Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح . سورة ص . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ ﴾ وَتَمُودُ وَقَوْمُ لُوطِ وَأَعْتَدُبُ لْعَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ (﴾ إِن كُّ إِلَّا كَذَّبَ اَلْسُلَ نَّ عِقَابٍ ١٥ وَ يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّالَهَا مِن فَوَاقٍ فيه هذه الكلمات الطاعنة فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (وأما المقام الثانى) فهو أنه تعالى لما قال إن كانوا يملكون السموات والأرض فليرتقوا فى الأسباب، ذكر عقيبه أنهم جند من الأحزاب منهزمون ضعيفون، فكيف يكونون مالكى السموات والأرض وما بينهما ، قال قتادة هنالك إشارة إلى يوم بدر فأخبر الله تعالى بمكة أنه سيهزم جند المشركين ناء تأويلها يوم بدر ، وقيل يوم الخندق ، والأصوب عندى حمله على يوم فتح مكة ، وذلك لأن المعنى أهم جند سيصيرون منهزمين فى الموضع الذى ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة ، فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين فى مكة وما ذاك إلا يوم الفتح، والله أعلم . قوله تعالى : ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، ونمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب، إن كل إلا كذب الرسل لحق عقاب، وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من قواق اعلم أنه تعالى لما ذكر فى الجواب عن شبهة القوم أنهم إنما توانوا وتكاسلوا فى النظر والاستدلال ، لأجل أسهم لم ينزل بهم العذاب، بين تعالى فى هذه الآية أن أقوام سائر الأنبياء هكذا كانوا ثم بالآخرة نزل ذلك العقاب، والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول فى إخباره عن نزول العقاب عليهم ، فذكر الله ستة أصناف منهم أولهم قوم نوح عليه السلام ولما كذبوا نوحا أهلكهم الله بالغرق والطوفان (والثانى) عاد قوم هود لما كذبوه أهلكهم الله بالريح ( والثالث ) فرعون لما كذب موسى أهلكه الله مع قومه بالغرق (والرابع ) تمود قوم صالح لما كذبوه فأهلكوا بالصيحة (والخامس) قوم لوط كذبوه وأهلكوا بالخف ( والسادس) أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب كذبوه فأهلكوا بعذاب يوم الظلة ، قالوا وإنما وصف الله فرعون بكونه ذا الأوتاد لوجوه ( الأول) ان أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاده، ثم استعير لإثبات العز والملك قال الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم غيشة فى ظل ملك ثابت الأوتاد قال القاضى حمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه لما وصف بتكذيب الرسل ، فيجب فما وصف به أن يكون تفخيما لأمر ملكه ليكون الزجر بما ورد من قبل الله تعالى عليه من الهلاك ١٨٢ قوله تعالى : وما ينظر هؤلاء الاصيحة . سورة ص . مع قوة أمره أبلغ ( والثانى ) أنه كان ينصب الخشب فى الهواء وكان يمد يدى المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتداً ، ويتركه معلقاً فى الهواء إلى أن يموت (والثالث) أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد فى الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات ( والرابع ) قال قتادة كانت أوتاداً وأرساناً وملاعب يلعب بها عنده (والخامس) أن عساكره كانوا كثيرين، وكانوا کثیری الأهبة عظیمی النعم، وكانوا يكثرون من الأوتاد لأجل الخيام فعرف بها (والسادس) ذو الأوتاد والجموع الكثيرة، وسميت الجموع أو تاداً لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوى الوتد البناء(١). وأما الإيكد فهى الغيضة الملتفة. ثم قال تعالى (أولئك الأحزاب) وفيه أقوال (الاول) أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم م الذين تحزبوا على أنبياتهم فأهلكناهم، فكذلك نفعل بقومك، لأنه تعالى بين بقوله (جند ماهنالك مهزوم من الأحزاب) أن قوم محمد بوز يتم جند من الأحزاب، أى من جنس الأحزاب المتقدمين، فلما ذكرأنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفاً شديداً لقوم محمد برلين (الثانى) أن معنى قوله (أولئك الأحزاب) مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة، كما يقال فلان هو الرجل، والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار، فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين. واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير ، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضاً ، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوى فيحذرون، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضاً، ثم قال إن كل إلا كذب الرسل فق عقاب، أى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنياءهم فى الترغيب والترهيب ، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين ، والمقصود منه زجر السامعين، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكانه واقع بهم فقال (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق) وفى تفسير هذه الصيحة قولان (الأول) أن يكون المراد عذاباً يفجؤهم ويحيثهم دفعة واحدة، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان قال الشاعر : ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم ، ونظيره قوله تعالى (فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) الآية (والقول الثانى) أن هذه الصيحة هى صيحة النفخة الأولى فى الصور، كما قال تعالى فى سورة يس (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابى فى الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة ، فكانهم بذلك العذاب وقد جاءهم جعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم ، كالرجل الذى ينتظر الشىء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة فى حضوره، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال (مالها من فواق) قرأ حمزة والكسائى (فواق) بضم الفاء، والباقون بفتحها، قال الكسائى والفراء (١) الأولى أن تفسر الأوتاد هنا بالأهرام ، فانها خاصة بالفراعين فى مصر، وإنما جاز أن نسميها أوتادا تشبيها لها بالجبال فى الرسوخ فى الأرض والعظم والسموق والعلو والارتفاع، والله تعالى سى الجبال أو تاداً فى القرآن بقوله و(الجبال أو تاداً). : : ١٨٣ قوله تعالى : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا . سورة ص . وَقَالُوا رَبَّنَا ◌َّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (٨) أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَبِّدِّ إِنَّهُ أَوَّابُ. وأبو عبيدة والأخفش : هما لغتان من فواق الناقة . وهو ما بين حلبتى الناقة وأصله من الرجوع، يقال أفاق من مرضه، أى رجع إلى الصحة ، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقاً بالفتح وبالضم، كقولك قصاص الشعر وقصاصه. قال الواحدى والفواق والفواق اسمان من الآفاقة ، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر ، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذى يعود فيه اللبن إلى الضرع، وروى الواحدى فى البسيط عن أبى هريرة عن النبى مَّ الي أنه قال فى هذه الآية ((يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع، قال فيمدها ويطولها)) وهى التى يقول ( مالها من فواق ) ثم قال الواحدى: وهذا يحتمل معنيين (أحدهما) ما لها سكون (والثانى) ما لها رجوع، والمعنى ما تشكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ، ويقال لكل من بقى على حالة واحدة، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق، والله أعلم. قوله تعالى : ﴿ وقالوا ربنا مجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ﴾ أعلم أنا ذكرنا فى تفسير قوله (وحجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) أن القوم إنما تعجبوا الشبهات ثلاثة (أولها) تتعلق بالإلهيات، وهو قوله (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) (والثانية) تتعلق بالنبوات، وهو قوله ( أأنزل عليه الذكر من بيننا) (والثالثة) تتعلق بالمعاد، وهو قوله تعالى ( وقالوا ربنا مجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) وذلك لأن القوم كانوا فى نهاية الإنكار للقول بالحشر والنشر، فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته، والقط القطعة من الشىء لأنه قطع منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط، ولما ذكر رسول الله مؤلت} وعد المؤمنين بالجنة ، قالوا على سبيل الاستهزاء: مجل لنا نصيبنا من الجنة، أو جل لنا صحيفة أعمالنا حتی ننظر فيها . واعلم أن الكفار لما بالغوا فى السفاهة على رسول اللّه يَ القيم حيث قالوا (إنه ساحر كذاب) وقالوا له على سبيل الاستهزاء (عجل لنا قطناً) أمره الله بالصبر على سفاهتهم، فقال (أصبر على ما يقولون) فإن قيل . أى تعلق بين قوله (اصبر على ما يقولون) وبين قوله (واذكرعبدنا داود)؟ قلنا بيان هذا التعلق من وجوه (الأول) كأنه قيل إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جراءتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر، فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن ١٨٤ قوله تعالى : اصبر على ما يقولون ، سورة ص . يوم الحشر، فإن بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفاً يزداد الضد الآخر نقصاناً (والثانى) كأنه قيل لمحمد يٍُّ لا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك ، فإنهم إذا خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك (والثالث) أن للناس فى قصة داود قولین : منهم من قال إنها تدل علىذنبه ، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه (فمن قال بالأول) كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد عبد الله إن حزنك ليس إلا ، لأن الكعار يكذبونك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوعه فى ذلك الذنب ولا شك أن حزنه أشد ، فتأمل فى قصة داود وما كان فيه من الحزن العظيم حتى يخف عليك ما أنت فيه من الحزن (ومن قال بالثانى) قال الخصمان اللذان دخلا على داود كانا من البشر، وإنما دخلا عليه لقصد قتله تخاف منهما داود، ومع ذلك لم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسوء بل استغفر لهما على ما سيجى. تقرير هذه الطريقة فلا جرم أمر الله تعالي محمداً عليه السلام بأن يقتدى به فى حسن الخلق (والخامس) أن قريشاً إنما كذبوا محمداً عليه السلام واستخفوا به لقولهم فى أكثر الأمر إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قص على محمد كمال مملكة داود، ثم بين أنه مع ذلك ماسلم من الأحزان والغموم ، ليعلم أن الخلاص عن الحزن لاسبيل إليه فى الدنيا (والسادس ) أن قوله تعالى (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود) غير مقتصر على داود فقط بل ذكرعقيب قصة داود قصص سائر الأنبياء فكأنه قال (اصبر على ما يقولون) واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص وحزن خاص، فحينئذ يعلم أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان، وأن استحقاق الدرجات العالية عندالله لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب فى الدنيا ، وهذه وجوه ذكرناها فى هذا المقام وههنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم ، وسيجى. ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته) وأعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك حال تسعة من الأنبياء فذكر حال ثلاثة منهم على التفصيل وحال ستة آخرين على الإجمال. ﴿ فالقصة الأولى) قصة داود، واعلم أن مجامع ما ذكره الله تعالى فى هذه القصة ثلاثة أنواع من الكلام (الأول ) تفصيل ما آتى الله داود من الصفات التى توجب سعادة الآخرة والدنيا (والثانى) شرح تلك الواقعة التى وقعت له من أمر الخصمين (والثالث) استخلاف الله تعالى إياه بعد وقوع تلك الواقعة ( أما النوع الأول) وهو شرح الصفات التى آتاها الله داود من الصفات الموجبة لكمال السعادة فهى عشرة (الأول ) قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم (اصبر على ما يقولون وأذكر عبدنا داود) فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدى فى الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام لداود حيث أمر الله أفضل الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدى به فى مكارم الأخلاق ( والثانى) أنه قال فى حقه (عبدنا داود) فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم، وذلك غاية التشريف، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يشرف محمداً عليه السلام ليلة المعراج قال ( سبحان الذي أسرى بعبده) ١٨٥ قوله تعالى : إنا سخرنا الجبال معه . سورة ص . ١٨ إِنَّ ◌َّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ فههنا يدل على ذلك التشريف لداود فكان ذلك دليلا على على درجته أيضاً، فإن وصف الله تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد فى الطاعة ( والثالث ) قوله (هذا الأيد) أى ذا القوة على أداء الطاعة والاحتراز عن المعاصى، وذلك لأنه تعالى لما مدحه بالقوة وجب أن تكون تلك القوة «وجبة للمدح، والقوة التى توجب المدح العظيم ليست إلا القوة على فعل ما أمر به وترك مانهى عنه ( والأيد ) المذكور ههنا كالقوة المذكورة فى قوله ( يا يحي خذ الكتاب بقوة) وقوله تعالى (وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء؛ فذها بقوة ) أى باجتهاد فى أداء الأمانة وتشدد فى القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف (والأيد) والقوة سواء ومنه قوله تعالى ( هو الذى أيدك بنصره) وقوله تعالى (وأيدناه بروح القدس) وقال ( والسما، بنيناها بأيد ) وعن قتادة أعطى قوة فى العبادة وفقهاً فى الدين . وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر ( الرابع ) قوله ( إنه أواب ) أى أن داود كان رجاءا فى أموره كلها إلى طاعتى والأواب فعال من آب إذا رجع كما قال تعالى (إن الينا إياهم) وفعال بناء المبالغة كما يقال قتال وضراب فانه أبلغ من قاتل وضارب (الخامس). قوله تعالى ﴿ إنا - خرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق ونظير هذه الآية قوله تعالى ( يا جبال أو بى معه والطير ) وفيه مباحث: ﴿ البحث الأول) وفيه وجوه: ( الأول) أن الله سبحانه خلق فى جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ومنطقاً وحينئذ صار الجبل مسبحاً للّه تعالى ونظيره قوله تعالى ( فلما تجلى ربه للجبل) فان معناه أنه تعالى خلق فى الجبل عقلا وفهماً، ثم خلق فيه رؤية الله تعالى فكذا ههنا (الثانى) فى التأويل ما رواه القفال فى تفسيره أنه يجوز أن يقال إن داود عليه السلام قد أوتى من شدة الصوت وحسنه ما كان له فى الجبال دوى حسن ، وما يصغى الطير إليه لحسنه فيكون دوى الجبال وتصويت الطيرمعه وإصغاؤه إليه تسبيحاً ، وذكر محمد بن الحق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى أنه كان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى يأخذ بأعناقها ( الثالث ) أن الله سبحانه سخر الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود وجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه کان یدل علی کال قدرة الله تعالی وحکته. ﴿البحث الثانى) قال صاحب الكشاف (يسبحن) فى معنى مسبحات ، فان قالوا هل من فرق بين يسبحن ومسبحات قلنا نعم، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، وصيغة الاسم على الدوام على ما بينه عبد القاهر النجوى فى كتاب دلائل الإعجاز، إذا ثبت هذا فنقول قوله (يسبحن) يدل على ١٨٦ قوله تعالى : والطير محشورة . سورة ص . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [٩] وَشَدَدْنَا مُلْكُ حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعدشىء وحالا بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح. ﴿ البحث الثالث) قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى، والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق . ﴿ البحث الرابع﴾ احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية، عن أم هانى. قالت « دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، وقال يا أم هانى. هذه صلاة الإشراق)) وعن طاووس عن ابن عباس قال ((هل تجدون ذكر صلاة الضحى فى القرآن؟ قالوا لا، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق)) وقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل فى نفسى شىء من صلاة الضحى حتى وجدتها فى قوله (يسبحن بالعشى والإشراق)) ﴿الصفة السادسة) من صفات داود عليه السلام قوله تعالى (والطير محشورة كل له أواب(١)) و فيه مباحث : ﴿البحث الأول) قوله (والطير) معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة، قال ابن عباس رضى اللهعنهما كان داود إذا سبحجاو بتهالجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله (فان قيل) كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لاعقل لها، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلاحتى تعرف اللّه فتسبحه حينئذ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام. ﴿ البحث الثانی﴾ قال صاحب الکشاف قوله (محشورة) فی مقابلة (یسبحن) إلا أنه ليس فى الحشر مثل ما كان فى التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شىء، فلاجرم جىء به اسماً لافعلا ، وذلك أنه لوقيل وسخرنا الطير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور والله أعلم . ﴿البحث الثالث ) قرىء (والطير محشورة) بالرفع. ﴿ الصفة السابعة) من صفات داود عليه السلام ، قوله تعالى (كل له أواب) ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أى رجاع، أى كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته ، فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علينا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير فى قوله (كل له أواب) الله تعالى أى كل من دواد والجبال والطير لله أواب أى مسبح مرجع التسبيح. ( الصفة الثامنة) قوله تعالى (وشددنا ملكه ) أى قويناه وقال تعالى (سنشد عضدك ١٨٧ قوله تعالى وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب . سورة ص . ٢٠ وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ آَنْطَابٍ بأخيك ) وقيل شددنا على المبالغة ، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة، وهی إما الأسباب الدنيوية أو الدينية ، أما الأول فذ کروا فیه و جهین (الأول ) روی الواحدی عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، فاذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضى عنكم فى اللّه، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفاً . قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطاناً . وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا ادعى عند دواد على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدعى عليه ، فقال داود للمدعى أقر البينة فلم يقمها، فرأى داود فى منامه أن الله يأمره أن يقتل المدعى عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحى بعدذلك بأن تقتله فاحضره وأعلمه أن اللّه أمره بقتله، فقال المدعى عليه صدق الله إنى كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود. فهذه الواقعة شددت ملكه، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهى الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل . ﴿ الصفة التاسعة) قوله (وآتيناه الحكمة) واعلم أنه تعالى قال (ومن يؤت الحكمة فقد أونى خيراً كثيراً) واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية ، والفضائل النفسانية محصورة فى قسمين العلم والعمل ، أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضى الطاقة البشرية، وأما العمل فهو أن يكون الإنسان آتياً بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة، فهذا هو الحكمة وإنما سمى هذا بالحكمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخ والنقض فكانت فى غاية الأحكام، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها واجبة الرعاية ولا تقبل النقض والنسخ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة. ﴿ الصفة العاشرة) قوله ( وفصل الخطاب) واعلم أن أجسام هذا العالم على ثلاثة أقسام (أحدها) ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهى الجمادات والنباتات ( وثانيها) التى يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف غيرها الأحوال التى عرفوها فى الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى الإنسان (وثالثها) الذى يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف غيره الأحوال المعلومة له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة عنده بالنطق والخطاب، ثم إن الناس مختلفون فى مراتب القدرة على التعبير عما فى الضمير ، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون مختلط الكلام مضطرب القول، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه، ومنهم من يكون قادراً على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى : ١٨٨ قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصم ، سورة ضى . وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَؤُ أ ◌َنْخَصْيِ إِذْ تَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ (٣) إِذْ دَ خَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفْرِعَ مِنْهُمْ قَالُواْلَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَاحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُسْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَّطِ (٢﴾ إِذَّ هَذَا أَنِى لَهُ نِسْعُ وَتِسْعُونَ نَعْبَةً وَلِيَ نَعْبَةٌ وَاحِدَةٌ - فَقَالَ أَكْفِهَا وَعَّبِ فِ آَنْطَابٍ (﴿﴾ قَالَ لَقَدْ ظَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَآءِلَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَعَمِلُواْ لْالصَّالِحَتِّ وَقَلِيلٌ مَّاهُمُ وَظَنَّ دَاوُودُ أَّمَا فَتَتَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبِهِ وَّرَاكِعًا وَأَنَابَ ٢٤ أقصى الغايات ، وكل من كانت هذه القدره فى حقه أكمل كانت الآثار الصادرة عن النفس النطقية فى حقه أكمل ، وكل من كانت تلك القدرة فى حقه أقل كانت تلك الآثار أضعف، ولما بين الله تعالى كمال حال جوهر النفس النطقية التى لداود بقوله (وآتيناه الحكمة) أردفه ببيان كمال حاله فى النطق واللفظ والعبارة فقال وفصل الخطاب وهذا الترتيب فى غاية الجلالة ، ومن المفسرين من فسر ذلك بأن داود أول من قال فى كلامه أما بعد، وأقول حقاً إن الذين يقبعون أمثال هذه الكلمات فقد حرموا الوقوف على معانى كلام الله تعالى حرماناً عظيما(١) واقه أعلم، وقول من قال المراد معرفة الأمور التى بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البيئة واليمين فيعيد أيضاً، لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير عن كل ما يخطر بالبال وبحضر فى الخيال، بحيث. لا يختلط شىء بشىء، وبحيث ينفصل كل مقام عن مقام، وهذا معنى عام يقتلول جميع الأقسام والله أعلى، وههنا آخر الكلام فى الصفات العشرة التى ذكرها ابنه تعالى فى مدح داود عليه السلام. قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة، فقال أ كفلنيها وعزنى فى الخطاب، قال لقد ظلك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم، وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر رأكماً وأناب، فتفرنا له (١) بقصد المؤلف بعبارته هذه الذين فروا إجاء داود الحكمة بأنه أول من قال: أما بعد، لبعدهم عن النهم وعن الصواب، وقد روى أن أول من قال أما بعد هو قس بن ساعدة الايادى الخطيب المشهور . : ١٨٩ قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم . سورة ص . فَغَرْنَا لَهُ، ذَلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْنَى وَحُسْنَ مَعَابٍ ٢٥ ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ اعلم أن الله تعالى لما مدحه وأثنى عليه من الوجوه العشرة أردفه بذكر قصة ليبين بها أن الأحوال الواقعة فى هذه القصة لا يبين شىء منها كونه عليه السلام مستحقاً للثناء والمدح العظيم. أما قوله تعالى (وهل أتاك نبأ الخصم) فهو نظير قوله تعالى (هل أتاك حديث موسى) وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها، ليكون داعياً إلى الإصغاء لها والاعتبار بها، وأقول للناس فى هذه القصة ثلاثة أقوال (أحدها) ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه (وثانيها) دلالتها على الصغيرة (وثالثها) بحيث لاتدل على الكبيرة ولا على الصغيرة. فأما القول الأول مفاصل كلامهم فيها: أن داودعشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين فى صورة المتخاصمين فى واقعة شبيهة بواقعته، وعرضا. تلك الواقعة عليه. فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة . والذى أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه (الأول) أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فوراً لاستنكف منها والرجل الحشوى الخبيث الذى يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ فى تنزيه نفسه وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه (الثانى) أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعى فى قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع فى زوجته ( أما الأول) فأمر منكر قال رَلتم ((من سعى فى دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله) ( وأما الثانى) فمنكر عظيم قال صلى الله عليه وسلم ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» و إن أوریا لم يسلم من داود لا فى روحه ولا فى منكوحه ( والثالث ) أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضاً بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة ، وكل هذه الصفات تنافى كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة فى البيان . فنقول (أما الصفات الأولى) فهى أنه تعالى أمر محمداً بت ليتم بأن يقتدى بداود فى المصابره مع المكابدة، ولو قلنا إن داودلم يصبر على مخالفة النفس بل سعى فى إراقة دم امرى. مسلم الغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدى بداود فى الصبر على طاعة الله . ( وأما الصفة الثانية ) فهى أنه وصفه بكونه عبداً له × وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا فى موقف العبودية تاماً فى القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات ، ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة . حينئذ ما كان داود كاملا ١٩٠ قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصم . سورة ص . فى عبوديته لله تعالى بل كان كاملا فى طاعة الهوى والشهوة .. (الصفة الثالثة) هو قوله ( ذا الأيد) أى ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة فى الدين، لأن القوة فى غير الدين كانت موجودة فى ملوك الكفار ، ولا معنى للقوة فى الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات ، والاجتناب عن المحظورات، وأى قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل. والرغبة فى زوجة المسلم؟. (الصفة الرابعة ) كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفاً بالقتل والفجور؟. ( الصفة الخامسة) قوله تعالى ( إنما سخرنا الجبال معه) أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور؟ . (الصفة السادسة ) قوله ( والطير محشورة)، وقيل إنه كان محرماً عليه صيد شىء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه؟. (الصفة السابعة ) قوله تعالى ( وشددنا ملكه) ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه فى الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟. (الصفة الثامنة) قوله تعالى (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغى علماً وعملا ، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى إنا (آتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه فى الروح والمنكوح، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب . وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهى عشرة (الأول) قوله ( وإن له عندنا الزلفى وحسن مآب) وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته فى طاعة الله ، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه فى القتل والفجور لم يكن قوله ( وإن له عندنا لزلفى) لائقاً به ( الثانى) قوله تعالى ( ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض ) وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه ( أحدها ) أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد إنى فوضت إليك خلافى ونياتى، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر ، فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك البتة مما لا يليق (وثانيها) أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة ، ثم قال بعده ( إنا جعلناك خليفة فى الأرض ) أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة، ومعلوم أن هذا فاسد، أما لو ١٩١ قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصم . سورة ص . ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على على طاعة الله تعالى فيفئذ يناسب أن يذكر عقيبه ( إنا جعلناك خليفة فى الأرض ) فثبت أن هذا الذى نختاره أولى (والثالث) وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود عليه السلام وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك ، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم الدرجة عالى المرتبة فى طاعة الله يقتل ويزنى ويسرق وقد جعله الله خليفة فى أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعى فى القتل من أعظم أبواب العيوب (والرابع) وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا فى هذه الرواية أن داود عليه السلام تمنى أن يحصل له فى الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء فى النار وحصل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه السلام الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى فى يوم كذا فبالغ فى الاحتزاز ثم وقعت الواقعة ، فنقول أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذى يزيد فى منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعى فى قتل النفس بغير الحق والإفراط فى العشق كيف يليق بهذه الحالة ، ويثبت أن الحكاية التى ذكروها يناقض أو لها آخرها (الخامس) أن داود عليه السلام قال ( وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ) استثنى الذين آمنوا عن البغى ، فلو قلنا إنه كان موصوفاً بالبغى لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل (السادس) حضرت فىبعض المجالس وحضر فيه بعضأ کابر الملوك وکان یرید أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيئة لسبب اقتضى ذلك، فقلت له لاشك أن داود عليه كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته) ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ فى الطعن فيه، وأيضاً فبتقدير أنه ما كان نبياً فلا شك أنه كان مسلماً، ولقد قال صلى الله عليه وسلم ((لاتذكروا موتاكم إلا بخير، ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شىء من هذه الدلائل إلا أنا نقول إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التى ذكر تموها حقيقية صحيحة فان روايتها وذكرها لا يوجب شيئاً من الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لاتوجب الثواب ، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة ، فإن ذا كرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التى هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ماذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت. ولم يذكر شيئاً (السابع) أن ذكر هذه القصة، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضى إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرماً لقوله تعالى ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا) (الثامن) لو سعى داود فى قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله ((من سعى ١٩٢ قوله تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم، سورة ص فى دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله)) وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً فكان يدخل تحت قوله ( ألا لعنة الله على الظالمين) (التاسع ) عن سعيد بن المسيب أن على بن أبى طالب عليه السلام قال (( من حدثكم بحديث داود على ما يروبه القضاص جلدته مائة وستين)) وهو حد الفرية على الأنبياء، وبما يقوى هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة من شعبة زنى وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك، وأما الرابع فانه لم يقل بأنى رأيت ذلك العمل . يعنى فان عمربن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، وإذا كان الحال فى واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من من أكابر الأنبياء عليهم السلام (العاشر) روى أن بعضهم ذكر هذه القصة على مافى كتاب الله تعالى فقال لا ينبغى أن يزاد عليها، وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام، فلا يجوز للعاقل أن يسعى فى هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر (١) ((سماعى هذا الكلام أحب إلى مما طلعت عليه الشمس)) فثبت بهذه الوجوه التى ذكرناها أن القصة التى ذكروها فاسدة باطلة ، فإن قال قائل إن كثيراً من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة، فكيف الحال فيها؟ فالجواب الحقيقى أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى، وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيح قوّلنا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا فى تشهير هذه الواقعة؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا فى ذكرها أعظم العقاب، وأيضاً فقال عليه السلام ((إذا علمت مثل الشمس فاشهد)) وههنا لم يحصل العلم ولا الظن فى صحة هذه الحكاية ، بل الدلائل القاهرة التى ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المخقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد، وأيضاً إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقى الرجوع إلى الدلائل التى ذكر ناها فهذا تمام الكلام فى هذه القصة . أما الاحتمال الثانى: وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبيرة، فنقول فى كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه: (الأول) أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فآثره أهلها ، فكان ذنبه من خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه ( الثانى ) قالوا إنه وقع بصره عليها فال قلبه إليها وليس له فى هذا ذنب البتة، أما وفوع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بدنب ، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن هذا الميل ليس فى وسعه ، فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذياً عظيما بسبب (١) لم ينص فيماسبق على عمر هذا ولم يشر إليه، والخبر يفيد أن ذلك البعض الذى حكى القول العاشر حكى القصة أمام شخص اسمه عمر فقال هذه الكلمة ولا ندرى أهو عمربن الخطاب أم ابن عبد أهزيز أم شخص غيرهما ولعله سقط بيان ذلك من الناسيخ أو المعلبعة الأميرية. : ١٩٣ قوله تعالى : واذکر عبدنا داود . سورة ص . قتله لأجل أنه طمع أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل ( والثالث ) أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق امرأته حتى يتزوجها وكانت عادتهم فى هذا المعنى مألوفة معروفة اوى أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأه النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهى أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً فى ظاهر الشريعة ، إلا أنه لا يليق بك ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها ثم يلزم فى حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى . وأما الإحتمال الثالث: وهو أن هذه القصة على وجه لا يلزم إلحاق الكبيرة والصغيرة بداود عليه السلام، بل يوجب الحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أن نقول روى أن جماعة من الأعداء طمعوا فى أن يقتلوا فى الله داود عليه السلام، وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة فى ذلك اليوم وتسوروا المحراب، فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعونه منهم تخافوا فوضعوا كذباً، فقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض إلى آخر القصة ، وليس فى لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به فى إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة (أحدها ) قوله ( وظن داود أنما فتناه) ، ( وثانيها ) قوله تعالى ( فاستغفر ربه) (وثالثها) قوله (وأناب) (ورابعها) قوله ( فغفر ما له ذلك ) ثم نقول، وهذه الألفاظ لا يدل شىء منها على ماذكروه، وتقريره من وجوه (الأول) أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق، وعلم داود عليه السلام ذلك دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم، إلا أنه مال إلى الصفح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله، قال وكانت هذه الواقعة هى الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان، ثم إنه استغفر ربه بما هم به من الإنتقام منهم وتاب عن ذلك الهم وأباب، فعفر له ذلك القدر من الهم والعزم (والثانى) أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه، إلا أنه ندم على ذلك الظن، وقال لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك ، فبئسما علمت بهم حيث ظننت بهم هذا الظن الردى.، فكان هذا هو المراد من قوله ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب) منه فغفر الله له ذلك (الثالث) أن دخولهم عليه كان فتنة لداود عليه السلام، إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل العازم على قتله، كما قال فى حق محمد مهتم اليوم (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) فداود عليه السلام استغفر لهم وأباب، أى رجع إلى الله تعالى فى طلب مغفرة ذلك الداخل القاصد للقتل ، وقوله (فغفرنا له ذلك ) أى غفرنا له ذلك الذنب لأجل احترام داود ولتعظيمه ، كما قال بعض المفسرين فى قوله تعالى ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) أن معناه أن الله تعالى يغفر لك ولا جلك ما تقدم من ذنب أمتك (الرابع) هب أنه تاب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه، لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة، فلم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة إنما حصلت، لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثانى ، فإنه الفخر الرازي - ج ٢٦ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى: إذا دخلوا عليه. سورة طن . لما قال ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) تحكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوى الخصم بغير بينة، لكون هذا الحكم مخالفاً للصواب، فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة. إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى(١) فثبت بهذه البيانات أما إذا حملنا هذه الآيات على هذا الوجه ، فإنه لا يلزم إسناد شىء من الذنوب إلى داود عليه السلام، بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه (الأول) أن الأصل فى حال المسلم البعد عن المناهى، لاسيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل (والثانى) أنه أحوط (والثالث) أنه تعالى قال فى أول الآية لمحمد برلين (واصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود) فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا ( إنه ساحر كذاب) واستهزأوا به حيث قالوا (ربنا مجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) فقال تعالى فى أول الآية: اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب وأذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ماذكر ناه، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً فاسداً (والرابع) أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قذا الخصمان كانا ملكين، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذباً، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين (أحدهما) إسناد الكذب إلى الملائكة ( والثانى) أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أخش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى، فهذا ما عندنا فى هذا الباب، والله أعلم بأسرار كلامه، ورجع الآن إلى تفسير الآيات. أما قوله (وهل أتاك نبأ الخصم) قال الواحدى: الخصم مصدر خصمته أخصمه خصما ، ثم يسمى به الإثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع، يقال هما خصم وهم خصم، كما يقال مما عدل وم عدل، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام. وقوله تعالى ( إذ تسوروا المحراب) يقال تسورت السور تسوراً إذا علوته، ومعنى (تسوروا المحراب) أى أتوه من سوره وهو أعلاه، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها. وأما المحراب فالمراد منه البيت الذى كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه، وسمى ذلك البيت بالمحراب لاشتماله على المحراب، كما يسمى الشىء بأشرف أجزائه، وههنا مسألة من علم أصول الفقه، وهى أن أقل الجمع - اثنان عند بعض الناس، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع فى هذه الآيات فى (١) أقول: لملا تكون هذه القصة راجعة إلى قصة الغنم التى نفشت فى الزرع وجاء ذكرها فى سورة الأنبياء، وقد ذكرت هناك بلفظ القنم وهنا بلفظ النعاج وفتنة داود كانت بالاجتهاد فى الحكم والخطأ فيه وقد نص الله على أنه فهمها سليمان عليه السلام، والقاعدة أن من اجتهد فى حكم وأخطأ فله أجر، ومن أصاب فله أجران وكأنه عليه السلام لم يدرك هذه القاعدة أو لم يكن العمل عليها فى عهده ولهذا استغفر ربه والدلائل على ذلك كثيرة منها ظاهر الآية ولا داعى إلى التأويل بالمرأة أو غيرها، ومنها قوله وإن كثيراً الخفطاء ليغى بعضهم على بعض والتعقيب بقوله تعالى (باداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تقبع الهوي). : : ١٩٥ قوله تعالى : قالوا لا تخف نصمان . سورة ص . أربعة مواضع (أحدها) قوله تعالى (إذ تسوروا المحراب)، (وثانيها) قوله (إذ دخلوا) ، ( وثالثها) قوله (منهم)، (ورابعها) قوله (قالوا لا تخف ) فهذه الألفاظ الأربعة كلها صيغ الجمع، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل الجمع اثنان (.الجواب) لا يمتنع أن يكون كل واحد من الخصمين جمعاً كثيرين، لأما بينا أن الخصم إذا جعل اسماً فإنه لا يثنى ولا يجمع، ثم قال تعالى ( إذ دخلوا على داود) والفائدة فيه أهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال ( إذ دخلوا عليه ) دل على أنهم بعد القسور دخلوا عليه، قال الفراء : وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد، كقولك ضربتك إذ دخلت على إذ اجترأت ، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً. ثم قال تعالى (ففزع منهم ) والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد. علم أنهم إنما دخلوا عليه تنشر، فلا جرم فزع منهم ، تم قال تعالى ( مالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾. خصمان خبر مبتدأ محذوف، أى نحن خصمان. المسألة الثانية﴾ مهنا قولان (الأول) أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأرادا تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذى أقدم عليه (والثانى) أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل، فظنا أنهما يجدانه خالياً، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر. وأما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كاما ملكين لكانا كاذبين فى قولهما خصمان ، فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين فى قولهما ( بغى بعضنا على بعض ) ولكانا كاذبين فى قولهما (إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة) فثبت أنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى ( لا يسبقونه بالقول) ولقوله (ويفعلون ما يؤمرون) أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لاعلى سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضى العدول عن ظاهر اللفظ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، حينئذ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول والله أعلم، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجوا بوجوه ( الأول ) اتفاق أكثر المفسرين عليه ( والثانى) أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية فى حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة ( الثالث ) أن قوله تعالى ( قالوا لاتخف) كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لايكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته (الرابع ) أن قولهما (ولا تشطط ) كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحداً من رعيته لا يتجاسر أن يقول له لا تظلم ولا تتجاوز عن الحق، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر، ولا حاجة إلى الجواب، والله أعلم . المسألة الثالثة﴾ ( بغى بعضنا على بعض) أى تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح ١٩٦ قوله تعالى : قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك . سورة ص . إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية، ويقال بغت المرأة إذا زنت، لأن الزنا كبيرة منكرة، قال. تعالى ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) ثم قال (فاحكم بيننا بالحق ) معنى الحكم إحكام الأمر فى إمضاء تكليف الله عليهما فى الواقعة، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح، ومنه بناء محكم إذا كان قوياً، وقوله ( بالحق ) أى بالحكم الحق وهو الذى حكم الله به ( ولا تشطط ) يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله: شطت الدار إذا بعدت، قال تعالى (لقد قلنا إذاً شططاً) أى قولا بعيداً عن الحق ، فقوله ( ولا تشطط) أى لا تبعد فى هذا الحكم عن الحق، ثم قال (واهدنا إلى سواء الصراط ) وسواء الصراط هو وسطه، قال تعالى ( فاطلع فرآه فى سواء الجحيم ) ووسط الشىء أفضله وأعدله، قال تعالى ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً) وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات (أولها) قولهم فاحكم بالحق ( وثانيها) قولهم ( ولا تشطط ) وهی نهى عن الباطل ( وثالثها) قولهم ( واهدنا إلى سواء الصراط ) يعنى يجب أن يكون سعيك فى إيجاد هذا الحق . وفى الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق، وهذا مبالغة تامية فى تقرير المطلوب، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل، فقال (إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف (أخى) يدل من هذا أو خبر لقوله (إن) والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى ( وإن كثيراً من الخلطاء) وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء. المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قرى ( تسع وتسعون) بفتح التاء ونعجة بكير النون، وهذا من اختلاف اللغات نحو قطع وقطع، ولقوة ولقوة وهى الأنثى من العقبان. المسألة الثالثة) قال اللبث: النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة . المسألة الرابعة﴾. قرأ عبد الله (تسع وتسعون نعجة أنثى) وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد)، ثم قال (أكفلنها وعزنى فى الخطاب) قال صاحب الكشاف (أكفلنها) حقيقته اجعلنى أكفلها كما أكفل ما تحت يدى ( وعزنى) غلبنى، يقال عزه يعزه، والمعنى جاءفى بحجاج لم أقدرأن أورد عليه ما أورده به، وقرىء وعازنى من المعازة، وهى المغالبة، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة والجدة، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل. ثم قال تعالى ( قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) أى سؤال إضافة نعجتك إلى نماجه، وروى أنه قال له إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى الأنف والجبهة ١٩٧ قوله تعالى : وظن داود إنما فتناه . سورة ص . فقال ياداود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا. وأنت فعلت كيت وكيت ، ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف الحال، فان قيل كيف جازلداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه؟ قلنا ذكروا فيه وجوهاً ( الأول) قال محمد بن اسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذى لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطاً بشرط كونه صادقاً فى دعواه ( والثانى) قال ابن الأنبارى: لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثانى فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت، وقال تعالى ( أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ) أى فضرب فانغلق، والثالث أن يكون التقدير أن الخصم الذى هذا شأنه يكون قد ظلك. ثم قال تعالى (وإن كثيراً من الخلطا. ليغى بعضهم على بعض) قال الليث خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج: الخلطاء الشركاء، فان قيل لم خص داود الخلطاء ببغى بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك ، والجواب لاشك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه ، فيفضى ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة ، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لانوجب المنازعة ، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لابد وأن تصير مخالطتهم سباً لمزيد البغي والعدوان ، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغى بعضهم على بعض ، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون هو من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل . ثم قال تعالى ( وقليل ماهم ) واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير فى القرآن ، قال تعالى (وقليل من عبادي الشكور) وقال داود عليه السلام فى هذا الموضع (وقليل ماهم) وحكى تعالى عن إبليس أنه قال ( ولا تجد أكثرهم شاكرين) وسبب القلة أن الدواعى إلى الدنيا كثيرة ، وهى الحواس الباطنة والظاهرة وهى عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن ، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا والذة الحسية، وأما الداعى إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم، فلهذا السبب وقعت القلة فى جانب أهل الخير والكثرة فى جانب أهل الشر ، قال صاحب الكشاف وما فى قوله ( وقليل ماهم) للابهام وفيه تعجب من قلتهم، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرىء القيس: وحديث ما على قصره - وانظر هل بقى له معنى قط . ثم قال تعالى ( وظن داود أنما فتناه) قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أى امتحناه ، قالوا ١٩٨ قوله تعالى : فاستغفر ربه . سورة ص .. والسبب الذى أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه ، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جازحمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالى يشبه الظن مشابهة عظيمة، والمشابهة علة لجواز المجاز، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم ، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. أما قوله (فاستغفر ربه) أى سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه (الاول) أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وإنه كان سلطاناً شديد القهر عظيم القوة ، ثم إنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع فى قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قرب الأمر من أن يدخل فى قلبه شىء من العجب ، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله، فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر (الثانى) لعله ثم يإيذاء القوم ، ثم قال إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم (الثالث) لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن ملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعى ولا ظى على التزام المنكرات التى يذكرونها ، فما الذى يحملنا على التزامها والقولبها، والذى يؤكد أن الذى ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن فى حق من صدر منه عمل كثير فى الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعاً من الشدائد فى الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به ، قال مالك بن دينار إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع فى الجنة ، ويقال باداود مجدنى بذلك الصوت الحسن الرخيم الذى كنت تمجدفى به فى الدنيا والله أعلم. بقى ههنا مباحث: (فالأول ) قرى. فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين (الثانى) المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج، وقيل أيضاً إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثانى وذلك غير جائز ( الثالث) قوله ( خر راكعاً وأناب) يدل على حصول الركوع، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد فى مدة أربعين يوماً ثبت بالأخبار (الرابع) أن مذهب الشافعى رضى الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة فى فلا توجب سجدة التلاوة ( الخامس) استشهد أبو حنيفة رضى الله عنه بهذه الآية فى سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود. ١٩٩ قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض . سورة ص . يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةُ فِ اَلْأَرْضِ فَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا نَذَّبِعِ الْمَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلٍ الهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِلَهُمْ عَذَابٌ ٠٠٠ ٣٦ شَدِيدٌ بِمَا نَسَواْ يَوْمَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا آلحسَابِ ( بَشِّلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴿ أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَاَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَدِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ تَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَلَفُجَّارٍ ﴾ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَكُ لِيَدَّبُوَاْءَايَتِهِ، وَلِيَتَّ ◌َ أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ ٢٩ قوله تعالى: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب، وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ، كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ولیتذ کر أولوا الألباب اعلم أنه تعالى لما تحم الكلام فى شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض ، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور فى تلك القصة، لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً فى سفك دماء المسلمين، راغباً فى انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه، ثم نقول فى تفسير كونه خليفة وجهان (الأول) جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء فى الدعاء إلى الله تعالى، وفى سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه، وذلك إنما يعقل فى حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على اللّه محال (الثانى) إنا جعلناك مالكا الناس ونافذ الحكم فيهم فيهذا التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خلفاء الله فى أرضه، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم فى رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة فى حق الله، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم فى تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم. ثم قال تعالى ( فاحكم بين الناس بالحق ) واعلم أن الإنسان خلق مدنياً بالطبع، لأن الإنسان الواحد لا ينتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى أن هذا يحرث ، وذلك يطحن ، وذلك يخبز، وذلك ينسج، وهذا يخيط، وبالجملة فيكون كل واحدة منهم مشغولابمهم ، وينتظم من ٢٠٠ قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما . سورة ص . أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الانسان مدنى بالطبع وعند اجتماعهم فى الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات ولابد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات وذلك هو السلطان الذى ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس، ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق فأنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه، وذلك يفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج فى الخلق، وذلك يفضى بالاحرة إلى هلاك ذلك الملك، أما إذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحقه الإلهية انتظمت مصالح العالم، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه. فهذا هو المراد من قولهم (فاحكم بين الناس بالحق) يعنى لابد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك الحاكم ثم قال (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) الآية، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب، فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب . أما المقام الأول: وهو أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله فتقريره أن الهوى يدعو إلى الاستغراق فى اللذات الجسمانية، والاستغراق فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التى هى الباقيات الصالحات ، لأنهما حالتان متضادتان فبقدر مايزداد أحدهما ينقص الآخر. أما المقام الثانى: وهو أن الضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب ، فالأمر فيه ظاهر لأن الإنسان إذا عظم ألفه بهذه الجسمانيات ونسى بالكلية أحواله الروحانيات، فإذا مات فقد فارق المحبوب والمعشوق ، ودخل دياراً ليس له بأهل تلك الديار إلى وليس لعيته قوة مطالعة أنوار تلك الديار ، فكأنه فارق المحبوب ووصل إلى المكروه. فكان لا محالة فى أعظم العناء والبلاء، فثبت أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله. وثبت أن الضلال عن سبيل الله يوجب العذاب، وهذا بيان فى غاية الكمال . ثم قال تعالى ( بما نسوا يوم الحساب) يعنى أن السبب الأول لحصول ذلك الضلال هو نسيان يوم الحساب، لأنه لو كان متذكراً ليوم الحساب لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد، ولما صار مستغرقاً فى هذه اللذات الفاسدة. روى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز هل سمعت ما بلغنا أن الخليفة لا يجرى عليه القلم ولا يكتب عليه معصية؟ فقال يا أميرالمؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء !؟ ثم تلا هذه الآية ( إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) ثم قال تعالى ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ونظيره قوله تعالى ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) وقوله تعالى ( ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وفيه مسائل :