاً لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا
بقوله وأيمانه، وقبله لم يكن لله غضب، و(رضوان الله) أمر يكون منه الفعل، وغضب الله أمر
يكون من فعله، ولنضرب له مثالا: الكريم الذى رسخ الكرم فى نفسه يحمله الكريم على الأفعال
الحسنة، فإذا كثر من السىء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه، بل غضبه عليه يكون لإصلاح

٦٩
قوله تعالى : فأحبط أعمالهم . سورة محمد .
فَأَحْبَطَ أَعْمَلُهُمْ ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِم ◌َّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللهُ
أَضْغَنَهُمْ ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيَمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَهُمْ فِى
ج
لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ.
٣٠
حالة، وزجراً لأمثاله عن مثل فعاله، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة،
لكن فلاناً أغضبه وظهر منه الغضب، فيجعل الغضب ظاهراً من الفعل، والفعل الحسن ظاهراً
من الكرم، فالغضب فى الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله
(ما أسخط الله وكرهوا رضوانه).
قوله تعالى: ﴿فأحبط أعمالهم﴾ حيث لم يطلبوارضاء الله، وإنما طلبوار ضاء الشيطان والأصنام.
قوله تعالى : ﴿أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم﴾.
هذا إشارة إلى المنافقين و (أم) تستدعى جملة أخرى استفهامية إذا كانت للاستفهام، لأن
كلمة (أم ) إذا كانت متصلة استفهامية تستدعى سبق جملة أخرى استفهامية ، يقال أزيد فى الدار
أم عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعى ذلك، يقال إن هذا لزيد أم عمرو، وكما يقال بل عمرو ،
والمفسرون على أنها منقطعة ، ويحتمل أن يقال إنها استفهامية، والسابق مفهوم من قوله تعالى
(والله يعلم إسرارهم) فكأنه تعالى قال: أحسب الذين كفروا أن لن يعلم الله إسرارهم
أم حسب المنافقون أن لن يظهرما والكل قاصر، وإنما يعلمها ويظهرها، ويؤيد هذا أن المتقطعة
لاتكاد تقع فى صدر الكلام فلا يقال ابتداء، بل جاء زيد ، ولا أم جاء عمرو ، والإخراج بمعنى
الإظهار فإنه إبراز، والأضغان هى الحقود والأمراض، واحدما ضغن.
قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأرينا كهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول والله يعلم أعمالكم ﴾
لما كان مفهوم قوله (أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) أن الله
يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلا قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم،
كما لاتفشى أسرار الأكابر خوفاً منهم ( ولو نشاء لأريناكهم) أى لا مانع لنا والإراءة بمعنى
التعريف، وقوله ( فلتعرفتهم ) لزيادة فائدة ، وهى أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة ، يقال
عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال ههنا (فلعرفتهم) يعنى عرفناهم تعريفاً تعرفهم به ، إشارة
إلى قوة التعريف، واللام فى قوله (فلعرفتهم) هى التى تقع فى جزاء لو كما فى قوله (لأرينا كهم)
أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء لعرفتهم ، ليفهم
أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف، أى لو نشاء لعرفناك تعريفاً معه المعرفة

٧٠
قوله تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين . سورة محمد .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّرِينَ وَتَبْلُواْ أَخْبَارَ كُمْ ايّ
لا بعده، وأما اللام فى قوله تعالى (ولتعرفنهم) جواب لقسم محذوف كأنه قال ولتعرفهم والله،
وقوله ( فى لحن القول) فيه وجوه (أحدها) فى معنى القول وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد
من القول قولهم أى لتعرفنهم فى معنى قولهم حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حسين مجى.
النصر إنا كنا معكم، وقولهم (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن) وقولهم ( إن بيوتنا عورة) وغير
ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عز وجل أى لتعرفهم فى معنى قول الله تعالى حيث قال
ما تعلم منه حال المنافقين كقوله تعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه
على أمر جامع لم يذهبوا) وقوله (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم ) إلى غير ذلك ،
(وثانيها) فى ميل القول عن الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا، فأمالوا كلامهم حيث قالوا (نشهد
إنك لرسول الله واقه يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) وقالوا (إن بيوتنا
عورة وما هى بعورة، ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار) إلى غير ذلك (وثالثها)
فى لحن القول أى فى الوجه الخفى من القول الذى يفهمه النبى عليه السلام ولا يفهمه غيره ، وهذا
يحتمل أمرين أيضاً والنبى عليه السلام كان يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى
له فى إظهار أمرهم ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم، وأما قوله (بسيماهم) فالظاهر
أن المراد أن الله تعالى لوشاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال تعالى (ولو نشاء
لمسخناهم) وروى أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق، وقوله تعالى (والله
يعلم أعمالكم) وعد للمؤمنين، وبيان لكون خالهم على خلاف حال المنافق ، فان المنافق كانله قول بلا
عمل، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به، وإنما قوله التسبيح ويدل عليه قوله تعالى (ربنا لاتواجدنا
إن نسينا أو أخطأنا) وقوله ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا) وكانوا يعملون الصالحات
ويتكلمون فى السيئات مستغفرين مشفقين، والمنافق كان يتكلم فى الصالحات كقوله ( إنا معكم)
(قالت الأعرب آمنا)، (ومن الناس من يقول آمنا) ويعمل السىء فقال تعالى الله: يسمع أقوالهم
الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة فلا يضيع .
قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم﴾.
أى لتأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل عدم الوقوع كما
يفعل المختبر، وقوله تعالى ( حتى نعلم المجاهدين) أى نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل فى
علم الشهادة فانه تعالى قد علبه علم الغيب وقد ذكرنا ماهو التحقيق فى الابتلاء، وفى قوله (حتى
فعلم) وقوله (المجاهدين) أى المقدمين على الجهاد (والصابرين) أى الثابتين الذين لا يولون الأدبار
وقوله (ونبلوا أخباركم) يحتمل وجوهاً (أحدما) قوله (آمنا) لأن المنافق وجد منه هذا الخبر

٧١
قوله تعالى : إن الذين كفروا وصدوا . سورة محمد .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَشَآتُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمُ
الْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحِْطُ أَعْمَلُهُمْ (﴾ يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ
اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ
والمؤمن وجد منه ذلك أيضاً، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب ، كما قال تعالى. (أولئك م
الصادقون)، (وثانيها) إخبارهم من عدم التولية فى قوله (أولقد كانوا عاهدوا الله من قبل
لا يولون الأدبار ) إلى غير ذلك، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه ( فى سبيل الله كأنهم بنيان
مر صوص) والمنافق كان كالهبا. ينزعج بأدنى صيحة ( وثالثها) المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة
من النبى عليه السلام كقوله تعالى (لتدخلن المسجد الحرام)، (لأغلبن أنا ورسلى، وإن جندنا لهم
الغالبون) وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى فى حقهم (والمرجفون فى المدينة) فعند تحقق
الإيجاف، يتبين الصدق من الإرجاف .
قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم
الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحط أعمالهم﴾ وفيه وجهان (أحدهما) هم أهل الكتاب قريظة
والتضير (والثانى) كفار قريش يدل على الأول قوله تعالى (من بعد ماتبين لهم الهدى ) قيل أهل
الكتاب تبين لهم صدق محمد عليه السلام، وقوله (لن يضروا اللّه شيئاً) تهديد معناه هم يظنون
أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع الله فإن محمد رسول
الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق
فاسق ، وقوله ( وسيحبط أعمالهم) قد علم معناه . فإن قيل قد تقدم فى أول السورة أن الله تعالى
أحبط أعمالهم فكيف يحبط فى المستقبل؟ فنقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن المراد من
قوله (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) فى أول السورة المشركون ، ومن أول الأمر كانوا
مبطلين وأعمالهم كانت على غير شريعة ، والمراد من الذين كفروا ههنا أهل الكتاب وكانت لهم
أعمال قبل الرسول فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل
والتوحيد، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلا ولا كان معترفاً بالحشر (الثانى)
هو أن المراد بالأعمال ههنا مكايدهم فى القتال وذلك قد تحقق منهم واللّه سيبطله حيث يكون النصر
للمؤمنين ، والمراد بالأعمال فى أول السورة هو ماظنوه حسنة .
قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول ولا تبظلوا أعمالكم) .
العطف ههنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش لأن طاعة

٧٢
قوله تعالى : إن الذين كفروا وصدوا . سورة محمد .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّه ◌ُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنَ بِغْفِرَ الله
لَهُمْ ﴾ فَلَ تِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ
أُعْمَلَكُمْ
٣٥
الله تحمل على طاعة الرسول، وهذا إشارة إلى العمل بعد حصول العلم، كأنه تعالى قال: يا أيها الذين
آمنوا علمتم الحق فافعلوا الخير، وقوله ( ولا تبطلوا أعمالكم) يحتمل وجوهاً (أحدها) دوموا
على ما أنتم عليه ولا تشر كوا فتبطل أعمالكم، قال تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) (الوجه
الثانى) (لا تبطلوا أعمالكم) بترك طاعة الرسول كما أبطل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول
وعصيانه، ويؤيده قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم) إلى أن قال (أن تحبط
أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (الثالث) (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) كما قال تعالى (يمنون
عليك أن أسلموا قل لاتمنوا على إسلامكم) وذلك أن من يمن بالطاعة على الرسول كأنه يقول
هذا فعلته لأجل قلبك، ولولا رضاك به لما فعلت، وهو مناف للاخلاص، والله لا يقبل إلا
العمل الخالص .
قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتووهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾.
بين أن الله لا يغفر الشرك وما دون ذلك يغفره إن شاء حتى لا يظن ظان أن أعمالهم وإن
بطلت لكن فضل الله باق يغفر لهم بفضله، وإن لم يغفر لهم بعملهم.
قوله تعالى: ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم).
لما بين أن عمل الكافر الذى له صورة الحسنات محط، وذنبه الذى هو أقبح السيئات غير
مغفور، بين أن لاحرمة فى الدنيا ولا فى الآخرة ، وقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله
(وأطيعوا الرسول) وأمر بالقتال بقوله (فلا تهنوا) أى لا تضعفوا بعد ما وجد السبب فى الجد فى
الأمر والاجتهاد فى الجهاد فقالة ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم) وفى الآيات ترتيب فى غاية الحسن،
وذلك لأن قوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) يقتضى السعى فى القتال لأن أمر الله وأمر
الرسول ورد بالجهاد وقد أمروا بالطاعة، فذلك يقتضى أن لا يضعف المكلف ولا يكسل ولا يهن
ولا يتهاون، ثم إن بعد المقتضى قد يتحقق مانع ولا يتحقق المسبب، والمانع من القتال إما أخروى
وإما دنيوى، فذكر الأخروى وهو أن الكافر لا حرمة له فى الدنيا والآخرة ، لأنه لا عمل له فى
الدنيا ولا مغفرة له فى الآخرة، فإذا وجد السبب ولم يوجد المافع ينبغى أن يتحقق المسبب، ولم
يقدم المانع الدنيوى على قوله (فلا تهنوا) إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ينبغى أن تكون

:
٧٣
قوله تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو . سورة محمد .
إَِّا الْخَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَهَوَّ وَإِن تُؤْمِنُوا وَنَتَّقُواْ يُؤْتِكُ أُجُورَكُمْ وَلَا
يَسْفَلْكُرْ أَمْوَلَكُمْ
٦
ماذعة من الإتيان، فلاتهنوا فإن لكم النصر، أو عليكم بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة.
ثم قال تعالى بعد ذلك المانع الدنيوى مع أنه لا ينبغى أن يكون مانعاً ليس بموجود أيضاً حيث
﴿أنتم الأعلون﴾ والأعلون والمصطفون فى الجمع حالة الرفع معلوم الأصل، ومعلوم أن الأمر
كيف آل إلى هذه الصيغة فى التصريف، وذلك لأن أصله فى الجمع الموافق أعليون ومصطفيون
كنت الياء لكونها حرف علة فتحرك ما قبلها والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان ولم يكن.
بد من حذف أحدهما أو تحريكه والتحريك كان يوقع فى المحذور الذى اجتنب منه فوجب
الحذف، والواو كانت فيه لمعنى لا يستفاد إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقى أعلون، وبهذا
الدليل صار فى الجر أعاين ومصطفين، وقوله تعالى (والله معكم) هداية وإرشاد يمنع المكلف
من الإنجاب بنفسه، وذلك لأنه تعالى لما قال (وأنتم الأعلون) كان ذلك سبب الافتخار فقال
(والله معكم) يعنى ليس ذلك من أنفسكم بل من الله، أو نقول لما قال (وأنتم الأعلون) فكان
المؤمنون یرون ضعف أنفسهم و فلتهم مع کثرة الکفار وشو کتهم وکان یقع فى نفس بعضهم أنهم
كيف يكون لهم الغلبة فقال إن الله معكم لا يبقى لكم شك ولا ارتياب فى أن الغلبة لكم وهذا كقوله
تعالى (لأغلبن أنا ورسلى) وقوله ( وإن جندما لهم الغالبون) وقوله ( ولن يتركم أعمالكم)
وعد آخر وذلك لأن الله لما قال إن الله معكم، كان فيه أن النصرة باللّه لا بكم فكان القائل
يقول لم يصدر من عمل له اعتبار فلا أستحق تعظيما، فقال هو ينصركم ومع ذلك لا ينقص من
أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكانكم مستقلون فى ذلك ويعطيكم أجر
المستبد ، والترة النقص، وفته الموتر كانه نقص منه ما يشفعه، ويقول عند القتال إن قتل من
الكافرين أحد فقد وتروا فى أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم وضاع عملهم ، والمؤ من إن قتل
فانما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله، وكيف ولم ينقص من عدده أيضاً، فإنه حى مرزوق،
فرح بما هو إليه مسوق .
قوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم
أموالكم ﴾.
زيادة فى التسلية يعنى كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد، وهى لا تفوتك لكونك
منصوراً غالباً، وإن فاتتك فعملك غير موتر، فكيف وما يفوتك ، فإن فات فائت ولم يعوض
لا ينبغى لك أن تلتفت إليها لكونها لعباً ولهواً، وقد ذكرنا فى اللعب واللهو مراراً أن اللعب

٧٤
قوله تعالى : ان يسألکموها . سورة محمد .
إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغََُْ
٣٧٠
ماتشتغل به ولا يكون فيه ضرورة فى الحال ولا منفعة فى المآل، ثم إن استعمله الإنسان ولم
يشتغله عن غيره، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو ، ولهذا
يقال ملاهى لآلات الملاهى لأنها مشغلة عن الغير، ويقال لما دونه لعب كاللعب بالشطرنج والخمام،
وقد ذكرنا ذلك غير مرة، وقوله (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم) إعادة الوعد والإضافة
للتعريف، أى الأجر الذى وعدكم بقوله (أجر كريم) (وأجر كبير) (وأجر عظيم) وقوله
(ولا يستلكم أموالكم) يحتمل وجوهاً (أحدها) أن الجهاد لابد له من إنفاق، فلو قال قائل أنا
لا أنفق مالى، فيقال له الله لا يستلكم مالكم فى الجهات المعينة من الزكاة والغنيمة وأموال المصالح
فيما تحتاجون إليه من المال لاتراعون بإخراجه (وثانيها) الأموال لله وهى فى أيديكم عازية وقد
طلب منكم أو أجاز لكم فى صرفها فى جهة الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله، وإلى هذا أشار بقوله تعالى
( وما لكم أن لا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض) أى الكل لله ( وثالثها)
لا يسألكم أموالكم كلها، وإنما يسألكم شيئاً يسيراً منها وهو ربع العشر، وهو قليل جداً لأن العشر
هو الجزء الأقل إذ ليس دونه جزء آخر وليس اسماً مفرداً، وأما الجزء من أحد عشرو من اثنى عشر
و[إلى] مائة جزء لما لم يكن ملتفتاً إليه لم يوضع له اسم مفرد.
ثم إن الله تعالى لم يوجب ذلك فى رأس المال بل أوجب ذلك فى الربح الذى هو من فضل الله
وعطائه، وإن كان رأس المال أيضاً كذلك لكن هذا المعنى فى الربح أظهر، ولما كان المال منه
ما ينفق للتجارة فيه ومنه مالا ينفق، وما أنفق منه للتجارة أحد قسميه وهو يحتمل أن تكون
التجارة فيه رابحة ، ويحتمل أن لا تكون رابحة فصار القسم الواحد قسمين فصار فى التقدير كان
الربح فى ربعه فأوجب [ربع] عشر الذي فيه الربح وهو عشر فهو ربع العشر وهو الواجب، فعلم
أن الله لا يسألكم أموالكم ولا الكثير منه.
قوله تعالى: ﴿إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم).
الفاء فى قوله ( فيحفكم) للاشارة إلى أن الإخفاء يتبع السؤال بياناً لشح الأنفس، وذلك لأن
العطف بالواو قد يكون للمثلين وبالفاء لا يكون إلا للفتعاقبين أو متعلقين أحدهما بالآخر فكأنه
تعالى بين أن الإحفاء يقع عقيب السؤال لأن الإنسان بمجرد الـؤال لا يعطى شيئاً وقوله ( تبخلوا
ويخرج أضغانكم) يعنى ما طلبها ولو طلبها والح عليكم فى الطلب لخاتم، كيف وأنتم تبخلون باليسير
لا تبخلون بالكثير وقوله ( ويخرج أضغانكم) يعنى بسببه فإن الطالب وهو النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه يطلبونكم وأنتم بمحبة المال وشح الأنفس تمتنعون فيفضى إلى القتال وتظهر به الضغائن.

٧٥
قوله تعالى : ها أنتم هؤلاء . سورة محمد .
هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الِّ فِينَكُ مَّن يَبْخَلُ وَوَمَنْ يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِىُ وَأَنُمُ الْفُقَرَآءُ وَ إِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ
ثُمَّلَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ
٣٨
قوله تعالى: ﴿ ما أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن
يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء
[يعنى] فد طلبت منكم اليسير فيخلتم فكيف لوطلبت منكم الكل وقوله (هؤلاء) يحتمل وجهين:
(أحدهما) أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم هؤلاء الذين تدعون لتنفقوا فى سبيل الله (وثانيهما)
(هؤلاء) وحدها خبر (أنتم) كما يقال أنت هذا تحقيقاً للشهرة والظهور أى ظهر أثركم بحيث
لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمر مغاير ثم يبتدى. (تدعون) وقوله (تدعون) أى إلى الإنفاق
إما فى سبيل الله تعالى بالجهاد ، وإما فى صرفه إلى المستحقين من إخوانكم، وبالجملة ففى الجهتين تخذيل
الأعداء ونصرة الأولياء (أفنكم من يبخل)، ثم بين أن ذلك البخل ضرر عائد إليه فلا تظنوا أنهم
لا ينفقونه على غيرهم بل لا ينفقونه على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو
مريض فلا يبخل إلا على نفسه، ثم حقق ذلك بقوله (والله الغنى) غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله
(وأنتم الفقراء) حتى لا تقولوا إنا أيضاً أغنياء عن القتال، ودفع حاجة الفقراء فإنهم لا غنى لهم عن
ذلك فى الدنيا والآخرة، أما فى الدنيا فلأنه لولا القتال تقتلوا، فإن الكافر إن يغز يغز، والمحتاج
إن لم يدفع حاجته يقصده، لاسيما أباح الشارع للمضطر ذلك ، وأما فى الآخرة فظاهر فكيف
لا يكون فقيراً وهو موقوف مسئول ( يوم لا ينفع مال ولا بنون).
قوله تعالى: ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غير كم ثم لايكونوا أمثالكم )﴾ بيان الترتيب من
وجھین: (أُحدهما) أنه ذکره بیاناً للاستغناء، كما قال تعالى ( إن یشأ یذهنكم وبات بخلق جديد)
وقد ذكر أن هذا تقرير بعد التسليم، كأنه تعالى يقول: الله غنى عن العالم بأسره فلا حاجة له إليكم.
فإن كان ذاهب يذهب إلى أن ملكه بالعالم وجبروته يظهر به وعظمته بعباده، فنقول هب أن هذا
الباطل حق لكنكم غير متعينين له، بل الله قادر على أن يخلق خلقاً غيركم يفتخرون بعبادته، وعالما
غير هذا يشهد بعظمته وكبريائه (وثانيهما) أنه تعالى لما بين الأمور وأقام عليها البراهين وأوضحها
بالأمثلة قال إن أطعتم فلكم أجور كم وزيادة وإن تتولوا لم يبق لكم إلا الإهلاك فإن ما من فى
أنذر قومه وأصروا على تكذيبه إلا وقد حق عليهم القول بالإهلاك وطهر الله الأرض منهم وأتى
يقوم آخرين طاهرين، وقوله (ثم لا يكونوا أمثالكم) فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة وهى:

٧٦
قوله تعالى : ثم لا يكونوا أمثالكم . سورة محمد .
أن النحاة قالوا: يجوز فى المعطوف على جواب الشرط بالواووالفاء وثم، الجزم والرفع جميعاً، قال
الله تعالى ههنا ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم) بالجزم، وقال فى موضع
آخر ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) بالرفع بإثبات النون وهو مع الجواز، ففيه
تدقيق: وهو أن ههنا لا يكون متعلقاً بالتولى لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتى بهم الله على الطاعة
وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين، كون من يأتى بهم مطيعين، وأما هناك سواء قاتلوا
أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم يكن للتعليق هناك وجه فرفع بالابتداء، وههنا جزم للتعليق .
وقوله ( ثم لا يكونوا أمثالكم) يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون المراد ( ثم لا يكونوا
أمثالكم) فى الوصف ولا فى الجنس وهو لائق (الوجه الثانى) وفيه وجوه (أحدها ) قوم من
العجم ( ثانيها) قوم من فارس روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا
وسلمان إلى جنبه فقال «هذا وقومه)) ثم قال ((لو كان الإيمان منوطاً بالثريالناله رجال من فارس)
و (ثالثها) قوم من الأنصار والله أعلم .
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد النبى وآله وصحبه وعترته وآل بيته أجمعين
وسلم تسليما كثيراً آمين .

٧٧
سورة الفتح
(٤٨) - شُورَة الفَتْح مَدِنَّة
وَآيَاتِهَا تَسْبِاعْ وَعْشِرُونْ
--
-
بِسْـ
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّنً (٨) لِّيَغْفِرَلَكَ اللّهُمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأََّ وَيُتْمِّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَّدِّيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (جٌ وَيَنصُرَكَ اللّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك
ويرديك صراطاً مستقيما، وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الفتح وجوه: (أحدها) فتح مكة وهو ظاهر (وثانيها) فتح الروم
وغيرها ( وثالثها) المراد من الفتح صلح الحديبية (ورابعها) فتح الإسلام بالحجة والبرهان ،
والسيف والسنان ( وخامسها) المراد منه الحكم كقوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) وقوله
(ثم يفتح بيننا بالحق) والمختار من الكل وجره: أحدها فتح مكة، والثانى فتح الحديبية، والثالث
فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه (أحدها)
أنه تعالى لما قال (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله) إلى أن قال (ومن يبخل فانما يبخل
عن نفسه) بين تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع
عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ( ثانيها) لما قال (والله معكم) وقال (وأنتم الأعلون)
بين برهانه بفتح مكة ، فانهم كانوا هم الأعلون (ثالثها) لما قال تعالى (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم )
وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان
يوم الحديبية وهو المراد بالفتح فى أحد الوجوه ، وکما کان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش
مستأمنين ومؤمنين ومسلمين، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف
قال تعالى ( فتحنا لك فتحاً مبيناً) بلفظ الماضى؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما)
فتحنا فى حكمنا وتقديرنا ( ثانيهما) ما قدره الله تعالى فهو كائن، فأخبر بصيغة الماضى إشارة إلى
أنه أمر لا دافع له، واقع لا رافع له .

٧٨
قوله تعالى : ليغفر لك الله . سورة الفتح .
المسألة الثانية ) قوله ( ليغفر لك لله) ينى عن كون الفتح سبباً للمغفرة، والفتح لا يصلح
سبباً للمغفرة، فما الجواب عنه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: (الأول) ما قيل إن الفتح
لم يجعله سبياً للمغفرة وحدها، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهى: المغفرة، وإتمام
النسمة والهداية والنصرة، كأنه تعالى قال: ليغفر لك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك، ولا شك
أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح، فإن النعمة به تمت، والنصرة بعده قد عمت (الثانى) هو أن فتح
مكة كان سبباً لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان، وتطهير ببته صار سبباً لتطهير عبده
( الثالث) هو أن بالفتح يحصل الحج، ثم بالحج تحصل المغفرة، ألا ترى إلى دعاء التى عليه الصلاة
والسلام حيث قال فى الحج ((اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً)) (الرابع)
المراد منه التعريف تقديره ( إنا فتحنا لك) ليعرف أنك مغفور، معصوم ، فإن الناس كانوا علموا
بعد عام الفيل أن مكه لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله
المغفور له.
المسألة الثالثة﴾ لم يكن التى من الم ذنب، فماذا يغفر له؟ قلنا (الجواب) عنه قد تقدم
مراراً من وجوه (أحدها) المراد ذنب المؤمنين ( ثانيها ) المراد ترك الأفضل (ثالثها) الصغائر فإنها
جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب ( رابعها ) المراد العصمة ، وقد بينا
وجهه فى سورة القتال .
( المسألة الرابعة﴾ ما معنى قوله ( وما تأخر)؟ نقول فيه وجوه (أحدما) أنه وعد التى
عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ( ثانيها) ما تقدم على الفتح، وما تأخر عن الفتح (ثالثها)
العموم يقال أضرب من لقيت ومن لا تلقاه ، مع أن من لا يلق لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم
( رابعها ) من قبل النبوة ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة ، وفيه
وجوه أخر ساقطة، منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر مارية، وما تأخر من أمر زينب، وهو
أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام، وقوله تعالى ( ويتم نعمته عليك) يحتمل وجوهاً:
(أحدها) هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج، وهو آخر التكاليف، والتكاليف نعم
(ثانيها) يتم فهمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك، فإن يوم الفتح لم يبق للنبى عليه الصلاة
والسلام عدو ذوا اعتبار، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر. والباقون آمنوا واستأمنوا يوم
الفتح ( ثالثها) ويتم نعمته عليك فى الدنيا باستجابة دعائك فى طلب الفتح، وفى الآخرة بقبوله
شفاعتك فى الذنوب ولو كانت فى غاية القبح، وقوله تعالى ( ويهديك صراطاً مستقيماً) يحتمل.
وجوهاً (أظهرها) يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المصلين،
أو من يقدر على الإكراه على الكفر، وهذا مرافق قوله تعالى (ورضيت لكم الإسلام ديناً)
حيث أهلكت المجادلين فيه، وحملتهم على الإيمان)(وثانيها) أن يقال جعل الفتح سبباً الهداية إلى

٧٩
قوله تعالى : وينصرك الله نصراً عزيزاً . سورة الفتح .
الصراط المستقيم ، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد،
والجهاد سلوك سبيل الله، ولهذا يقال للغازى فى سبيل الله مجاهد (وثالثها) ما ذكرنا أن المراد
التعريف، أى ليعرف أنك على صراط مستقيم، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من
يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل، وقوله (وينصرك الله نصراً عزيزاً) ظاهر، لأن بالفتح
ظهر النصر واشتهر الأمر، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية :
( أما المسألة اللفظية) فهى أن الله وصف النصر بكونه عزيزاً، والعزيز من له النصر
(والجواب) من وجهين (أحدهما) ما قاله الزمخشرى ، أنه يحتمل وجوها ثلاثة (الأول) معناه
نصر إذعز، كقوله ( فى عيشة راضية) أى ذات رضى ( الثانى) وصف النصر بما يوصف به
المنصور إسناداً مجازياً يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق (الثالث) المراد نصراً عزيزاً
صاحبه (الوجه الثانى) من الجواب أن نقول: إنما يلزمنا ماذكره الزمخشرى من التقديرات إذا قلنا:
العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب. وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل النظير، أو المحتاج إليه
القليل الوجود ، يقال عز الشىء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله
لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد .
﴿ أما المسألة المعنوية) وهى أن الله تعالى لما قال ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) أبرز
الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله (ويتم) وبقوله ( ويهديك) ولم يذكر لفظ اللّه على الوجه
الحسن فى الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه فى الفعل الأول ،
ولا يظهر فيما بعد، تقول : جاء زيد و تكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد
اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول، وههنا لم يقل وينصرك نصراً، بل أعاد لفظ الله، فنقول
هذا إرشاد إلى طريق النصر، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة، فقال تعالى (بنصر الله
ينصر) ولم يقل بالنصر ينصر، وقال (هو الذى أيدك بنصره) ولم يقل بالنصر، وقال (إذا
جاء نصر الله والفتح) وقال (نصر من الله وفتح قريب) ولم يقل نصر وفتح، وقال ( وما النصر
إلا من عند الله) وهذا أدل الآيات على مطلوبنا، وتحقيقه هو إن النصر بالصبر، والصبر باله،
قال تعالى ( واصبر وما صبرك إلا بالله) وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه، وذلك بذكر
الله، كما قال تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فلما قال ههنا وينصرك اللّه، أظهر لفظ الله
ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر ، وههنا
مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال (إنا فتحنا ) ثم قال ( ليغفر لك اللّه) ولم يقل إنا فتحنا لنغفر
لك تعظيما لأمر الفتح، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمه لكنها عامة لقوله تعالى (إن الله
يغفر الذنوب جميعاً) وقال (ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) ولتن قلنا بأن المراد من المغفرة فى
حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً، وإتمام

٨٠
قوله تعالى : هو الذي أنزل السكينة . سورة الفتح.
هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ السَّكِينَةً فِ قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيَمْنَا مَّعَ إَِمْنِمْ وَلِلّهِ
جُنُودُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيً حَكِيماً ﴾
النعمة کذلك، قال الله تعالى(الیوم أ کملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى) وقال (يانى إسرائيل
اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم) وكذلك الهداية قال الله تعالى (يهدى إليه من يشاء) فعهم،
كذلك النصر قال الله تعالى ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون) وأما
الفتح فلم يكن لأحد غير النبى صلى الله عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى (إنا فتحنا لك فتحاً) وفيه
التعظيم من وجهين (أحدهما) إنا (وثانيهما) لك أى لأجلك على وجه المتة .
قوله تعالى: ﴿هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله
جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكما﴾ .
لمنا قال تعالى (وينصرك الله) بين وجه النصر ،وذلك لأن الله تعالى قد ينصر رسله نصيحة
يهلك بها أعداءهم، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء، أو جند يرسله من السماء، أو نصر وقوة وثبات
قلب يرزق المؤمنين به ، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال (هو الذى أنزل السكينة) أى تحقيقا
النصر، وفى السكينة وجوه ( أحدها) هو السكون (الثانى) الوقار لله ولرسول الله وهو من
السكون (الثالث ) اليقين والكل من السكون وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ السكينة هنا غير السكينة فى قوله تعالى ( إن آية ماكد أن يأتيكم التابوت
فيه سكينة من ربكم) فى قول أكثر المفسرين ويحتمل هى تلك المقصود منها على جميع الوجوه
اليقين وثبات القلوب .
المسألة الثانية﴾ السكينة المنزلة عليهم هى سبب ذكرهم الله كما قال تعالى (ألا بذكر الله
تطمئن القلوب ) .
المسألة الثالثة ﴾ قال الله تعالى فى حق الكافرين (وقذف فى قلوبهم) بلفظ القذف المزعج
وقال فى حق المؤمنين (أنزل السكينة ) بلفظ الإنزال المثبت، وفيه معنى حكمى وهو أن من علم
شيئاً من قبل ونذکره واستدام تذکره فإذا وقع لا یتغیر ، ومن كان غاملاعن شىء فيقع دفعة يرجف
فراده، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة وقيل له لا تنزعج منها فوقعت الصيحة لايرجف ، ومن
لم يخبر به أو أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت ، فكذلك الكافر أتاه الله من حيث لا يحتسب
وقذف فى قلبه فارتهف، والمؤمن أتاه من حيث كان يذكره فسكن ، وقوله تعالى ( ليزدادوا إيماناً
مع إيمانهم) فيه وجوه (أحدما) أمرثم بتكاليف شيئاً بعد شىء فآمنوا يكل واحد منها، مثلا أمروا
بالتوحيد فآمنوا وأطاعوا، ثم أمروا بالقتال والحج فآمنوا وأطاعوا، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم