Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى : ولما جاءت رسلنا إبراهيم . سورة العنكبوت .
لكن البشارة أثر الرحمة والإنذار بالاهلاك أثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه، فقدم البشارة على
الانذار. وقال ( جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) ثم قال ( إنا مهلكوا) (الثانية) حين، ذكروا
البشرى ماعللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول، أولأنك مؤمن أو لانك عادل، وحين ذكروا
الإهلاك عللوا ، وقالوا (إن أهلها كانوا ظالمين) لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض، والعادل
لا يكون عذا به إلا على جرم ، وفيه مسألتان :
﴿ إحداهما) لو قال قائل أى تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار، نقول لما أراد الله إهلاك
قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من
العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه .
﴿ والثانية) قال فى قوم نوح (فأخذهم الطوفان) وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على
ظلمهم حين أخذهم، ولم يقل فأخذهم وكانوا ظالمين ، وههنا قال (إن أهلها كانوا ظالمين ) ولم
يقل وإنهم ظالمون، فنقول لا فرق فى الموضعين فى كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم ،
لكن هناك الإخبار من اللّه وعن الماضى حيث قال (فأخذهم) وكانوا ظالمين، فقال أخذهم وهم
عند الوقوع فى العذاب ظالمون، وههنا الاخبار من الملائكة وعن المستقبل حيث قالوا ( إنّا
مهلكوا) فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه فى إبانة حسن الأمر من اللّه بالإهلاك، فقالوا ( إنا
مهلكوهم ) لأن الله أمرنا، وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين، حسن أمر الله عند كل أحد، وأما
نحن فلا تخبر بما لا حاجة لنا إليه، فان الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب، فنحن ما احتجنا
إلا إلى هذا القدر، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا ابته باهلا كهم بياناً لحسن الأمر ، وأما أنهم
ظالمون فى وقتنا هذا أو يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه ، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن
فيها لوطاً إشفاقاً عليه ليعلم حاله، أو لأن الملائكة لما قالوا (إنا مهلكوا) وكان إبراهيم يعلم أن الله
لا يهلك قوماً وفيهم رسوله ، فقال تعجباً إن فيهم لوطاً فكيف يهلكون ، فقالت الملائكة نحن
أعلم بمن فيها، يعنى نعلم أن فيهم لوطاً فلنجينه وأهله ونهلك الباقين، وههنا لطيفة: وهو أن الجماعة
كانوا أهل الخير، أعنى إبراهيم والملائكة، وكل واحد كان يزيد على صاحبه فى كونه خيراً . أ.ا
إبراهيم فلما سمع قول الملائكة ( إنا مهلكوا) أظهر الإشفاق على لوط ونسى نفسه وما بشروه
ولم يظهربها فرحاً، وقال (إن فيها لوطاً) ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه، وقالوا إنك
ذكرت لوطاً وحده ونحن ننجيه وننجى معه أهله، ثم استثنوا من الأهل امرأته، وقالوا (إلا
امرأته كانت من الغابرين) أى من المهلكين، وفى استعمال الغابر فى المهلك وجهان، وذلك لأن الغابر
لفظ مشترك فى الماضى، وفى الباقى يقال فيما غبر من الزمان أى فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر
أى باق، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق فى قولهم (إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن
أهلها كانوا ظالمين) ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب الملائكة، فقالت الملائكه (إنها

٦٢
قوله تعالى : ولما جاءت رسلنا . سورة العنكبوت
وَلَمَّ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوَطَّاسَِّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْلَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ
إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَدِ ينَ (چ) إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَ أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ رِجْزًا مّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (8) وَلَقَد تَرَكَ مِنْهَآءَايَةٌ بَيِنَةً
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٣٥
من الغابرين ) أى الماضى ذكرهم لا من الذين ننجى منهم، أو نقول المهلك يفنى ويمضى زمانه
والناجى هو الباقى فقالوا (إنها من الغابرين ) أى من الراتحين الماضين لامن الباقين المستمرين ،
وأما على الوجه الثانى فنقول لما قضى الله على القوم بالإهلاك كان الكل فى الهلاك إلا من نجى
منه فقالوا إنا ننجى لوطاً وأهله، وأما امرأته فهى من الباقين فى الهلاك".
. ثم قال تعالى: ﴿ ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سىء بهم وضاق بهم ذرعاً وقالوا لا تخف ولا
تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين، إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً
من السماء بما كانوا يفسقون، ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾.
ثم إنهم جاؤا من عند ابراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشراً تخاف عليهم من قومه
لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق الله والقوم كما عرف حالهم فسىء بهم أى جاءه ماساءه وخاف
ثم عجز عن تدبيرهم حزن وضاق بهم ذرعاً كناية عن العجز فى تدبيرهم، قال الزمخشرى يقال
طال ذرعه وذراعه للقادر وضاق للعاجز، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى مالا يصل إليه
قصير الذراع والاستعمال يحتمل وجهاً معقولا غير ذلك، وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض
الروح ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضاً والقلب هو المعتبر من الانسان، فكان الانسان
انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق ، ويقال فى الحزين ضاق ذرعه
والغضب والفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط مكانه وهو القلب ويتسع فيقال اتسع ذرعه ،
ثم إن الملائكة لما رأوا خوفه فى أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم فى ثانى الأمر قالوا لاتخف
علينا ولا تحزن بسبب التفكر فى أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فان مجرد قول
الفائل لا تخف لايوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم ( إنا منجوك وأهلك ) وإنما
منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ذرعه ويزول روعه وفى الآية مسائل :
﴿ إحداها) أنه تعالى قال من قبل ( ولما جاءت رسلنا ابراهيم) وقال ههنا (ولما أن
جاءت رسلنا) فما الحكمة فيه؟ فنقول حكمة بالغة وهى أن الواقع فى وقت المجىء هناك قول

٦٣
قوله تعالى : ولما جاءت رسلنا . سورة العنكبوت .
الملائكة (إنا مهلكوا) وهو لم يكن متصلا بمجيتهم لأنهم بشروا أولا ولبثوا، ثم قالوا إنا مهلكوا
وأيضاً فالتأنى واللبث بعد المجىء ثم الاخبار بالاهلاك حسن فان من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه
أن لا يفاجىء به، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم، والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئاً من
الجناية ينبغى أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير، إذا علم هذا فقوله ههنا (ولما أن جاءت
رسلنا) يفيد الاتصال يعنى خاف حين المجىء، فان قلت هذا بأطل بما أن هذه الحكاية جاءت فى
سورة هود، وقال ( ولما جاءت رسلنا لوطاً) من غير أن، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم
بصيغة أخرى حيث قال هناك ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) فقوله هنالك ( ولقد جاءت)
لا يدل على أن قولهم ( إنا أرسلنا) كان فى وقت المجى .. وقوله (ولما جاءت رسلنا لوطاً سىء
بهم) دل على أن حزنه كان وقت المجى .. إذا علم هذا فنقول: هناك قد حصل ماذكرنا من
المقصود بقوله فى حكاية إبراهيم (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) ثم جرى أمور من الكلام
وتقديم الطعام، ثم قالوا ( لا تخف ) ولا تحزن (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) فصل تأخير الانذار،
وبقوله فى حكاية لوط ( ولما جاءت رسلنا) حصل بيان تعجيل الحزن ، وأما هنا لما قال فى قصة
إبراهيم ( ولما جاءت) قال فى حكاية لوط (ولما أن جاءت) لما ذكرنا من الفائدة.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال هنا (إنا منجوك وأهلك) وقال لابراهيم ( لنتجينه) بصيغة الفعل
فهل فيه فائدة؟ قلنا مامن حرف ولا حركة فى القرآن إلا وفيه فائدة ، ثم إن العقول البشرية
تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها ، وما أوتى البشر من العلم إلا قليلا، والذى يظهر لعقل
الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم (إن فيها لوطاً) وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم،
وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا (إنا منجوك) أى ذلك واقع
منا كقوله تعالى ( إنك ميت ) لضرورة وقوعه .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قولهم (لا تخف ولا تحزن) لا يناسبه (إنا منجوك) لأن خوفه ما كان على
نفسه ، نقول بينهما مناسبة فى غاية الحسن، وهى أن لوطأ لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له
لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فانا ملائكة، ثم قالوا له: يالوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ، ففى
مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفى مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك
تفجع فى أهلك فقالوا ( إنا منجوك وأهلك ) .
﴿ المسألة الرابعة﴾، القوم عذبوا بسبب ماصدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها
تلك فكيف كانت من الغابرين معهم؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر ، كما أن الدال
على الخير كفاعله وهى كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم، فبالدلالة صارت
واحدة منهم، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب
فقالوا ( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء) واختلفوا فى ذلك، فقال بعضهم حجارة

٦٤
قوله تعالى : إنا منجوك وأهلك . سورة العنكبوت .
وقيل نار وقيل خسف، وعلى هذا فلا يكون عينه من السماء وإنما يكون الأمر بالخسف من السماء
أو القضاء به من السماء، ثم اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا
البشارة على الانذار حيث قالوا ( إنا منجوك ) ثم قالوا (إنا منزلون على أهل هذه القرية) ولم
يعلوا التنجية، فما قالوا إنا منجوك لأنك في أو عابد، وعللوا الاهلاك بقولهم (بما كانوا يفسقون)
وقالوا بما كانوا، كما قالوا هناك (إن أهلها كانوا ظالمين) ثم قال تعالى ( ولقد تركنا منها آية بينة
لقوم يعقلون) أى من القرية فان القرية معلومة وفيها الماء الأسود وهى بين القدس والكرك
وفيها مسائل :
﴿ إحداها ) جعل الله الآية فى نوح وإبراهيم بالنجاة حيث قال ( فأنحيناه وأصحاب السفينة
وجعلناها آية) وقال (فأنجاه اللّه من النار إن فى ذلك لآيات) وجعل ههنا الهلاك آية فهل عندك فيه
شىء؟ نقول نعم، أما إبراهيم فلأن الآية كانت فى النجاة لأن فى ذلك الوقت لم يكن إهلاك، وأما
فى نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذى علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهى ، وما به النجاة وهو السفينة
كان باقياً ، والغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقى آية، وأما مهنا فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره
للحس والهلاك أثره محسوس فى البلاد جعل الآية الأمر الباقى وهو ههنا البلاد وهناك السفينة
وههنا لطيفة: وهى أن اللّه تعالى آية قدرته موجودة فى الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية
وقدم آيات الانجاء لأنها أثر الرحمة وأخر آيات الاهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته سابقة.
﴿ المسألة الثانية) قال فى السفينة (وجعلناها آية) ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة نقول لأن
الانجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل وقد يقع فى وهم جاهل أن الانجاء بالسفينة لا يفتقر إلى
أمر آخر، وأما الآية ههنا الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد، وإنما
ذلك بإرادة قادر يخصصه بمكان دون مكان وفى زمان دون زمان ، فهى بينة لا يمكن لجاهل أن
يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول فى السفينة النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال
له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة؟ ولو سلط
الله عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم؟.
المسألة الثالثة﴾ قال هناك للعالمين وقال ههنا ( لقوم يعقلون) قلنا لأن السفينة موجودة
فى جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله، وإذا ر کبوها يطلبون من
اللّه النجاه ولا يثق أحد بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله تعالى طلباً
للنجاة ، وأما أثر الهلاك فى بلاد لوط ففى موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ويصل
إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله المريد، بسبب اختصاصه بمكان، دون مكان ووجوده فى
زمان بعد زمان .
:

٦٥
قوله تعالى : وإلى مدين أخاهم شعيبا . سورة العنكبوت .
وَإِلَى مَدْيَّنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبً فَقَالَ يَدَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ الْآخِرَ
وَلَ تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (﴾ فَكَذَبُ فَأَخَلَتْهُمُ الَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ
جَدْئِمِينَ
ثم قال تعالى : ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا
تعثوا فى الأرض مفسدين، فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين ﴾
لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع فى الثالثة وقال ( وإلى مدين
أخاهم) واختلف المفسرون فى مدين، فقال بعضهم إنه اسم رجل فى الأصل وحصل له ذرية فاشتهر
فى القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر فى القوم،
والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال (ولما ورد ماء مدين) ولوكان
اسماً للماء لكانت الاضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل فى الاضافة التغاير حقيقة، وقوله
( أخاهم ) قيل لأن شعبياً كان منهم نسباً، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الله تعالى فى نوح (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) قدم نوحا فى الذكر
وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك فى إبراهيم ولوط ، وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم
أخاهم شعيباً، فنقول الأصل فى جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل
لا يبعث رسولا إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل
إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة
يعرفون بها، فعرفوا بالنبى فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم
نسب معلوم اشتهروا به عند الناس جرى الكلام على أصله وقال الله (وإلى مدين أخاهم شعيباً)
وقال ( وإلى عاد أخاهم هوداً).
﴿ المسألة الثانية﴾ لم يذكر عن لوط أنه أمرقومه بالعبادة والتوحيد، وذكر عن شعيب ذلك؟
قلنا قد ذكرنا أن لوطاً كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفى زمانه، وإبراهيم سبقه بذلك
واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه
ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها ، وإن كان هو أيضاً يأمر بالتوحيد، إذ ما من رسول إلا
ويكون أكثر كلامه فى التوحيد، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلا أيضاً فى
التوحيد فدأ به وقال ( اعبدوا الله ).
المسألة الثالثة﴾ الايمان لا يتم إلا بالتوحيد، والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد الله
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٥

٦٦
قوله تعالى : فكذبوه فأخذتهم الرجفة . سورة العنكبوت .
ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله (اعبدوا الله)؟ فنقول: هذا الأمر يفيد التوحيد،
وذلك لأن من یری غیره يخدم زیداً وعمرو هناك وهو أ کبر أو هو سید زيد، فاذا قال له اخدم
عمراً يفهم منه أنه يأمره بصرف الخدمة إليه ، وكذا إذا كان لواحد دينار واحد، وهو يريد أن
يعطيه زيداً، فاذا قيل له أعطه عمراً يفهم منه لا نعطه زيداً، فنقول هم كانوا مشتغلين بعبادة غير الله
واللّه مالك ذلك الغير فقال لهم شعيب (اعبدوا الله) ففهموا منه ترك عبادة غيره أو نقول لكل
واحد نفس واحدة ويريد وضعها فى عبادة غير الله فقال لهم شعيب ضعوها فى موضعها وهو عبادة
الله ففهم منه التوحيد، ثم قال (وأرجوا اليوم الآخر) قال الزمخشرى معناه افعلوا ما ترجون به العاقبة
إذ قد يقول القائل لغيره كن عاقلا، ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلا . وقوله ( وارجوا
اليوم الآخر ) فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ هذا يدل على صحة مذهبنا، فإن عندنا من عبد اللّه طول عمره يثيبه الله
تفضلا ولا يجب عليه ذلك لأن العابد قد وصل إليه من النعم ما لو زاد على ما أتى به لما خرج
عن عهدة الشكر ، ومن شكر المنعم على نعم سبقت لا يلزم المنعم أن يزيده، وإن زاده يكون إحساناً
منه إليه وإنعاماً عليه ، فنقول قوله ( وارجوا اليوم) بعد قوله (اعبدوا الله) يدل على التفضل لا
على الوجوب فإن الفضل يرجى والواجب من العادل يقطع به .
المسألة الثانية﴾ قال (وارجوا اليوم الآخر) ولم يقل وخافوه مع أن ذلك اليوم
مخوف عند الكل وغير مرجو عند كثير من الناس ، لفسقه وجوره ومحبته الدنيا ولا يرجوه
إلا قليل من عباده ، فنقول لما ذكر التوحيد بطريق الإثبات وقال (اعبدوا) ولم يذكره بطريق
النفى وما قال ولا تعبدوا غيره قال بلفظ الرجاء لأن عبادة اللّه يرجى منها الخير فى الدارين، وفيه
وجه آخر وهو أن الله حكى فى حكاية إبراهيم أنه قال إنكم اتخذتم الأوثان مودة بينكم فى الحياة
الدنيا ، وأما فى الآخرة فتكفرون بها، وقال ههنا لا تكونوا كالذين سبق ذكرهم لم يرجوا اليوم
الآخر ، فاقتصروا على مودة الحياة الدنيا، وارجوا اليوم الآخر واعملوا له، ثم قال (ولا تعثوا فى
الأرض مفسدين) يمكن أن يقال نصب مفسدين على المصدر كما يقال قم قائماً أى قياماً ويكون
قوله (ولا تعثوا فى الأرض مفسدين) كقول القائل إجلس قعوداً لأن العيث والفساد بمعنى، وجمع
الأوامر والنواهى فى قوله (اعبدوا الله) وقوله (ولا تعثوا) ثم إن قومه كذبوه بعد ما بلغ
وبين ، فحكى الله عنهم ذلك بقوله ( فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين) وفى
الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ما حكى عن شعیب أمرونهى والأمرلا يصدق ولا يكذب ، فان من قال
لغيره قم لا يصح أن يقول له كذبت ، فنقول كان شعيب يقول الله واحد فاعبدوه، والحشر كان
فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، وهذه الأشياء فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبر هم به .

قوله تعالى : وعادا وتمود وقد تبين لكم من مساكنهم . سورة العنكبوت . ٦٧
وَادًا وَمُودًا وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَئِكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوْ مُسْتَبْصِينَ (﴿ وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَنَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ
مُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ
المسألة الثانية﴾ قال ههنا وفى الأعراف (فأخذتهم الرجفة) وقال فى هود (فأخذتهم الصيحة)
والحكاية واحدة، نقول لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، إما لرجفة الأرض إذ
قيل إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، وإما لرجفة الأفئدة فان قلوبهم ارتجفت منها.
والإضافة إلى السبب لا تنافى الإضافة إلى سبب السبب، إذ يصح أن يقال روى فقوى ، وأن
يقال شرب فقوى فى صورة واحدة .
﴿ المسألة الثالثة) حيث قال ( فأخذتهم الصيحة) قال ( فى ديارهم) وحيث قال (فأخذتهم
الرجفة ) قال (فى دارهم) فنقول المراد من الدار هو الديار، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون
بلفظ الجمع، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الإلتياس، وإنما اختلف اللفظ للطيفة، وهى أن
الرجفة هائلة فى نفسها فلم يحتج إلى مهول ، وأما الصيحة فغير هائلة فى نفسها لكن تلك الصيحة
لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة فى الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع، حتى تعلم هيبتها . والرجفة
بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم لأمرها، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث
عمت الأرض والجو ، والزلزلة لم تكن إلا فى الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن
الدار والديار موضع الجثوم لاموضع الصيحة والرجفة، فهم ما أصبحوا جائمين إلا فى ديارهم.
قوله تعالى: ﴿ وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن
السبيل وكانوا مستبصرين، وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا فى
الأرض وما كانوا سابقين
ثم قال تعالى (وعاداً ونمود) أى وأهلكنا عاداً ونمود لأن قوله تعالى (فأخذتهم الرجفة )
دل على الإهلاك ( وقد تبين لكم من مساكنهم ) الأمر وما تعتبرون منه ، ثم بين سبب ماجرى
عليهم فقال ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) فقوله (وزين لهم الشيطان أعمالهم)
يعنى عبادتهم لغير الله (وصدهم عن السبيل) يعنى عبادة الله (وكانوا مستبصرين) يعنى بواسطة
الرسل يعنى فلم يكن لهم فى ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل. ثم قال تعالى (وقارون وفرعون
وهامان) عطفاً عليهم أى : وأهلكنا قارون وفرعون وهامان .

٦٨
قوله تعالى : فكلا اخذنا بذنبه . سورة العنكبوت .
فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَِّهِ، فَنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَةُ الصَّيْخَةُ
وَمِنْهُ مَّنْ خَسَفْنَا بِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلَهُمْ وَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (
مَثَلُ الَّذِينَ آَّخَذُواْ مِن دُونِ الِّ أَوْلِيَاءَ كَثَلِ الْعَنْكَبُونِ أَّحَدَتْ بَيْنًا
ثم قال تعالى (ولقد جاءهم موسى بالبينات ) كما قال فى عاد وثمود ( وكانوا مستبصرين)
أى بالرسل، ثم قال تعالى (فاستكبروا) أى عن عبادة الله وقوله (فى الأرض) إشارة إلى
ما يوضح قلة عقلهم فى استكبارهم ، وذلك لأن من فى الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن فى
السماء أفواهم، ثم إن من فى السماء لا يستكبر على اللّه وعن عبادته، فكيف [يستكبر] من فى
الأرض. ثم قال تعالى ( وما كانوا سابقين ) أى ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا فى قوله تعالى ( وما
انتم بمعجزين فى الأرض ) أن المراد أن أفطار الأرض فى قبضة قدرة الله .
ثم قال تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم
من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلون ﴾.
ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ
من الجانب الآخر، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج، فان الصوت قيل
سبيه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذى على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب
بالخسف وهو الغمر فى التزاب، والعذاب بالإغراق وهو بالماء. حصل العذاب بالعناصر الأربعة
والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ، فإذا أراد ابته هلاك الإنسان جعل مامنه
وجوده سبباً لعدمه ، وما به بقاؤه سبیاً لفناته، ثم قال تعالى ( وما كان الله ليظلهم ولکن کانوا
أنفسهم يظلمون ) يعنى لم يظلهم بالهلاك، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه وجه آخر ألطف
وهو أن الله ما كان يظلهم أى ما كان يضعهم فى غير موضعهم فان موضعهم الكرامة كما قال تعالى
(ولقد كرمنا بني آدم) لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم فى عبادة الوثن مع خسته.
ثم قال تعالى : ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً﴾.
لما بين اللّه تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا وعذب من كذب آجلا، ولم ينفعه فى الدارين
معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده ، مثل اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً لا يخير
آوياً ولا يريح ثاوياً، وفى الآية لطائف نذكرها فى مسائل:
المسألة الأولى ﴾ ما الحكمة فیاختیار هذا المثل من بين سائر الأمثال ؟ فنقول فيه وجوه

٦٩
قوله تعالى : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء . سورة العنكبوت .
(الأول) ان البيت ينبغى أن يكون له أمور: حائط حائل ، وسقف مظل ، وباب يغلق ، وأمور ينتفع
بها وير تفق ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من أحد أمرين. إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف
مظل يدفع عنه الحر، فإن لم يحصل منهما شىء فهو كالبيدا. ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنها
ولا يكنها وكذلك المعبود ينبغى أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه دفع المضار، فان لم
تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع ، فان من لا يكون كذلك فهو والمعدرم بالنسبة
اليه سواء، فاذن كما لم يحصل العنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معانى البيت شىء، كذلك الكافرلم يحصل
له باتخاذ الأوثان أولياء من معانى الأولياء شىء (الثانى) هو أن أقل درجات البيت أن يكون الظل
فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضاً الهواء والماء والنار والتراب . والبيت من الخشب
يفيد الاستظلال ويدفع الحرو البرد ولا يدفع الهواء القوى ولا الماء ولا النار، والخباء الذى هو بيت من
الشعر أو الخيمة التى هى من ثوب ان كان لا يدفع شيئاً يظل ودفع حر الشمس لكن بيت العنكبوت لا يظل
فان الشمس بشعاعها تنفذ فيه ، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر فى الغير ، فإن لم
يكن كذلك فيكون نافذ الأمر فى العابد، فان لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه لكن
معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه ( الثالث ) أدنى مراتب البيت أنه
إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب
انزعاج العنكبوت ، فان العنكبوت لو دام فى زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على
نفسه واتخذ بيتً يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم
العنكبوت ، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغى أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من
أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب.
﴿ المسألة الثانية) مثل اللّه اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً ولم يمثله بنسجه
وذلك لوجهين ( أحدهما ) أن نسجه فيه فائدة له ، لولاه لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من
غير أن يفوته ما هو أعظم منه، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من
متاع الدنيا ، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التى هى خير وأبقى فليس اتخاذهم
كنسج العنكبوت ( الوجه الثانى) هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتاً أمر باطل فكذلك
هم أو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على نعوت اكرامه وأوصاف
جلاله لكان حكمة ، لكنهم اتخذوها أولياء بكعل العنكبوت النسج بيتاً وكلاهما باطل .
﴿ المسألة الثالثة) كما أن هذا المثل صحح فى الأول فهو صحيح فى الآخر، فان بيت
العنكبوت إذا هبت ريح لايرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثوراً، فكذلك أعمالهم للأو ثان
كما قال تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباء منثوراً).
المسألة الرابعة﴾ قال (مثل الذين اتخذوامن دون الله أولياء) ولم يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك
الخفى أيضاً ، فان من عبد الله رياء لغيره فقد اتخذ ولياً غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتاً.

٧٠
قوله تعالى : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت . سورة العنكبوت .
وَإِنَّ أَوْهَنَ الُْوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (٣٦) إِنَّاللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ
مِنْ دُوِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَِكِيمُ (﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِ
ثم قال تعالى: ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾.
إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك ، وبيته يضعف عن إفادة
ذلك لأنه يخرب بأدنى شىء ولا يبقى منه عين ولا أثر ( فكذلك عملهم لو كانوا يعلمون).
ثم قال تعالى: ﴿إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم )
قال الزمخشرى: هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شىء، بمعنى
ما يدعون ليس بشىء وهو عزيز حكيم. فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل
بعبادة ما ليس بشىء أصلا، وهذا يفهم منه أنه جعل مانافية، وهو صحيح، والعلم يتعلق بالجملة كما
يقول القائل : إنى أعلم أن الله واحد حق ، يعنى أعلم هذه الجملة، وإن كنا نجعل ما خبرية فيكون
معناه ما يدعون من شىء فالله يعلمه وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم، لكنه حكيم
يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة، ومن ههنا يكون الخطاب مع أمة محمد عَ له وعلى
هذا لو قال قائل ماوجه تعلق هذه الآية بالتمثيل السابق؟ فنقول لما قال إن مثلهم كمثل العنكبوت،
فكان للكافر أن يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان التى أتخذها وهى تحت تسخيرى، وإنما هى صورة
کو کب أنا تحت تسخيره ومنه نفعی وضری و خیری وشری ووجودی ودوامی فله سجودی
واعظامى، فقال الله تعالى الله يعلم أن كل ما يعبدون من دون الله هو مثل بيت العنكبوت لأن
الكوكب والملك وكل ما عدا اللّه لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فعبادتكم للغائب كعبادتكم
للحاضر ولا معبود إلا اللّه ولا إله سواء.
ثم قال تعالى : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾
قال الكافرون كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام والحشرات كالبعوض
والذباب والعنكبوت؟ فيقال الأمثال تضرب للناس إن لم تكونوا كالإنعام يحصل لكم منه إدراك
ما يوجب نفرتكم ما أنتم فيه وذلك لأن التشبيه يؤثر فى النفس تأثيراً مثل تأثير الدليل ، فإذا قال
الحكيم لمن يغتاب إنك بالغيبة كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت فى هذا الرجل وهو غائب
لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب كمن يقع فى ميت يأكل منه وهو لا يعلم ما يفعله، ولا يقدر
على دفعه إن كان يعلمه فينفر طبعه منه كما ينفر إذا قال له إنه يوجب العذاب ويورث العقاب.

٧١
قوله تعالى : وما يعقلها الا العالمون . سورة العنكبوت .
خَلَقَ اللهُ السَّمَنُوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِ
وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ
٤٣
ذَلِكَ لَآَيَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال تعالى : ﴿ وما يعقلها إلا العالمون
يعنى حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما سوى الله وفساد
عبادة ما عداه، وفيه معنى حكمى وهو أن العلم الحدسى يعلمه العاقل والعلم الفكرى الدقيق يعقله
العالم ، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهراًوكون
المدرك عاقلا ، ولا يحتاج إلى كونه عالماً بأشياء قبله، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلابد من
عالم ، ثم إنه قد يكون دقيقاً فى غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالماً . إذا علم هذا
فقوله ( وما يعقلها إلا العالمون ) يعنى هو ضرب للناس أمثالا وحقيقتها ومافيها من الفوائد بأسرها
فلا يدركها إلا العلماء.
ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالايمان وأظهر الحق بالبرهان. ولم يأت الكفار بما أمرهم به
وقص عليهم قصصاً فيها عبر وأنذرهم على كفرهم بإهلاك من غبر ، وبين ضعف دليلهم بالتمثيل ،
ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل ، وحصل يأس الناس عنهم سلى المؤمنين بقوله:
خلق الله السموات والأرض بالحق إن فى ذلك لآية للمؤمنين﴾ .
يعنى إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شكا فى صحة دينكم، ولا يؤثر شكهم فى قوة يقينكم،
فان خلق الله السموات والأرض بالحق للمؤمنين بيان ظاهر ، وبرهان باهر، وإن لم يؤمن به على
وجه الأرض كافر ، وفى الآية مسألة يتبين بها تفسير الآية، وهى أن الله تعالى كيف خص الآية فى
خلق السموات والأرض بالمؤمنين مع أن فى خلقهما آية لكل عاقل كما قال اللّه تعالى (ولئن سألتهم
من خلق السموات والأرض ليقولن الله) وقال الله تعالى (إن فى خلق السموات والأرض
واختلاف الليل والنهار - إلى أن قال - لآيات لقوم يعقلون) فنقول خلق السموات والأرض آية
"كل عاقل وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب، وبيانه من حيث النقل والعقل، أما النقل فقوله
تعالى ( ماخلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) أخرج أكثر الناس عن العلم يكون
خلقهما بالحق مع أنه أثبت على الكل بأنه خلقهما حيث قال ( ولئن سألتهم من خلق السموات
الأرض ليقولن الله) وأما العقل فهو أن العاقل أول ما ينظر إلى خلق السموات والأرض ويعلم
ن لهما خالقاً وهو الله ثم من يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك، بل يقول إنه خلقهما
تقنا محكما وهو المراد بقوله بالحق، لأن ما لا يكون على وجه الإحكام يفسد ويبطل فيكون
اطلا ، وإذا علم أنه خلقهما متقناً يقول إنه قادر كامل حيث خلق وعالم علمه شامل حيث أتقن

٧٢
قوله تعالى : اتل ما أوحي إليك من الكتاب . سورة العنكبوت .
أَثْلُ مَ أُوِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ
فيقول لا يعزب عن عله أجزاء الموجودات فى الأرض ولا فى السموات ولا يعجز عن جمعها
كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات. فيجوز بعث من فى القبورو بعثة الرسول، ويعلم وحدانية الله
لأنه لو كان أكثر من واحد لفسدتا ولبطلا وهما بالحق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه،
هن خلق ما خلقه على أحسن نظامه ، ثم إن الله تعالى لما سلى المؤمنين بهذه الآية سلى رسوله:
بقوله تعالى ﴿أتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمذكر ﴾
يعنى إن كنت تأسف على كفرهم فاتل ما أوحى إليك لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما كانوا
على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا فى إقامة الدلالة ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة
ولهذا قال (اتل) وما قال عليهم، لأن التلاوة ما كانت بعد اليأس منهم إلا لتسلية قلب محمد عليه
الصلاة والسلام وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الرسول إذا كان معه كتاب وقرأ كتابه مرة ولم يسمع لم يبق له
فائدة فى قراءته لنفسه فنقول الكتاب المنزل مع النبى المرسل ليس كذلك، فان الكتب المسيرة
مع الرسل على قسمين قسم يكون فيه سلام وكلام ، مع واحد يحصل بقراءته مرة تمام المرام .
وقسم يكون فيه قانون كلى نحتاح إليه الرعية فى جميع الأوقات كما إذا كتب الملك كتاباً فيه
إنا رفعنا عنكم البدعة الفلانية ووضعنا فيكم السنة الفلانية وبعثنا إليكم هذا الكتاب فيه جميع ذلك
فليكن ذلك كمنوال ينسج عليه وال بعد وال. فمثل هذا الكتاب لا يقرأ ويترك بل يعلق من
مكان عال، وكثيراً ما تكتب نسخته على لوح ويثبت فوق المحاريب ، ويكون نصب الأعين ،
فكذلك كتاب الله مع رسوله محمد قانون كلى فيه شفاء للعالمين فوجب تلاوته مرة بعد مرة ليبلغ
إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم ويثبت فى الصدور على مرور الدهور
( الوجه الثانى) هو أن الكتب على ثلاثة أقسام كتاب لا تكره قراءته إلا للغير كالقصص فان
من قرأ حكاية مرة لا يقرؤها مرة أخرى إلا لغيره، ثم إذا سمعه ذلك الغير لا يقرؤها إلا لآخر لم
يسمعه ولو قرأه عليه لسموه، وكتاب لا يكرر عليه إلا للنفس كالنحو والفقه وغيرهما وكتاب
يتلى مرة بعد مرة للنفس وللغير كالمواعظ الحسنة فإنها تكرر للغير وكلما سمعها يلاذ بها ويرق لها
قلبه ويستعيدها وكلما تدخل السمع يخرج الوسواس مع الدمع وتكرر أيضا لنفس المتكلم فان
كثيراً ما يلتذ المتكلم بكلمة طيبة وكلما يعيدها يكون أطيب وألذ وأثبت فى القلب وأنفذ

٧٣
قوله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء . سورة العنكبوت .
حتى يكاد يبكى من رقته دماً ولو أورثه البكاء عمى ، إذا علم هذا فالقرآن من القبيل الثالث مع أن
فيه القصص والفقه والنحو فكان فى تلاوته فى كل زمان فائدة .
المسألة الثانية﴾ لم خصص بالأمر هذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة ؟ فنقول
لوجهين (أحدهما) أن الله لما أراد تسلية قلب محمد عليه السلام قال له الرسول واسطة بين طرفين
من اللّه إلى الخلق، فإذا لم يتصل به الطرف الواحد ولم يقبلوه فالطرف الآخر متصل، ألا ترى أن
.الرسول إذا لم تقبل رسالته توجه نحو مرسله . فإذا تلوت كتابك ولم يقبلوك فوجه وجهك إلى
وأقم الصلاة لوجهى ( الوجه الثانى) هو أن العبادات المختصة بالعبد ثلاثة: وهى الاعتقاد الحق
ولسانية وهى الذكر الحسن وبدنية خارجية وهى العمل الصالح، لكن الاعتقاد لا يتكرر فال من
اعتقد شيئاً لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمراً والنبى عليه السلام كان ذلك
حاصلا له عن عيان أكمل بما يحصل عن بيان، فلم يؤمر به لعدم إمكان تكراره، لكن الذكر
منكن التكرار، والعبادة البدنية كذلك. فأمره بهما فقال: اقل الكتاب وأقم الصلاة .
﴿المسألة الثالثة) كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟ نقول قال بعض المفسرين المراد
من الصلاة القرآن وهو ينهى أى فيه النهى عنهما وهو بعيد لأن إرادة القرآن من الصلاة فى هذا
الموضع الذى قال قبله ( اتل ما أوحى إليك ) بعيد من الفهم، وقال بعضهم أراد به نفس الصلاة
وهى تنهى عنهما مادام العبد فى الصلاة ، لأنه لا يمكنه الاشتغال بشىءٍ منهما، فنقول هذا كذلك
لكن ليس المراد هذا وإلا لا يكون مدحاً كاملا للصلاة، لأن غيرها من الأشغال كثيراً ما يكون
كذلك كالنوم فى وقته وغيره فنقول: المراد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر مطلقاً وعلى
هذا قال بعض المفسرين الصلاة هى التى تكون مع الحضور وهى تنهى ، حتى نقل عنه صلى الله عليه
وسلم ((من لم تنهه صلاته عن المعاصى لم يزدد بها إلا بعداً)) ونحن نقول الصلاة الصحيحة شرعا
تنهى عن الأمرین مطلقاً وهی التی أتى بها المكلف لله حتى لو قصد بها الرياء لا تصح صلاته شرعا
وتجب عليه الاعادة، وهذا ظاهر فإن من نوى بوضوئه الصلاة والتبرد قيل لا يصح فكيف من
نوى بصلاته اللّه وغيره إذا ثبت هذا فنقول الصلاة تنهى من وجوه (الأول) هو أن من كان
يخدم ملكا عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة ، ويرى عبداً من عباده قد طرده
طرداً لا يتصور قبوله، وفاته الخبر بحيث لايرجى حصوله، يستحيل من ذلك المقرب عرفا أن
يترك خدمة الملك ويدخل فى طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صارعبداً له، وحصل
له منزلة المصلى يناجى ربه ، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود،
لكن مر تكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (الثانى) هو
أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات
وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لا بسه عن القاذورات أكثر فاذا لبس واحد منهم ثوب ديباج

٧٤
قوله تعالى : ان الصلاة تنهى عن الفحشاء . سورة العنكبوت .
مذهب يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفاً، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه
واقف بين يدى الله واضع يمينه على شماله، على هيئة من يقف بمرأى ملك ذى هيبة ، ولباس
التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباح المذهب إلى الجسم ، فإذن من لبس
هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر. ثم إن الصلوات متكررة واحدة
بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع (الثالث ) من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد
فإذا دخل فى خدمة ملك وأعطاه منصباً له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا فى ذلك
الموضع، فلو أرادأن يجلس فى صف النعال لا يترك. فكذلك العبد إذا صلى دخل فى طاعة الله
ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين ، إذ صار من أصحاب اليمين ، فلو أراد أن يقف فى غير
موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك ، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال
وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعنى من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر (الرابع) وهو
موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيداً عن الملك كالسوقى والمنادى والمتعيش
لا يبالى بما فعل من الأفعال يأكل فى دكان الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس ، فاذا
صارت له قربة يسيرة من الملك كما إذا صار واحداً من الجندارية والقواد والسواس عند الملك
لا تمنعه تلك القربة من تعاطى ما كان يفعله ، فاذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميراً
حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل فى ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان ، كذلك العبد إذا
صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى ( واسود واقترب ) فاذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من
المعاصى والمناهى ، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة
ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلا عن الكبار ، وفى الآية وجه آخر معقول يؤكده المنقول
وهو أن المراد من قوله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) هو أنها تنهى عن التعطيل
والإشراك، والتعطيل هو إنكار وجود الله، والإشراك إثبات ألوهية لغير الله. فنقول التعطيل
عقيدة بفشا. لأن الفاحش هو القبيح الظاهر القبح، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من
شىء إلا وفيه آية على اللّه، ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر الإنكار، فالقول بأن لا إله قبيح والإشراك
منكر ، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفساً إلى غير الوالد مع جواز
أن يكون له ولد حيث قال ( إن أمهاتهم إلا اللاتى ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول)
فالمشرك الذى يقول الملائكة بنات اللّه وينسب إلى من لم يلد ، ولا يجوز أن يكون له ولد، ولداً
كيف لا يكون قوله منكراً؟ فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول
ما يشرع فى الصلاة يقول الله أكبر، فبقوله الله ينفى التعطيل وبقوله أكبر ينفى التشريك لأن
الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، فاذا قال بسم الله نفى التعطيل،
وإذا قال الرحمن الرحيم نفى الإشراك، لأن الرحمن من يعطى الوجود بالخلق بالرحمة ، والرحيم من

٧٥
. قوله تعالى : ولذكر الله أكبر . سورة العنكبوت .
الجزءُ
٠٠٠٠١٠/١٠
وَلَذِكْرَ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
يعطى البقاء بالرزق بالرحمة، فاذا قال الحمد لله رب العالمين، أثبت بقوله الحمد لله خلاف التعطيل
وبقوله (رب العالمين) خلاف الإشراك، فإذا قال (إياك نعبد) بتقديم إياك نفى التعطيل
والإشراك وكذا بقوله ( وإياك نستعين) فإذا قال (إهدنا الصراط) نفى التعطيل لأن طالب
الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له، وبقوله (المستقيم) فى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب
والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين ، ويظنون أنهم يشفعون لهم رعبادة
اللّه من غير واسطة أقرب، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه فينفى
الإشراك والتعطيل، وههنا لطيفة وهى أن الصلاة أو لها لفظة اللّه وآخرها لفظة الله فى قوله ( أشهد
أن لا إله إلا اللّه ليعلم المصلى أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع اللّه، فإن قال قائل فقد بقى من الصلاة
قوله وأشهد أن محمداً رسول اللّه والصلاة على الرسول والتسليم، فنقول هذه الأشياء فى آخرها
دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لاغير، لكن العبد إذا وصل
بالصلاة إلى الله وحصل مع الله لا يقع فى قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول، كمن تقرب
من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب ، فقال أنت فى هذه المنزلة الرفيعة بهداية
محمد لق وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول اللّه، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته
فاذكرإحسانه بالصلاة عليه، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم
سلامى كما هو ترتيب المسافرين، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فان أولها وقوف بين يدى
الله كوقوف المملوك بين يدى السلطان، ثم إن آخرها جثو بين يدى الله كما يحثو بين يدى السلطان
من أكرمه بالإجلاس، كان العبد لما وقف وأتى على الله أكرمه الله وأجلسه بجنا ، وفى هذا
الجثو لطيفة وهى أن من جئا فى الدنيا بين يدى ربه هذا الجنو لا يكون له جئو فى الآخرة، ولا
يكون من الذين قال الله فى حقهم (ونذر الظالمين فيها جئياً).
ثم قال تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون الإتيان بهما
على أبلغ وجوه التعظيم ، فقال ( ولذكر الله أكبر) وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات
الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بمل. أفواهكم وقلوبكم، لكن ذكر الله أكبر، فينبغى أن يكون على
أبلغ وجوه التعظيم ، وأما الصلاة فكذلك لأن الله يعلم ما تصنعون، وهذا أحسن صنعكم فينبغى
أن يكون على وجه التعظيم، وفى قوله ( ولذكر الله أكبر) مع حذف بيان ما هو أكبر منه لطيفة
وهى أن اللّه لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن مانسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة، إذ لا يقال الجبل
أكبر من خردلة، وإنما يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر

٧٦
قوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب. سورة العنكبوت. الجمالذائ والشعارات
وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِالَِّىِ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَُّواْ مِنْهُمْ وَقُولُواْ
ءَامَّا بِالَّذِّ أَنْزِلَ إِلَيْنَا وَأَنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَحْنُ لَهُرٍ مُسْلِمُونَ
، وَكَلِكَ أَنْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبِّ فَالّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ،
٤٦
وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَحْمَدُ بِعَايِنَآ إِلَّ الْكَفِرُونَ (
الله له الكبر لا لغيره، وهذا كما يقال فى الصلاة الله أكبر أى له الكبر لا لغيره.
ثم قال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا
آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون، وكذلك أنزلنا إليك.
الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون﴾ .
لما بين اللّه طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس من امتنع بين طريقة إرشاد:
أهل الكتاب فقال ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) قال بعض المفسرين المراد .
منه لا تجادلوهم بالسيف، وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا، أى إذا ظلوا زائداً على كفرهم، :
وفيه معنى ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل بالأخشن
ويبالغ فى تهجين مذهبه وتوهين شبهه ، ولهذا قال تعالى فى حقهم (صم بكم عنى) وقال ( لهم أعين .
لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) إلى غير ذلك. وأما أهل الكتاب جاءوا بكل حسن
إلا الاعتراف بالنى عليه السلام فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر، فلمقابلة.
إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم، بخلاف
المشرك، ثم على هذا فقوله (إلا الذين ظلموا) تبين له حسن آخر، وهو أن يكون المراد إلا الذين
أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة . فانهم ضاهوهم فى القول المنكرفهم الظالمون،
لأن الشرك ظلم عظيم، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم ، ثم إنه تعالى بين
ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله (وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلحكم واحد.
ونحن له مسلمون) فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين رسالتى فى كتبكم فهو دليل مضىء، ثم بعد ذلك
ذكر دليلا قياسياً فقال (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) يعنى كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك
وهذا قیاس ، ثم قال ( فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) لو جود النص ومن هؤلاء كذلك ،،
واختلف المفسرون فقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب
كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله (ومن هؤلاء) أى من أهل مكة وقال بعضهم: المراد بالذين

٧٧
قوله تعالى : وما كنت تتلو من قبله . سورة العنكبوت .
وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنِ كِتَلٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِمِينِكَ إِذَا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ
بَّ هُوَءَايَتْ بَيِنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَمَ ووما يَحْمَدُ بِمَايَقِنَآ إلَّا
الظَّلُونَ
٤٠
آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمداً ب تل زماناً من أهل الكتاب، ومن هؤلاء الذين هم فى زمان
محمد شرٍِّ من أهل الكتاب وهذا أقرب، فإن قوله (هؤلاء) صرفه إلى أهل الكتاب أولى، لأن
الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين ههنا، إذكان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض
عنهم لإصرارهم على الكفر، وههنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل، وأقرب إلى
الأحسن من الجدال المأمور به، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله
(ومن هؤلاء) أى من أهل الكتاب وهو أقرب، لأن الذين آتاهم الكتاب فى الحقيقة هم الأنبياء،
فان الله ما آ نى الكتاب إلا الأنبياء، كما قال تعالى (أولئك الذين آتيناهم الكتاب) وقال (وآتينا
داود زبوراً ) وقال ( وآتانى الكتاب ) وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص، لأن كل
الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله
ابن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عدداً قليلا، ويكون المزاد بقوله (ومن هؤلاء) غير المذكورين،
وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كان قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم
والثانى أهل الكتاب وهو بعد فى بيان أمرهم، والوقت وقت جريان ذكرهم، فإذا قال هؤلاء
يكون منصرفاً إلى أهل الكتاب الذين هم فى وصفهم، وإذا قال أولئك يكون منصرفاً إلى
المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن
الوجوه ، وذلك لأن الخلاف فى الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف فى فضيلة الرؤساء والملوك،
فاذا اختلف حزبان فى فضيلة ملكين أو رئيسين ، وأدى الاختلاف إلى الاقتال يكون أقوى
كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان، فلا معنى لنزاعكم فكذلك
ههنا قال النبى ◌ُّ نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بى فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابر كم وعلماؤكم
آمنوا، ثم قال تعالى ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) تنفيراً لهم عما هم عليه، يعنى أنكم آمنتم بكل
شىء ، واستزتم عن المشركين بكل فضيلة ، إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم
وتبطلون مرايا كم ، فان الجاحد بآية يكون كافراً .
قوله تعالى : ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ، بل
هو آيات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون
١

٧٨
قوله تعالى : وقالوا لولا انزل عليه آيات من ربه . سورة العنكبوت
وَقَالُواْ لَوْلَ أَنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَا آَ يَتُ عِندَ اللّهِ وَإِنَّمَآَ أَنَاْ نَذِيرٌ
٤ و
مُّبِينَ
ثم قال تعالى ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) هذه درجة أخرى بعد
ما تقدم على الترتيب ، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة مختلفاً فيها كقول القائل : الزكاة تجب
فى مال الصغير ، فإذا قيل له لم؟ فيقول كما تجب النفقة فى ماله، ولا يذكر أولا الجامع بينهما.
فان قنع الطالب بمجرد التشبيه وأدرك من نفسه الجامع فذاك، وإن لم يدرك أو لم يقنع يبدى
الجامع، فيقول كلاهما مال فضل عن الحاجة فيجب فكذلك ههنا ذكر أولا التمثيل بقوله (وكذلك
أنزلنا إليك) ثم ذكر الجامع وهو المعجزة، فقال ما علم كون تلك الكتب منزلة إلا بالمعجزة،
وهذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة، فيعرف كونه منزلا ، وقوله تعالى (إذن لارتاب
المبطلون) فيه معنى لطيف، وهو أن النبى إذا كان قارئاً كاتباً ما كان يوجب كون هذا الكلام
كلامه، فان جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للبطل
وجه ارتياب، وعلى ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل فى الإبطال وهذا كقوله تعالى (وإن
كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) أى من مثل محمد عليه السلام وكقوله
( المّ ذلك الكتاب لاريب فيه).
ثم قال تعالى (بل هو آيات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم) قوله فى صدور الذين أوتوا
العلم إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين، لأن من يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلب
وخاطرى، وإذا حفظه من غيره يقول إنه فى قلبى وصدرى ، فاذا قال ( فى صدور الذين أوتوا
العلم) لا يكون من صدر أحد منهم، والجاهل يستحيل منه ذلك فلا ظهور له من الصدور
ويلتحقون عند هذه الأمة بالمشر كين ، فظهوره من الله .
ثم قال تعالى ( وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) قال ههنا الظالمون، ومن قبل قال الكافرون ، مع
أن الكافر ظالم ولا تنافى بين الكلامين وفيه فائدة ، وهى أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم
المزايا فلا تبطلوها بأنكار محمد فتكونوا كافرين ، فلفظ الكافر هناك كان بليغاً يمنعهم من ذلك
لاستنكافهم عن الكفر، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحد تم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال
الرسل فتلتحقون فى أول الأمر بالمشركين حكما، وتلتحقون عند هذه الآية بالمشركين حقيقة
فتكونوا ظالمين، أى مشركين ، كما بينا أن الشرك ظلم عظيم ، فهذا اللفظ ههنا أبلغ وذلك اللفظ
هناك أبلغ .
ثم قال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنانذير مبين

قوله تعالى : او لم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب . سورة العنكبوت . ٧٩
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّ أَوَّلْنَا عَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَ عَّهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِ كَرَى
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ قُلْ كَبِلَّهِيَيْنِ وَبَيْنَكُمْنَمِدًّا يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَنَّتِ
وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِ وَكَفَرُواْبِلَّهِأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (لُ
لما فرغ من ذكر دليل من جانب النبى عليه السلام ذكر شبهتهم وهى بذكر الفرق بين
المقيس عليه والمقيس ، فقالوا إنك تقول إنه أنزل إليك کتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، وليس
كذلك لأن موسى أوتى تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها ،
ثم إن الله تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها قوله (إنما الآيات عند الله) ووجهه أن
التى تعهّ ل ادعى الرسالة وليس من شرط الرسالة الآية المعجزة، لأن الرسول يرسل أولا ويدعو
إلى الله، ثم إن توقف الخلق فى قبوله أو طلبوا منه دليلا ، فالله إن رحمهم بين رسالته وإن لم يرحمهم.
لا يبين، فقال أنا الساعة رسول وأما الآية فالله إن أراد ينزلها وإن لم يرد لا ينزلها، وهذا لأن
ما هو من ضرورات التى إذا خلق الله الشىء" لابد من أن يخلقها كالمكان من ضرورات الإنسان
فلا يخلق الله إنساناً إلا ويكون قد خلق مكاناً أو يخلقه معه، لكن الرسالة والمعجزة ليستا كذلك
فالله إذا خلق رسولا وجعله رسولا ليس من ضروراته أن تعلم له معجزة ، ولهذا علم وجود رسل
كشيث وإدريس وشعيب ولم تعلم لهم معجزة فإن قيل علم رسالتهم ، نقول من ثبقت رسالته بلا
معجزة فنبينا كذلك لا حاجة له إلى معجزة لأن رسالته علمت بقول موسى وعيسى فتبين بطلان
قولهم لم لم ينزل عليه آية؟ وهذا لأنهم طلبوا سبق الآية وليست شرطاً حتى تسبقها ، بلی إن كان
لهم سؤال فطريقه أن يقولوا يا أيها المدعى نحن لا نكذبك ولا نصدقك لكنا نريد أن يبين الله
لنا آية تخلصنا من تصديق المتنبى وتكذيب النبى، ونعلم بها كونك نياً ونؤمن بك ، فبعد ذلك
ما كان يبعد من رحمة الله أن ينزل آية .
ثم قوله ( وإنما أنا نذير مبين) معناه أن الآية عند الله ينزلها أو لا ينزلها لا تتعلق بى ما أنا
إلا نذير وليس لى عليه حكم بشىء ثم إنه بعد بيان فساد شبهتهم من وجه بين فسادها من وجه آخر،
وقال هب أن إنزال الآية شرط لكنه وجد وهو فى نفس الكتاب.
قوله تعالى: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة وذكرى
لقوم يؤمنون، قل كفى بالله بينى وبينكم شهيداً يعلم مافى السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل
وكفروا بالله أولتك هم الخاسرون ﴾|
فقال تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) يعنى إن كان إنزال الآية شرطاً

٨٠
قوله تعالى : اولم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب . سورة العنكبوت .
فلا يشترط إلا إنزال آية وقد أنزل وهو القرآن فإنه معجزة ظاهرة باقية وقوله ( أو لم يكفهم)
عبارة تنى. عن كون القرآن آية فوق الكفايه، وذلك لأن القائل إذا قال أما يكفى للى أن
لا يضرب حتى يتوقع الإكرام ينى عن أن ترك الضرب فى حقه كثير فكذلك قوله (أو لم
يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ) وهذا لأن القرآن معجزة أتم من كل معجزة تقدمتها لوجوه:
( أحدها) أن تلك المعجزات وجدت وما دامت فان قلب العصا ثعباناً وإحياء الميت لم يبق لنا منه
أثر، فلو لم يكن واحد يؤمن بكتب الله ويكذب بوجود هذه الأشياء لا يمكن إثباتها معه بدون
الكتاب، وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فنقول له فأت بآية من مثله (الثانى) هو أن قلب
العصا ثعباناً كان فى مكان واحد ولم يره من لم يكن فى ذلك المكان ، وأما القرآن فقد وصل إلى
المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، وههنا لطيفة وهى أن آيات النبى عليه السلام كانت أشياء
لا تختص بمكان دون مكان لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض، لأن الخسوف إذا
وقع عم وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر وغاضت بحيرة ساوة فى قطر
وسقط ايوان كسرى فى قطر وأنهدت الكنيسة بالروم فى قطر آخر إعلاماً. بأنه يكون أخر عام
(الثالث) هو أن غير هذه المعجزة الكافر المعاند يقول إنه سحر عمل بدواء، والقرآن لا يمكن هذا
القول فيه .
ثم إنه تعالى قال (إن فى ذلك لرحمة) إشارة إلى أنا جعلناه معجزة رحمة على العباد ليعلموا بها
الصادق، وهذا لأنا بينا أن إظهار المعجزة على يد الصادق رحمة من الله، وكان له أن لا يظهر فيبقى
الخلق فى ورطة تكذيب الصادق أو تصديق الكاذب ، لأن النبى لا يتميز عن المتفى لولا المعجزة،
لكن الله له ذلك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقوله (وذكرى) إشارة إلى أنه معجزة باقية يتذكر
بها كل من يكون ما بقى الزمان.
ثم قال تعالى (لقوم يؤمنون) يعنى هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين لأن المعجزة كانت غضباً على
الكافرين لأنها قطعت أعذارهم وعطلت إنكارهم .
ثم قال تعالى ( قل كفى بالله بينى وبينكم شهيداً) لما ظهرت رسالته وبهرت دلالته ولم يؤمن
به المعاندون من أهل الكتاب قال كما يقول الصادق إذا كذب وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم
يصدق الله يعلم صدقى وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بينى وبينكم، كل ذلك
إنذار وتهديد يفيده تقريراً وتأكيداً، ثم بين كونه كافياً بكو» عالماً بجميع الأشياء. فقال (يعلم ما
فى السموات والأرض) وههنا مسألة: وهى أن الله تعالى قال فى آخر الرعد ( ويقول الذين
كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيداً بنى وبينكم ومن عنده علم الكتاب) فأخر شهادة أهل
الکتاب، وفى هذه السورة قدمها حیث قال (فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) ومن هؤلاء من
يؤمن به أى من أهل الكتاب فنقول الكلام هناك مع المشركين ، فاستدل عليهم بشهادة غير هم ثم