Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
قوله تعالى : وسيق الذين كفروا . سورة الزمر .
وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْإِلَى جَهَتَّمَ زُمَرًا خََّ إِذَا جَاءُ وهَا فُحَتْ أَبْوَيُهَا وَقَالَ لَهُمْ
تَتُهَا أَرْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَيْكُمْ ءَنْتِ رَبِكُمْ وَيُنِذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
ج
هَذَا قَالُواْ بَلَ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى اَلْكَافِرِينَ (٣)
قِلَ أَدْخُلُواْ أَبُوَّبَ جَهَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا غَيْسَ مَتْوَى الْمُتَكِينَ (
وفى المراد بالكتاب وجوه (الاول ) أنه اللوح المحفوظ الذى يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا
إلى وقت قيام القيامة (الثانى) المراد كتب الأعمال كما قال تعالى فى سورة سبحان ( وكل إنسان
ألزمناه طائره فى عنقه وتخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً) وقال أيضاً فى آية أخرى (مالهذا
الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (وثالثها) قوله (وجىء بالنبيين) والمراد أن
يكونوا شهداء على الناس ، قال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء
شهيداً) وقال تعالى ( يوم يجمع اللّه الرسل فيقول ماذا أجبتم) (ورابعها) قوله (والشهداء) والمراد
ما قاله فى ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ) أو أراد بالشهداء المؤمنين،
وقال مقاتل: يعنى الحفظة، ويدل عليه قوله تعالى ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) وقيل
أراد بالشهداء المستشهدين فى سبيل الله، ولما بين الله تعال أنه يحضر فى محفل القيامة جميع مايحتاج
إليه فى فصل الحكومات وقطع الخصومات، بين تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه ، وعبر تعالى
عن هذا المعنى بأربع عبارات (أولها) قوله تعالى (وقضى بينهم بالحق) (وثانيها) قوله ( وم
لا يظلون) (وثالثها) قوله (ووفيت كل نفس ما عملت) أى وفيت كل نفس جزاء ما عملت،
(ورابعها) قوله ( وهو أعلم بما يفعلون) يعنى أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله
لا يقضى بالحق لأجل عدم العلم ، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ
فى ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، والمقصود المبالغة فى
تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه .
قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم
خزتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت
كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين﴾ .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال (ووفيت كل نفس ماعملت)
بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة.

٢٢
قوله تعالى : وسيق الذين اتقوا ربهم . سورة الزمر .
وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُ وهَا وَفَتِحَتْ أَبْوَبَهَا
وَقَالَ لَهُمْ تَتُهَا سَلَمُّ عَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِنَ (﴾ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ
الَّذِىِ صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَّاءٍ فَنِعْمَ أَبْرُ
أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور فى هذه الآية ، وهو قوله ( وسيق الذين كفروا
إلى جهنم زمراً) قال ابن زيدان: سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع، والدليل
عليه قوله تعالى ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً) أى يدفعون دفعاً، نظيره قوله تعالى (فذلك الذى
يدع اليقيم) أى يدفعه، ويدل عليه قوله تعالى (ونسوق الج مين إلى جهنم ورداً).
وأما الزمر ، فهى الأفراج المتفرقة بعض فى إثر بعض، فبين اللّه تعالى أنهم يساقون إلى جهنم
فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها،
فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم (الم یاتکے رسل منكم) أمی من جنسكم( يتلون عليكم آيات ربكم
وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقصه
دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام فى أوقات الشدة مستفيض، فعند هذا
تقول الكفار: بلى قد أتونا وتلوا علينا ( ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) وفى هذه
الآية مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ تقدير الكلام أنه حق علينا كلمة العذاب، ومن حقت عليه كلمة العذاب
فكيف يمكنه الخلاص من العذاب، وهذا صريح فى أن السعيد لا ينقلب شقياً ، والشقي لا ينقلب
سعيداً ، وكلمات المعتزلة فى دفع هذا الكلام معلومة، وأجوبتنا عنها أيضاً معلومة .
المسألة الثانية) دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجىء الشرع، لأن الملائكة بينوا أنه
مابقى لهم علة ولاعذر بعد مجىء الأنبياء عليهم السلام، ولو لم يكن مجى. الأنبياء شرطاً فى استحقاق
العذاب لما بقى فى هذا الكلام فائدة ، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا لهم (ادخلوا
أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) قالت المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنه
حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة (فبئس مثوى المتكبرين ) فائدة، بل هذا الكلام
إنما يبقى مفيداً إذا قلنا إنهم إنما دخلوا النارلأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم، ولم يلتفتوا
إلى دلائلهم ، وذلك يدل على صحة قولنا، والله أعلم بالصواب .
قوله تعالى: ﴿وسيق الذين انقر ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم
خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض

٢٣
قوله تعالى : وسيق الذين اتقوا ربهم . سورة الزمر .
اَلْعَمِلِينَ ﴿ وَى الْمَلَتِكَةَ حَفِيْنَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ
وَقُّضِىَ بَّهُمْ بِحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِّرَبِّ الْعَلَمِنَ
٧٥
نقبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العالمين ، وترى الملائكة حافين من حول العرش بسبحون محمد
ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾.
أعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب فى الآية المتقدمة، شرح أحوال أهل الثواب فى
هذه الآية ، فقال ( وسيق الذين اتقو ربهم إلى الجنة زمراً) فإن قيل السوق فى أهل النار للعذاب
معقول، لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب والشقاوة لابد وأن يساقوا إليه، وأما أهل
الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة، فأى حاجة فيه إلى السوق ؟
والجواب من وجوه (الأول ) أن المحبة والصداقة بافية بين المنقين يوم القيامة كما قال تعالى:
(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول :
لا أدخلها حتى يدخلها أحبائى وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب ، فحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا
إلى الجنة ( والثانى) أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا الله تعالى لا للجنة ولا النار، فتصير شدة
استغرافهم فى مشاهدة مواقف الجلال والجمال مانعة لهم عن الرغبة فى الجنة ، فلا جرم يحتاجون
إلى أن يسافر إلى الجنة (والثالث) أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((أكثر أهل الجنة البله وعليون
للأبرار )) فلهذا السبب يساقون إلى الجنة (والرابع) أن أهل الجنة وأهل النار يساقون إلا أن
المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد،
والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ، والمراد بذلك السوق
إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك، فشتان
ما بين السوقين .
ثم قال تعالى (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزتها) الآية، واعلم أن جملة هذا
الكلام شرط واحد مركب من قيود: ( القيد الأول ) هو مجيئهم إلى الجنة (والقيد الثانى) قوله
تعالى ( وفتحت أبوابها) فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو ، وقال ههنا بالواو فما
الفرق ؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، فأما أبواب الجنة ففتحما
يكون متقدماً على وصولهم إليها بدليل قوله ( جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) فلذلك جىء
بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها. (القيد الثالث) قوله (وقال لهم خزنتها سلام
عليكم مطبتم فادخلوها خالدين) فبين تعالى أن خزنة الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات
الثلاث (فأولها) قولهم (سلام عليكم) وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات

٢٤
قوله تعالى : يسبحون بحمد ربهم . سورة الزمر .
(وثانيها) قولهم (طبتم) والمعنى طبتم من دنس المعاصى وطهر ثم من خبث الخطايا ( وثالثها) قولهم
(فادخلوها خالدين) والفاء فى قوله (فادخلوها ) يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب
والطهارة ، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحداً لا يدخلها إلا إذا كان طاهراً عن كل المعاصى ،
قلنا هذا ضعيف لأنه تعالى يبدل سيئانهم حسنات، وحينئذ يصيرون طيبين طاهرين بفضل الله
تعالى، «إن قيل فهذا الذى تقدم ذكره هو الشرط وإن الجواب؟ قلنا فيه وجهان (الأول) أن
الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ فى الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره
(الثانى) أن الجواب هو قوله تعالى ( وقال لهم خزنتها سلام عليكم) والواو محذوف، والصحيح
هو الأول، ثم أخبر اللّه تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات، قال المتقون عند
ذلك (الحمد لله الذى صدقنا وعده) فى قوله ( أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم
توعدون، وأوثنا الأرض) والمراد بالأرض أرض الجنة، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه
(الأول ) أن الجنة كانت فى أول الأمر لآدم عليه السلام، لأنه تعالى قال (فكلا منها رغداً حيث
شئما) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك - بياً لقسميتها بالإرث (الثانى) أن هذا اللفظ
.أحوذ من قول القائل: هذا أورث كذا وهذا العمل أورث كذا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم
الجنة ، لا جرم قالوا (وأورثنا الأرض) والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا الاتيان
بأعمال أورثت الجنة (الثالث ) أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع ولا مدافع
فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون فى الجنة كيف شاءوا وأرادوا ، والمشابهة علة حسن المجاز
فإن قيل ما معنى قوله (حيث نشاء) وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ فلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج
معها إلى جنة غيره، قال حكماء الاسلام: الجنات نوعان ، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية
فالجنات الجسمانية لاتحتمل المشاركة فيها ، أما الروحانيات خصولها لواحد لا يمنع من حصولها
الآخرين، ولما بين اللّه تعالى صفة أهل الجنة قال (فنعم أجر العاملين ) قال مقاتل ليس هذا من
كلام أهل الجنة، بل من كلام اللّه تعالى لأنه لما حكى ماجرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة
ثواب أهل الجنة قال بعده ( فنعم أجر العاملين ) ولما قال تعالى (وترى الملائكة حافين من حول
"فرش) ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هى الجنة، فكذلك
دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه، فلهذا قال (وترى الملائكة حافين من حول العرش)
أى ح.قين بالعرش. قال الليث: يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به.
إذا عرفت هذا، فنقول بين تعالى أن دار ثوابهم هوجوانب العرش وأطرافه ثم قال (يسبحون
مجمد ربهم) وهذا مشعر بأن ثوابهم هوعين ذلك التحميد والتسبيح، وحينئذ رجع حاصل الكلام
إلى أن أعظم درجاب الشراب استغراق قلوب العباد فى درجات التنزيه ومنازل التقديس.
ثم قال (وقضى بينهم بالحقى) والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب متفاوته، فظكل واحد

٢٥
قوله تعالى : وقضي بينهم بالحق . سورة الزمر .
منهم فى درجات المعرفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه ولا يتعداه، وهو المراد من قوله (وقضى
بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين) أى الملائكة لما قضى بينهم بالحق قالوا (الحمد لله رب
العالمين ) على قضائه بيننا بالحق ، وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهى أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق ،
فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء، بل حمدوه بصفته الواجبة وهى كونه رباًللعالمين ، فإن من حمد المنعم
لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو فى الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام، وأما من حمد المنعم لا
لأنه وصل إليه النعمة فيهنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد، هذا إذا قلنا أن قوله (وترى الملائكة حافين
من حول العرش) شرح أحوال الملائكة فى الثواب ، أما إذا قلنا أنه من بقية شرح ثواب المؤمنين ،
فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا (الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ
من الجنة حيث نشاء) فقد ظهر منهم أنهم فى الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء، فين
تعالى أنه كما أن حرفة المتقين فى الجنة الاشتغال بهذا التجميد والتمجيد. فكذلك حرفة الملائكة
الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد والتسبيح ، ثم إن جوانب العرش ملاصقة
لجوانب الجنة، وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين. وأن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين
على الاستغراق فى تحميد اللّه وتسبيحه ، فكان ذلك سبياً لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد.
ثم قال (وقضى بينهم بالحق) أى بين البشر، ثم قال (وقيل الحمد لله رب العالمين) والمعنى
أنهم يقدمون التسبيح، والمراد منه تنزيه الله عن كل مالا يليق بالإلهية.
وأما قوله تعالى ( وقيل الحمد لله رب العالمين) فالمراد وصفه بصفات الإلهية، فالتسبيح عبارة
عن الاعتراف بتنزیهه عن كل مالا يليق به وهو صفات الجلال ، وقوله ( وقيل الحمد لله رب
العالمين) عبارة عن الإقرار بكونه موصوفاً بصفات الإلهية وهى صفات الإكرام ، ومجموعهما
هو المذكور فى قوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام ) وهو الذى كانت الملائكة
يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وفى قوله (وقيل الحمد
لله رب العالمين) دقيقه أخرى وهى أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو، والمقصود من هذا الإبهام
التنبيه، على أن خاتمة كلام العقلاء فى الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا (الحمد
قه رب العالمين) وتأكد هذا بقوله تعالى فى صفة أهل الجنة (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).
قال المصنف رحمه الله تعالى؛ ثم تفسير هذه السورة فى ليلة الثلاثاء آخر ذى القعدة من سنة
ثلاث وستمائة. يقول مصنف هذا الكتاب الملائكة المقربون عجزوا عن إحصاء ثنائك، فمن أنا ،
والأنبياء المرسلون اعترفوا بالعجزو القصور، فمن أنا ، وليس معى إلا أن أقول أنت أنت وأناأنا،
فمنك الرحمة والفضل والجود والإحسان، ومن العجز والذلة والخيبة والخسران، يارحمن ياديان
ياحنان يامنان أفض على جمال الرحمة والغفران برحمتك ياأرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا
محمد النبى الأسمى وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، وسلم تسليما كثيراً .

٢٦
سورة المؤمن
(٤٠) شوكآ غَافِكِيَّة
وَآيَاتِهَا خخْسِ وَضَانُونٌ
بِسْـ
حَمَ لِ تَعْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللهِالْعَزِيزِ الْعَلِيِ ® غَفِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ
التَّوْبِ شَدِيدِ أَلْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ مَا يُحَدِلُ
فِ ءَايَتِ اللهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرَّكَ تَفَلْيُهُمْ فِ اَلْبِلِدِ ﴾ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَبُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَّتْ كُلْ أَمَِّرَسُولِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَلُوا بِالْبَطِلِ
لِيُدْحِضُواْ بِ الْحَقَّ فَأَخَلْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ (﴾ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَعْحَبُ النَّارِ
بسم الله الرحمن الرحيم
حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى
الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا فلا بغررك تقلبهم فى
البلاد ، كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا
بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ، وكذلك حقت كلمة ربك على الذين
كفروا أنهم أصحاب النار ﴾.
اطمأن فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائى حم بكسر الحاء، والباقون
بفتح الحاء ، ونافع فى بعض الروايات، وأبن عامر بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحاً
شديداً، قال صاحب الكشاف: قرى. بفتح الميم وتسكيتها ، ووجه الفتح التحريك لالتقاء
الساكتين وإيثار أخف الحركات نحو: أين وكيف ، أو النصب بإضمار اقرأ، ومنع الصرف إما

٢٧
قوله تعالى : حم تنزيل الكتاب . سورة غافر .
للتأنيث والتعريف، من حيث إنها اسم السورة والتعريف، وإنها على زنة أعجمى نحو قابيل وهابيل،
وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر .
﴿ المسألة الثانية﴾ الكلام المستقصى فى هذه الفوائح مذكور فى أول سورة البقرة، والأقرب
ههنا أن يقال حم اسم السورة، فقوله (حم) مبتدأ، وقوله (تنزيل الكتاب من الله) خبر والتقدير
أن هذه السورة المسماء بحم تزيل الكتاب، فقوله (تنزيل ) مصدر ، لكن المراد منه المنزل.
وأما قوله (من اللّه) فاعلم أنه لما ذكر أن (حم، تنزيل الكتاب) وجب بيان أن المنزل
من هو ؟ فقال ( من اللّه) ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير
ذلك حاملا على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتوانى فيه ، فبین أن
المنزل هو ( الله العزيز العليم) .
واعلم أن الناس اختلفوا فى أن العلم بالله ماهو ؟ فقال جمع عظيم ، أنه العلم بكونه قادراً وبعده
العالم بكونه عالماً ، إذا عرفت هذا فنقول (العزيز) له تفسيران (أحدهما) الغالب فيكون معناه
القادر الذى لا يساويه أحد فى القدرة (والثانى) الذى لا مثل له، ولا يجوز أن يكون المراد
بالعزيز هنا القادر، لأن قوله تعالى (الله) يدل على كونه قادراً، فوجب حمل (العزيز) على المعنى
الثانى وهو الذى لا يوجد له مثل، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسما، والذى لا يكون
جمما يكون منزها عن الشهوة والنفرة، والذى يكون كذلك يكون منزها عن الحاجة. وأما
( العليم ) فهو مبالغة فى العلم، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالماً بكل المعلومات ،
فقوله ( من الله العزيز العليم) يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق ، الغنى
المطلق ، العالم المطلق، ومن كان كذلك كان عالماً بوجره المصالح والمفاسد ، وكان عالماً بكونه غنياً
عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ومن كان كذلك كان رحيما جواداً ، وكانت أفعاله حكمة وصواباً
منزهة عن القبيح والباطل، فكانه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله (تنزيل) هذه الأسماء الثلاثة
لمكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا
التنزيل حقاً وصواباً . وقيل الفائدة فى ذكر (العزيز العليم) أمران (أحدهما) أنه بقدرته وعليه
أنزل القرآن على هذا الحد الذى يتضمن المصالح والإيجاز، ولولا كونه عزيزاً عليما لما صح ذلك
( والثانى) أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف، وذلك
لا يتم إلا بكونه عزيزاً لا يغلب وبكونه عليما لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد
والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال (غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، ذى الطول لا إله
إلا هو إليه المصير) فهذه ستة أنواع من الصفات:
(الصدفة الأولى) قوله (غافر الذنب) قال الجبائى: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما
بقوبة أو طعة أعظم منه، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة

٢٨
قوله تعالى : وقابل التوب . سورة غافر .
كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصيه أو ما كان الأمر كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية
صغيرة فيحبط عقابها ، وإن كان الثانى كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة ،
ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة ، وهذه الآية تدل على ذلك وبيانه
من وجوه (الأول) أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على
العبد، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون فى فعل الواجبات ، فلو
حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق
فى المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل ، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر
قبل التوبة وهو المطلوب (الثانى) أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل فى الشىء
الذى يكون باقياً موجوداً فيستر، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها ، فمعنى الغفر فيها غير
معقول، ولا يمكن حمل قوله غافر الذنب على الكبيرة بعدالتوبة ، لا نمعنى كونه قابلا للتوب ليس
إلا ذلك، فلو كان المراد بكونه غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل . فثبت أن كونه غافر
الذنب يفيد كونه غافراً للذنوب الكبائر قبل التوبة (الثالث ) أن قوله (غافر الذنب) مذكور فى
معرض المدح العظيم ، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح، وذلك هو كونه غافراً للكبار
قبل التوبة ، وهو المطلوب .
﴿ الصفة الثانية) قوله تعالى ﴿قابل التوب ﴾ وفيه بحثان:
﴿الأول) فى لفظ التوب قولان: الأول أنه مصدر وهو قول أبى عبيدة، والثانى أنه جماعة
التوبة وهوقول الأخفش، قال المبرد يجوزأن يكون مصدراً يقال تاب يتوب توباً وتوبة مثل قال
يقول قولا وقولة، ويجوز أن يكون جمعاً لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر
أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل .
﴿ الثانى) مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضيل، وليس بواجب
على الله، وقالت المعتزلة إنه واجب على اللّه واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على
سبيل المدح والثناء ، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل، وهو القدر
الذى يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاستراز عن المحظورات .
( الصفة الثالثة) قوله ﴿شديد العقاب) وفيه مباحث:
﴿البحث الأول ) فى هذه الآية سؤال وهو أن قوله (شديد العقاب) يصلح أن يكون نعئاً
للتکرة ولا يصلح أن يكون فعتاً للعرفة تقول مررت برجل شدید البطش، ولا تقول مررت بعيد
الله شديد البطش ، وقوله الله اسم علم فيكون معرفة فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع
أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفاً الفكرة؟ قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه
ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غداً، وإنما أريد

٢٩
قوله تعالى : غافر الذنب وقابل التوب . سورة غافر .
ثبوت ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش، وأما (شديدالعقاب) فشكل لأنه
فى تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه
بوجوه (الأول) أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التى هى
معارف حسن ذكرهاكما فى قوله (وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد ، فعال لما يريد) (والثانى)
قال الزنتاج إن خفض شديد العقاب على البدل ، لأن جعل النكرة بدلا من المعرفة وبالعكس
أمر جائز، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلا من الصفات فيه نبوة ظاهرة (الثالث) أنه لانزاع
فى أن قوله (غافر الذنب وقابل التوب) يحسن جعلهما صفة، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان
معنى الدوام والاستمرار ، فكذلك قوله (شديد العقاب ) يفيد معنى الدوام والاستمرار، لأن
صفات الله تعالى منزهة عن الحدوث والتجدد، فكونه ( شديد العقاب) معناه كونه بحيث يشتد
عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك ، فهذا ما قيل
فى هذا الباب .
﴿ البحث الثانى) هذه الآبة مشعره بترجيح جانب الرحمة والفضل، لأنه تعالى لما أراد أن
يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضى زوال العقاب ، وهو كونه
غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة ، وهو قوله ذى الطول ،
فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقا بتينك الصفتين وملحوقاً بهذه الصفة ، دل ذلك على أن جانب
الرحمة والكرم أرجح .
﴿ البحث الثالث ) لقائل أن يقول ذكر الواو فى قوله (غافر الذنب وقابل التوب ) ولم
يذكرها فى قوله (شديد العقاب ) فما الفرق ؟ قلنا إنه لو لم يذكر الواو فى قوله (غافر الذنب وقابل
التوب) لاحتمل أن يقع فى خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب ،
أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال، لأن عطف الشىء على نفسه محال ، أما كونه شديد العقاب
فعلوم أنه مغاير لكونه ( غافر الذنب وقابل التوب ) فاستغنى به عن ذكر الواو.
( الصفة الرابعة) قوله ( ذى الطول) أى ذى التفضل يقال طال علينا طولا أى تفضل
علينا تفضلا ، ومن كلامهم طل على بفضلك ، ومنه قوله تعالى ( أولوا الطول منهم) ومضى تفسيره
عند قوله ( ومن لم يستطع منكم طولا) واعلم أنه لم وصف نفسه بكونه (شديد العقاب) لابد
وأن يكون المراد بكونه تعالى آتياً بالعقاب الشديد الذى لا يقبح منه إتيانه به ، بل لا يجوز وصفه
تعالى بكونه آتياً لفعل القبيح، وإذا ثبت هذا فنقول: ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل ،
فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذى له أن يفعله لأنه ذكر كونه
ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول فى الأمر الذى سبق
ذكره ، وهو فعل العقاب الحسن دفعاً للاجمال، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذى

٣٠
قوله تعالى : فلا يغررك تقلبهم . سورة غافر .
يحسن منه تعالى فعله، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز وهو المطلوب.
﴿الصفة الخامسة) التوحيد المطلق وهو قوله (لا إله إلا هو) والمعنى أنه وصف نفسه بصفات
الرحمة والفضل ، (لو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه فى صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة
إلى عبوديته شديدة، أما إذا كان واحداً وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته
شديدة ، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد.
﴿ الصفة السادسة) قوله ( إليه المصير) وهذه الصفة أيضاً مما يقوى الرغبة فى الإقرار
بعبوديته، لأنه بتقدير أن يكون موصوفاً بصفات الفضل والكرم وكان واحداً لاشريك له ، إلا
أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلا لم يكن الخوف الشديد حاصلا من عصيانه ، أما لما كان
القول بالحشر والقيامة حاصلا كان الخوف أشد والحذر أكمل، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه
الصفات، واحتج أهل التشبيه بلفظة إلى، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية، والجواب عنه مذكور فى
·واضع كثيرة من هذا الكتاب.
واعلم أنه تعالى لما قررأن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به فى الذین ذکر أحوال من يجادل لغرض
إبطاله وإخفاء أمره فقال ( ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الجدال نوعان جدال فى تقرير الحق وجدال فى تقرير الباطل، أما
الجدال فى تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال تعالى لمحمد مرئى ( وجادلهم بالتى
هى أحسن) وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام ( ياتوح قد جادلتنا فأكثرت
جدالنا) وأما الجدال فى تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال ( ما يجادل
فى آيات الله إلا الذين كفروا) وقال (ماضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) وقال
( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) وقال صلى الله عليه وسلم ((إن جدالا فى القرآن كفر))
فقوله إن جدالا على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال وجدال، واعلم أن لفظ الجدال
فى الشىء مشعر بالجدال الباطل ولفظ الجدال عن الشىء مشعر بالجدال لأجل تقريره والذب عنه ،
قال صلى الله عليه وسلم ((إن جدالا فى القرآن "كفر)) وقال «لاتماروا فى القرآن فإن المراء فيه
كفر » .
المسألة الثانية﴾ الجدال فى آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه
قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا ما كانوا يقولونه من الشبهات
الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق.
قوله تعالى: ﴿ فلا يغررك تقلبهم فى البلاد ﴾ أى لا ينبغى أن تغتر بأنى أسهلهم وأتركهم
سالمين فى أبدانهم وأموالهم يتقلبون فى البلاد أى يتصرفون للتجارات وطلب المعاش ، فإنى وإن
أمهلتهم فإنى سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية ، وكانت قريش كذلك

٣١
قوله تعالى : الذين يحملون العرش . سورة غافر .
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَيْهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْرَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّْمَةً وَعِمًا فَاغْفِرْلِلَّذِينَ تَابُواْ
يتقلبون فى بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة بتجرون فيها ويربحون، ثم كشف عن هذا
المعنى فقال ( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم) فذكر من أو ئك المكذبين قوم
نوح ( والأحزاب من بعدهم ) أى الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم ، كما قال
فى سورة ص( کذبت قلبم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ، وثمود و قوم لوط وأصحاب
الأيكة أولئك الأحزاب) وقوله ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) أى وعزمت كل أمة من
هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه (وجادلوا بالباطل) أى مؤلا.
جادلوا رسلهم بالباطل أى بإيراد الشبهات ( ليدحضوا به الحق) أى أن يزيلوا بـجب إيراد تلك
الشبهات الحق والصدق ( فأخذتهم فكيف كان عقاب ) أى فأنزات بهم من الهلاك ما همزا بإنزاله
بالرسل ، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا، فكيف كان عقابى إياهم، أليس كان مهلكا مستأصلا
مهيباً فى الذكر والسماع، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال فى
آيات الله، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ( وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم
أصحاب النار) أى ومثل الذى حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتى أيضاً على
هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال صاحب الكشاف : (إنهم
أصحاب النار) فى محل الرفع بدل من قوله ( كلمة ربك ) أى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة
كونهم من أصحاب النار ، ومعناه كما وجب إهلاكهم فى الدنيا بالعذاب المستأصل ، كذلك وجب
إهلاكهم بعذاب النار فى الآخرة، أو فى محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل، واحتج
أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشقاوة لازم لا يمكن تغييره، فقالوا إنه تعالى أخبر
أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان، لأنهم لو تمكنوا منه
تمكنوا من إيطالى هذه الكلمة الحقة ، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته، ضرورة أن المتمكن
من الشىء يجب كونه متمكناً من كل ماهو من لوازمه، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا
بهذه الآية حينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبداً، وذلك تكليف مالا يطاق ، وقرأ نافع وابن
عامر (حقت كلمات ربك ) على الجمع والباقون على الواحد .
قوله تعالى: ﴿ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون
للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سيلك وقهم عذاب الجحيم

٣٢
قوله تعالى : الذين يحملون العرش . سورة غافر .
وَتََّعُوْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ
الَّتِى وَعَدَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ◌َابَآِهِمْ وَأَزْوَِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّعَاتِ وَمَنْ تَِّ اَلَّعَاتِ يَوْمَيٍِّ فَقَدْ رَحْتَةٌ
وَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريانهم إنك أنت العزيز
الحكيم ، وفهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم )
أعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار يبالغون فى إظهار العداوة مع المؤمنين ، بين أن أشرف
طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حول العرش يبالغون فى إظهار المحبة
والنصرة المؤمنین ، کا نه تعالی یقول إن كان هؤلاء الأرادل یبالغون فى العداوة فلا تبال بهم ولا
تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزناً ، فان حملة العرش معك والحافون من حول العرش معك ينصرونك
وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية:
(القسم الأول ) الذين يحملون العرش، وقد حكى تعالى أن الذين يحملون العرش يوم القيامة
ثمانية ، فيمكن أن يقال الذين يحملون فى هذا الوقت هم أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة ،
ولا شك أن حملة العرش أشراف الملائكة وأكارم ، روى صاحب الكشاف أن حملة العرش
أرجلهم فى الأرض السفلى ورموسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وعن النبى
ربح ((لا تتفكروا فى عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة فإن خلفاً من الملائكة
.قال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله، وقدماه فى الأرض السفلى، وقد مرق رأسه
من سبع سموات وإنه ليتضائل من عظمة الله حتی یصیر کانه الوضع» قيل إنه طائر صغير ، وروى
أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدو ويروجوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر
الملائكة، وقيل خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع
ثمانين ألف عام، وقيل حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به بهلين مكبرين
ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عوائقهم رافعين أصواتهم بالتهليل
والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا ويسبح
بما لا يسبح به الآخر ، هذه الآثار نقلتها من الكشاف .

٣٣
قوله تعالى : يسبحون بحمد ربهم . سورة غافر .
وأما (القسم الثانى) من الملائكة الذين ذكر هم الله تعالى فى هذه الآية فقوله تعالى (ومن حوله)
والأظهر أن المراد منهم ما ذكره فى قوله (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد
ربهم) وأقول العقل يدل على أن حملة العرش، والحافين حول العرش يجب أن يكونوا أفضل
الملائكة، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد، فلما كان العرش
أشرف الموجوات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من
الأرواح المدبرة للأجساد ، وأيضاً يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن
تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أخر من جنسها ، وهى متعلقة بأطراف
العرش وإليهم الإشارة بقوله (وترى الملائكة حافين من حول العرش) وبالجملة فقد ظهر بالبراهين
اليقينية، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بين
البصر فى اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصير تك فى اختلاف مراتب
عالم الأرواح .
المسألة الثانية) دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون فى العرش، وذلك لأنه
تعالى قال فى هذه الآية ( الذين يحملون العرش) وقال فى آية أخرى ( ويحمل عرش ربك فوقهم
يومئذ ثمانيه ) ولا شك أن حامل العرش يكون حاملا لكل من فى العرش ، فلو كان إله العالم فى
فى العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم حينئذ يكونون حافظين لإله العالم والحافظ
القادر أولى بالإلهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، حينئذ ينقلب الإله عبداً والعبد إلهاً، وذلك
فاسد، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام.
واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء:
( النوع الأول ) قوله ( يسبحون بحمد ربهم) ونظيره قوله حكاية عن الملائكة ( ونحن
نسبح بحمدك) وقوله تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم)
فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغى , والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ،
فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام، فقوله (يسبحون بحمد ربهم) قريب من
قوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام) .
﴿ النوع الثانى) بما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى (ويؤمنون به) فان قيل
فأى فائدة فى قوله ( ويؤمنون به) فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان
باللّه؟ قلنا الفائدة فيه ماذكره صاحب الكشاف، وقد أحسن فيه جداً فقال إن المقصود منه التنبيه
على أن اللّه تعالى لو كان حاضراً بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه
ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدح والثناء لأن الإقرار بوجودشىء حاضر
مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب
الفخر الرازي - ج ٢٧ م ٣

٣٤
قوله تعالى : ويستغفرون للذين آمنوا . سورة غافر .
المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به
بدليل أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هناك ، ورحم الله صاحب الكشاف فلو لم يحصل فى كتابه
إلا هذه النكتة لكفاه غراً وشرفاً.
﴿ النوع الثالث) مما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى (ويستغفرون للذين آمنوا)
أعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، ويجب أن
يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله فقوله ( يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به).
مشعر بالتعظيم لأمر الله وقوله ﴿ويستغفرون للذين آمنوا) مشعر بالشفقة على خلق الله.
ثم فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ احتج كثير من العلماء بهذه الآية فى إثبات أن الملك أفضل من البشر، قالوا
لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار
لغيرهم وهم المؤمنون، وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم إذ لوكانوا محتاجين إليه
لقدموا الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله { ليل (( ابدأ بنفسك، وأيضاً فال
تعالى لمحمد عمرائع (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) فأمر محمداً أن
يذكر أولا الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنه
قال (رب اغفر لى ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات) وهذا يدل على أن كل
من كان محتاجاً إلى الاستغفار فانه بقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره، فالملائكة لو كانوا
محتاجين إلى الاستغفار لكان اشتغالهم بالاستغفار لأنفسهم مقدماً على اشتغالهم بالاستغفار لغير هم ،
ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين
إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليل قوله تعالى لمحمد
عليه السلام ( واستغفر لذنبك) وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر والله أعلم.
المسألة الثانية﴾ احتج الكعبى بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة فى حصول زيادة الثواب
للمؤمنين لافى إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال وذلك لأن الملائكة قالوا (فاغفر للذين تابوا واتبعوا
سبيلك) قال وليس المراد فاغفر للذين تابوا من الكفرسواء كان مصراً على الفسق أولم يكن كذلك،
لأن من هذا حاله لا يوصف بكونه متبعاً سبيل ربه ولا يطلق ذلك فيه، وأيضاً إن الملائكة يقولون
( وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ) وهذا لا يليق بالفاسقين، لأن خصومنا لا يقطعون على أن
الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يحوزون ذلك، فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل
الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة الأنبياء كذلك، ضرورة أنه لا قائل بالفرق (,الجواب) أن
نقول هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين ، فنبين هذا ثم نحيب عما ذكره
الكعى، أما بيان دلالة هذه الآية على ماقلناه فمن وجوه (الأول) قوله ( ويستغفرون الذين

٣٥
قوله تعالى : ويستغفرون للذين آمنوا . سورة غافر .
آمنوا) والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا نذكر إلا فى إسقاط العقاب. أما طلب النفع الزائد
فإنه لا يسمى استغفاراً (الثانى) قوله تعالى (ويستغفرون الذين آمنوا) وهذا يدل على أنهم
يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دلنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه
الشفاعة (الثالث) قوله تعالى ( فاغفر الذين تابوا) طلب المغفرة للذين تابوا ، ولا يجوز أن يكون
المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة ، لأن ذلك واجب على اللّه عند الخصم، وما كان فعله واجباً
كان طلبه بالدعاء قبيجاً، ولا يجوز أيضاً أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر، لأن ذلك أيضاً
واجب فلا يحسن طلبه بالدعاء ، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب ، لأن
ذلك لا يسمى مغفرة ، فثبت أنه لا يمكن حمل قوله ( فاغفر الذين تابوا) إلا على إسقاط عقاب
الكبيرة قبل التوبة ، وإذا ثبت هذا فى حق الملائكة فكذلك فى حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على
أنه لافرق ، أما الذى يتمسك به الكعبى وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا، فنقول يجب أن يكون
المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على
الفسق لا يسمى تائباً ولا متبعاً سبيل الله، قلنا لا نسلم قوله، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع
سبيل الله فى الدين والشريعة، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفى
فى صدق وصفه بكونه ضارباً وضاحكا صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة ، ولا يتوقف
ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا مهنا.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة فى حق البشر
تجرى مجرى اعتذار عن ذلة سبقت، وذلك لأنهم قالوا فى أول تخليق البشر ( أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء) فلما سبق منهم هذا الكلام تداركرا فى آخر الأمر بأن قالوا (فاغفر الذين
تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره، فالأولى أن يجبر
ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه .
وأعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون الذين تابوا، بين كيفية ذلك الاستغفار،
فیکی عنهم أنهم ﴿قالوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الدعاء فى أكثر الأمر مذكور بلفظ (ربنا) ويدل عليه أن الملائكة
عند الدعاء قالوا (ربنا) بدليل هذه الآية، وقال آدم عليه السلام (ربنا ظلمنا أنفسنا) وقال نوح
عليه السلام (رب إنى أعوذ بك أن أسألك ماليس لى به على) وقال أيضاً ( رب إنى دعوت قومى
ليلا ونهاراً) وقال أيضاً (رب اغفر لى ولوالدى) وقال عن إبراهيم عليه السلام (رب أرنى كيف
تحبى الموتى) وقال (رب اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) وقال ( ربنا واجعلنا
مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) وقال عن يوسف ( رب قد آتيتنى من الملك) وقال عن
موسى عليه السلام ( رب أرنى أنظر إليك) وقال فى قصة الوكز ( رب إنى ظلمت نفسى ناغفرلى

٣٦
قوله تعالى : ويستغفرون للذين آمنوا . سورة غافر .
فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) وحكى تعالى
عن داود أنه ( استغفر ربه وخر راكماً وأناب) وعن سليمان أنه قال (رب هب لى ملكا)
وعن ذكريا أنه ( نادى ربه نداء خفياً) وعن عيسى عليه السلام أنه قال ( ربنا أنزل علينا مائدة
من السماء) وعن محمد مَّ اله أن الله تعالى قال له (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)
وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا (ربنا ماخلقت هذا باطلا) وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ،
وحكى أيضاً عنهم أنهم قالوا ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) إلى آخر السورة.
فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادى العبد ربه بقوله ( يارب ) وتمام الإشكال فيه
أن يقال لفظ اللّه أعظم من لفط الرب، فلم صار لفظ الرب مختصاً بوقت الدعاء؟، (والجواب)
كأن العبد يقول: كنت فى كتم العدم الحض والنفى الصرف، فأخرجتنى إلى الوجود ، وربیقی
فاجعل تربيتك لى شفيعاً إليك فى أن لا تخلينى طرفة عين عن تربيتك وإحسانك ونذلك.
المسألة الثانية ﴾ السنة فى الدعاء ، يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه،
والدليل عليه هذه الآية ، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء
فقالوا (ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلاً) وأيضاً أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر
الدعاء ذكر الثناء أولا فقال ( الذى خلقنى فهو بهدين، والذى هو يطعمنى ويسقين، وإذا مرضت
فهو يشفين، والذى يميتنى ثم يحيين، والذى أطمع أن يغفر لى خطيقتى يوم الدين) فكل هذا
ثناء على الله تعالى، ثم بعده ذكر الدعاء فقال ( رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين).
واعلم أن العقل يدل أيضاً على رعاية هذا الترتيب ، وذلك ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة
إلى جوهر الروح كالإ كسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت
على عالم من النحاس انقلب الكل ذهباً إبريزاً فكذلك إذا وقعت ذرة من إ كسير معرفة جلال
الله تعالى على جوهر الروح النطقية، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة،
فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى فى جواهر الروح، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل
إشرافاً، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل، فكان حصول التىء المطلوب بالدعاء
أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب فى تقديم الثناء على الله على الدعاء.
﴿ المسألة الثالثة) اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات: الربوبية
, الرحمة والعلم، أما الربوبية فهى إشارة إلى الإيجاد والإبداع، وفيه لطيفة أخرى وهى أن قولهم

٣٧
قوله تعالى : وسعت كل شيء . سورة غافر .
(ربنا) إشارة إلى الغربية، والتربية عبارة عن إبقاء الشىء على أكمل أحواله وأحسن صفاته، وهذا
يدل على أن هذه الممكنات، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده،
فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله، وأما الرحمة فهى إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة
والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى إنما خلق الخاق المرحمة والخير ، لا للاضرار والشر،
فإن قيل قوله (ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً) فيه سؤال، لأن العلم وسع كل شىء. أما الرحمة فما
وصلت إلى كل شىء، لأن المضرور حال وقوعه فى الضرر لا يكون ذلك الضرررحمة، وهذا السؤال
أيضاً مذكور فى قوله (ورحمتى وسعت كل شىء) قلنا كل وجود فقد نال من رحمة الله تعالى
نصيباً وذلك لأن الموجود إما واجب وإما مكن، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى ،
وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده، وذلك رحمة، فثبت أنه لاموجود غير الله إلا وقد
وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله، فلهذا قال (ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلماً) وفى الآية
دقيقة أخرى، وهى أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا (ربنا وسعت كل شىء رحمة
وعلاً) وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب ، فالمطلوب
بالذات هو الرحمة ، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم ، والمطلوب بالذات مقدم على
المطلوب بالعرض ، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوباً بالذات وإزالة المرض مطلوباً بالعرض
لاجرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض، فقالوا الطب علم يتعرف
منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة ،
فكذا ههنا المطلوب بالذات هو الرحمة ، وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب
بالعرض ، لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب ، فلهذا
السبب وقع ذكر الرحمة سابقاً على ذكر العلم .
المسألة الرابعة ) دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى فى الخلق والتكوين إنما
هو الرحمة والفضل والجود والكرم ، ودلت الدلائل اليقينية على أن كل مادخل فى الوجود من
أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره، والجمع بين هذين الأصلين فى غاية
الصعوبة، فعند هذا قالت الحكماء: الخير مراد مراضى، والشرمراد مكروه ، والخير مقضى به بالذات،
والشر مقضى به بالعرض ، وفيه غور عظيم .
﴿ المسألة الخامسة) قوله ﴿وسعت كل شىء رحمة وعلماً ﴾ يدل على كونه سبحانه عالماً بجميع
المعلومات التى لانهاية لها من الكليات والجزئيات ، وأيضاً فلولا ذلك لم يكن فى الدعاء والتضرع
فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعى أن
الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى فى الدعاء فائدة البتة .
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم ، وهو أنهم
قالوا (فاغفر الذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء

٣٨
قوله تعالى : ومن تق السيئات . سورة غافر .
من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره فى قوله ( فاغفر
الذين تابوا وانبعرا سبيلك) فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب، وعلى هذا التقدير فلا
فرق بين قوله: فاغفر لهم، وبينَ قوله ( وقهم عذاب الجحيم) قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط
عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة
أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة، واعلم أنهم لما طلبوا من اللّه إزالة
العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا (ربنا وأدخلهم جنات عدن التى
وعدتهم) فإن قيل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى
ما وعد المذنبين بأن يدخلهم فى جنات عدن، قلنا لانسلم أنه ما وعدهم بذلك، لأنا بينا أن الدلائل
الكثيرة فى القرآن دلت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله فى النار، وإذا
أخرجهم من النار و جب أن یدخلهم الجنة فكان هذا وعداً من الله تعالى لهم بأن يدخلهم فى جنات
عدن ، إما من غير دخول النار وإما بعدأن يدخلهم النار. قال تعالى (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم
وذرياتهم) يعنى وأدخل معهم فى الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث، وهم الصالحون من الآباء والأزواج
والذريات ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه فى موضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه
أكمل ، قال الفراء والزجاج ( من صلح) نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير فى قوله
(وأدخلهم) وإن شئت فى (وعدتهم) والمراد من قوله (ومن صلح) أهل الإيمان، ثم قالوا (إنك
أنت العزيز الحكيم) وإنما ذكروا فى دعائهم هذين الوصفين لأنه لولم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب
ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه، ولو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة
والمصلحة ، ثم قالوا بعد ذلك (وفهم السيئات ) قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات، فإن قيل
فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله ( وقهم السيئات) وبين ما تقدم من قوله (وقهم عذاب الجحيم)
وحينئذ يلزم الشكرار الخالى عن الفائدة وإنه لا يجوز، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين (الأول)
أن يكون قوله (وقهم عذاب الجحيم) دعاء مذكور للأصول وقوله (وقهم السيئات) دعاء مذكوراً
للفروع (الثانى) أن يكون قوله ( وقهم عذاب الجحيم) مقصوراً على إزالة الجحيم وقوله ( وقهم
السيئات) يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال.
﴿ والقول الثانى) فى تفسير قوله ( وقهم السيئات) هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار
بقولهم ( وقهم عذاب الجحيم) وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم ( وأدخلهم جنات عدن)
ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى فى الدنيا عن العقائد الفاسدة، والأعمال الفاسدة ، وهو
المراد بقولهم (وقهم السيئات) ثم قالوا (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته) يعنى ومن تق السيئات
فى الدنيا فقد رحمته فى يوم القيامة ، ثم قالوا (وذلك هو الفوز العظيم) حيث وجدو بأعمال منقطعة
نعيما لا ينقطع، وبأعمال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته .

٣٩
قوله تعالى : ان الذين كفروا ينادون . سورة غافر .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنِ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ
إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (٤﴾ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا
يُنُوبِنَ فَهَلْ إلَى ◌ُرُوجٍ مِّنِ سَبِيِ (٨) ذَلِكُم ◌ِنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمٌ وَ إِن
يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْمُكُلِّهِ الْعَلِ الْكَبِيرِ ®
قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان
فتكفرون، قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل، ذلكم
بأنه إذا دعى اللّه وحدة كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم الله العلى الكبير﴾.
اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين فى آيات الله وهم الذين ذكرهم الله فى
قوله ( ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا) بين أنهم فى القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم
العذاب الذى ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال (إن الذين كفروا
ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم) وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى الآية حذف وفيها أيضاً تقديم وتأخير، أما الحذف فتقديره لمقت الله
إيا كم، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان
فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفى تفسير مقتهم أنفسهم وجوه (الأول ) أنهم إذا شاهدوا
القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء فى الدنيا (الثانى)
أن الأتباع يشتد مقتهم الرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر فى الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم
للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم، كما أنه تعالى قال (فاقتلو أنفسكم) والمراد
قتل بعضهم بعضاً (الثالث) قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم فى النار بقوله ( وما كان لى
عليكم من سلطان - إلى قوله - ولوموا أنفسكم) ففى هذه الحالة مقتوا أنفسهم، واعلم أنه لا نزاع
أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل فى يوم القيامة ، أما مقت الله لهم ففيه وجهان (الأول) أنه حاصل فى
الآخرة، والمعنى لمقت الله لكم فى هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم فى هذا الوقت ( والثانى)
وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت اللّه لكم فى الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم
أنفسكم الآن ففى تفسير الألفاظ المذكورة فى الآية أوجه ( الأول) أن الذين ينادونهم ويذكرون
لهم هذا الكلام ثم خزنة جهنم (الثانى) المقت أشد البغض وذلك فى حق الله تعالى محال ، فالمراد
منه أبلغ الإنكار والزجر (الثالث) قال الفراء (ينادون لمقت اللّه) معناه إنهم ينادون إن مقت الله

٤٠
قوله تعالى : ربنا أمتنا اثنتين . سورة غافر .
أكبر يقال ناديت إن زيداً قائم وإن زيداً لقائم (الرابع) قوله (إذ تدعون إلى الإيمان) فيه
حذف والتقدير لمقت اللّه لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن
انفسكم.
ثم أنه تعالى بين أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب (قالوا ربنا أمتنا اثنتين) إلى آخر
الآية ، والمعتى أنهم لما عرفوا أن الذى كانوا عليه فى الدنيا كان فاسداً باطلا تمنوا الرجوع إلى
الدنيا لكى يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة ، وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أكثر العلماء بهذه الآية فى إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم
أثبتوا لأنفسهم مو تتین حیث قالوا ( ربنا أمتنا اثنتین) فأحد الموتتین مشاهد فى الدنیا فلا بد من
إثبات حياة أخرى فى القبر حتى يصير الموت الذى يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول
حياة فى القبر ، فان قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون
الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ماحصل فى الدنيا ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر
كذلك، والذى يدل على أن الأمر ماذكر ناه قوله تعالى (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً
فأحيا كم ثم يميتكم) والمراد من قوله (وكنتم أمواتاً) الحالة الحاصلة عند كونه قطفة وعلقة وتحقيق
الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين ( أحدهما ) إيجاد الشىء ميتاً (والثانى) تصبير الشىء ميتاً بعد أن
كان حياً كقولك وسع الخياط ثوبى، يحتمل أنه خاطه واسعاً ويحتمل أنه صيره واسعاً بعد أن كان
ضيقاً، فلم لا يجوز فى هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة ، ولا يكون المراد تصير هاميتة
بعد أن كانت حية .
﴿ السؤال الثانى) أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
﴿ السؤال الثالث) أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة فى القبر، وبيانه أنه لو
کان الآمر کذلك لكان قد حصلت الحیاة ثلاث مرات أولها فی الدنیا ، و ثانيها فى القبر ، وثالثها
فى القيامة ، والمذكور فى الآية ليس إلا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة فى الدنيا والحياة الثانية
فى القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد فى الدنيا.
﴿ السؤال الرابع) أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة فى القبر فيهنا ما يدل على عدمه
وذلك بالمنقول والمعقول، أما المنقول فمن وجوه (الأول) قوله تعالى (أمن هو قانت آناء الليل
ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) فلم يذكر فى هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة،
ولو حصلت الحياة فى القبر لكان الحذر عنها حاصلا، ولو كان الأمر كذلك لذكره، ولما لم يذكره
علمنا أنه غير حاصل (الثانى) أنه تعالى حكى فى سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون
بعد دخولهم فى الجنة (أفا نحن بميتين إلا موتتنا الأولى) ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق
ولو حصلت لهم حياة فى القبر لكانو قد ماتوا موتتين ، وذلك على خلاف قوله (أنا نحن بميتين