Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى : وحفظا من كل شيطان مارد . سورة الصَّافات .
بمصابيح ( وجعلناها رجوماً للشياطين ) فالضمير فى قوله ( وجعلناها) عائد إلى المصابيح، فوجب
أن تكون تلك المصابيح هى الرجوم بأعيانها من غير تفاوت، والجواب أن هذه الشهب
غير تلك الثواقب الباقية ، وأما قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها
رجوماً للشياطين ) فنقول كل نير يحصل فى الجو العالى فهو مصابيح لأهل الأرض إلا أن
تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ، ومنها ما لا يكون كذلك ، وهى
هذه الشهب التى يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين، وبهذا التقدير فقد زال الإشكال،
والله أعلم.
﴿ السؤال الثانى) كيف يجوز أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون بالتجويز. أن الشهب
تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة ، وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل ، فكيف
من الشياطين الذين لهم مزية فى معرفة الحيل الدقيقة ( والجواب) أن حضول هذه الحالة ليس له
موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه، وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة،
فربما صاروا إلى موضع تصيبهم فيه الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا
تصيبهم الشهب ، فلما هلكوا فى بعض الأوقات، وسلموا فى بعض الأوقات ، جاز أن يصيروا
إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه
فى موضع يغلب على ظنه حصول النجاة ، هذا ماذكره أبو على الجبائى من الجواب عن هذا السؤال
فى تفسيره، ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة ، أو إلى غير
تلك المواضع، فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا، وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة
لم يفوزوا بمقصودهم أصلا ، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل، وإذا حصلت هذه التجربة
وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محال وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل وأن لا يقدموا عليه
أصلا بخلاف حال المسافرين فى البحر ، فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود، أما ههنا
غالشيطان الذى يسلم من الإحتراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة، وإذا لم يصل إلى
تلك المواضع لم يفز بالمقصود، فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل البتة، والأقرب فى الجواب
أن نقول هذه الواقعة إنما تتفق فى الندرة ، فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة بين الشياطين
والله أعلم.
﴿السؤال الثالث) قالوا دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل
مجىء النبى رقم، فان الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجىء النبى مؤ لّ بزمان طويل ذكروا ذلك
وتكلموا فى سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجىء النبى مؤيتم امتنع حمله على
مجىء النبى. رقم، أجاب القاضى بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبى مؤلفة لكنها
كثرت فى زمان النبى يتم فصارت بسبب الكثرة معجزة.

١٢٢
قوله تعالى : لا يسمعون إلا الملأ الأعلى . سورة الصَّفات .
﴿ السؤال الرابع) الشيطان مخلوق من النار، قال تعالى حكاية عن إبليس (خلقتنى من نار)
وقال ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات،
وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟ والجواب يحتمل أن الشياطين وإن كانوا
من النيران إلا أنها نيران ضعيفة، فإذا وصلت نيران الشهب إليهم، وتلك النيران أقوى حالا
منهم لاجرم صار الأقوى مبطلا للأضعف ، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا رجع فى النار القوية
فانه ينطفى. فكذلك ههنا .
﴿ السؤال الخامس) أن مقر الملائكة هو السطح الأعلى من الفلك، والشياطين لا يمكنهم
الوصول إلا إلى الأقرب من السطح الأسفل من الفلك ، فيبقى جرم الفلك مانعاً من وصول
الشياطين إلى القرب من الملائكة ، ولعل الفلك عظيم المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم ، كيف
يعقل أن تسمع الشياطين كلام الملائكة ، فإن قلتم إن الله تعالى يقوى سمع الشيطان حتى يسمع
كلام الملائكة، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان الله تعالى يقوى سمع الشيطان حتى يسمع كلام
الملائكة ، وجب أن لا ينفى سمع الشيطان، وإن كان لا يريد منع الشيطان من العمل فما القائدة
فى رميه بالرجوم ؟ (فالجواب) مذهبنا أن أفعال الله تعالى غير معللة، فيفعل الله ما يشاء ويحكم
ما يريد، ولا اعتراض لأحد عليه فى شىء من أفعاله، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب، وإذا
أضيف ما كتبناه ههنا إلى ما كتبناه فى سورة الملك ، وفى سائر الآيات المشتملة على هذه المسألة
بلغ تمام الكفاية فى هذا الباب ، والله أعلم .
وأما قوله ﴿لا يسمعون إلى الملأ الأعلى﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائى وحفص عن عاصم (لا يسمعون) بتشديد السين
والميم وأصله يتسمعون ، فأدغمت التاء فى السين لاشتراكهما فى الخمس، والتسمع تطلب السماع
يقال تسمع سمع أو لم يسمع، والباقون بتخفيف السين ، واختار أبو عبيد التشديد فى يسمعون،
قال لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ويقولون سمعت فلاناً، ولا يكادون يقولون سمعت إلى
فلان ، وقيل فى تقوية هذه القراءة إذا نفى التسمع ، فقد نفى سمعه ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى
(إنهم عن السمع لمعزولون) وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملا
الأعلى، ثم يمنعون فلا يسمعون، وللأولين أن يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين
عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضاً عن القسمع بدلالة هذه الآية، بلهو أقوی فی ردع
الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء، فان الذى منع من الاستماع فبأن يكون ممنوعاً من
السمع أولى.
المسألة الثانية ) الفرق بين قولك سمعت حدیث فلان ، وبین قولك سمعت إلى حديثه،
بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء مع الإدراك.

١٢٣
قوله تعالى : إلا من خطف الخطفة. سورة الصافات
المسألة الثالثة﴾ فى قوله ( لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) قولان (الأول) وهو المشهور
أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال (يبين الله لكم أن
تضلوا) وكما قال (رواسى أن تميد بكم) قال صاحب الكشاف: حذفأن واللام كل واحد منهما
جائز بانفراده. أما اجتماعهما فمن المنكرات التى يجب صون القرآن عنها (والقول الثانى) وهو الذى
اختاره صاحب الكشاف أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم
لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب ، مدحورون عن
ذلك المقصود .
المسألة الرابعة ﴾ الملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات. وأما الإنس والجن
فهم الملا الأسفل لأنهم سكان الأرض.
واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة (الا ولى) أنهم لا يسمعون (الثانية) أنهم يقذفون
من كل جانب دحوراً ، وفيه أبحاث:
﴿ الأول ) قد ذكرنا معنى الدحور فى سورة الأعراف عند قوله (أخرج منها مذموماً
مدحوراً) قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ابن قتيبة دحرته دحراً ودحوراً أى
دفعته وطرد ته.
﴿ البحث الثانى) فى انتصاب قوله (دحوراً) وجوه (الأول) أنه انتصب بالمصدر على
معنى يدحرون دحوراً، ودل على الفعل قوله تعالى ( ويقذفون ) ( الثانى) التقدير ويقذفون
للدحور ثم حذف اللام (الثالث) قال مجاهد دحوراً مطرودين ، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر
كالركوع والسجود والحضور .
﴿ البحث الثالث ) قرأ أبو عبد الرحمن السلمى دحوراً بفتح الدال قال الفراء كأنه قال
يقذفون يدحرون بما يدحر، ثم قال ولست أشتهى الفتح، لأنه لو وجد ذلك على صحة لكان فيها
الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون الحجارة إلا أنه جائز فى الجملة كما قال الشاعر:
تعال اللحم للأضياف نيئاً
أى تعال باللحم ( الصفة الثالثة) قوله تعالى ( ولهم عذاب واصب) والمعنى أنهم مرجومون
بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام، وذكرنا تفسير الواصب فى سورة النحل
عند قوله تعالى (وله الدين واصباً) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال الواحدى ومن فسر الواصب بالشديد
والموجع فهو معنى وليس بتفسير .
ثم قال تعالى (إلا من خطف الخطفة ) ذكرنا معنى الخطف فى سورة الحج قال الزجاج وهو
أخذ الشىء بسرعة، وأصل خطف اختطف قال صاحب الكشاف (من) فى محل الرفع بدل من الواو
فى لا يسمعون أى لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذى خطف الخطفة أى اختلس الكلمة على
۔

١٢٤
قوله تعالى : فاستفتهم أهم أشد خلقاً . سورة الصَّافات .
فَأَسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَاً إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّنْ طِينٍ لَّازِبٍ
وجه المسارقة (فأتبعه) يعنى لحقه وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضنى فى أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله
من قوله تعالى ( فأتبعه الشيطان ) وقد مر تفسيره وقوله تعالى ( شهاب ثاقب ) قال الحسن ثاقب
أى مضىء وأقول سمى ثاقباً لأنه يثقب بنوره الهواء، قال ابن عباس فى تفسير قوله (والنجم الثاقب)
قال إنه رجل (١) سمى بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿فاستفتهم أهم أشدخلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب﴾ فى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى بيان النظم أعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من هذا الكتاب
الكريم إثبات الأصول الأربعة وهى الإلهيات والمعاد والنبوة وإثبات القضاء والقدر. فنقول إنه
تعالى افتتح هذه السورة بإثبات مايدل على وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات
والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب ، فلما أحكم الكلام فى هذا الباب فرع عليها إثبات
القول بالحشر والنشر والقيامة .
واعلم أن الكلام فى هذه المسألة يتعلق بطرفين أولح) إثبات الجواز العقلى وثانيهما إثبات
الوقوع أما الكلام فى المطلوب الأول فاعلم أن الإستدلال على الشىء يقع على وجهين (أحدهما)
أن يقال إنه قدر على ماهو أصعب وأشد وأشق منه فوجب أيضاً أن يقدر عليه ( والثانى) أن
يقال إنه قدر عليه فى إحدى الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا ، فوجب أن تبقى القدرة عليه
فى الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين فى بيان أن القول بالبعث والقيامة أمر جائز ممكن.
( أما الطريق الأول) فهو المراد من قوله (فاستفتهم أهم أشد خلفاً ) والتقدير كأنه تعالى يقول
استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلفاً من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق
المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك ، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا
القسم أشق وأشد فى العرف من خلق القسم الأول ، فلما ثبت بالدلائل المذكورة فى إثبات التوحيد.
كونه تعالى قادراً على هذا القسم الذى هو أشد وأصعب، فبأن يكون قادراً على إعادة الحياة فى
هذه الأجساد كان أولى ، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى فى آخر يس (أوليس الذى خلق السموات
والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) وقوله تعالى ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق
الناس ) ( وأما الطريق الثانى ) فهو المراد من قوله ( إنا خلقناهم من طين لازب) والمعنى أن هذه
الأجسام قابلة للحياة إذ لولم تكن قابلة للحياة لما صارت حية فى المرة الأولى والإله قادر على خلق
هذه الحياة فى هذه الأجسام، ولولا كونه تعالى قادراً على هذا المعنى لما حصلت الحياة فى المرة
الأولى، ولاشك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية اللّه تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه
القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمي
(١) كذا فى الأصل ولعلى الصواب إنه يجرم، إذ لا معنى لمكونه رجلا .
.
.

١٢٥
قوله تعالى : إنا خلقناهم من طين . سورة الصّافات .
مكن ، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين وقوعه بقوله (قل نعم وأنتم داخرون)
وذلك لأنه ثبت صدق الرسول بطريتم لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن أمر
يمكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو فى غاية الحسن
والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) فى تفسير ألفاظ هذه الآية، أما قوله ( فاستفتهم ) يعنى أنه لما ثبت
بالدلائل القاطعة كونه تعالى خالقاً السموات والأرض وما بينهما فاستفت هؤلاء المنكرين وقل
لحم (أهم أشد خلقاً) أم هذه الأشياء التى بينا كونه تعالى خالقاً لها ولم يحك عنهم أنهم أقروا أن خلق
هذه الأشياء أصعب لأجل أن ظهور ذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة أن يحكى عنهم صحة أن
الأمر كذلك.
ثم قال تعالى ( إنا خلقناهم من طين لازب ) يعنى أنا لما قدرنا على خلق الحياة فى ذواتهم
أولا وجب أن نبقى قادرين على خلق الحياة فيهم ثانياً ، لما بينا أن حال القابل وحال الفاعل متنع
التغير . وفيه دقيقة أخرى وهى أن القوم قالوا كيف يعقل تولد الانسان لا من النطفة ولا من
الأبوين؟ فكأنه قيل لهم إنكم لما أقررتم بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات والأرض
وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فلا بد وأن تعترفوا بأن الإنسان الأول إنما
حدث لامن الأبوين؟ فإذا عقلتم ذلك واعترقم به فقد سقط قولكم الانسان كيف يحدث من غير
النطفة ومن غير الأبوين، وأيضاً قد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من الطين اللازب ومن
قدر على خلق الحياة فى الطين للازب فكيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات . وأما كيفية
خلق الإنسان من الطين اللازب فهى مذكورة فى السورة المتقدمة، واعلم أن هذا الوجه إنما
يحسن إذا قلنا المراد من قوله تعالى ( إنا خلقناهم من طين لازب) هو أنا خلقنا أباهم آدم من طين
لازب، وفيه وجوه أخر وهو أن يكون المراد أنا خلقنا كل إنسان من طين لازب ، وتقريره أن
الحيوان إنما يتولد من المنى ودم الطمث والمنى يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم
والدم إنما يتولد من الغذاء ، والغذاء إما حيوانى وإما نباتى أما تولد الحيوان الذى صار غذا.
فالكلام فى كيفية تولده كالكلام فى تولد الإنسان ، فثبت أن الأصل فى الأغذية هو النبات،
والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب وإذا كان الأمر كذلك فقد
ظهر أن كل الخلق متولدون من الطين اللازب، وإذا ثبت هذا فنقول إن هذه الأجزاء التى منها
تركب هذا الطين اللازب قابلة للحياة والله تعالى قادر عليها، وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء
فوجب بقاء هذه الصحة فى كل الأوقات وهذه بيانات ظاهرة واضحة ، وأما اللازب فقيل
اللاصق، وقيل اللزج وقيل الحتد، وأكثر أهل اللغة على أن الباء فى لازب بدل من الميم يقال
لازب ولازم .

١٢٦
قوله تعالى : بل عجبت ويسخرون . سورة الصَّافات .
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
قوله تعالى: ﴿ بل عجبت ويسخرون) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ تقرير الكلام أن يقال إن هؤلاء المنكرين أفروا بأنه تعالى قادر على
تكوين أشياء أصعب من إعادة الحياة الى هذه الأجساد، وقد تقرر فى صرائح العقول أن القادر على
الأشق الأشد يكون قادراً على الأسهل الأيسر، ثم مع قيام هذه الحجة البديهية بق هؤلاء الأقوام
مصرين على إنكار البعث والقيامة وهذا فى موضع التعجب الشديد فان مع ظهور هذه الحجة الجلية
الظاهرة كيف يعقل بقاء القوم على الإصرار فيه . فأنت يا محمد تتعجب من إصرارهم على الإنكار
وهم فى طرف الإنكار وصلوا إلى حيث يسخرون منك فى قولك بإثبات الحشر والنشر والبعث
والقيامه، فهذا هو المراد من قوله ( بل عجبت ويسخرون).
المسألة الثانية﴾ قرأ حمزه والكاة، (عجبت) بضم التاء والباقون بفتحها قال الواحدى
والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش وقراءة أهل الكوفة
واختيار أبى عبيدة، أما الذين قرأوا بالفتح فقد احتجوا بوجوه (الأول) أن القراءة بالضم تدل
على إسناد العجب إلى اللّه تعالى وذلك محال، لأن التعجب حالة تحصل عند الجهل بصفة الشىء
ومعلوم أن الجهل على اللّه محال ( والثانى) أن الله تعالى أضاف التعجب إلى محمد صلى الله عليه وسلم
فى آية أخرى فى هذه المسألة فقال (وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا تراباً)، (والثالث) أنه
تعالى قال ( بل مجبت ويسخرون) والظاهر أنهم إنما سخروا لأجل ذلك التعجب فلما سخروا
منه وجب أن يكون ذلك التعجب صادراً منه، وأما الذين قرأوا بضم التاء، فقد أجابوا عن الحجة
الأولى من وجوه (الأول) أن القراءة بالضم لا نسلم أنها تدل على إسناد التعجب إلى الله تعالى،
وبيانه أنه يكون التقدير قل يا محمد (بل عجبت ويسخرون) ونظيره قوله تعالي (أسمع بهم وأبصر)
معناه أن هؤلاء ما تقولون فيه أنتم هذا النحو من الكلام ، وكذلك قوله تعالى ( فما أصبرهم.
على النار ) (الثانى) سلمنا أن ذلك يقتضى إضافة التعجب إلى اللّه تعالى فلم قلتم إن ذلك محال؟
ويروى أن شريحاً كان يختار القراءة بالنصب ويقول العجب لا يليق إلا بمن لا يعلم ، قال الأعمش
فذكرت ذلك لإبراهيم فقال إن شريحاً يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم، وكان يقرأ بالضم وتحقيق
القول فيه أن نقول: دل القرآن والخبر على جواز إضافة العجب إلى اللّه تعالى، أما القرآن فقوله
تعالى ( وإن تعجب فعجب قولهم ) والمعنى وإن تعجب يا محمد من قولهم، فهو أيضاً عجب عندى،
وأجيب عنه أنه لا يمتنع أن يكون المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم ، وأما الخبر فقوله
صلى الله عليه وسلم ((عجب ربكم من إلكم وقنوطكم، ومعجب ربكم من شاب ليست له صبوة)) وإذا
ثبت هذا فنقول العجب من اللّه تعالى خلاف العجب من الآدميين كما قال (ويمكرون ويمكر

١٢٧
:
قوله تعالى : وإذا ذكروا لا يذكرون . سورة الصَّافات .
وَإِذَا ذُ كِرُواْ لَا يَذْكُونَ (*) وَ إِذَا رَأَوَاْءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ (٢٤) وَقَالُواْ إِنْ هَدِذَاً
إِلَّ ◌ِرٌ مُّبِينٌّ ◌َ أَعِذَا مِثْنَا وَكَّا تُرَابًاً وَعِظَائِمًا أَءِنَّا لَمَبْعُونُونَ () أَوَءَآبَاؤُنَا
اُلْأَوَّلُونَ ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَائِعُونَ ﴾
الله) وقال (سخر الله منهم) وقال تعالى (وهو خادعهم) والمكر والخداع والسخرية من الله تعالى
بخلاف هذه الأحوال من العباد، وقد ذكرنا أن القانون فى هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة
على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض. وكذلك ههنا من تعجب من شىء فانه يستعظمه
فالتعجب فى حق اللّه تعالى محمول على أنه تعالى يستعظم تلك الحالة إن كانت قبيحة فيترتب العقاب
العظيم عليه ، وإن كانت حسنة فيترتب الثواب العظيم عليه ، فهذا تمام الكلام فى هذه المناظرة ،
والأقرب أن يقال القراءة بالضم إن ثبتت بالتواتر وجب المصير إليها ويكون التأويل ما ذكرناه
وإن لم تثبت هذه القراءة بالتواتر كانت القراءة بفتح التاء أولى والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿وإذا ذكروا لا يذكرون. وإذا رأوا آية يستخرون، وقالوا إن هذا إلا
سحر مبين، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أبنا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون، قل نعم وأنتم
داخرون
أعلم أنه تعالى لما قرر الدليل القاطع فى إثبات إمكان البعث والقيامة حكى عن المنكرين
أشياء أولها : أن النبى صلى الله عليه وسلم يتعجب من إصرارهم على الإنكار وهم يسخرون منه
فى إصراره على الإثبات، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مع أولئك الأقوام كانوا فى غاية
التباعد وفى طرفى النقيض وثانيها قوله ( وإذا ذكروا لايذكرون)، وثالثها قوله ( وإذا رأوا
آية يستسخرون) ويجب أن يكون المراد من هذا الثانى والثالث غير الأول لأن العطف يوجب
التغاير ولأن التكرير خلاف الأصل، والذى عندى فى هذا الباب أن يقال القوم كانوا
يستبعدون الحشر والقيامة ويقولون من مات وصار تراباً وتفرقت أجزاؤه فى العالم كيف يعقل
عوده بعينه؟ وبلغوا فى هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا
كان كذلك فلا طريق إلى إزالة هذا الاستبعاد عنهم إلا من وجهين (أحدهما) أن يذكر لهم
الدليل الدال على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم: هل تعلمون أن خلق السموات والأرض
أشد وأصعب من إعاة إنسان بعد موته؟ وهل تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن
يكون قادراً على الأسهل الأيسر؟ فهذا الدليل وإن كان جلياً قوياً إلا أن أولئك المنكرين إذا
عرض على عقولهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يففون عليها، وإذا ذكروا لم يذكروها لشدة

١٢٨
قوله تعالى : وإذا رأوا آية يستسخرون . سورة الصَّافات .
بلادتهم وجهلهم ، فلا جرم لم ينتفعوا بهذا النوع من البيان .
( الطريق الثانى) أن يثبت الرسول مع اليه جهة رسالته بالمعجزات ثم يقول لما ثبت بالمعجز
كونى رسولا صادقاً من عند الله فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حق، ثم إن أولئك المنكرين
لا ينتفعون بهذا الطريق أيضاً لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على كونها سحراً
وسخروا بها واستهزؤًا منها وهذا هو المراد من قوله ( وإذا رأوا آية يستسخرون) فظهر بالبيان
الذى ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه الفوائد الجليلة .
. واعلم أن أكثر الناس لم يقفوا على هذه الدقائق، فقالوا إنه تعالى قال (بل عجبت ويسخرون).
ثم قال ( وإذا رأوا آية يستسخرون) فوجب أن يكون المراد من قوله (يستسخرون) غير
ما تقدم ذكره من قوله ( ويسخرون) فقال هذا القائل المراد من قوله (ويسخرون ) أقدامهم
على السخرية والمراد من قوله ( يستسخرون) طلب كل واحد منهم من صاحبه أن يقدم على
السخرية وهذا التكليف إنما لزمهم لعدم وقوفهم على الفوائد التى ذكرناها والله أعلم (والرابع)
من الأمور التى حكاها الله تعالى عنهم أنهم قالوا ( إن هذا إلا سحر مبين) يعنى أنهم إذا رأوا آية
ومعجزة سخروا منها ، والسبب فى تلك السخرية اعتقادهم أنها من باب السحر وقوله (مبين) معناه
أن كونه سحراً أمر بين لا شبهة لأحد فيه، ثم بين تعالى أن السبب الذى يحملهم على الاستهزاء
بالقول بالبعث وعلى عدم الإلتفات إلى الدلائل الدالة على صحة القول وعلى الاستهزاء بجميع
المعجزات هو قولهم إن الذى مات وتفرقت أجزاؤه فى جملة العالم فا فيه من الأرضية اختلط بتراب
الأرض ومافيه من المائيه والهوائية اختلط بيخارات العالم فهذا الانسان كيف يعقل عوده بعينه
حياً فاهماً ؟ فهذا الكلام هو الذى يحملهم على تلك الأحوال الثلاثة المتقدمة، ثم إنه تعالى لما حكى
عنهم هذه الشبهة قال قل يا محمد نعم وأنتم داخرون وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب
لأنه ذكر فى الآية المتقدمة بالبرهان اليقينى القطعى أنه أمر ممكن وإذا ثبت الجواز القطعى فلا
سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار الخبر الصادق، فلما قامت المعجزات على صدق محمد مؤلف كان
واجب الصدق فكان مجرد قوله ( قل نعم) دليلاً قاطعاً على الوقوع. ومن تأمل فى هذه الآيات
علم أنها وردت على أحسن وجوه الترتيب ، وذلك لأنه بين الإمكان بالدليل العقلى وبين وقوع
ذلك الممكن بالدليل السمعى ، ومن المعلوم أن الزيادة على هذا البيان كالأمر الممتنع.
أما قوله ( أو آباؤنا) فالمعنى أو تبعث آباؤنا وهذه ألف الاستفهام دخلت على حرق العطف
وقرأ نافع وابن عامر ههنا ، وفى سورة الواقعة ساكنة الواو وذكرنا الكلام فى هذا فى سورة
الأعراف عند قوله ( أو أمن أهل القرى ).
أما قوله تعالى ( قل نعم) فنقول قرأ الكسائى وحده أمم بكسر العين.
أما قوله تعالى (وأنتم داخرون) أى صاغرون، قال أبو عبيد الدخور أشد الصغار. وذكرنا
تفسير هذه اللفظة عند قوله ( سيداً لله وهم داخرون).

١٢٩
قوله تعالى : فانما هي زجرة واحدة . سورة الصَّافات .
وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُنتُم بِهَ تُكَذِبُونَ
قوله تعالى: ﴿فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون، وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ، هذا
يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون ﴾.
أعلم أنه تعالى لما بين فى الآية المتقدمة مايدل على إمكان البعث والقيامة، ثم أردفه بما يدل
على وقوع القيامة ، ذكر فى هذه الآيات بعض تفاصيل أحوال القيامة ، وأنه تعالى ذكر فى هذه
الآية أنواعاً من تلك الأحوال ( فالحالة الأولى ) قوله تعالى ( فانما هى زجرة واحدة ، فإذا هم
ينظرون) وفيه أبحاث :
﴿البحث الأول ) قوله ( فانما) جواب شرط مقدر والتقدير إذا كان كذلك فماهى إلا
زجرة واحدة.
﴿ البحث الثانى ﴾ الضمير فى قوله ( فانما هى) ضمير على شريطة التفسير، والتقدير فائها
البعث زجرة واحدة .
﴿ البحث الثالث ) الزجرة فى اللغة الصيحة التى يزجر بها كالزجرة بالنعم والابل عند الحث
ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها معنى الزجر كما فى هذه الآية وأفول
لا يبعد أن يقال إن تلك الصيحة إنما سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود فى القبور وتحثهم
على القيام من القبور والحضور فى موقف القيامة ، فإذا عرفت هذا فنقول المراد من هذه الزجرة
ما ذكره الله تعالى فى قوله ( ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) فبالنفخة الأولى يموتون
وبالنفخة الثانية يحيون ويقومون ، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ) ما الفائدة فى هذه الصيحة فان القوم فى تلك الساعة أموات لأن النفخة
جارية مجرى السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حصول حياتهم فثبت أن هذه الصيحة إنما حصلت
حال كون الخلق أمواتاً ، فتكون تلك الصيحة عديمة الفائدة فهى عبث والعبث لا يجوز فى فعل
الله ( والجواب ) أما أصحابنا فيقولون يفعل الله ما يشاء، وأما المعتزلة فقال القاضى فيه وجهان
(الأول) أن تعتبر بها الملائكة (الثانى) أن تكون الفائدة التخويف والإرهاب.
﴿ السؤال الثانى) هل لتلك الصيحة تأثير فى إعادة الحياة؟ الجواب لا، بدليل أن الصيحة
الأولى استعقبت الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن الصيحة لا أثر لها فى الموت ولا فى
الحياة، بل خالق الموت والحياة هو اللّه تعالى كما قال (الذى خلق الموت والحياة).
﴿السؤال الثالث) تلك الصيحة صوت الملائكة أو اللّه تعالى يخلقها ابتداء؟ (الجواب) الكل
الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : فانما هي زجرة واحدة . سورة الصَّافات .
جائز إلا أنه روى أن اللّه تعالى يأمر إسرافيل حتى ينادى: أيتها العظام النخرة والجلود البالية
والأجزاء المتفرقة اجتمعوا باذن الله تعالى (اللفظ الرابع) من الألفاظ المذكورة فى هذه الآية
قوله تعالى ( فإذا هم ينظرون ) فيحتمل أن يكون المراد ينظرون ما يحدث بهم ويحتمل ينظر
بعضهم إلى بعض وأن يكون المراد ينظرون إلى البعث الذى كذبوا به ( الحالة الثانية ) من وقائع
القيامة ما أخبر الله عنهم أنهم بعد القيام من القبور قالوا ( يا ويلنا هذا يوم الدين ) قال الزجاج
الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة والمقصود أنهم لما شاهدوا القيامة قالوا ( هذا يوم الدين)
أى يوم الجزاء هذا، والمقصود أن الله تعالى ذكر فى آيات كثيرة من القرآن. أنا نرى فى الدنيا
محسناً ومسيئاً وعاصياً وصديقاً وزنديقاً، ورأينا أنه لم يصل إليهم فى الدنيا ما يليق بهم من الجزاء
فوجب القول بائبات القيامة ( ليجرى الذين أساؤا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى )
وبالجملة فهذا يدل على أن الجزاء إنما يحصل بعد الموت ، والكفار وإن سمعوا هذا الدليل
القوى لكنهم أنكروا وتمردوا ثم إنه تعالى إذا أحياهم يوم القيامة فإذا شاهدوا القيامة يذكرون
ذلك اليوم ويقولون (هذا يوم الدين ) أى يوم الجزاء الذى ذكر الله الدلائل الكثيرة عليه فى
القرآن فكفرنا بها ، ونظيره أن من خوف بشىء ولم يلتفت اليه، ثم عاينه بعد ذلك فقد يقول هذا
يوم الواقعة الفلانية فكذا ههنا، وفيه احتمال آخر وهو أنه تعالى قال فى سورة الفاتحة (مالك
يوم الدين ) فبين أنه لا مالك فى ذلك اليوم إلا اللّه فقولهم هذا يوم الدين، إشارة إلى أن هذا هو
اليوم الذى لا حكم فيه لأحد إلا لله، وإنما ذكروه لما حصل فى قلوبهم من الخوف الشديد.
أما قوله تعالى ( هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون ) ففيه بحثان:
( الأول) اختلفوا فى أن هذا هل هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند قوله
تعالى ( هذا يوم الدين ). وأما قوله ( هذا يوم الفصل ) فهو كلام غيرثم، فبعضهم قال بالأول
وزعم أن قوله ( هذا يوم الفصل ) الآية من كلام بعضهم لبعض ، والأكثرون على القول الثانى
واحتجوا بوجهين: ( الأول ) أن قوله ( كنتم به تكذبون) من كلام بعضهم لبعض خطاب مع
جميع الكفار فقائل هذا القول لابد وأن يكون غير الكفار (الثانى) أن قوله (أحشروا الذين
ظلموا وأزواجهم) منسوق على قوله ( هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون) فلما كان قوله
(احشروا الذين ظلموا) كلام غير الكفار فكذلك قوله (هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون)
يجب أن يكون كلام غير الكفار، وعلى هذا التقدير فقوله (هذا يوم الدين ) من كلام الكفار ،
وقوله (هذا يوم الفصل ) من كلام الملائكة جواباً لهم، والوجه فى كونه جواباً لهم أن أولئك
الكفار، إنما اعتقدوا فى أنفسهم كونهم محقين فى إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم
محقين فى تلك الأديان الفاسدة فقالوا ( هذا يوم الدين) أى هذا اليوم الذى يصل فيه إلينا جزاء
طاعتنا وخيراتنا ، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور فى هذا اليوم فإن هذا اليوم

قوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم . سورة الصَّافات. ١٣١
أَحْتُواْ الَّذِينَ ظَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُ ونَ (٦) مِن دُونِ اللِّ فَهْدُوهُمْ
لا
إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ
يفصل فيه الجزاء الحقيقى عن الجزاء الظاهرى وتميز فيه الطاعات الحقيقية عن الطاعات المقرونة
بالرياء والسمعة فيهذا الطريق صار هذا الكلام من الملائكة جواباً لما ذكره الكفار .
قوله تعالى : ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوم إلى
صراط الجحيم) وفى الآية أبحاث:
﴿ البحث الأول﴾ اعلم أنه لا نزاع فى أن هذا من كلام الملائكة فان قيل ما معنى
( احشروا ) مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا فى محفل القيامه وقالوا ( هذا يوم الدين )
وقالت الملائكة لهم بل (هذا يوم الفضل) أجاب القاضى عنه، فقال المراد احشروهم إلى دار الجزاء
وهى النار ، ولذلك قال بعده (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) أى خذوهم إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه
ثم سأل نفسه فقال كيف يصح ذلك وقد قال بعده وقفوهم إنهم مسؤولون ومعلوم أن حشرهم إلى
الجحيم، إنما يكون بعد المسألة، وأجاب أنه ليس فى العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن
يقال احشروهم وقفوهم ، مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار، هذا ما قاله
القاضى، وعندى فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك بحيرة
تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة، ثم إن الله تعالى يقول لللائكة: احشروا الذين ظلموا
واهدوهم إلى صراط الجحيم ، أى سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم هناك وتحصل المسألة هناك
ثم من هناك يساقون إلى النار وعلى هذا التقدير فظاهر النظم موافق لما عليه الوجه .
﴿ البحث الثانى) الآمر فى قوله تعالى (احشروا الذين ظلموا) هو الله فهو تعالى أمر الملائكة
أن يحشروا الكفار إلى موقف السؤال والمراد من الحشر أن الملائكة يسوقونهم إلى ذلك الموقف.
﴿ البحث الثالث) أن الله أمر الملائكة بحشر ثلاثة أشياء: الظالمين، وأزواجهم، والأشياء
التى كانوا يعبدونها . وفيه فوائد:
﴿ الفائدة الأولى) أنه تعالى قال (احشروا الذين ظلموا) ثم ذكر من صفات الذين ظلموا
كونهم عابدين لغير الله وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر وذلك يدل على أن كل وعيد
ورد فى حق الظالم فهو مصروف إلى الكفاروما يؤكد هذا قوله تعالى (والكافرون هم الظالمون)
( الفائدة الثانية) اختلفوا فى المراد بأزواجهم وفيه ثلاثة أقوال: (الأول) المراد بأزواجهم
أشباههم أى أحزابهم ونظراؤهم من الكفر فاليهودى مع اليهودى والنصرانى مع النصرانى والذى
يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج الأشباه وجوه: (الأول) قوله تعالى (وكنتم

١٣٢
قوله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم . سورة الصَّافات .
أزواجاً ثلاثة ) أى أشكالا وأشباهاً ( الثانى) أنك تقول عندى من هذا أزواج أنى أمثال وتقول
زوجان من الخف لكون كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة سميا زوجين
لكونهما متشابهين فى أكثر أحكام النكاح وكذلك العدد الزوج سمى بهذا الاسم لكون كل واحدمن
سميه مثالا للقسم الثانى فى العدد الصحيح ، قال الواحدى فعلى هذا القول يجب أن يكون المراد بالذين
ظلموا الرؤساء لأنك لو جعلت الذين ظلموا عاماً فى كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى (القول
الثانى) فى تفسير الأزواج أن المراد قرناؤهم من الشياطين لقوله تعالى ( وإخوانهم يمدونهم فى
الغى ثم لا يقصرون). (والقول الثالث) أن المراد نساؤهم اللواتى على دينهم. أما قوله ( وما كانوا
يعبدون من دون الله) ففيه قولان: (الأول) المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان
والطواغيت، ونظيره قوله ( فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة) قيل المراد بالناس عباد
الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التى هى أحجار منحوتة ، فان قيل إن تلك الأحجار جمادات فما
الفائدة فى حشرها إلى جهنم؟ أجاب القاضى بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة فى توبيخ
الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحمي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر
عنها ذنب ، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها؟ والأقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحي تلك الأصنام
بل يتركها على الجمادية. ثم يلقيها فى جهنم لأن ذلك تما يزيد فى تخجيل الكفار ( القول الثانى)
أن المراد من قوله ( وما كانوا يعبدون من دون الله ) الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ماعبدو
فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لا ولئك الشياطين وتأكدهذا بقوله تعالى (ألم أعهد
إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان) والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق
بالعقلاء والله أعلم.
ثم قال ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) قال ابن عباس: دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته
وإنما استعملت الهداية ههنا، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة، كما قال (فبشرهم بعذاب أليم).
فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك ، وعن ابن عباس (فاهدوهم) سوقوم
وقال الأصم: قدموهم، قال الواحدى: وهذا وهم. لأنه يقال هدى إذا تقدم ومنه الهداية والهوادى
والهاديات الوحش ، قال ولا يقال هدى بمعنى قدم، ثم قال وقفوهم ، يقال وفقت الدابة إقفها
وقفاً فوقفت هى وقوفاً، والمعنى احبوهم وفى الآية قولان (أحدهما) على التقيم والتأخير، والمعنى
قفوهم واهدوهم ، والأصوب أنه لا حاجة إليه، بل كأنه قيل (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) فإذا
انتهوا إلى الصراط قيل وقفوهم، فإن السؤال يقع هناك وقوله (إنهم مسؤولون) قيل عن أعمالهم
فى الدنيا وأقوالهم، وقيل المراد سألتهم الخزنة ( ألم يأتكم رسل منكم بالبينات، قالوا بلى ولكن
حقت كلمة العذاب على الكافرين) ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ذلك وهو قوله تعالى
( مالكم لا تناصرون) أى أنهم يسألون توبيخاً لهم، فيقال ( مالكم لا تناصرون) قال ان عباس

١٣٣
قوله تعالى : بل هم اليوم مستسلمون . سورة الصَّافات .
وَقِّفُوهُمَّ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ (®) مَالَكُمْ لَا تَنَصَرُونَ (٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ
٥٠٠٠
٠٠٠١١٠٠
قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُوَنَا
V
، وَأَقْبَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَاءَلُونَ
مُسْتَسْدُونَ
عَنِ الْيَمِينِ ﴿﴾ قَالُواْبَل لَّمْ تَكُونُواْمُؤْمِنِينَ (﴾ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمِنْ
سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَلِينَ (﴾ ◌َّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنَ إِنَّا لَذَآ بِقُونَ (7)
فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَوِينَ (8) فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ إِنَّا
كَذَلِكَ نَفْعَلٌ بِالْمُجْرِ مِينَ (٣) إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
، وَيَقُولُونَ أَيَّا لَتَارِكُوَاْءَ الَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونِ (﴾ بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ
٣٥
رضى الله عنهما: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم فى الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر:
نحن جميع منتصر ، فقيل لهم يوم القيامة مالكم غير متناصرين ، وقيل يقال للكفار ما لشركاتكم
لا يمنعونكم من العذاب.
ثم قال تعالى { بل هم اليوم مستسمون﴾ يقال استسلم للشىء إذا انقاد له وخضع، ومعناه
فى الأصل طلب السلامة بترك المنازعة، والمقصود أنهم صاروا منقادين لا حيلة لهم فى دفع تلك
المضار لا العايد ولا المعبود.
ثم قال تعالى ﴿ وأقبل بعضهم على بعض) قيل هم والشياطين، وقيل الرؤساء والأتباع.
﴿يتساءلون) أى يسأل بعضهم بعضاً، وهذا التساؤل عبارة عن التخاصم وهو سؤال التبكيت
يقولون غرر تمونا ، ويقول أولئك لم قبلتم منا ، وبالجملة فليس ذلك تساؤل المستفهمين ، بل هو
تساؤل التوبيخ واللوم، والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، قالوا بل لم تكونوا مؤمنين، وما كان لنا
عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين، حق علينا قول ربنا إنا لذاتقون، فأغويناكم إنا كنا
غاوين، فانهم يومئذ فى العذاب مشتركون ، إنا كذلك نفعل بالمجرمين، إنهم كانوا إذا قيل لهم
لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون أتنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق

١٣٤
قوله تعالى : إنكم لذائقوا العذاب الأليم . سورة الصَّافات .
الْمُرْسِنَ ﴿ إِنَّكُمْ لَذَا بِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِ (﴾ وَمَاتُجْزَوْنَ إِلَّمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
المرسلين، إنكم لذائقوا العذاب الأليم، وما تجزون إلا ما كنتم تعملون، إلا عباد الله المخلصين﴾
واعلم أن الله تعالى لما حكى عنهم أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون شرح كيفية ذلك
التساؤل فقالوا (إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) وهذا قول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة، وفى تفسير
اليمين وجوه (الأول) أن لفظ اليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، وبيان كيفية
هذه الاستعارة، أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر لوجوه (أحدها) اتفاق الكل على
أن أشرف الجانبين هو اليمين (والثانى) لا يباشرون الأعمال الشريفة إلا باليمين مثل مصافحة
الأخيار والأ كل والشرب وما على العكس منه يباشرونه باليد اليسرى ( الثالث) أنهم كانوا
يتفاءلون وكانوا يتيمنون بالجانب الأيمن ويسمونه بالبارح (الرابع) أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يحب التيامن فى كل شىء (الخامس) أن الشريعة حكمت بأن الجانب الأيمن لكاتب الحسنات
والأيسر لكاتب السيئات (السادس ) أن الله تعالى وعد المحمن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسى.
أن يؤتى كتابه بيساره، فثبت أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر، وإذا كان كذلك
لا جرم، استعير لفظ اليمين للخيرات والحسنات والطاعات، فقوله (إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين)
يعنى أنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا أن مقصودكم من الدغوة إلى تلك الأديان نصرة الحق
وتقوية الصدق ( والوجه الثانى) فى التأويل أنه يقال فلان يمين فلان، إذا كان عنده بالمنزلة
الحسنة ، فقال هؤلاء الكفار لا تمتهم الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر: إنكم كنتم تخدعوتنا
وتوهمون لنا، أننا عندكم بمنزلة اليمين، أى بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم (الوجه الثالث)
أن أئمة الكفار كانوا قد حلفوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بإيمانهم
وتمسكوا بعهودهم التى عهدوها لهم، فمعنى قوله ( كنتم تأتوننا عن اليمين) أى من ناحية المواثيق
والأيمان التى قدمتموها لنا ( الوجه الرابع ) أن لفظ اليمين مستعار من القوة والقهر، لأن اليمين
موصوفة بالقهر وبها يقع البطش ، والمعنى أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر، وتقصدوننا عن
السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتغيرونا عليه، ثم حكى الله تعالى عن الرؤساء أنهم
أجابوا الأتباع من وجوه (الأول) أنهم قالوا لهم ( بل لم تكونوا مؤمنين) يعنى أنكم ما كنتم
موصوفين بالإيمان حتى يقال إنا أزلنا كم عنه (الثانى) قولهم ( وما كان لنا عليكم من سلطان) يعنى
لا قدرة لنا عليكم حتى نقهركم ونجبركم (الثالث) (بل كنتم قوما طاغين) أى ضالين غالين
فى معصية الله (الرابع) قولهم (فق علينا قول ربنا إنا لذا تقون) والمعنى أن الله تعالى لما أخبر عن

١٣٥
قوله تعالى : وما تجزون الا ما كنتم تعملون . سورة الصَّافات .
وقوعنا فى العذاب، فلو لم يحصل وقوعنا فى العذاب لما كان خبر اللّه حقاً، بل كان باطلا ، و
كان خبر الله أمراً واجباً لا جرم، كان الوقوع فى العذاب الأليم لازماً، قال مقاتل قوله تعالى
(فق علينا قول ربنا ) إشارة إلى قول الله لإبليس (لا ملان جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين)
وقوله تعالى ( إنا لذائقون) يعنى لما وجب أن يحق علينا قول ربنا وجب أن نكون ذائقين لهذا
العذاب (الخامس) قولهم (فأغوينا كم إنا كنا غاوين) والمعى أنا إنما أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا
موصوفين فى أنفسنا بالغواية، وفيه دقيقة أخرى ، كأنهم قالوا إن اعتقد تم أن غوايتكم بسبب
إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر ولزم التسلسل وذلك محال ، فعلمنا أن حصول
الغواية والرشاد ليس من قبلنا، بل من قبل غيرنا، وذلك الغير هو الذى ذكره فيما قبل ، وهو
قوله ( حق علينا قول ربنا) ولما حكى الله تعالى كلام الاتباع للرؤساء وكلام الرؤساء للأتباع
قال بعده ( فانهم يومئذ فى العذاب مشتركون) يعنى فالمتبوع والتابع والمخدوم والخادم مشتركون
فى الوقوع فى العذاب كما كانوا فى الدنيا مشتركين فى الغواية، ثم قال أيضاً (إنا كذلك نفعل
بالمجرمين ) وعنى بالمجرمين ، ههنا الكفار بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الكلمة ( إنهم كانوا إذا قيل
لهم لا إله إلا الله يستكبرون) والضمير فى قوله (إنهم ) عائد إلى المذكور السابق وهو قوله
(بالمجرمين) وهذا يدل على أن لفظ المجرم المطلق مختص فى القرآن بالكافر، ثم بين تعالى أنهم إنما
وقعوا فى ذلك العذاب لأنهم كانوا مكذبين بالتوحيد وبالنبوة، أما التكذيب بالتوحيد فهو قوله
تعالى ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) يعنى ينكرون ويتعصبون لإثبات الشرك
ويستنكفون عن الإقرار بالتوحيد . وأما التكذيب بالنبوة فهو قولهم ( أننا لتاركوا آلهتنا
الشاعر مجنون ) ويعنون محمداً، ثم إنه تعالى كذبهم فى ذلك الكلام فقال ( بل جاء بالحق وصدق
المرسلون) وتقرير هذا الكلام أنه جاء بالدين الحق لأنه ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد
والند والشريك فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعانى كان مجيئه بالدين الحق ، قرأ
ابن كثير (أينا لتاركوا آلهتنا) بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وقرأ نافع فى رواية
قالون وأبو عمرو على هذا التفسير يمدان والباقون بهمزتين بلا مدوقوله تعالى (وصدق المرسلون(١))
يعنى صدقهم فى مجيتهم بالتوحيد ونفى الشريك، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل
الأنبياء، ولما حكى الله عنهم تكذيبهم بالتوحيد والنبوة نقل الكلام من الغيبة إلى الحضور
فقال (إنكم لذائقوا العذاب الأليم) كانه قيل فكيف يليق بالرحيم الكريم المتعالى عن النفع
: والضر أن يعذب عباده فأجاب عنه بقوله ( وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) والمعنى أن الحكم
أ يقتضى الأمر بالحسن والطاعة والنهى عن القبيح والمعصية والأمر والنهى لا يكمل المقصود منهما
(١) وصدق المرسلون فى المصحف مرفوعة بالواو والنون. ولكن المفسر جرى فى تفسيره على أنها منصوبة بالياء والنون ومعنى قراءة
الرفع أن المرسلين صدقوا فى كل ما اخبروا به وإنما شدد الدال من صدق للمبالغة فى وصفهم بالصدق. وقراءة الرفع عامة تشمل جميع
الأنبياء ومنهم محمد، وأما قراءة النصب فلا تشمل نبيناعليه السلام إذ يكون الخطاب عبه .

١٣٦
قوله تعالى : أولئك لهم رزق معلوم . سورة الصَّافات.
أَوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومُ (﴾ فَوَكِهُ وَهُم مُّكُمُونَ (®) فِ جَنَّتِ النَِّمِ
٤٣
عَلَى سُرٍ مُتَقَبِنَ (*) يُطَافُ عَلَيْم ◌ِكَأْسٍ مِّنِ مَّعِينٍ (٢﴾ بَيْضَآءَ لَّةٍ لِلَّهْرِبِينَ
لَا فِهَا غَوْلُ وَلَهُمْ عَنْهَا يُنَْفُونَ (8﴾ وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ عِنْ ﴾
٤٦
كَأَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُنٌ (٦﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءُ لُونَ
إلا بالترغيب فى الثواب والترهيب بالعقاب وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه صوناً الكلام
عن الكذب ، فلهذا السبب وقعوا فى العذاب ثم قال ( إلا عباد الله المخلصين) يعنى ولكن عباد
الله [المخلصين ناجون وهو] من الاستثناء المنقطع.
قوله تعالى: ﴿أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون، فى جنات النعيم، على سرر متقابلين،
يطاف عليهم بكاس من معين ، بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وعندهم
قاصرات الطرف عين ، كأنهن بيض مكنون . فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾.
أعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه
بذكر حال المخلصين فى كيفية الثواب، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكرنا فى فتح اللام وكسرها من المخلصين قراء تين فالفتح أن الله تعالى
أخلصهم بلطقه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى.
﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوماً، ولم يبين أن أى الصفات
منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار
غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية، قال تعالى ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً)،
وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم
ورائحة ولذة وحسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذى لا يعلم متى
يحصل ولامتى ينقطع، وقيل معناه: القدر الذى يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم،
وقد بين اللّه تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقاً بين
أن ذلك الرزق ماهو فقال (فواكه) وفيه قولان (الأول) أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل
التلذذ لالاجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات
٠

١٣٧
قوله تعالى : في جنات النعيم . سورة الصَّافات .
فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ (والثانى) أن المقصود من
ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعنى لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الأدام أولى
بالحضور، والقول الأول أقرب إلى التحقيق، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل
حاصل مع الإكرام والتعليم فقال ( وهم مكرمون ) لأن الأكل الخالى عن التعظيم يليق بالبها م.
ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكهم فقال (فى جنات النعيم، على سرر متقابلين)
ومعناه أنه لا كلفة عليهم فى التلاقى للأنس والتخاطب، وفى بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب
سار السرير تحتهم، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا
كذلك إلا مع الفسحة والسعة، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأر
يقوى الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة
الشراب فقال ( يطاف عليهم بكاس من معين ) يقال للزجاجة التى فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة
نفسها كأساً قال:
وكأس شربت على لذة [وأخرى تداويت منها بها]
وعن الأخفش : كل كأس فى القرآن فهى الخمر ، وقوله (من معين) أى من شراب معين ، أو
من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أى يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمى معيناً لظهوره
يقال عان الماء إذا ظهر جارياً، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمى
معيناً لأنه يجرى ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلا من المعين وهو الماء الشديد الجرى ومنه أمعن
فى المسير إذا اشتد فيه، وقوله ( بيضاء ) صفة للخمر، قال الأخفش. خمر الجنة أشد بياضاً من
اللبن، وقوله ( لذة) فيه وجوه ( أحدها) أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال
فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة فى وصفه بهاتين الصفتين ( وثانيها ) قال الزجاج أى ذات
لذة فعلى هذا حذف المضاف ( وثالثها ) قال الليث: اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحداً فى النعت
ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى (بيضاء لذة الشاربين ) وقال تعالى ( من خمر لذة للشاربين )
ولذلك سمى النوم لذاً لاستلذاذه، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة. والأقرب من هذه الوجوه الأول.
ثم قال تعالى ( لافيها غول ) وفيه أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء، وقال أبو عبيدة
الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس :
وما زالت الكأس تغتالهم وتذهب بالأول الأول
وقال الليث: الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما فى خمر الدنيا، قال الواحدى رحمه الله
وحقيقته الإهلاك. يقال غاله غولا أى أهلكه، والغول والعائل المهلك، ثم سمى الصداع غولا.
لأنه يؤدى إلى الهلاك .
ثم قال تعالى ( ولا هم عنها ينزفون ) وقرىء بكسر الزاى قال الفراء من كسر الزاى فله معنيان
يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاى فمعناه

١٣٨
قوله تعالى : قال قائل منهم . سورة الصافات .
قَالَ قَآئِلٌ مِنْهُمْ إِ كَانَ لِ فَرِينُ (٨) يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٦) أَإِذَا
مِنْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَدِينُونَ (َ﴾ قَالَ هَلْ أَنْتُم مُطَُّونَ () فَطَعَ
فَرَءَاهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (﴾ قَالَ تَه إِنْ كِتَّ لَتُرْدِينِ (﴾ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِى
لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿ أَنَا نَحْنُ بِيِنِّ (﴾ إِلَّ مَوْنَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ
بُعَذَّبِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (* لِمِثْلِ هَذَا فَلَيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ (﴾
لا يذهب عقولهم أى لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط
نوع من أنواع الفساد التى تكون فى شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولاهم يسكرون
أيضاً، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد فى شرب الخمر، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر
عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه (الأول) قوله ( وعندهم قاصرات الطرف) ومعنى القصر
فى اللغة الحبس ومنه قوله تعالى ( حور مقصورات فى الخيام ) والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا
ينظرن إلی غیر أزواجهن.
﴿ الصفة الثانية) قوله تعالى (عين) قال الزجاج كبار الأعين حسانها واحدها عينا ..
(الصفة الثالثة) قوله تعالى (كانهن بيض مكنون) المكنون فى اللغة المستور يقال كنفت الشىء
وأ كنفته، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة، فإذا كان مكنوناً كان
مصوناً عن الغبرة والفترة ، فكان هذا اللون فى غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساءبيضات الخدور.
ولما تم اللّه صفات أهل الجنة قال (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فان قيل على أى
شىء عطف قوله ( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)؟ قلنا على قوله ( يطاف عليهم) والمعنى
يشربون ويتحادثون على الشراب قال الشاعر :
وما بقيت من اللذات إلا
محادثة الكرام على المدام
والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم فى الدنيا .
قوله تعالى: ﴿قال قائل منهم إنى كان لى قرين، يقولون أثنك لمن المصدقين، أنذا متنا وكنا تراباً
وعظاماً أثنالمدينون، قال هل أنتم مطلعون، فاطلع فرآه فى سواء الجحيم، قال قاته إن كدت لتردين،
ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين، أما نحن بميتين ، إلا موتتنا الأولى ومانحن بمعذبين، إن هذا
لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ فى الآية مسائل:
﴿المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى كما ذكر فى أهل الجنة أنهم يتساءلون عند الاجتماع على
٠
:

قوله تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون . سورة الصَّافات. ١٣٩
شرب خمر الجنة فان حادثة العقلاء بعضهم مع بعض على الشرب من الأمور اللذيذة، وتذكر
الخلاص عند اجتماع أسباب الهلاك من الأمور اللذيذة، ذكر تعالى فى هذه الآية أن أهل الـة
إذا اجتمعوا على الشرب وأخذوا فى المكالمة والمساءلة كان من جملة تلك الكلمات أنهم يتذكرون
أنهم كان قد حصل لهم فى الدنيا ما يوجب لهم الوقوع فى عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا
بالسعادة الأبدية، والمقصود من ذكر هذه الأشياء أن أهل الجنة يتكامل سرورهم وبهجتهم.
أما قوله ( قال قائل منهم إنى كان لى قرين ) أى قال قائل من أهل الجنة إنى كان لى قرين فى
الدنيا ( يقول أثنك لمن المصدقين) أى كان يوبخنى على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجباً
(أنذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أثنا لمدينون) أى لمحاسبون ومجازون، والمعنى أن ذلك القرين كان
يقول هذه الكلمات على سبيل الاستنكار . ثم إن ذلك الرجل الذى هو من أهل الجنة يقول لجلسائه
يدعوهم إلى كمال السرور بالاطلاع إلى النار لمشاهدة ذلك القرين ومخاطبته (هل أنتم مطلعون، فاطلع)
والأقرب أنه تكلف أمراً اطلع معه لأنه لو كان مطلعاً بلا تكلف لم يكن إلى اطلاعه حاجة فلذلك
قال بعضهم إنه ذهب إلى بعض أطراف الجنة فاطلع عندها إلى النار (فرآه فى سواء الجحيم) أى فى
وسط الجحيم قال له موجهاً (تالله إن كدت لتردين ) أى لتهلكنى بدعائك إياى إلى إنكار البعث
والقيامة (ولولا نعمة ربى) بالإرشاد إلى الحق والعصمة عن الباطل (لكنت من المحضرين) فى النار
مثلك ، ولما تم ذلك الكلام مع الرجل الذى كان فى الدنيا قريناً له وهو الآن من أهل النار عاد
إلى مخاطبة جلسائه الذين هم من أهل الجنة فقال ( أفما نحن بميتين ) وفيه قولان (الأول ) أن أهل
الجنة لا يعلمون فى أول دخولهم فى الجنة أنهم لا يموتون ، فاذا جىء بالموت على صورة كبش أملح
وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون فلعل هذا الكلام حصل قبل ذبح الموت ( والثانى) أن
الذى يتكامل خيره وسعادته فإذا عظم تعجبه بها قد يقول أيدوم هذا لى؟ أفيبقى هذا لى؟ وإن كان
على يقين من دوامه ، ثم عند فراغهم من هذه المباحثات يقولون (إن هذا لهو الفوز العظيم)
وأما قوله ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) فقيل إنه من بقية كلامهم، وقيل إنه ابتداء كلام من
الله تعالى أى لطلب مثل هذه السعادات يجب أن يعمل العاملون.
المسألة الثانية﴾ قال بعضهم المراد من هذا القائل ومن قرينه ماذكره الله تعالى فى سورة
الكهف فى قوله ( واضرب لهم مثلا رجلين ) إلى آخر الآيات، وروى أن رجلين كانا شريكين
فصل لها ثمانية آلاف دينار فقال أحدهما للآخر أقاسمك فقاسمه واشترى داراً بألف دينار
فأراها صاحبه وقال كيف ترى حسنها فقال ما أحسنها نخرج وقال اللهم إن صاحبى هذا قد ابتاع
هذه الدار بألف دينارو إنى أسألك داراً من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج
بامرأه حسناء بألف دينار فتصدق هذا بألف دينار لأجل أن يزوجه الله من الحور العين، ثم إن
صاحبه اشترى بساتين بألفى دينار فتصدق هذا بألفى دينار ، ثم إن الله أعطاه فى الجنة ما طلب

١٤٠
قوله تعالى : أذلك خير نزلا . سورة الصَّافات .
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُلًا أَمْ تَجَرَةُ الَّقْوِمِ ﴾ إِنَّا جَعَلْنَلِهَا فِتْنَةً لِلْظَّالِينَ ﴾ إِنَّهَ
، فَإِنَّهُمْ
٦٥
طَلْعُهَا كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِيزِ
تَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِ أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴾
لَ كِلُونَ مِنْهَ فَلِعُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦﴾ ثُمَّإِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَثَوْبًا مِنْ حَيَِ
ثُمَّإِنَّ مَّرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾ ◌ِنَّهُمْ أَلْفَوْأَءَ ابَآءُهُمْ ضَآلِينَ (8﴾ فَهُمْ
فعند هذا قال ( إنى كان لى قرين - إلى قوله - فاطلع فرآه فى سواء الجحيم ).
المسألة الثالثة﴾ قوله ( أمنك لمن المصدقين، أئذا متنا وكناتراباً وعظاماً أثنا لمدينون)
اختلف القراء فى هذه الاستفهامات الثلاثة قرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير ممدودة
والثالثة بكسر الألف من غير استفهام، ووافقه الكسائى إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وقرأ
ابن عامر الأولى والثالثة بالاستفهام بهمزتين والثانية بكسر الألف من غير استفهام، وقرأ الباقون
بالاستفهام فى جميعها. ثم اختلفوا فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة
خفيفة ، وأبو عمرو مطولة، وعاصم وحمزة بهمزتين.
وأما قوله ( إن كدت لتردين) قرأ نافع برواية ورش لتردينى بإثبات الياء فى الوصل
والبافون بحذفها.
المسألة الرابعة﴾ احتج أجابنا على أن الهدى والضلال من الله تعالى بقوله تعالى ( ولولا
نعمة ربى لكنت من المحضرين) وقالوا مذهب الخصم أن كل ما فعله الله تعالى من وجوه الإنعام
فى حق المؤمن فقد فعله فى حق الكافر ، وإذا كان ذلك الإنعام مشتركا فيه امتنع أن يكون سياً
محمول الهداية للمؤمن. وأن يكون سباً لخلاصه من الكفر والردى فوجب أن تكون تلك
النعمة المخصوصة أمراً زائداً على تلك الإنعامات التى حصل الاشتراك فيها ، وما ذلك إلا بقوة
الداغى إلى الإيمان وتكميل الصارف عن الكفر.
[ المسألة الخامسة﴾ احتج نفاة عذاب القبر بقول الرجل الذى من أهل الجنة (أفانحن
بميتين إلا موتتنا الأولى) فهذا يدل على أن الإنسان لا يموت إلا مرة واحدة ولو حصلت الحياة
فى القبر لكان الموت حاصلا مرتين ( والجواب) أن قوله ( إلا موتتنا الأولى) المراد منه كل
ما وقع فى الدنيا والله أعلم
قوله تعالى: ﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج فى
أصل الجحيم. طلعها كأنه رءوس الشياطين، فإنهم لآ كلون منها فمالتون منها البطون. ثم إن لهم عليها