Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
قوله تعالى : قل أثتكم لتكفرون . سورة فصلت .
قُلْ أَبِنَّكُمْ لَشَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَجْعَلُونَ لَهُ ◌ٍ أَنْدَادًا ذَلِكَ
رَبُّ الْعَلَمِنَ ﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِنِ فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَها
فِىْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلََّيِلِينَ ( بَهُ ثُمَّأَسْتَوَ إِلَى الَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَمَا
٠٠٠
أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآَبِعِينَ
وَلِلْأَرْضِ اثْتِيَا طَوْعًا
فَقَضَُهُنّ سَبْعِ
المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا فى إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية،
فقالوا إنه تعالى الحق الوعيد الشديد بناء على أمرين (أحدهما) كونه مشركا (والثانى) أنه لا يؤتى
الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير فى حصول ذلك الوعيد، وذلك
يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيراً عظيما فى زيادة الوعيد وذلك هو المطلوب.
( المسألة الثالثة﴾ احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر، فقال إنه
تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر، وهو قوله (فويل للمشركين) وذكر
أيضاً بعدها مايوجب الكفر، وهو قوله ( وهم بالآخرة هم كافرون) فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة
كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً، لأن الكلام إنما يكون فصيحاً
إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه حكم
بكفر مانعى الزكاة (والجواب) لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار
باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة ، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة ،
والله أعلم .
ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين، فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات لهم أجر غير منون) أى غير مقطوع، من قولك منفت الحبل ، أى قطعته، ومنه قولهم
قد منه السفر ، أى قطعه، وقيل لا يمن عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجراً ، فإذاً الأجر لا يوجب
المنة ، وقيل نزلت فى المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كاً حسن ما كانوا
يعملون .
قوله تعالى: ﴿قل أثنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين ونجعلون له أنداداً ذلك رب
العالمين، وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين ،
ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرهاً قالتا أتينا طائمين، فقضاهن
١٠٢
قوله تعالى : قل أثنكم لتكفرون . سورة فصلت .
سَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنٍ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَبَنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصِيحَ
وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (
سبع سموات فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير
﴾.
العزيز العليم
أعلم أنه تعالى لما أمر محمداً فَ اله فى الآية الأولى أن يقول (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما
إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه
تعالى وبين هذه الأصنام فى الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته فى خلق السموات
والأض فى مدة قليلة ، فمن هذا صفته كيف بجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له فى الإلهية
والمعبودية ؟ فهذا تقرير النظم ، وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير: أينكم لتكفرون بهمزة ويا. بعدها خفيفة ساكنة بلا مد،
وأما نافع فى رواية قالون وأبواعم و فعلى هذه الصورة، إلا أنهما يمدان، والباقون مزتين بلاهد.
المسألة الثانية) قوله تعالى (أثنكم) استفهام بمعنى الإنكار، وقد ذكر عنهم شيئين منكرين
(أحدهما) الكفر بالله، وهو قوله (لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين) (وثانيهما) إثبات
الشركاء والأعداد له، ويجب أن يكون الكفر المذكور أو لا مغايراً لإثبات الأنداد له، ضرورة أن
عطف أحدهما على الآخر بوجب التغاير، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه (الأول) قولهم
إن الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى، فلما نازعوا فى ثبوت هذه القدرة فقد كفروا بالله (الثانى)
أنهم كانوا ينازعون فى صحة التكليف، وفى بشة الأنبياء، وكل ذلك قدح فى الصفات المعتبرة فى
الإلهية ، وهو كفر بالله ( الثالث) أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد، وذلك أيضاً قدح فى الإلهية
وهو يوجب الكفر بالله، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء، وأثبتوا الأنداد
أيضاً فقه لأجل قولهم بالهية تلك الأصنام، واحتج تعالى على فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يحوّز
الكفر بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً لله تعالى، مع أنه تعالى هو الذى
خلق الأرض فى يومين، وتمم بقية مصالحها فى يومين آخرين. وخلق السموات بأسرها فى يومين
آخرين؟ فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة، كيف يعقل الكفر به وإنكار قدرته على الحشر
والنشر، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة الأنبياء، وكيف يعقل جعل هذه
الأصنام الخسيسة أنداداً له فى المعبودية والإلهية، فإن قيل من استدل بشىء على إثبات شىء،
فذلك الشىء المستدل به يجب أن يكون مسدماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى
عالقاً للأرض فى يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض، وإنما يمكن إثباته بالسمع ووحى
١٠٣
قوله تعالى : ذلك رب العالمين . سورة فصلت .
الأنبياء ، والكفار كانوا منازعين فى الوحى والنبوة ، فلا يعقل تقرير هذه المقدمة عليهم ، وإذا
امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد .ذاهبهم، قلنا إثبات كون السموات
والأرض مخلوقة بطريق العمل ممكن، فإذا ثبت ذلك أسكن الاستدلال به على وجود الإله القادر
القاهر العظيم ، وحينئذ يقال للكافرين . فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة
القاهرة وبين الصنم الذى هو جماد لا يضر ولا ينفع فى المعبردية والإلهية ؟ بقى أن يقال: حينئذ
لا يبقى فى الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض فى يومين أثر، فنقول هذا أيضاً له أثر فى هذا
الباب ، وذلك لأن أول التوراة مشتعل على هذا المعنى ، فكان ذلك فى غاية الشهرة بين أهل
الكتاب، فكفار مكة كانوا يعتقدون فى أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق، والظاهر
أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب، هذه المعانى واعتقدوا فى كونها حقة ، وإذا كان الأمر كذلك
حينئذ يحسن أن يقال لهم إن الإله الموصوف بالقدرة على خلق هذه الأشياء العظيمة فى هذه المدة
الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكا له فى المعبودية والإلهية؟
فظهر بما قررنا أن هذا الاستدلال قوى حسن .
قوله تعالى : ﴿ ذلك رب العالمين﴾ أى ذلك الموجود الذى علمت من صفته وقدرته أنه
خلق الأرض فى يومين هو (رب العالمين) وخالقهم ومبدعهم ، فكيف أثبتم له أنداداً من الخشب
والحجر؟ ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض فى يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من
الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك (فالأول) قوله ( وجعل فيها رواسى من فوقها) والمراد
منها الجبال، وقد تقدم تفسير كونها (رواسى) فى سورة النحل، فإن قيل: ما الفائدة فى قوله ( من
فوقها) ولم لم يقتصر على قوله ( وجعل فيها رواسى) كقوله تعالى (وجعلنا فيها رواسى شامخات )
(وجلنا فى الأرض رواسى) ؟ قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسى من تحتها لأوهم ذلك أن تلك
الأساطين التحتانية هى التى أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال خلقت هذه
الجبال الثقال فوق الأرض ، لبرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، وكلها
مفتقره إلى مسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدير إلا الله سبحانه وتعالى (والنوع الثانى) ما
أخبر الله تعالى فى هذه الآية قوله (وبارك فيها) والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض
أكثر ما يحبط به الشرح والبيان، وقد ذكرناها بالاستقصاء فى سورة البقرة قال ابن عباس رضى
الله عنهما: يريد شق الأنها وخلق الجبال وخلق الأشجار والثمان وخلق أصناف الحيوانات وكل
ما يحتاج إليه من الخيرات (والنوع الثالث) قوله تعالى (وقدر فيها أقواتها) وفيه أقوال (الأول)
أن المعنى وقدر فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، قال محمد بن كعب: قدر أفوات الأبدان
قبل أن يخلق الأبدان ( والقول الثانى) قال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر، وعلى هذا القول
فالاً قوات الأرض لا للسكان، والمعنى أن الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر (والقول
١
١٠٤
قوله تعالى : في أربعة أيام سواء للسائلين . سورة فصلت .
الثالث) أن المراد من إضافة الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض، وحادثة فيها
لأن النحو بين قالوا يكفى فى حسن الإضافة أدنى سبب فالتى. قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله
أخرى، فقوله (وقدر فيها أقواتها) أى قدر الأقوات التى يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى
جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة، حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء
المتولدة فى تلك البلدة وبالعكس ، فصار هذا المعنى سباً لرغبة الناس فى التجارات من اكتساب
الأموال ، ورأيت من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة، لأن الله
تعالى وضع الأرزاق والأقوات فى الأرض قال (وقدر فيها أقواتها) وإذا كانت الأقوات موضوعة
فى الأرض كان طلبها من الأرض متعيناً، ولما ذكر الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير
قال بعده ( فى أربعة أيام سواء السائلين) وههنا سؤالات :
﴿السؤال الأول) أنه تعالى ذكر أنه خالق الأرض فى يومين، وذكر أنه أصلح هذه الأنواع
الثلاثة فى أربعة أيام أخر ، وذكر أنه خلق السموات فى يومين ، فيكون المجموع ثمانية أيام، لكنه
ذكر فى سائر الآيات أنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام فلزم التناقض ، واعلم أن العلباء
أجابوا عنه بأن قالوا المراد من قوله (وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام) مع اليومين الأولين ، وهذا
كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد فى عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة فى خمسة عشر يوماً
يريد كلا المسافتين، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفاً فى شهر وألوفاً فى شهرين فيدخل الألف فى
الألوف والشهر فى الشهرين .
﴿ السؤال الثانى) أنه لما ذكر أنه خلق الأرض فى يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع
الثلاثة الباقية فى يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن الغلط ، فلم ترك هذا التصريح، وذكر
ذلك الكلام المجمل ؟ (والجواب) أن قوله (فى أربعة أيام سواء للسائلين ) فيه فائدة على ما إذا
قال خلقت هذه الثلاثة فى يومين ، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء فى يومين لم يفد هذا
الكلام كون هذين اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل فى یومین مع
أن اليومين ما كانا مستغرقین بذلك العمل، أما لما ذكر خلق الأرض و خلق هذه الاشياء، ثم قال
بعده (فى أربعة أيام سواء للسائلين) دل ذلك على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة فى
تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان .
(السؤال الثالث) كيف القراءات فى قوله (سواء)؟ (والجواب) قال صاحب الکشاف قری.
(سواء) بالحركات الثلاثة الجر على الوصف والنصب على المصدر أستوت سواء أى استواء والرفع
علی می سواء .
( السؤال الرابع) ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة -واء ؟ فنقول إن الأيام قد
تكون متساوية المقادير كالاً يام الموجودة فى أماكن خط الإستواء . وقد تكون مختلفة كالأيام
!
١٠٥
قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء . سورة فصلت .
الموجودة فى سائر الأماكن ، فبين تعالى أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة .
( السؤال الخامس) بم يتعلق قوله (السائلين)؟ الجواب فيه وجهان: (الأول) أن الزجاج
قال قوله ( فى أربعة أيام) أى فى تتمة أربعة أيام، إذا عرفت هذا فالتقدير (وقدر فيها أقواتها) فى
تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أى الطالبين للأفرات المحتاجين إليها ( والثانى) أنه متعلق بمحذوف
والتقدير كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها ، ولما شرح
الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال ( ثم استوى إلى السماء
وهى دخان) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول) قوله تعال (ثم استوى إلى السماء) من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا
توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذى هو ضد الاعوجاج، ونظيره
قولهم استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى (فاستقيموا إليه) والمعنى ثم دعاه داعى الحكمة إلى
خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها ، من غير صارف يصرفه ذلك .
﴿البحث الثانى) ذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء قبل خلق السموات والأرض
فأحدث الله فى ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فيبقى على وجه الماء ثمخلق الله منه
اليبوسة وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا لخلق الله منه السموات.
واعلم أن هذه القصة غير موجودة فى القرآن ، فان دل عليه دليل صحيح قبل وإلا فلا، وهذه
القصة مذكورة فى أول الكتاب الذى يزعم اليهود أنه التوراة ، وفيه أنه تعالى خلق السماء من
أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لأنا قد دلنا فى المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية ،
بدليل أنه لو جلس إنسان فى ضوء السراج وإنسان آخر فى الظلمة، فان الذى جلس فى الضوء
لا يرى مكان الجالس فى الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلماً، وأما الذى جاس فى الظلمة فانه يرى ذلك
الذى كان جالساً فى الضر. ويرى ذلك الهواء مضيئاً، ولو كانت الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت
الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين ، فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور ، فالله سبحانه
وتعالى لما خلق الأجزاء التى لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور،
ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً، وأحدث صفة الضوء فيها حينئذ صارت
مستنيرة ، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس والقمر
كانت مظلمة، فصح تسميتها بالدعان ، لأنه لامعنى الدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة
النور، فهذا ما خطر بالبال فى تفسير الدخان، والله أعلم بحقيقة الحال.
(البحث الثالث) قوله (تم استوى إلى السماء وهى دخان) مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد
تخلیقالأرض ، وقوله تعالى (والآ رض بعد ذلك دعاما) مشعر بأنتخليق الأرض حصل بعد تخليق
السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء فى هذه المسألة، و(الجواب المشهور) أن يقال إنه تعالى
١٠٦
قوله تعالى : وجعل فيها رواسي من فوقها . سورة فصلت .
خلق الأرض فى يومين أولا . ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ، وبهذا
الطريق يزول التناقض، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندى من وجوه (الأول) أنه تعالى بين أنه خلق
الأرض فى يومين، ثم إنه فى اليوم الثالث (جعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها)
وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها فى الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لا ن خلق الجبال فيها
لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة، وقوله تعالى (وبارك فيها) مفسر بخلق الأشجار
والنبات والحيوان فيها، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك (ثم استوى
إلى السماء) فهذا يقتضى أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة، وحينئذ
يعود السؤال المذكور ( الثانى) أنه قد دلت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة، فهى فى أول
حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضاً فهـ، منذ خلقت كانت مدحوة، وإن قلنا أنها غير
كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة ، وذلك
باطل (الثالث) أن الأرض جسم فى غاية العظم، والجسم الذى يكون كذلك فانه من أول دخوله فى
الوجود يكون مدجواً، فيكون القول بأنهاما كانت مدحوة، ثم صارت مدحوة قول باطل، والذى
جاء فى كتب التواريخ أن الأرض خلقت فى موضع الصخرة بيت المقدس ، فهوكلام مشكل لأنه
إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت فى ذلك الموضع، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة
وهو محال ، وإن كان المراد منه أنه خلق أولا أجزاء صغيرة فى ذلك الموضع ثم خلق بقية أجزائها،
وأضيفت إلى تلك الأجزاء التى خلقت أولاً، فهذا يكون اعترفاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً
عن تخليق السماء (الرابع) أنه لما حصل تخليق ذات الأرض فى يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة
فى الأرض فى يومين آخرين وتخليق السموات فى يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام ، فإذا
حصل دحو الأرض من بعد ذلك فقد حصل هذا الدحوفى زمان آخر بعد الأيام الستة، فيمئذ
يقع تخليق السموات والأرض فى أكثر من ستة أيام وذلك باطل (الخامس) أنه لا نزاع أن قوله
تعالى بعد هذه الآية (ثم استوى إلى السماء فقال لها والأرض اتنيا طوعاً أو كرماً) كناية عن إيجاد
السماء والأرض ، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله ( ائتيا طوعاً أو كرماً)
يقتضى إيجاد الموجود وإنه محال باطل .
فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور ، ونقل الواحدى فى البسيط عن مقاتل أنه قال
خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله ( ثم استوى إلى السماء) ثم كان قد استوى إلى
السماء وهى دخان، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى (قالوا إن يسرق
فقد سرق أخ له من قبل) معناه إن يكن سرق ، وقال تعالى (وكم من قرية أهلكناما نجاءها بأسنا)
والمعنى فكان قد جاءها ، هذا مانقله الواحدى وهو عندى ضعيف ، لأن تقدير الكلام
ثم كان قد استوى إلى السماء، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة (ثم) تقتضى التأخير، وكلمة (كان)
١٠٧
قوله تعالى : أنتيا طوعاً أو كرهاً . سورة فصلت .
تقتضى التقديم والجمع بينهما يفيد التناقض ، وذلك دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره وقد
بينا أن قوله ( انتيا طوعاً أو كرماً) إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل
قوله (اثقيا) على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرناه، فى على لفظ الآية سؤالات.
( السؤال الأول) ما الفائدة فى قوله تعالى (فقال لها والأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً)؟
(الجواب ) المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير (ائتيا) شئما ذلك أو أينما، كما يقول الجبار
من تحت يده لتفعلن هذا شقت أو لم تشأ ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً، وانتصابهما على الحال بمعنى
طائعين أو مكردين ( قالتا أتينا) على الطرع لا على الكره، وقيل إنه تعالى ذكر السماء والأرض
ثم ذكر الطوع والكره ، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض بتخصيص
السماء بالطوع لوجوه (أحدما) أن السماء فى دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف، تشبه
حيواناً مطيعاً لله تعالى بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال ، تارة تكون فى السكون وأخرى
فى الحركات المضطربة ( وثانيها) أن الموجود فى السماء ليس لها إلا الطاعة، قال تعالى (يخافون
ربهم من فوقهم ويفعلون مايؤمرون) وأما أهل الأرض فليس الأمر فى حقهم كذلك (وثالثها)
السماء موصوفة بكمال الحال فى جميع الأمور، قالوا إنها أفضل الألوان وهى المستنيرة ،
وأشكالها أفضل الأشكال وهى المستديرة، ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالى، وأجرامها
أفضل الأجرام وهى الكواكب المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف
الأحوال وتغير الذوات والصفات ، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون
الأرض بالكره ، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبداً بما يوجب
الكره والكرب والقهر والقسر.
﴿السؤال الثانى﴾ ما المراد من قوله (أثنيا) ومن قوله (اتينا)؟، (الجواب) المراد ائقيا إلى
الوجود والحصول وهو كقوله (كن فيكون) وقيل المعنى انقيا على ما ينبغى أن تأتيا عليه من الشكل
والوصف، أى بأرض مدحوة قراراً ومهاداً وأى بسماء مقببة سقفاً لهم، ومعنى الإتيان الحصول
والوقوع على وفق المراد، كما تقول أتى عمله مرضياً وجاء مقبولا، ويجوز أيضاً أن يكون المعنى
لتأتى كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذى تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قراراً
للسماء وكون السماء سقفاً الأرض.
﴿السؤال الثالث) هلا قيل ظائمين على اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون؟
(الجواب) لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين فى موضع طائعات
نحو قوله ( ساجدين) ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض فى جوف
السموات أقل من الذرة الصغيرة فى جوف الجبل الكبير ، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل
والحياة غالبة ، إلا أن هذا القول باطل ، لإجماع المتكلمين على فساده.
١٠٨
قوله تعالى : وأوحى في كل سماء أمرها . سورة فصلت .
ثم قال تعالى (فقضاهن سبع سموات فى يومين) وقضاء الشىء إنما هو اتمامه والفراغ منه والضمير
فى قوله (فقضاهن) يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال (طائمين) ونحوه (أجاز نخل
خاوية) ويجوز أن يكون ضميراً مبهما مفسراً بسع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما على
الحال والثانى على التمييز.
ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض فى يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما فى الأرض فیوم
الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السموات وما فيها فى يوم الخميس والجمعة وفرغ فى آخر ساعة من يوم
الجمعة خلق فيها آدم وهى الساعة التى تقوم فيها القيامة ، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك
إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل
حصول اليوم؟ قلنا معناه إنه مضى من المدة مالو حصل هناك ذلك وشمس لكان المقدار مقدراً بيوم.
ثم قال تعالى (وأوحى فى كل سماء أمرها) قال مقاتل أمر فى كل سماء بما أراد، وقال قتادة خلق
فيها شمسها وقرها ونجومها، وقال السدى خلق فى كل سماء خلقه من الملائكة وما فيها من البحاروجبال
البرد ، قال ولله فى كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو
وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة ، والأفرب أن يقال قد ثبت فى علم النحو أنه يكفى فى
حسن الإضافة أدنى سبب، ولله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص ، فمن الملائكة من هو فى القيام
من أول خلق العالم إلى قيام القيامة ، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون ، وإذا كان
ذلك الأمر مختصاً بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصاً بتلك السماء، وقوله تعالى ( وأوحى
فى كل سماء أمرها) أى وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله (وكم من قرية أملكناها
لجاءها بأسنا) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدى وهو عندى ضعيف لأن تقدير
الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضى
التأخير وكلمة كان تقتضى التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض ، ونظيره قول القائل ضربت اليوم
زيداً ثم ضريت عمراً بالأمس، فكما أن هذا باطل فكذا ماذكر تموه وإنما يجوز تأويل كلام
اللّه بما لا يؤدى إلى وقوع التناقض والركاكة فيه، والمختار عندى أن يقال خلق الحرات مقدم
على خلق الأرض ، بقى أن يقال كيف تأويل هذه الآية؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين
والإيجاد، والدليل عليه قوله ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن
فيكون) فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أو جده من تراب ثم قال له
كن فيكون وهذا محال ، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال الشىء الذى وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت
أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد. بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير حق الله تعالى
هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك، وإذا ثبت هذا فنقول قوله ( خلق الأرض فى يومين)
معتاه أنه قضى بحدوثه فى يومين، وقضاء اللّه بأنه سيحدث كذا فى مدة كذا، لا يقتضى حدوث ذلك
١٠٩
قوله تعالى : فقال لها وللأرض . سورة فصلت .
الشىء فى الحال، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض فى يومين قد تقدم على إحداث السماء، ولا يلزم
منه. تقدم إحداث الأرض على إحداث السماء، وحينئد يزول السؤال، فهذا ماوصلت إليه فى هذا
الموضع المشكل.
ثم قال تعالى ( فقال لها والأرض اتنيا طوعاً أو كرهاً قالنا أتينا طالعين).
واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضى أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا
وعند هذا حصل فى الآية قولان :
(القول الأول) أن تجرى هذه الآية على ظاهرها فنقول: إن اللّه تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه
قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد ، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه
السلام فقال (يا جبال أوبى معه والطير) والله تعالى تجلى للجبل قال (فلما تجلى ربه للجبل) والله تعالى
أنطق الأيدي والأرجل فقال (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) وإذا
كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله فى ذات السماء والأرض حياة وعقلا وفهماً، ثم يوجه
الأمر والتكليف عليهما، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه (الأول) أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره
إلا إذا منع منه مانع، وههنا لا مانع، فوجب إجراؤه على ظاهره (الثانى ) أنه تعالى أخبر عنهما ،
فقال (قالتا أتينا طائعين) وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم (الثالث) قوله تعالى (إنا عرضنا الأمانة على
السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها) وهذا يدل على كونها عارفة بالله، مخصوصة بتوجيه
تكاليف اللّه عليها، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله ( اتقيا طوحاً أو كرماً) الإتيان إلى
الوجود والحدوث والحصول. وعلى هذا التقدير فال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض
معدومة، إذ لو كانت موجودة اصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجوداً، وذلك
لا يجوز، فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة
ولا عارفة للخطاب ، فلم يجز توجیه الامر عليها ، فان قال قائل : روی مجاهد عن ابن عباس أنه قال
قال الله سبحانه السموات أطلعى شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض شققى أنهارك وأخرجى
تمارك . وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما يابرازها وإظهارها، فنقول فعلى هذا
التقدير لا يكون المراد من قوله (أتينا طائعين) حدوثهما فى ذاتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر
أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، إلا أن هذا الكلام باطل، لأنّه تعالى قال ( فقِضاهن سبع سموات
فى يومين) والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث السموات إنما حصل بعد قوله (انتياطرها
أو كرماً ) فهذا جملة ما يمكن ذكره فى هذا البحث .
( القول الثانى ) أن قوله تعالى (قال لها والأرض ائنيا طوعاً أو كرماً) ليس المراد منه توجيه
الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنجا عليه ووجدتا
كما أرادهما، وكانتا فى ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع، ونظيره قول القائل:
١١٠
قوله تعالى : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم . سورة فصلت.
فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَّةً مِّثْلَ صَعِقَةٍ عَدٍ وَتُحُودَ (٣) إِذْ
جَاءَتْهُمُ الْسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُواْإِلَّ اللّهُ قَالُوْ لَوْ شَآءَ
رَبُّنَالأَنْزَلَ مَلَكَةٌ فَإِنَّ بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَفِرُونَ ﴿ فَأَمَّا كَادُ فَاسْتَكْبَرُواْ فِ اْأَرْضِ
قال الجدار الوتد لم تشمنى؟ قال الوقد: اسأل من يدقى، فان الحجر الذى ورائى ما خلانى ورائى.
واعلم أن هذا عدول عن الظاهر ، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذا قام دليل على أنه لا يمكن
إجراؤه على ظاهره، وقد بينا أن قوله ( اثقيا طوعاً أو كرماً) إنما حصل قبل وجودهما، وإذا
كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله (اثنيا طوعا أو كرهاً) على الأمر والتكليف، فوجب حمله على
ما ذكرنا.
واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما، وهذا يدل على أنه
تعالى أسكن هذه السموات الملائكة، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء، وليس فى الآية
ما يدل على إنه إنما خلق الملائكة مع السموات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات ، ثم أنه تعالى
أسكنهم فيها، وأيضاً ليس فى الآية بيان الشرائع التى أمر الملائكة بها، وهذه الأسرار لا تيلق
بعقول البشر، بل هى أعلى من مصاعد أفهامهم ومراى أوهامهم، ثم قال (وزينا السماء الدنيا
بمصابيح) وهى النيرات التى خلقها فى السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسر معين،
وطبيعة معينة، لا يعرفها إلا الله، ثم قال (وحفظاً) يعنى وحفظناها حفظاً، يعنى من الشياطين
الذين يسترقون السمع، فأعد لكل شيطان نجماً يرميه به ولا يخطئه، فمها ما يحرق، ومنها ما يقتل
ومنها ما يجعله مخبلا، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول برين عن خلق السموات والأرض
فقل (( خلق الله تعالى الأرض فى يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال والشجر فى يومين وخلق
فى يوم الخميس السماء، وخلق فى يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، ثم خلق آدم عليه
السلام وأسكنه الجنة - ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟ قال - ثم استوى على العرش - قالوا: ثم
استراح - فغضب رسول اللّه مَ له)) فنزل قوله تعالى ( وما مسنا من لغوب).
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل، قال ( ذلك تقدير العزيز العليم ) والعزيز إشارة إلى
كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، وما أحسن هذه الخاتمة، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا"
بقدرة كاملة وعلم محيط .
قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، إذا جاءتهم الرسل من بين
أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاءربنا لا نزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون،
١١١
قوله تعالى : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم . سورة فصلت .
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشْدُ مِنَّافُوَّةُ أَوَ لَمْ يَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ
مِنْهُمْ تُوَّةٌ وَكَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ (2) فَأَرْسَلْنَا غَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِ أَيَّامٍ
◌َحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ أَنْخِزْىٍ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَنْزَى
وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى
وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (
وَنَجَيْنَا الَّذِينَ
فَأَخَلَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ (2)
١٨
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يرو أن اللّه الذى خلقهم هو
أشد منهم قوة وكاو بآياتنا يجحدون ، فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب
الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى
على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.
إعلم أن الكلام إنما ابتدى. من قوله (أنما إلهكم إله واحد) واحتج عليه بقوله ( قل أثنكم
لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين ) وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة
كيف يجوز الكفر به، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له فى الإلهية؟ ولما تم
تلك الحجة قال (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) وبيان ذلك لأن وظيفة
الحجة قد تمت على أكمل الوجوه ، فإن بقوا مصرين على الجهل لم يبق حينئذ علاج فى حقهم إلا
إنزال العذاب عليهم. فلهذا السبب قال (فان أعرضوا فقل أنذرتكم ) بمعنى إن أعرضوا عن قبول
هذه الحجة القاهرة التى ذكرناها وأصروا على الجهل والتقليد ( فقل أنذرتكم) والإنذار هو:
التخويف ، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأى شىء كان، وقرى. صعقة مثل صعقة عاد وثمود
قال صاحب الكشاف وهى المرة من الصعق .
ثم قال ( إذ يامتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم) وفيه وجهان (الأول) المعنى أن
الرسل المبعوثين إليهم أقوم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم
إلا العتو والإعراض، كما حكى الله تعالى عن الشيطان قوله (ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم)
يعنى ( لآ تينهم) من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة ، ويقول الرجل: استدرت بفلان من كل
١١٢
قوله تعالى : فأما عاد فاستكبروا في الأرض . سورة فصلت .
جانب فلم تؤثر حيلنى فيه .
﴿ السؤال الثانى﴾ المعنى: أن الرسل جامتهم من قبلهم ومن بعدهم ، فإن قيل : الرسل الذين
جاؤا من قبلهم ومن بعدهم، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم؟ قلنا: قد جاءهم هود وصالح داعيين
إلى الأيمان بهما ويجميع الرسل، وبهذا التقدير فكان جميع الرسل قد جاؤم .
ثم قال ( ألا تعبدوا إلا الله) يعنى أن الرسل الذين جاؤهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروم
بالتوحيد ونفى الشرك، قال صاحب الكشاف أن فى قوله (أن لا تعبدوا إلا الله) بمعنى أى أو مخففة
من الثقيلة أصله بأنه ( لا تعبدوا) أى بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله.
ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا (لو شاء ربنا لأنزل ملائكة) يعنى أنهم كذبوا
أولئك الرسل، وقالوا الدليل على كونكم كاذبين أنه تعالى لوشاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل وسطه
من زمرة الملائكة ، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البيئة ، الرسالة، ولماذكروا
هذه الشبهة قالوا (فإنا بما أرسلتم به كافرون) معناه: فاذاً أنتم بشرولستم بملائكة، فأنتم لستم برسل،
وإذا لم تكونوامن الرسل لم يلزمنا قبول قولكم، وهو المراد من قوله (فإنا بما أرسلتم به كافرون).
واعلم أنا بالغنا فى الجواب عن هذه الشبهات فى سورة الأنعام، وقوله ( أرسلتم به) ليس
بإقرار منهم يكون أولئك الأنبياء رسلا، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل
الاستهزاء ، كما قال فرعون (إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون) . روى أن أبا جهل قال فى
ملأمن قريش: التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالماً بالشعر والسحر والكهانة فكلمه،
ثم أتانا بيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من
ذلك علماً وما يخفى على، فأتاه فقال: يامحمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير
أم عبد الله؟ لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنالك اللواء فكنت رئيسنا، وإن
تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أى بنات من شئت من قريش ، وإن كان المال
مرادك جمعنا لك ماتستغنى به، ورسول الله يؤثر ساكت، فلما فرغ قال (بسم الله الرحمن الرحيم حم
تنزيل من الرحمن الرحيم) إلى قوله (صاعقة مثل صاعقة عادوثمود) فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم،
ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا، لا نرى عتبة إلا قدصباً، فانطلقواإليه وقالوا
ياعتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت: فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد كلمته
فأجابنى بشىء ماهو بشعر ولا سخر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أسكت بفيه
وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب خفت أن ينزل بكم العذاب.
واعلم أنه تعالى لما بين كفر قوم عاد وثمو على الإجمال بين خاصية كل واحدة من هاتين ،.
الطائفتين فقال ﴿ فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق) وهذا الاستكبار فيه وجهان
(الأول) إظهار النخرة والكبر ، وعدم الالتفات إلى الغير ( والثانى) الاستعلاء على الغير
١١٣
قوله تعالى : أو لم يروا أن الله الذي خلقهم . سورة فصلت .
واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالوا ( من أشد منا قوة) وكانوا
مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا
بشدة قوتهم ، فقال (أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوه) يعنى أنهم وإن كارا أقوى
من غيرهم ، فالله الذى خلقهم هو أشد منهم قرة، فإن كانت الزيادة فى القوة توجب كون النافص
فى طاعة الكامل ، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى، خاضعين لأوامره ونواهيه.
واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة لله، فقالوا القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله (الله
الذى خلقهم هو أشد منهم قوة) يدل على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله (إن الله هو
الرزاق ذو القوة المتين) فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجرى بين شيئين لأحدهما مع الآخر
نسبة، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها، والمتناهى لا نسبة له إلى غير المتناهى، فما
معنى قوله إن الله أشد منهم قوة؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر . .
ثم قال (وكانوا بآياتنا يجحدون) والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوا كما يجحد
المودع الوديعة .
واعلم أن نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا
يجحدون، وقوله (وقالوا من أشدمنا قوة، أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشدمنهم قوة) اعتراض
وقع فى البين لتقرير السبب الداعى لهم إلى الاستكبار.
واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم للخالق ، فقوله (استكبروا
فى الأرض بغير الحق ) مضاد للاحسان إلى الخلق وقوله ( وكانوا بآياتنا يجحدون) مضاد للتعظيم
للخالق، وإذا كان الأمر كذلك فهم قد بلغوا فى الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى
الغاية القصوى ، فلهذا المعنى سلط الله العذاب عليهم فقال (فأرسلنا عليهم ريحاً صر صراً) وفى
الصرصر قولان (أحدهما) أنها العاصفة التى تصرصر أى تصوت فى هبوبها، وفى علة هذه التسمية
وجوه ( قيل) إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه
الرياح بهذا الإسم (وقيل) هو من صرير الباب، (وقيل) من الصرة والصيحة، ومنه قوله تعالى
(فأقبلت امرأته فى صرة) ( والقول الثانى) أنها الباردة التى تحرق ببردها كما تحرق النار بحرها .
وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى (كمثل ريح فيها صر) وروى عن رسول الله عَ ليه أنه قال:
(«الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم، وأربع منها رحمة الناشرات
والمبشرات والمرسلات والذاريات)) وعن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على عباده من الريح
إلا قدر خاتمى، والمقصود أنه مع قلته أهلك الكل وذلك يدل على كمال قدرته .
وأما قوله ( فى أيام نحسات ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (نحسات) بسكون الحاء والباقون بكسر
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٨
١١٤
قوله تعالى : ولعذاب الآخرة أخزى . سورة فصلت .
الحاء ، قال صاحب الكشاف يتمال نحس نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس، وأما نحس فهو إما
مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر .
المسألة الثانية﴾ استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام قد
يكون نحسا وبعضها قد يكون سعداً، وقالوا هذه الآية صريحة فى هذا المعنى، أجاب المتكلمون بأن
قالوا ( أيام نحسات) أى ذوات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه ويتصرف، وأيضاً قالوا معنى
كون هذه الأيام نحسات أن الله أهلكهم فيها، أجاب المنتدل الأول بأن النحسات فى وضع اللغة
هى المشئومات لأن السعد. يقابله السعد، والكدر. يقابله الصافى، وأجاب عن السؤال الثانى أن الله
تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب فى تلك الأيام النحساتْ ، فوجب أن يكون كون تلك الأيام
نحسة مغايراً لذلك العذاب الذى وقع فيها .
ثم قال تعالى ( ولنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا) أى عذاب الهوان والذل ، والسبب
فيه أنهم استكبروا، فقابل اللّه ذلك الاستكبار بإيصال الخزى والخوان والذل إليهم.
ثم قال تعالى (ولعذاب الآخرة أخزى) أى أشد إهانة وخزياً (وم لا ينصرون) أى أنهم يقعون
فى الخزى الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزى عنهم.
ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال ( وأما ثمود) قال صاحب الكشاف قرى.
(نمود) بالرفع والنصب منوناً وغير منون والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء وقرى. بعضم
الثاء وقوله (فهديناهم) أى دالناهم على طريق الخير والشر (فاستحبوا العمى على الهدى) أى اختاروا
الدخول فى الضلالة على الدخول فى الرشد .
واعلم أن صاحب الكشاف ذكر فى تفسير الهدى فى قوله تعالى (هدى للمتقين ) أن الهدى
عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية ، وهذه الآية تبطل قوله ، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل
مع أن الإفضاء إلى البغية لم يحصل، فثبت أن قيد كونه مفضياً إلى البغية غير معتبر فى اسم الهدى .
وقد ثبت فى هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جواباً شافياً فتركناه، قالت المعتزلة هذه
الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل، إلا أن الإيمان إنما يحصل
من العبد لآن قوله ( وأما ثمود فهدینام) يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله(فاستحبوا"
العمى على الهدى) يدل على أنهم من عند أنفسهم أنوا بذلك العمى فهذا يدل على أن الكفر والإيمان
يحصلان من العبد، وأقول بل هذه الآية من أدل الدلائل ، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من
العبد، وبيانه من وجهين: (الأول) أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى، لأنهم أجبوا تحصيله، فلمأ وقع
فى قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده، فان حصل ذلك الترجيح لالمرجح فهو باطل، وإن كان المرجح هو
العبد عاد الطلب، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل المطلوب (الثانى) أنه تعالى قال (فاستحبوا
١١٥
قوله تعالى : ويوم يحشر اعداء الله . سورة فصلت .
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ (٨٩) حَتَّىَ إِذَا مَا جَاءُ وهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (*) وَقَالُواْ
◌ِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدِتٌ عَلَيْنَ قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوُ خَفَكُمْ أَوَّلَ
◌َّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجُونَ (٦﴾ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَدُكُرْ
وَلَ جُلُودُ كُمْ وَلَكِنْ ظَنَفْتُمْ أَنَّاللَّهَ لَ يَعْلَمُ كَثِيرًاً مَِّّا تَعْمَلُونَ () وَذَلِكُمْ ظَتُهُ
العمى على الهدى) ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لا يحب العمى والجهل مع العلمبکو نه عمى و جهلا ،
بل مالم يظن فى ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلماً لايرغب فيه ، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل
لابد وإن يكون مسبوقاً بجهل آخر، فان كان ذلك الجهل الثانى باختياره أيضاً لزم التسلسل وهو
محال، فلا بد من انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب، ولما وصف
اللّه كفرثم قال (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) و (صاعقة العذاب) أى داهية العذاب و(الدين)
الهوان، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه ( بما كانوا يكسبون) يريد من شركهم وتكذيهم
صالحاً وعقرثم الناقة، وشرع صاحب الكشاف ههنا فى سفاهة عظيمة. والأولى أن لا يلتفت
إليه لأنه وإن كان قد سعى سعياً حسنا فيما يتعلق بالألفاظ، إلا أن المسكين كان بعيداً من المعانى،
ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) يعنى وكانوا يتقون
الأعمال التى كان يأتىبها قوم عاد وثمود، فان قيل كيف يجرز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر
قومه مثل صاعقة عاد وتمود، مع العلم بأن ذلك لا يقع فى أمة محمد رمزلهم، وقد صرح اللّه تعالى بذلك
فى قوله (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وجاء فى الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى رفع عن هذه
الأمة هذه الأنواع من الآفات؟ قلنا إنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود فى استحقاق مثل
تلك الصاعقة جوزوا حدوث ما يكون من جنس ذلك ، وإن كان أقل درجة منهم وهذا القدر يكفى
فى التخويف .
قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم
ضمعهم وأبضارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى
أُنطق کل شیء وهو خلفكم أول مرة وإليه ترجعون، وما کنتم تستترون أن يشهد علیکم سمعكم ولا
أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظنفتم أن الله لا يعلم كثيراً بما تعملون، وذلكم ظنكم الذى ظنقم
١١٦
قوله تعالى : إذا ما جاؤها شهد عليهم . سورة فصلت .
الَّذِىِ ظَنْتُ بِرَبِّكُمْ أَرْدَ نَكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ (﴾ فَإِن يَصْبِرُواْ فَالَّارُ
مَنْوَّى لَهُمَّ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْلَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْنِينَ
٢٤
بربكم أردا كم فأصبحتم من الخاسرين، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم، وإن يستعتبوا فاهم من
المعتبین
واعلم أنه تعالى لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار فى الدنيا أردفه بكيفية عقويتهم فى الآخرة،
ليحصل منه تمام الاعتبار فى الزجر والتحذير، وقرأ نافع (نحشر) بالنون (أعداء) بالنصب أضاف
الحشر إلى نفسه، والتقدير يحشر الله عز وجل أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته
أنه معطوف على قوله ( ونجينا) فيحسن أن يكون على وفقه فى اللفظ، ويقويه قوله ( ويوم تحشر
المتقين) (وحشرنام) وأما الباقون فقرؤا على فعل مالم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله
(ويوم يحشر) ابتداء كلام آخر، وأيضاً الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله (احشروا) وثم
الملائكةـ، وأيضاً أن هذه القراءة موافقة لقوله ( فهم يوزعون) وأيضاً فتقدير القراءة الأولى أن
اللّه تعالى قال (ويوم نحشر أعده الله إلى النار) فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر
أعداءنا إلى النار .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال (فهم يوزعون) أى يحبس أولهم
على آخرثم ، أى يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سلوا
عن أعمالهم .
ثم قال ﴿حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ التقدير حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم، وعلى هذا
التقدير فكلمة ( ما) صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهى تأكيد أن عند مجيئهم لابد وأن تحصل هذه
الشهادة كقوله (أثم إذا ما وقع آمنتم به) أى لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به».
﴿ المسألة الثانية﴾ روى أن العبد يقول يوم القيامة: يارب العزة ألست قدوعدتنى أن لا تظلنى،
فيقول الله تعالى فإن لك ذلك، فيقول العبد إنى لا أقبل على نفسى شاهداً إلا من نفسى، فيختم
الله على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التى صدرت منه، فذلك قوله ( شهد عليهم سمعهم وأبسارم
وجلودهم) واختلف الناس فى كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال (أحدما) أنه تعالى يخلق الفهم
والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه (والثانى) أنه تعالى يخلق فى تلك الأصناء
الأصوات والحروف الدالة على تلك المعانى كما خلق الكلام فى الشجرة ( والثالث) أن يظهر
تلك الأسناء أحو الا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان، وتلكالأمارات تسمى
١١٧
قوله تعالى : إذا ما جاؤها شهد عليهم . سورة فصلت .
شهادات ، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه ، واعلم أن هذه المسألة صعبة على
المعتزلة أما (القول الأول) فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط الحصول العقل والقدرة
فاللسان مع تونه لساناً يمتنع أن يكون محلا العلم والعقل، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة
خرج عن كونه لساناً وجلداً، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود،
فإن قلنا إن الله تعالى ماغير بنية هذه الأعضاء حينئذ يمتنع عليها كونها عاقلة ناطقة فاهمة، وأما
(القول الثانى) وهو أن يقال إن اللّه تعالى خلق هذه الأصوات والحروف فى هذه الأعضاء، وهذا
أيضاً باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذى فعل الكلام ، لا ما كان موصوفاً
بالكلام، فإنهم يقـا ين إن اللّه تعالى خلق الكلام فى الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله
تعالى لا الشجرة ، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف فى تلك الأعضاء لزم أن يكون
الشاهد هو اللّه تعالى لا تلك ، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لاتلك الأعضاء،
وظاهر القرآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لامن اللّه تعالى لأنه
تعالى قال (شهد عليهم سمسهم وأبصارهم وجلودهم) وأيضاً أنهم قالوا لتلك الأعضاء (لم شهد تم علينا)
فقالت الأعضاء (أنطقنا الله الذى أنطق كل شئ.) وكل هذه الآيات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات
هى تلك الأعضاء، وأن تلك الكلمات ليست كلام اللّه تعالى، فهذا توجيه الإشكال على هذين
القولين، وأما (القول الثالث) وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء
دالة على صدور تلك الأعمال منهم ، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والاصل عدمه ، فهذا منتهى
الكلام فى هذا البحث ، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم ، لأن عندنا البنية ليست
شرطاً للحياة ولا للعلم ولا القدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق فى كل جزء
من أجزاء هذه الأعضاء، وعلى هذا التقدير فالاشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها فى بيان
أن البنية ليست شرطاً للحياة ولا لشىء من الصفات المشروطة بالحياة والله أعلم.
المسألة الثالثة﴾ ما رأيت للمفسرين فى تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر سبباً وفائدة،
وأقول لاشك أن الحواس خمسة السمع والبصير والشم والذوق والمس، ولا شك أن آلة المس
هى الجلد، فالله تعالى ذكرههنا من الحواس وهى السمع والبصر والمس، وأهمل ذكر نوعين وهما
الذوق والشم، لأن الذوق داخل فى اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن
تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام ، فكان هذا داخلا فيه فبقى حس الشم وهو حس
ضعيف فى الإنسان، وليس له فيه تكليف ولا أمر ولا نهى، إذا عرفت هذا فنقول نقل عن ابن
عباس أنه قال المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج. قال وهذا منباب الكنايات كماقال (ولكن
(لا قواعدوهن سراً) وأراد النكاح وقال (أو جاء أحد من الغائط) والمراد قضاء الحاجة وعن
التى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((أول مايتكلم من الآدمى لهذه وكفه)) وعلى هذا التقدير فتكون هذه
١١٨٠
قوله تعالى : وقيضنا لهم قرناء . سورة فصلت .
وَقَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَّ عَلَيْهِمُ
الآية وعيداً شديداً فى الإتيان بالزنا ، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف، ونهاية الأمر فيها إنما
تحصل بالفخذ .
ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم يقولون لتلك الأعضاء (لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق
كل شىء وهو خلفكم أول مرة وإليه ترجعون ) ومعناه أن القادر على خلقكم وإنطائكم فى المرة
الأولى حالما كنتم فى الدنيا ثم على خلقكم وإنطاقكم فى المرة الثانية وهى حال القيامة والبعث كيف
يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟.
ثم قال تعالى ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصار كم ولا جلودكم) والمعنى
إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال القبيحة ، إلا أن استنارهم ما كان لأجل خوفهم
من أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة ، ولكن
ذلك الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التى يقدمون عليها على سبيل الخفية
والاستتار. عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر على ثقفيان وقرشى
فقال أحدهم: أترون اللّه يسمع ما تقولون؟ فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع.
فذكرت ذلك لرسول اللّه متزاي فنزل (وما كنتم تستترون).
ثم قال تعالى (وذلكم ظنكم الذى ظنفتم بربكم أردا كم فأصبحتم من الخاسرين) وهذا نص
صريح فى أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شىء من المعلومات عن علمه فإنه يكون من المالكين
الخاسرين، قال أهل التحقيق الظن قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد، أما الظن الحسن فهو
أن يظن به الرحمة والفضل، قال {رائع. حكاية عن الله عز وجل ((أنا عند ظن عبدى بى)) وقال رائع
((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))، والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله تعالى أنه
يعرب عن علمه بعض هذه الأحوال، وقال قتادة: الظن نوعان ظن منج وظن مرد، فالمنج قوله
(إنى ظننت أنى ملاق حسابيه) وقوله (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)، وأما الظن المزدى فهو
قوله ( وذلکم ظنكم الذی ظننتم بربكم أردا کم) قال صاحب الکشاف( وذلكم) رفع بالابتداء
(وظنكم) و(أرداكم) خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم وأردا كم الخبر.
ثم قال (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) يعنى إن أمسكوا عن الاستغائه لفرج ينتظرونه لم
يجدوا ذلك وتتكون النار مثوى لهم أى مقاماً لهم (وإن يستعتبوا فاهم من المعتبين) أى لم يعطوا
العتبي ولمْ يجابوا إليها، ونظيره قوله تعالى (أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص) وقرى. وإن
یستعتبوا فاهم من المعتبین أی أن یستلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون أى لا سبيل هم إلى ذلك ."
قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول فى أمم
١١٩
قوله تعالى : وقيضنا لهم قرناء . سورة فصلت .
الْقَوْلُ فِىّ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنِسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْلَا تَسْمَعُوْلَئِذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
٢٥
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِ يَتْهُمْ أَسْوَأْ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَلَّهِ النَّارِّ ◌َهُمْ فِهَ دَارُ الْخُلِّ ◌َزَاءُ بِمَا كَانُواْ بِعَايَتِنَا
يَحْحَدُونَ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآَ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ آلْجِنِّ وَالْإِنِسِ
تَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (
قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ، وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا
القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون، فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا
يعملون، ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون، وقال الذين
كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين
إعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد فى الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه
بذكر السبب الذى لأجله وقعوا فى ذلك الكفر فقال ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال صاحب الصحاح: يقال قايضت الرجل مقايضة أى عاوضته بمتاع،
وهما قيضان، كما يقال بيعان، وقيض الله فلاناً لفلان أى جاءه به وأتى به له، ومنه قوله تعالى
( وقيفضنا لهم قرناء) .
المسألة الثانية) احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر ، فقالوا إنه
تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء ، وكان عالماً بأنه متى قيض لحم أولئك القرناء فإن يزينوا
الباطل لهم ، وكل من فعل فعلا وعلم أن ذلك الفعل يفضى إلى أثر لا محالة ، فان فاعل ذلك الفعل لابد
وأن يكون مريداً لذلك الأثر فثبت أنه تعالى ما قيض لهم قرنا، فقد أراد منهم ذلك الكفر، أجاب
الجبائى عنه بأن قال لو أراد المعاصى لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن
يكون مطيعاً له ، وبأن قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) يدل على أنه لم يرد منهم
إلا العبادة، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصى، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل
وقيمنا لهم قرناء ليزينوا لهم، وإنما قال ( فزينوا لهم) فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى
١٢٠
قوله تعالى : لا تسمعوا لهذا القرآن . سورة فصلت .
أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه، فقيض أحد الزوجين للآخر والغنى للفقير والفقير النى ثم بين
تعالى أن بعضهم يزين المعاصى للبعض .
واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه ، وهو أن من فعل فعلا وعلم قطعاً أن ذلك الفعل
يفضى إلى أثر، فاعل ذلك الفعل يكون مريداً لذلك الأثر، فهنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم
وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون فى ذلك الكفر والضلال ، وما ذكره الجبائى
لا يدفع ذلك، وقوله ولو أراد الله منهم المعاصى لكانوا بفعلها مطيعين لله، قلنا لو كان من فعل
ما أراده غيره مطبعاً له لوجب أن يكون الله مطيعاً لعباده إذا فعل ما أرادوه ومعلوم أنه باطل ،
وأيضاً فهذا إلزام لفظى لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام الشىء على نفسه ،
وإن أردت غیرہ فلا بد من بیانه حتى ينظر فيه أنه ھل یصح أم لا .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى المراد بقوله (فزينوا لهم مابين أيديهم وما خلفهم) وذكر
الزجاج فيه وجهين: (الأول) زينوا لهم مابين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار
وما خلفهم من أمر الدنيا ، فزينوا أن الدنيا قديمة، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك
(الثانى) زينوا لهم أعمالهم التى يعملونها و يشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه، وعبر
ابن زيد عنه، فقال زينوا لهم مامضى من أعمالهم الخبيثة وما بقى من أعمالهم الخسيسة .
م قال تعالى ( وحق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا
محاسرين) فقولة فى أمم فى محل النصب على الحال من الضمير فى عليهم ، والتقدير حق عليهم القول
حال كونهم كائنين فى جملة (أمم) من المتقدمين (إنهم كانوا حاسرين) واحتج أصحابتا أيضاً بأنه
تعالى أخبر بأن هؤلاء (حق عليهم القول) فلو لم يكونوا كفاراً لانقلب هذا القول الحق باطلا وهذا
العلم جهلا ، وهذا الخبر الصدق كذباً، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فثبت أن صدور
الإيمان عنهم، وعدم صدور الكفر عنهم محال.
واعلم أن الكلام فى أول السورة ابتدى. من قوله (وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه) إلى
قوله (فاعمل إنناعاملون) فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة، واتصل الكلام
بعضه بالبعض إلىهذا الموضع، ثم إنه حکی عنهم شبهة أخریی فقال (وقال الذین کفر وا لا تسمعوا
لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغلبون)، قال صاحب الكشاف قرى. (والخوافيه) بفتح الغين وضمها
يقال لغى يلغى ولنا يلغو واللغو السافظ من الكلام الذى لا طائل تحته .
وأعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل فى المعنى، وفى اللفظ وأن كل من سمعه وقف على
جزالة ألفاظه، وأحاط عقله بمعانيه ، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول، فديروا تديراً فى
منع الناس عن استماعه، فقال بعضهم لبعض ( لا تسمعوا لهذا القرآن) إذا قرى. وتشاغلوا عند
قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباظله ، حتى تخلطوا على القارى.