Indexed OCR Text
Pages 41-60
: ٤١ قوله تعالى : على صراط مستقيم . سورة يس . عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ المسألة الأولى ﴾ الكفار أنكروا كون محمد مرسلا والمطالب تثبت بالدليل لا بالقسم فا الحكمة فى الإقسام؟ نقول فيه وجوه (الأول ) هو أن العرب كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون إن اليمين الفاجرة توجب خراب العالم وصمح النبى مؤتم ذلك بقوله «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع)) ثم إنهم كانوا يقولون إن النبى محمد لتم يصيبه من آلهتهم عذاب وهى الكواكب فكان النبي ◌َّالتّم يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه وبأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأناً وأمنع مكاناً فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب (الثانى) هو أن المتناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المطلوب إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير فى نفسك بضعف مقالك وتعلم أن الأمرليس كما تقول وإن أقمت عليه صورة دليل وحجزت أنا عن القدح فيه، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتى هو بدليل آخر ، لأن الساكت المنقطع يقول فى الدليل الآخر ما قاله فى الأول فلا يجد أمراً إلا اليمين، فيقول والله إنى لست مكابراً وإن الأمر على ما ذكرت ولو علمت خلافه لرجعت إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبى عليه لما أقام البراهين وقالت الكفرة (ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم) (وقالوا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) تعين التمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل (الثالث) هو أن هذا ليس مجرد الحلف، وإنما هو دليل خرج فى صورة اليمين لأن القرآن معجزة ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك فان قيل فلم لم يذكر فى صورة الدليل ؟ وما الحكمة فى ذكر الدليل فى صورة المين؟ قلنا الدليل أن ذكره فى صورة اليمين قدلا يقبل عليه سامع فلا يقبله فؤاده فاذا ابتدى به على صورة اليمين واليمين لا يقع لا سيما من العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعى على الإصغاء إليه فلصورة اليمين تشرئب إليه الأجسام ، ولكونه دليلا شافياً يتشربه الفؤاد فيقع فى السمع وينفع فى القلب . ﴿ المسألة الثانية﴾ كون القرآن حكيما عندهم لكون محمد رسولا، فلهم أن يقولوا إن هذا ليس بقسم ، نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن كون القرآن معجزة بين إن أنكروه قيل لهم فأتوا بسورة من مثله (زالثانى) أن العاقل لا يثق بيمين غيره إلا إذا حلف بما يعتقد عظمته ، فالكافر إن حلف بمحمد لأنصدقه كما نصدقه لو حلف بالصليب والصنم ، ولو حلف بديننا الحق لا يوثق بمثل ما يوثق به لو حلف بدينه الباطل وكان من المعلوم أن النبي صَّ الهم وأصحابه يعظمون القرآن خلفه به هو الذی یوجب ثقتهم به . ٤٢ قوله تعالى : تنزيل العزيز الرحيم . سورة يس . لُِذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد والذين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى عن غيره والمقصد هو الله والمتوجه إلى المقصد أقرب إليه من المولى عنه والمتحرف منه ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم يميز له عن غيره كما يقال إن محمداً من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم، وإنما المقصود بيان كون النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم الذى يكون عليه المرسلون وقوله ( على صراط مستقيم) فيه معنى لطيف يعلم منه فساد قول المباحية الذين يقولون المكلف يصير واضلا إلى الحق فلا يبقى عليه تكليف وذلك من حيث إن الله بين أن المرسلين ما دامو فى الدنيا فهم سالكون سائحون مهتدون منتهجون إلى السبيل المستقيم فكيف ذلك الجاهل العاجز. قوله تعالى: ﴿تنزيل العزيز الرحيم) قرى. بالجر على أنه بدل من القرآن كأنه قال (والقرآن الحكيم، تنزيل العزيز الرحيم، إنك لمن المرسلين لتنذر) وقرىء بالنصب وفيه وجهان (أحدهما) أنه مصدر فعله منوى كأنه قال نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر ويكون تقديره نزل القرآن أو الكتاب الحكيم ( والثانى) أنه مفعول فعل منوى كأنه قال والقرآن الحكيم أعنى تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر، وهذا ما اختاره الزمخشرى وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ منوى كأنه قال هذا تنزيل العزيز الرحيم لتنذر و يحتمل وجهاً آخر على هذه القراءة وهو أن يكون مبتدأ خبره لتنذر كأنه قال تنزيل العزيز للانذار وقوله (العزيز الرحيم) إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولا فالمرسل إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويهينوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزاً أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك، أو نقول المرسل يكون منه فى رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة . قوله تعالى : ﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون﴾. قد تقدم تفسيره فى قوله ( لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ) وقيل المراد الإثبات وهو على وجهين (أحدهما ) لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم، فتكون ما مصدرية (الثانى) أن تكون موصولة معناه : لتذر قوماً الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فان من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلا، وعلى قولنا هى الاثبات كذلك لأن معناه لتذرهم إنذار آباتهم فانهم غافلون، وفيه مسائل: المسألة الأولى) كيف يفهم التفسير أن وأحدهما يقتضى أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضى أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟ نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آباتهم الأولين لا ينافى أن يكون المتقدمون من آباتهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين . . ٤٣ قوله تعالى : لقد حق القول على أكثرهم . سورة يس . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَ أَكْثَرِ هِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ المسألة الثانية) قوله ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم) يقتضى أن لا يكون النبى صلى الله عليه وسلم مأموراً بانذار اليهود لأن آباءهم أنذروا. نقول ليس كذلك، أما على قولنا ما للاثبات لا للنفى فظاهر ، وأما على قولنا هى نافية فكذلك ، وقد بينا ذلك فى قوله تعالى (بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ) وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فان الله إذا أرسل رسولا فما دام فى القوم من يبين دين ذلك النبى ويأمر به لا يرسل الرسول فى أكثر الأمر. فاذا لم يبق فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولا آخر مقرراً لدين من كان قبله أو واضعاً لشرع آخر ، فمعنى قوله تعالى ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ) أى ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ماضلوا ، فهذا دليل على كون النى صلى الله عليه وسلم مبعوثاً بالحق إلى الخلق كافة . المسألة الثالثة ) قوله ( فهم غافلون) دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة ويخالفونه فق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيباً من قبل أن يبعث الله رسولا، وكذلك من خالف الأمور التى لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة ، وليس هذا قولا بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلى بل معناه أن اللّه تعالى لو خلق فى قوم علماً بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون نغافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل . قوله تعالى : ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ لما بين أن الإرسال أو الإنزال الانذار، أشار إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم ليس عليه الهداية المستلزمة للاهتداء، وإنما عليه الإنذار وقد لا يؤمن من المنذرين كثير وفى قوله تعالى ( لقد حق القول) وجوه ( الأول) وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى (حق القول منى لأملأن جهنم منك ومن تبعك)، (الثانى) هو أن معناه لقد سبق فى علمه أن هذا يؤمن وأن هذا لا يؤمن فقال فى حق البعض أنه لا يؤمن ، وقال فى حق غيره أنه يؤمن (حق القول) أى وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره ( الثالث) هو أن يقال المراد منه لقد حق القول الذى قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك لأن من يتوقف لاستماع الدليل فى مهلة النظر يرجى منه الايمان إذا بان له البرهان ، فإذا تحقق وأكد بالإيمان ولم يؤمن أكثرهم فأكثرهم تبين أنهم لا يؤمنون لمضى وقت رجاء الايمان ولأنهم لما لم يؤمنوا عند ماحق القول واستمروا فإن كانوا يريدون شيئاً أوضح من البرهان فهو العيان ٤٤ قوله تعالى : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا . سورة يس . إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَفِهِمْ أَعْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (2) وعند العيان لا يفيد الإيمان، وقوله (على أكثرهم) على هذا الوجه معناه أن من لم تبلغه الدعوة والبرهان قليلون فق القول على أكثر من لم يوجدمنه الإيمان وعلى الأول والثانى ظاهر فان أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا ( وفيه وجه رابع) وهو أن يقال لقد حقت كلمة العذاب العاجل على أكثرهم فهم لا يؤمنون وهو قريب من الأول . قوله تعالى : ﴿ إنا جعلتا فى أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون لما بين أنهم لا يؤمنون بين أن ذلك من اللّه فقال (إنا جعلنا) وفيه وجوه ١ أحدها) أن المراد إنا جعلناهم مسكين لا ينفقون فى سبيل الله كما قال تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك) ( والثانى) أن الآية نزلت فى أبى جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد ، فرآه ساجداً فأخذ صخرة ورفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده ويده بعنقه . ( والثالث) وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام؟ نقول: (الوجه الأول ) له مناسبة وهى أن قوله تعالى (فهم لا يؤمنون) يدخل فيه أنهم لا يصلون كما قال تعالى ( وما كان الله ليضيع إيمانكم) أى صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة على مايدنا فكأنه قال لا يصلون ولا يزكون ، وأما على الوجه الثانى فمناسبة خفية وهى أنه لما قال ( لقد حق القول على أكثرهم) وذكرنا أن المراد به البرهان قال بعد ذلك بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من إرسال الحجر وهو يضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا والتفسير هو الوجه الثالث. ﴿ المسألة الثانية ﴾﴾ قوله (فهى) راجعة إلى ماذا؟ نقول فيها وجهان (أحدهما) أنها راجعة إلى الأيدى وإن كانت غير مذكورة ولكنها معلومة لأن المغلول تكون أيديه مجموعة فى الغل إلى عنقه ( وثانيهما) وهو ما اختاره الزمخشرى أنها راجعة إلى الأغلال، معناه إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ. رأسه. المسألة الثالثة ﴾. كيف يفهم من الغل فى العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كتابة فنقول المعلول الذى بلغ الغل إلى ذقنه وقى مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذى عند قدمه وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن خلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذى يهديه النى إلى الصراط المستقيم العقلى جعل ممنوعا كالمغلول الذي يجعل ممنوعامن إبصار الطريق الحسى، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق ٤٥ قوله تعالى : وجعلنا من بین أيديهم سندا . سورة يس . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ عبارة عن عدم الانقياد فان المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذى فى رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطىء رأسه ولا يحركه تحريك المصدق، ويصدق هذا قوله (مقمحون ) فان المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبى يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الذى به الحياة وكأنه تعالى قال (إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهم مقمحون ) لا يخضعون الرقاب لأمر الله . وعلى هذا فقوله تعالى ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ يكون متمماً لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله (وجعلنا من بين أيديهم سداً) إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصررن الحق فينقادون له لمكان الغل والإيمان المورث للايقان. أما باتباع الرسول أولا فتلوح له الحقائق ثانياً وإما بظهور الأمور أولا واتباع الرسول ثانياً، ولا يتبعون الرسول أولا لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانياً ، ولا يظهر لهم الحق أولا لأنهم واقعون فى السد فلا يتبعون الرسول ثانياً (وفيه وجه آخر) وهو أن يقال المانع، إما أن يكون فى النفس، وإما أن يكون خارجاً عنها ، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما فى النفس فالغل , وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التى فى أنفسهم كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم) وذلك لأن المقمح لايرى نفسه ولا يقع بصره على يديه ، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التى فى الآفاق وعلى هذا فقوله ( إنا جعلنا فى أعناقهم) (وجعلنا من بين أيديهم) إشارة إلى عدم هدایتهم لآيات الله فى الأنفس والآفاق، وفى تفسير قوله تعالى( وجعلنا من بين أيديهم سداً ) مسائل : المسألة الأولى ﴾ السد من بين الأيدى ذكره ظاهر الفائدة فانهم فى الدنيا-الكون وينبغى أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (ومن بين أيديهم سداً) فلا يقدرون على السلوك، وأما السدمن خلفهم، فما الفائدة فيه ؟ فنقول الجواب عنه من وجوه: (الاول) هو أن الانسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدر كها فكأنه تعالى يقول (جعلنا من بين أيديهم سدا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التى هى نظرية ( وجعلنا من خلفه: سداً ) فلامر جفون إلى الهداية الجبلية التى هى الفطرية (الثانى) هو أن الانسان صبدأه من الله و مصيره البه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من ٤٦ قوله تعالى : وسواء عليهم أأنذرتهم . سورة يس . وَسَوَاء عَلَيْهِمْ ◌َأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ المصر إلى الله ولا ما خلفه من الدخول فى الوجود بخلق الله (الثالث) هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فان انسد الطريق الذى قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذى هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله (وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم ) إشارة إلى إهلاكهم . المسألة الثانية) قوله تعالى (فأغشيناهم) بحرف الفاء يقتضى أن يكون الاغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟ فنقول ذلك من وجهين (أحدهما) أن يكون ذلك بياناً لأمور مترتبة يكون بعضها سباً للبعض فكأنه تعالى قال (إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا) فلا يبصرون أنفسهم لإقاحهم ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً) فلا يبصرون ما فى الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله ( وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئاً أصلا (وثانيهما) هو أن ذلك بيان لكون السد قريباً منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فان من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئاً؛ أما غير السد فالحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئى أن لا يكون قريباً من العين جداً . المسألة الثالثة﴾ ذكر السدين من بين الأيدى ومن خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟ فنقول، أما على قولنا إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر، وأما على غير ذلك فنقول بما ذكر حصل العموم والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة، لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شىء ومولين عن شىء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفها يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً (ووجه آخر) أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للاغشاء كان السد ملتزقاً به وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال وقوله تعالى ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون) يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد. فيظن أنه على الطريقة المستقيمة ، وغير ضال . ثم إنه تعالى بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد والإغشاء والإعماء. بقوله تعالى ﴿ وسواء عليهم النذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) أى الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين ، فان قيل إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار؟ نقول قد أجبنا فى غير هذا الموضع أنه تعالى قال (سواء عليهم) وما قال سواء ٤٧ قوله تعالى : إنما تنذر من أتبع الذكر . سورة يس . إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ أَتَبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الَّْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَبْرٍ عليك فالإنذار بالنسبة إلى التى تؤلتم ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب فى زيادة سيادته عاجلا وسعادته آجلا، وأما بالنسبة اليهم على السواء فانذار التى تؤلم ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار فى دار القرار. قوله تعالى: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم﴾ والترتيب ظاهر وفى التفسير مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضى الانذار العام على مابينا وقال (إنما تنذر) وهو يقضى التخصيص فكيف الجمع بينهما؟ نقول من وجوه: (الأول) هو أن قوله ( لتنذر) أى كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن وقوله ( إنما تنذر) أى الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويختى (الثانى) هو أن اللّه تعالى لما قال إن الارسال والانزال، وذكر أن الانذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول يا محمد إنك بإنذارك تهدى ولا تدرى من تهدى فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك (الثالث) هو أن نقول قوله (لتنذر) أى أولا فاذا أنذرت وبالغت وبلغت واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى ، فأعرض بعد ذلك فانما تنذر الذين اتبعوك (الرابع) وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول، وإنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن . ﴿ المسألة الثانية) قوله (من اتبع الذكر) يحتمل وجوهاً (الأول) وهو المشهور من أتبع القرآن ( الثانى) من اتبع ما فى القرآن من الآيات ويدل عليه قوله تعالى (والقرآن ذى الذكر) فما جعل القرآن نفس الذكر (الثالث ) من اتبع البرهان فانه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه: إنما تنذر العلماء الذين يخشون وهو كقوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وكقوله تعالى ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقوله (اتبع الذكر) أى آمن، وقوله ( وخشى الرحمن) أى عمل صالحاً وهذا الوجه يتأيد بقوله ( فبشره بمغفرة وأجر كريم ) لأنا ذكر نامراراً أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور والأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم) وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف واللام، وقد تقدم ذكر القرآن فى قوله تعالى (والقرآن الحكيم) وقوله (وخشى الرحمن) فيه لطيفة وهى أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل ٤٨ قوله تعالى : إنا نحن نحيي الموتى ونكتب . سورة يس . إِنَّا نَحْنُ نُحِي الْمَوَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَا ثَرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فى إِمَامِ مُبِینٍ COF لا ينبغى أن يترك الخشية فان كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة (وتكملة اللطيفة) هى أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) حتى قال بعض الأئمة هما علمان إذا عرفت هذا فالله اسم ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبى. عن العاطفية فقال فى موضع يرجو الله، وقالههنا (وخشى الرحمن) يعنى مع كونه ذاهيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه، وقوله (بالغيب) يعنى بالدليل وإن لم يفته إلى درجة المرئى المشاهد فأن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى الخشية فائدة ، والمشهور أن المراد بالغيب ما غاب عنا وهو أحوال القيامة ، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه، وقوله ( فبشره) فيه إشارة إلى الأمر الثانى من أمرى الرسالة فإن النبى صلى الله عليه وسلم بشير ونذير وقد ذكر أنه أرسل لينذر وذكر أن الانذار النافع عند اتباع الذكر ، فقال بشر: كما أنذرت ونفعت، وقوله ( بمغفرة) على التنكير أى بمغفرة وأسعة تستر من جميع الجوانب حتى لايرى عليه أثر من آثار النفس ويظهر عليه أنوار الروح الزكية (وأجر كريم) أى ذى كرم، وقد ذكرنا مافى الكريم فى قوله (ورزق كريم) وفى قوله (ورزقا كريما). قوله تعالى: ﴿ إنا نحن نحى الموتى ونكتب ماقدموا وآثارهم وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين ﴾ فى الترتيب وجوه (أحدها ) أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التى يصير بها المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلا آخر وهو الحشر (وثانيها) وهو أن الله تعالى لما ذكر الاتذار والبشارة بقوله ( فبشره بمغفرة) ولم يظهر ذلك بكاله فى الدنيا فقال إن لم ير فى الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزى المنذزين ويجزى المبشرين (وثالثها) أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفى التفسير مسائل : المسألة الأولى﴾ (إنا نحن) يحتمل وجهين (أحدهما ) أن يكون مبتدأ وخبراً كقول القائل : أنا أبو النجم وشعرى شعرى ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة ، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت ؟ فيقول أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهوراً إذا قيل له من أنت يقول أنا أى لامعرف لى أظهر من نفسى فقال إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى (وثانيهما) أن يكون الخير (نحيى) كأنه قال إنا نحى الموتى، و(نحن) يكون تأكيداً والأول أولى. : ٤٩ قوله تعالى : ونكتب ما قدموا وآثارهم . سورة يس . المسألة الثانية) إنا نحن فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فان زيداً إذا شاركه غيره فى الاسم ، فلو قال أنا زبد لم يحصل التعريف التام . لأن السامع أن يقول: أيما زيد؟ فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفى قوله ابن عمرو . فلما قال اللّه (إنا نحن) أى ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز، وحيئذ قصير الأصول الثلاثة مذكورة؛ الرسالة والتوحيد والخشر. المسألة الثالثة﴾ قوله ( وتكتب ماقدموا) فيه وجوه (أحدها ) المراد ماقدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما فى قوله تعالى (سرابيل تقيكم الحر) والمراد والبرد أيضاً (وثانيها ) المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى (بما قدمت أيديهم) أى بما قدمت فى الوجود على غيره وأوجدته ( وثالثها) نكتب نيانهم فانها قبل الأعمال وآثارهم أى أعمالهم على هذا الوجه . ﴿ المسألة الرابعة﴾ وآثارهم فيه وجوه (الأول ) آثارهم أقدامهم فان جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى اللّه عليه وسلم (( إن الله يكتب خطواتكم وينيكم عليه فالزموا بيوتكم)) (والثانى) هى السنن الحسنة ، كالكتب المصنفة والقناطر المبنيه، والحبائس الدارة، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التى وضعها ظالم والكتب المضلة، وآلات الملاهى وأدوات المناهى المعمولة الباقية، وهو فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شىء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزرمن عمل بها)) فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها (والثالث ) ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فان النية قبل العمل ﴿ المسألة الخامسة﴾ الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر فى الذكر حيث قال نحى ونكتب ولم يقل نكتب ماقدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة فى نفسها إن لم تكن إخياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الاحياء ولأنه تعالى لما قال ( إنا نحن ) وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء عظيم يختص باللّه والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله ( وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين) يحتمل وجوهاً (أحدها ) أن يكون ذلك بياناً لكون ماقدموا وآثارهم أمراً مكتوباً عليهم لا يبدل ، فان القلم جف بما هو كائن فلما قال (نكتب ما قدموا) بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه ( وثانيها) أن يكون ذلك مؤكدا لمعنى قوله (ونكتب) لأن من يكتب شيئاً فى أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال نكتب ونحفظ ذلك فى إمام مبين وهذا كقوله تعالى (علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ر، ولا ينسى ) ( وثالثها ) أن يكون ذلك تعميما بعد الفخر الرازي - ج ٢٦ م ٤ قوله تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية . سورة يس . وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَ هَا الْمُرْسَلُونَ التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه ، بل كل شىء محصى فى إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته، وهذا كقوله تعالى ( وكل شىء فعلوه فى الزبر، وكل صغير وكبير مستطر ) يعنى ليس ما فى الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شىء فعلوه مكتوب، وقوله ( أحصيناه) أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده فقال هو محصى فيه وسمى الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ، وإمام جاء جمعاً فى قوله تعالى (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) أى بأتمتهم وحينئذ فإمام إذا كان فرداً فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعاً فهو كجمال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهراً للملائكة ما يفعلون والناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقاً فى الجنة وفريقاً فى السعير. قوله تعالى : ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القريه إذ جاءها المرسلون﴾ وفيه وجهان، والترتيب ظاهر على الوجهين (الوجه الأول) هو أن يكون المعنى واضرب لأجلهم مثلا ( والثانى ) أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلا أى مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية وعلى الأول نقول لما قال اللّه (إنك لمن المرسلين) وقال (لتنذر) قال قل لهم ( ما كنت بدءاً من الرسل ) بل قبلى بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكموذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة، وعلى الثانى نقول لما قال الله تعالى إن الانذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال النبى عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلا، أى مثل لهم عند نفسك مثلا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء، وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤا قرية وأنت بعثت إلى العالم، وفى التفسير مسائل: المسألة الأولى﴾ ما معنى قول القائل ضرب مثلا؟ وقوله تعالى (وأضرب) مع أن الضرب فى اللغة، إما إمساس جسم جسما بعنف، وإما السير إذا قرن به حرف فى كقوله تعالى (إذا ضربتم فى الأرض)؟ نقول قوله ضرب مثلا معناه مثل مثلا، وذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أى اجعل هذا وذاك من ضرب واحد. ﴿ المسألة الثانية ﴾ أصحاب القرية، معناه وأضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه فى الإعراب كقوله ( واسأل القرية) هذا قول الزمخشرى فى الكشاف، ويحتمل أن يقال لا حاجة إلى الاضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم. ﴿المسألة الثالثة) إذ جاءها المرسلون، إذ منصوبة لأنها بدل من أصحاب القرية كأنه قال تعالى ٠٫٠ ٥١ قوله تعالى : إذا أرسلنا إليهم . سورة يس . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ (واضرب لهم) وقت مجىء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقت مجيئك ، وهذا أيضاً قول الزمخشرى وعلى قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس محمد صلى الله عليه وسلم تسلية فيحتمل أن يقال إذظرف منصوب بقوله (اضرب) أى اجعل الضرب، كأنه حين مجيتهم وواقع فيه ، والقرية أنطاكية والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة كما بين اللّه تعالى وقوله ( إذ أرسلنا) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون إذ أرسلنا بدلا من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم مثلا ، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين (وثانيهما) وهو الأصح والأوضح أن يكون إذ ظرفا والفعل الواقع فيه جاءها أى جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم أى لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما جاءوهم حيث أمروا، وهذا فيه لطيفة: وهى أن فى الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطا كية فقال تعالى إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول رسولالله بإذنالله رسول الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وأنت رسول الله فإن تكذيهم كتكذيبك فتم التسلية بقوله (إذأرسلنا) وهذا يؤيد مسألة فقهية وهى أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل لاوكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وهذا على قولنا ( واضرب لهم مثلا ) ضرب المثل لأجل محمد بَرِّ ظاهر . وقوله ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما} فى بعثة الاثنين حكمة بالغة وهى أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى باذن اللّه فكان عليهما انها. الأمر إلى عيسى والإتيان بما أمر الله، والله عالم بكل شىء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، وأما عيسى فهو بشر فأمره الله بارسال اثنين ليكون قوله) على قومهما عند عيسى حجة تامة. وقوله ﴿فعززنا بثالث﴾ أى قوينا وقرى. فعززنا بثالث مخففاً، من عز إذا غلب فكانله قال فغلبنا نحن وقهرنا بثالث والأول أظهر وأشهر وترك المفعول حيث لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لانصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين ، وفيه مسائل: و المسألة الأولى) النبى صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الأطراف واكتفى بواحد وعيسى عليه السلام بعث اثنين ، نقول النى بعث لتقرير الفروع وهودون الأصول فاكتفى بواحد فان خبر الواحد فى الفروع مقبول ، وأما هما فبعثا بالأصول وجعل لهما معجزة تفيد اليقين وإلا لما كفى إرسال اثنين أيضاً ولا ثلاثة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الله تعالى لموسى عليه السلام (سنشد عضدك) فذكر المفعول هناك ولم يذكرهههنا مع أن المقصود هناك أيضاً نصرة الحق،نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هرون ٥٢ قوله تعالى : قالوا ما أنتم الا بشراً مثلنا . سورة يس . إِنَّ إِلَيْكُمُرْ سَلُونَ (3) قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الَّْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (٤) قَالُواْ رَبَّا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وهرون بعث معه بطلبه حيث قال ( فأرسله معى ) فكان هرون مبعوثاً ليصدق موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هرون ، وأما ههنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق . ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ماجرى من محمد بَ يّه وعليه فقالوا ﴿إنا إليكم مرسلون) كما قال ( إنك لمن المرسلين) وبين ما قال القوم بقوله ﴿ قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شىء ) جعلوا كوبهم بشراً مثلهم دليلا على عدم الإرسال، وهذا عام من المشركين قالوا فى حق محمد (أأنزل عليه الذكر) وإنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا فى الله الاختيار، وإنما قالوا فيه إنه موجب بالذات وقد استوينا فى البشرية فلا يمكن الرجحان ، والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالته) وبقوله (اللّه يحتى إليه من يشاء) إلى غير ذلك، وقوله ( وما أنزل الرحمن من شىء) يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون متما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة. ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزاتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحداً، فكيف صرتم رسلالته؟ (وثانيهما) أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجهه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل ، وهو أنه تعالى ليس منزل شيئاً فى هذا العالم، فإن تصرفه فى العالم العلوى وللعلويات التصرف فى السفليات على مذهبهم، فالله تعالى لم ينزل شيئاً، من الأشياء فى الدنيا فكيف أنزل إليكم، وقوله (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن، فقال إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئاً، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً ، هو الرحمة الكاملة . قوله تعالى: ﴿ إن أنتم إلا تكذبون﴾ أى ما أنتم إلا كاذبين. ﴿قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون﴾ إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و ( قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) وأكدوه باللام ، لأن يعلم الله يجرى مجرى القسم، لأن من يقول يعلم الله فيما لا يكون فقد نسب اللّه إلى الجهل وهو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه، وفى قوله ( ربنا يعلم) إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر، وذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون، يكون كقوله تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) يعنى هو عالم بالأمور وقادر ، فاختارنا بعلمه لرسالته . ٠ : . ٥٣ قوله تعالى : وما علينا الا البلاغ . سورة يس . ـي قَالُواْ إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمَّ لَبِ لَّمْ تَهُوْ لَغَرُْنَّكُرْ و وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينَ ١٧ وَيَمَسَّنَّكُمْ مِنََّعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالُواأ ◌َبُ ◌ٌ مَعَكَّ أَبِنْ ذُمِثْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ١٩ ثم قال ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين) تسلية لأنفسهم، أى نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثاً لهم على النظر، فإنهم لما قالوا ( ما علينا إلا البلاغ) كان ذلك يوجب تفكرهم فى أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجراً ولا قصدوا رياسة، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر، وذلك مما يحمل العاقل على النظر (والمبين) يحتمل أموراً (أحدها ) البلاغ المبين للحق عن الباطل ، أى الفارق بالمعجزة والبرهان (وثانيها) البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل، أى لا يكفى أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين ( وثالثها ) البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن ، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك . ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم ﴿ قالوا إنا تطيرنا بكم ) وذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة فى البلاغ ظهر منهم الغلو فى التكذيب، فلما قال المرسلون ( إنا إليكم لمرسلون) قالوا (إن أنتم إلا تكذبون) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا (ربنا يعلم) أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا فى الأول كنتم كاذبين ، وفى الثانى صرتم مصرين على الكذب، حالفين مقسمين عليه، و((اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع)) فتشاء منابكم ثانياً، وفى الأول كماتركتم فى الثانى لانترككم لكون الشؤم مدركنا بسببكم فقالوا ( لئن لم تنتهوالنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } وقوله لترجمنكم يحتمل وجهين (أحدهما) لنشتمنكم من الرجم بالقول وعلى هذا فقوله ( وليمسنكم) ترق كأنهم قالوا ولا يكتفى بالشتم، بل يؤدى ذلك إلى الضرب والإيلام الحسى (وثانيهما) أن يكون المراد الرجم بالحجارة، وحينئذ فقوله ( وليمسنكم) بيان للرجم ، يعنى ولا يكون الرجم رجماً قليلا زجمكم بحجر وحجرين ، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو عذاب أليم، ويكون المراد (لترجمنكم ولمسنكم) بسبب الرجم عذاب منا أليم ، وقد ذكرنا فى الأليم أنه بمعنى المؤلم ، والفعيل بمعنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال هو من باب قوله (عيشة راضية) أى ذات رضا، فالعذاب الأليم هو ذو ألم، وحينئذ يكون فعيلا بمعنى فاعل وهو كثير . ثم أجابهم المرسلون بقولهم ﴿ قالوا طائركم معكم) أى شؤمكم معكم وهو الكفر. ثم قالوا ( أن ذكرتم﴾ جواباً عن قولهم (لنرجمنكم) يعنى أتفعلون بنا ذلك، وإن ذكر تم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان ﴿ بل أنتم قوم مسرفون﴾ حيث تحعلون من يتبرك به كمن ٥٤ قوله تعالى : وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى . سورة يس . ٢٠ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجَلٌ يَسْعَى قَالَ يَدْقَوْمِ أَتْبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب فى حقه الإكرام أو (مسرفون) حيث تكفرون، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز والبرهان، فإن الكافر مسىء فإذا تم عليه الدليل وأوضح له السبيل ويصر يكون مسرفاً، والمسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد وهم كانوا كذلك فى كثير من الأشياء، أما فى التبرك والتشاؤم فقد علم وكذلك فى الإيلام والإكرام، وأما فى الكفر فلان الواجب اتباع الدليل ، فإن لم يوجد به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه وهم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان ، فإن قيل بل للاضراب فما الأمر المضرب عنه؟ نقول محتمل أن يقال قوله (أن ذكرتم) وارد على تكذيبهم ونسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم (إن أغم إلا تكذبون) فكانهم قالوا أنحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان، لا ( بل أنتم قوم مسرفون) ويحتمل أن يقال أنحن مشتومون، وإن جئنا بيان صحة ما نحن عليه، لا (بل أنتم قوم مسرفون) ويحتمل أن يقال أنحن مستحقون للرجم والإيلام، وإن بينا صحة ما أتينا به، لا (بل أنتم قوم مسرفون) وأما الحكاية فمشهورة، وهى أن عيسى عليه السلام بعث رجاين إلى أنطاكية فدعيا إلى التوحيد وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى حبسهما الملك ، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك ولم يدع الرسالة ، وقرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير، ثم قال له: إنى أسمع أن فى الحبس رجلين يدعيان أمراً بديعاً، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما؟ قال الملك بلى، فأحضر اوذكرا مقالتهما الحقة، فقال لهم شمعون: فهل لكما بينة؟ قالانعم، فأبرآ الأكمه والأبرص وأحييا الموتى، فقال شمعون: أيها الملك، إن شئت أن تغلبهم، فقل للآلهة التى تعبدونها تفعل شيئاً من ذلك، قال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تقدر ولا تعلم ، فقال شمعون: فإذن ظهر الحق من جانبهم، فآمن الملك وقوم وكفرآخرون، وكانت الغلبة المكذبين. قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين ﴾ وفى فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: (أحدهما ) أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعى، وعلى هذا فقوله ( من أقصى المدينة) فيه بلاغة باهرة ، وذلك لأنه لما (جاء من أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة (وثانيهما) أن ضرب المثل لما كان محمد ◌ً يتم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعى المؤمنين فى تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا، ووصول الجزاء الأوفى البهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد بدلقيمٍ ، وفى التفسير مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل) فى تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان: ( الأولى) أن يكون تعظما لشأنه أى رجل كامل فى الرجولية . ١ ٥٥ قوله تعانى : ابتعوا من لا يسألكم أجرا . سورة يس . أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُهْتَدُونَ (٣) وَمَالَِ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ ١٠٠٠ ٠,٤٤٠١ ( الثانية) أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد مولته قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب الله، ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم، ليكونوا فى النصح باذلين جهدهم، وقد ذكرنا فائدة قوله ( من أقصى المدينة ) وهى تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من فى ( أقصى المدينة ) والمدينة هى أنطا كية ، وهى كانت كبيرة شاسعة وهى الآن دون ذلك ومع هذا فهى كبيرة وقوله تعالى ( قال ياقوم اتبعوا المرسلين) فيه معان لطيفة (الأول) فى قوله ( ياقوم) فانه ينبىء عن إشفاق عليهم وشفقة فان إضافتهم إلى نفسه بقوله ( ياقوم ) يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون ياقوم اتبعونى فان قيل قال هذا الرجل (اتبعوا المرسلين) وقال ذلك اتبعونى فما الفرق؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفى أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته، فقال اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً فقال اتبعونى فى الإيمان بموسى وهرون عليهما السلام، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسى وأنتم تعلمون أنى اخترته، ولم يكن للرجل الذى جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعى لهم (الثانى ) جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله ( اتبعوا) نصيحة وقوله (المرسلين ) إظهار أنه آمن (الثالث) قدم إظهار النصيحة على إظهار الايمان لأنه كان ساعياً فى النصح، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله (رجل يسعى) يدل على كونه مريداً للنصح وما ذكر فى حكايته أنه كان يقتل وهو يقول ((اللهم اهد قومى)). قوله تعالى: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون﴾ وهذا فى غاية الحسن وذلك من حيث إنه لما قال ( اتبعوا المرسلين ) كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال لاشك أن الخلق فى الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة ، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه، والامتناع من الاتباع لايحسن إلا عند أحد أمرين، إما مغالاة الدليل فى طلب الأجرة، وإما عند. عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفته الطريق، لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى الحق ، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين ، أليسوا بمهتدين ، فاتبعوهم. قوله تعالى: ﴿ومالى لا أعبد الذى فطرنى ﴾ لما قال (وهم مهتدون) بين ظهور اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحى القيوم، ومن عبادة مالا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع (وفيه لطائف) الأولى قوله ( مالى) أى مالى مانع من جانبى. إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لاخفاه فيه، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبى فلا جرم ٥٦ قوله تعالى : ومالي لا أعبد الذي فطرني . سورة يس . ھرر ◌ُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عبدته، وفى العدول عن مخاطبة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى (ولطيفة ثانية) وهى أنه لو قال مالكم لا تعبدون الذى فطركم، لم يكن فى البيان مثل قوله (ومالى) لأنه لما قال (ومالى) وأحد لا يخفى عليه حال نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد لأنه أعلم بحال نفسه فهو يبين عدم المانع، وأما لو قال ( مالكم) جاز أن يفهم منه أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه ، فإن قيل قال الله (مالكم لاترجون لله وقاراً) نقول القائل هناك غير مدعو، وإنما هوداع وههنا الرجل مدعو إلى الإيمان فقال ( ومالى لا أعبد ) وقد طلب منى ذلك (الثانية) قوله (الذى فطرنى) إشارة إلى وجود المقتضى فان قوله (ومالى) إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى ، فقوله (الذى فطرنى) ينى عن الاقتضاء، فان الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه، ومنعم بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم شكر نعمته ( الثالثة) قدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتصى مع أن المستحسن تقديم المقتضى حيث وجد المقتضى ولا مانع، فيوجد لأن المقتضى لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان لوجود الحاجة إليه ( الرابعة) اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال ( ومالى لا أعبد ) باسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه، وبيان ذلك هو أن خالق عمرو يجب على زيد عبادته لأن من خلق عمراً لا يكون إلا كامل القدرة شامل العلم واجب الوجود وهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلفٍ لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجاباً . وأعلم أن المشهور فى قوله (فطرنى) خلقنى اختراعا وابتداعا، والغريب فيه أن يقال (فطرنى) أى جعلنى على الفطرة كما قال الله تعالى (فطرة الله التى فطر الناس عليها) وعلى هذا فقوله ( ومالى لا أعبد) أى لم يوجد فى مانع فأنا باق على فطرة ربى الفطرة كافية فى الشهادة والعبادة فإن قيل فعلى هذا يختلف معنى العطر فى قوله ( فاطر السموات) فنقول قد قيل بأن ( فاطر السموات ) من الفطر الذى هو الشق فالمحذور لازم أو نقول المعنى فيهما واحد كأنه قال فطز المكلف على فطرته وفطر السموات على فطرتها والأول من التفسير أظهر . قوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون) اشارة إلى الخوف والرجاء كما قال ادعوه خوفاً وطمعاً وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه ويرجى وفيه أيضاً معنى لطيف وهو أن العابد على أقسام ثلاثة ذكرناها مراراً (فالأول) عابد يعبد الله، لكونه الهاً مالكا سواء أنعم بعد ذلك أولم ينعم، كالعبد الذى يجب عليه خدمة سيده سواء أحسن إليه أو أساء (والثانى) عابد يعبد . : ٥٧ قوله تعالى : أأتخذ من دونه آلهة . سورة يس . ءَ أَّخِذُ مِن دُونِهِِ ءَاِحَةً اللّه للنعمة الواصلة إليه ( والثالث) عابد يعبد الله خوفا مثال الأول من يخدم الجواد ، ومثال الثانى من يخدم الغاشم جعل القائل نفسه من القسم الاعلى وقال (ومالى لا أعبد الذى فطرنى) أى هو مالكى أعبده لأنظر إلى ماسيعطينى ولأنظر إلى أن لا يعذبنى وجعلهم دون ذلك فقال (وإليه ترجعون) أى خوفكم منه ورجاؤكم فيه فكيف لا تعبدونه، ولهذا لم يقل وإليه أرجع كماقال فطر فى لأنه صار عابداً من القسم الأول فرجوعه إلى الله لا يكن إلا للاكرام وليس سبب عبادته ذلك بل غيره . قوله تعالى: ﴿أأتخذ من دونه آلهة﴾ ليتم التوحيد، فان التوحيد بين التعطيل والاشراك، فقال وما لى لا أعبد إشارة إلى وجود الإله وقال (أأتخذ من دونه ) إشارة إلى نفى غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله، وفى الآية أيضاً لطائف ( الأولى) ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر ، وذلك أن من أخبر عن شىء فقال مثلا لا أتخذ يصح من السامع أن يقول له لم لا تتخذ فيسأله عن السبب ، فإذا قال (أأتخذ) يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذى يطالب به عند الإخبار ، كأنه يقول استشرتك فدانى والمستشار يتفكر، فكأنه يقول تفكر فى الأمر تفهم من غير إخبار منى ( الثانية ) قوله من دونه وهى (لطيفة عجيبة) وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله ( الذى فطرنى) بين أن من دونه لا تجوز عبادته فان عبد غير الله وجب عبادة كل شىء مشارك للمعبود الذى اتخذ غير الله، لأن الكل محتاج مفتقر حادث، فلو قال لا أتخذ آلهة لقيل له ذلك يختلف إن اتخذت إلهاً غير الذى فطرك، ويلزمك عقلا أن تتخذ آلهة لا حصر لها، وإن كان إلهك ربك وخالقك فلا يجوز أن تتخذ آلهة ( الثالثة) قوله ( أأتخذ ) إشارة إلى أن غيره ليس ياله لأن المتخذ لا يكون إله، ولهذا قال تعالى (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) وقال (الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً) لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز، وإنما النصارى قالوا تبنى الله عيسى وسماه ولداً فقال ( ولم يتخذ ولداً) ولا يقال قال الله تعالى ( فاتخذه وكيلا ) فى حق الله تعالى حيث قال ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) نقول ذلك أمر متجدد، وذلك لأن الإنسان فى أول الأمر يكون قليل الصبر ضعيف القوة، فلا يجوز أن يترك أسباب الدنيا ويقول إنى أتوكل فلا يحسن من الواحد منا أن لا يشتغل بأمر أصلا ويترك أطفاله فى ورطة الحاجة ولا يوصل إلى أهله نفقتهم ويجلس فى مسجد وقلبه متعلق بعطاء زيد وعمرو ، فاذا قوى بالعبادة قلبه ونسى نفسه فضلا عن غيره وأقبل على عبادة ربه بجميع قلبه وترك الدنيا وأسبابها وفوض أمره إلى الله حينئذ يكون من الأبرار الأخيار، فقال الله لرسوله أنت علمت أن الأمور كلها بيد الله وعرفت الله حق المعرفة وتيقنت أن المشرق والمغرب ، وما فيهما وما يقع بينهما بأمر الله، ولا إله يطلب لقضاء ٥٨ هونه تعالى : إن يردن الرحمن بضر . سورة يس . ٣٣ إِن يُرِدْنِ الَّْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِّ شَفَتْعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ الحوانح إلاهو فاتخذه وكيلا، وفوض جميع أمورك اليه فقد ارتقيت عن درجة من يؤمن بالكب الحلال وكنت من قبل تتجر فى الحلال ومعنى قوله ( فاتخذه وكيلا) أى فى جميع أمورك وقوله .تعالى (لاتغن عنى) يحتمل وجهين: (أحدهما) أن يكون كالوصف كأنه قال أأتخذ آلهة غير معنية عند إرادة الرحمن بى ضراً (وثانيهما) أن يكون كلاماً مستأنفاً كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة . قوله تعالى: ﴿إن يردن الرحمن بضر لاتغن عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قال (إن يردن الرحمن بضر) ولم يقل إن يرد الرحمن بى ضراً، وكذلك قال تعالى (إن أرادنى الله بضر هل من كاشفات ضره) ولم يقل إن أراد الله بى ضراً، نقول الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف فى قولهم ذهب به وخرج به، ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا؟ كيف حال فلان: يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول اختصها زيد فيجعل المسئول مفعولا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف اللّه يقلبه كيف يشاء فى البؤس والرغاء، وليس الضر بمقصود بيانه، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل الذى فطرنى حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضروقع تبعاً وكذا القول فى قوله تعالى (إن أرادفى الله بضر) المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى (أليس الله بكاف عبده) يعنى هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر فى قوله تعالى (قل من ذا الذى يعصمكم من اللّه إن أراد بكم سوءاً) حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلا له، وكيف لاوهم كفرة استحقوا العذاب بكفرثم جعل الضر مقصوداً بالذكر لزجرهم، فإن قيل فقد ذكر الله الرحمة أيضاً حيث قال ( أو أراد بكم رحمة) نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى ( من بعده ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الخاصر، وكذلك إذا تأملت فى قوله تعالى ( يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً) فان الكلام أيضاً مع الكفار وذكر النفع وبقع تبعاً لحصر الأمر بالتقسيم، ويدل عليه قوله تعالى ( بل كان الله بما تعملون خبيراً) فانه للتخويف، وهذا كقوله تعالى ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين)، والمقصود إنى على هدى وأنتم فى ضلال، ولو قال هكذا لمنع مانع فقال بالتقسيم كذلك ههنا ٥٩ قوله تعالى : إني إذا لفي ضلال مبين . سورة يس . إِنِّيّ إِذَا لَّفِي ضَلَلِ مَسِبٍ ٢٥ إِنِّي ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ المقصود الضر واقع بكم ولأجل دفع المانع قال الضر والنفع . ﴿ المسألة الثانية) قال ههنا (إن يردن الرحمن) وقال فى الزمر (إن أرادفى الله) فما الحكمة فى اختيار صيغة الماضى هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟ نقول أما الماضى والمستقبل فان إن فى الشرط تصير الماضى مستقبلا وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال فى قوله (أأتخذ) وقوله ( وما لى لا أعبد) والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضى فى قوله (أفرأيتم ) وكذلك فى قوله تعالى (وإن يمسسك الله بضر) لكون المتقدم عليه مذكوراً بصيغة المستقبل وهو قوله ( من يصرف عنه) وقوله ( إنى أخاف إن عصيت) والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبى صلى الله عليه وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف، وهذا ما سبق منكم ، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران، وأما قوله هناك ( إن أرادفى الله) فنقول قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود اللّه والرحمن كما قال تعالى (قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن) والله للهيبة والعظمة والرحمن الرأفة والرحمة ، وهناك وصف الله بالعزة والانتقام فى قوله (أليس الله بعزيز ذى انتقام ) وذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض) فذكر الاسم الدال على العظمة وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله ( الذى فطرنى) فانه نعمة هى شرط سائر النعم فقال ( إن يردن الرحمن بضر ) ثم قال تعالى (لا تغن عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) على ترتيب مايقع من العقلاء، وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحتبن فيشفع أولا فان قبله وإلا يدفع فقال ( لاتغن عنى شفاعتهم) ولا يقدرون على إنقاذى بوجه من الوجوه، وفى هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه إن كان نظراً إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن وإن كان نظرا إلى إحسانه فهو رحمن، وإن كان نظرا إلى الخوف فهو يدفع ضره، وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه ، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير اللّه لا يدفع شيئاً إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع. قوله تعالى: ﴿إنى إذاً لفى ضلال مبين﴾. يعنى إن فعلت فأنا ضال ضلالا بيناً، والمين مفعل بمعنى فعيل كما جاء عكسه فعيل بمعنى مفعل فى قوله أليم أى مؤلم ، ويمكن أن يقال ضلال مبين أى مظهور الأمر للناظر والأول هو الصحيح . قوله تعالى: ﴿ إنى آمنت بربكم فاسمعون) فى المخاطب بقوله (بربكم) وجوه (أحدها) ٦٠ قوله تعالى : قيل أدخل الجنة . سورة يس الجزء قِيلَ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (8) بِمَا غَفَرَلِ رَبِ هم المرسلون ، قال المفسرون أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين وقال: إنى آمنت بربكم فاسمعوا قولى واشهدوا لى (وثانيها) هم الكفار كأنه لما نصحهم وما نفعهم قال فأنا آمنت فاسمعون ( وثالثها ) بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا فى قول الواعظ حيث يقول يامسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك يريد به كل سامع يسمعه وفى قوله (فاسمعون) فوائد (أحدها) أنه كلام مترو متفكر حيث قال (فاسمعون) فان المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر (وثانيها ) أنه ينبه القوم ويقول إنى أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرهك ولو أظهرت لآمنا معك ( وثالثها) أن يكون المراد السماع الذى بمعنى القبول، يقول القائل نصحته فسمع قولى أى قبله، فان قلت لم قال من قبل (ومالى لا أعبد الذى فطرنى) وقال ههنا (آمنت بربكم) ولم يقل آمنت بربى؟ نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر ، لأنه لما قال آمنت بربكم ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذى دعوه إليه ولو قال بربى لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول لى رب وأنا مؤمن بربى، وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد، وذلك لأنه لما قال (أعبد الذى فطرنى) ثم قال (آمنت بربكم) فهم أنه يقول ربی وربكم واحد وهو الذى فطرنى وهو بعينه ربكم، بخلاف ما لو قال آمنت بربى فيقول الكافر وأنا أيضاً آمنت بربى ومثل هذا قوله تعالى (الله ربنا وربكم). قوله تعالى: ﴿ قيل ادخل الجنة) فيه وجهان (أحدهما) أنه قتل ثم قيل له ادخل الجنة بعد القتل ( وثانيهما) قيل ادخل الجنة عقيب قوله آمنت وعلى الأول . قوله تعالى: ﴿قال ياليت قومى يعلمون﴾ يكون بعد موته واللّه أخبر بقوله وعلى الثانى قال ذلك فى حياته وكأنه سمع الرسل أنه من الداخلين الجنة وصدقهم وقطع به وعلمه ، فقال ياليت قومى يعلمون كما علمت فيؤمنون كما آمنت وفى معنى قوله تعالى (قيل ) وجهان كما أن فى وقت ذلك وجهان (أحدهما) قيل من القول (والثانى) أدخل الجنة ، وهذا كما فى قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن ) ليس المراد القول فى وجه بل هو الفعل أى يفعله فى حينه من غير تأخير وتراخ وكذلك فى قوله تعالى (وقيل يا أرض ابلعى) فى وجه جعل الأرض بالعة ماءها. قوله تعالى: ﴿بما غفر لى ربى﴾ وجوه (أحدها) أن ما استفهامية كأنه قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى حتى يشتغلوا به وهو ضعيف ، وإلا لكان الأحسن أن تكون ما محذوفة الألف يقال بم وفيم وعم ولم (وثانيها) خبرية كأنه قال ياليث قومى يعلمون بالذى غفر لى ربى ( وثالثها) مصدرية، كأنه قال ياليت قومى يعلمون بمغفرة ربى لى، والوجهان الآخران هما المختاران .