Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
قوله تعالى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا . سورة العنكبوت .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَلَكُمْ وَمَاهُمْ بِحَمِلِينَ
مِنْ خَطَئُهُم مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (
والكافر ، والكافر فى قوله كاذب، فإنه يقول: اللّه أكثر من واحد، والمؤمن فى قوله صادق فإنه
كان يقول الله واحد، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر، فكان الحاصل هناك قسمين
صادقاً وكاذباً وكان ههنا المنافق صادقاً فى قوله فانه كان يقول الله واحد، فاعتبر أمر القلب فى
المنافق فقال ( وليعلمن المنافقين ) واعتبر أمر القلب فى المؤمن وهو التصديق فقال ( وليعلمن اللّه
الذين آمنوا ).
ثم قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم
بحاملين من خطاياهم من شىء إنهم لكاذبون ﴾ .
لما بين اللّه تعالى الفرق الثلاثة وأحوالهم، وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر
بالفتنة ، وبين أن عذاب الله فوقها، وكان الكافر يقول للمؤمن تصبر فى الذل وعلى الإيذاء لأى
شىء ولم لا تدفع عن نفسك الذل والعذاب بموافقتنا؟ فكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من
عذاب الله على خطيئة مذهبكم ، فقالوا لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا ، وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى) ولنحمل صيغة أمر، والمأمور غير الآمر، فكيف يصح أمر النفس من
الشخص ؟ فنقول الصيغة أمروالمعنى شرط وجزاء، أى إن اتبعتمونا حملنا خطايا كم ، قال صاحب
الكشاف: هو فى معنى قول من يريد اجتماع أمرين فى الوجود ، فيقول ليكن منك العطاء
وليكن من الدعاء، فقوله ولنحمل ، أى ليكن منا الحمل وليس هو فى الحقيقة أمر طلب وإيجاب.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال (وما هم بحاملين من خطاياهم) وقال بعد هذا (وليحملن أنقالهم
وأثقالا مع أثقالهم) فهناك نفى الحمل ، هوههنا أثبت الحمل، فكيف الجمع بينهما ، فنقول قول القائل:
فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف ، وإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل منه شيئاً،
فكذلك ههنا ماهم بحاملين من خطاياهم يعنى لا يرفعون عنهم خطيئة وهم يحملون أوزار آ بسبب
إضلالهم ويحملون أوزاراً بسبب ضلالتهم، كما قال النبى عليه السلام ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها
ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شىء )).
﴿ المسألة الثالثة﴾ الصيغة أمر، والأمر لا يدخله التصديق والتكذيب، فكيف يفهم قوله
(إنهم لكاذبون) نقول قد تبين أن معناه شرط وجزاء. فكأنهم قالوا إن تتبعونا تحمل خطاياكم
وهم كذبوا فى هذا فانهم لا يحملون شيئاً.

٤٢
قوله تعالى . وليحملن أثقالهم وأثقالا مع . سورة العنكبوت .
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْعَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّ ◌َمْسِينَ ◌َمًا فَأَخَذَهُمُ
ثم قال تعالى: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾
فى الذى كانوا يفترونه يحتمل ثلاثة أوجه (أحدها) كان قولهم (ولنحمل خطايا كم) صادراً
لاعتقادهم أن لا خطيئة فى الكفر، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك فيسألون عن ذلك
الافتراء ( وثانيها) أن قولهم (ولنحمل خطايا كم) كان عن اعتقاد أن لا حشر، فإذا جاء يوم
القيامة ظهر لهم خلاف ذلك فيسألون ويقال لهم أما قلتم أن لا حشر ( وثالثها) أنهم لما قالوا إن
تتبعونا تحمل يوم القيامة خطايا كم، يقال لهم فاحملوا خطاياهم فلا يحملون فيسألون ويقال لهم
لم افتريتم.
ثم قال تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾.
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين التكليف وذكر أقسام المكلفين ووعد
المؤمن الصادق بالثواب العظيم، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم ، وكان قد ذكر أن هذا
التكليف لیس مختصاً بالنبى وأصحابه وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل قبله كان كذلك كما قال،
تعالى ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) ذكر من جملة من كلف جماعة منهم نوح النبى عليه السلام
وقومه ومنهم ابراهيم عليه السلام وغيرهما ، ثم قال تعالى ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما)
وفى الآية مسائل :
﴿ الأولى) ما الفائدة فى ذكر مدة لبثه؟ نقول كان النبى عليه السلام يضيق صدره بسبب
عدم دخول الكفار فى الاسلام وإصرارهم على الكفر فقال إن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً فى
الدعاء ولم يؤمن من قومه إلا قليل، وصبر وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة
عدد أمتك، وأيضاً كان الكفار يفترون بتأخير العذاب عنهم أكثر ومع ذلك ما نجوا فهذا
المقدار من التأخير لا ينبغى أن يغتروا فان العذاب يلحقهم.
﴿المسألة الثانية﴾ قال بعض العلماء الاستثناء فى العدد تكلم بالباقى، فإذا قال القائل لفلان
على عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال على سبعة، إذا علم هذا فقوله (ألف سنة إلا خمسين عاماً)
كقوله تسعمائة وخمسين سنة، فما الفائدة فى العدول عن هذه العبارة إلى غيرها؟ فنقول قال الزمخشرى
فيه فائدتان ( إحداهما) أن الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب فإن من قال

٤٣
قوله تعالى : فأخذهم الطوفان . سورة العنكبوت
الُوفَانُ وَهُمْ ظَلُونَ (٤) فَأَنَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَآ ءَايَةٌ لِّلْعَلَمِينَ
عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أن يقول ألف سنة تقريباً لا تحقيقاً، فإذا قال إلا شهراً
أو إلا سنة يزول ذلك التوهم ويفهم منه التحقيق (الثانية ) هى أن ذكر لبث نوح عليه السلام
فى قومه كان لبيان أنه صبر كثيراً فالنبى عليه السلام أولى بالصبر مع قصر مدة دعائه وإذا كان
كذلك فذكر العدد الذى فى أعلى مراتب الأعداد التى لها اسم مفرد موضوع، فإن مراتب
الأعدادهى الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف، ثم بعد ذلك يكون
التكثير بالتكرير فيقال عشرة آلاف، ومائة ألف، وألف ألف .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعض الأطباء العمر الانسانى لا يزيد على مائة وعشرين سنة والآية
تدل على خلاف قولهم ، والعقل يوافقها فان البقاء على التركيب الذى فى الانسان مكن لذاته ،
وإلا لما بقى، ودوام تأثير المؤثر فيه مكن لأن المؤثر فيه إن كان واجب الوجود فيظاهر الدوام
وإن كان غيره فله مؤثر، وينتهى إلى الواجب وهو دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائماً فاذن البقاء
يمكن فى ذاته ، فان لم يكن فلعارض لكن العارض ممكن العدم وإلا لما بقى هذا المقدار لوجوب
وجود العارض المانع فظهر أن كلامهم على خلاف العقل والنقل (ثم نقول ) لانزاع بيننا وبينهم
لأنهم يقولون العمر الطبيعى لا يكون أكثر من مائة وعشرين سنة ونحن نقول هذا العمر ليس
طبيعياً بل هو عطاء إلهى، وأما العمر الطبيعى فلا يدوم عندنا ولا لحظة ، فضلا عن مائة أو أكثر
قوله تعالى : ﴿ فأخذهم الطوفان وم ظالمون ﴾
فيه إشارة إلى لطيفة وهى أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم وإلا لعذب من ظلم وتاب،
فان الظلم وجد منه ، وإنما يعذب على الاصرار على الظلم، فقوله (وثم ظالمون ) يعنى أهلكهم وم
على ظلمهم ، ولو كانوا تركوه لما أهلكهم.
قوله تعالى : ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين
فى الراجع إليه الهاء فى قوله ( جعلناها ) وجهان ( أحدهما ) أنها راجعة إلى السفينة المذكورة
وعلى هذا ففى كونها آية وجوه (أحدها) أنها اتخذت قبل ظهور الماء ولولا إعلام اللّه نوحاً
وإنباؤه إياه به لما اشتغل بها فلا تحصل لهم النجاة ( وثانيها) أن نوحاً أمر بأخذ قوم معه ورفع
قدر من القوت والبحر العظيم لا يتوقع أحد نضوبه ، ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد ولولا
ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة (وثالثها) أن الله تعالى كتب سلامة السفينة
عن الرياح المرجفة والحيوانات المؤذية ، ولولا ذلك لما حصلت النجاة (والثانى) أنها راجعة إلى

٤٤
قوله تعالى : إبراهيم اذ قال لقومه اعبدوا الله . سورة العنكبوت .
وَإِبَهِمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَنَّهُوَهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٠
الواقعة أو إلى النجاة أى جعلنا الواقعة أو النجاة آية للعالمين .
ثم قال تعالى: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾
لما فرغ من الاشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم وفى ابراهيم وجهان من القراءة
(أحدهما) النصب وهو المشهور، و(الثانى) الرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم، و(الأول) فيه
وجهان أحدهما أنه منصوب بفعل غير مذكوروهو معنى اذكرابراهيم ، والثانى أنه منصوب بمذكور
وهو قوله ( ولقد أرسلنا ) فيكون كأنه قال وأرسلنا ابراهيم، وعلى هذا ففى الآية مسائل:
﴿ الأولى) قوله ( إذ قال لقومه) ظرف أرسلنا أى أرسلنا ابراهيم إذ قال لقومه لكن
قوله ( لقومه اعبدوا الله) دعوة والارسال يكون قبل الدعوة فكيف يفهم قوله، وأرسلنا
إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلا قبله ؟ نقول الجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن
الإرسال أمر يمتد فهو حال قوله لقومه اعبدوا الله كان مرسلا، وهذا كما يقول القائل وقفنا
للأمير إذ خرج من الدار وقد يكون الوقوف قبل الخروج، لكن لما كان الوقوف ممتداً إلى ذلك
الوقت صح ذلك ( الوجه الثانى) هو أن إبراهيم بمجرد هداية الله إياه كان يعلم فساد قول
المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الارسال ، ولما كان هو مشتغلا بالدعاء إلى الاسلام أرسله
الله تعالى وقوله ( اعبدوا اللّه واتقوه) اشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفى غيره
فقوله ( اعبدوا الله) إشارة إلى الاثبات، وقوله ( واتقوه) اشارة إلى نفى الغير لأن من يشرك
مع الملك غيره فى ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم، ويمكن أن يقال (اعبدوا اللّه) إشارة إلى
الاتيان بالواجبات، وقوله ( واتقوه) إشارة إلى الامتناع عن المحرمات ويدخل فى الأول
الاعتراف باللّه، وفى الثانى الامتناع من الشرك، ثم قوله (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)
يعنى عبادة اللّه وتقواه خير، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة الله تعالى تعطيل وخلاف تقواه
تشريك وكلاهما شر عقلا واعتباراً، أما عقلا فلأن الممكن لابد له من مؤثر لا يكون ممكناً قطعاً
للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله، وأما التشريك فبطلانه عقلا وكون خلافه
خيراً وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجباً فكيف يكون شريكا وإن كان واجباً لزم
وجود واجبين فيشتركان فى الوجوب ويتباينان فى الإلهية ، وما به الاشتراك غير مابه الامتياز
فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل، وأما اعتباراً فلأن
الشرف ان يكون ملكا أو قريب ملك، لكن الانسان لا يكون ملكا السموات والأرضين

٤٥
قوله تعالى : إنما تعبدون من دون الله . سورة العنكبوت .
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَوْثَنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَّا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُواْ عِنْدَ الَهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْلَهُ ◌ٍ
٠٠٠
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك مكن القربة بالعبادة كما قال تعالى ( واسجد واقترب).
وقال ((لن يتقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم)) وقال ((لا يزال العبد يتقرب بالعبادة
إلى )) فالمعطل لاملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلا، وأما التشريك فلأن
من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة من يكون سيده له شركاء خسيسة ، فإذن من يقول إن
ربى لا يماثله شىء أعلى مرتبة من يقول سيدى صنم منحوت عاجز مثله، فثبت أن عبادة الله وتقواه
خير وهو خير لكم أى خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات .
ثم قال تعالى: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أو ثاناً وتخلقون إفكا﴾
ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور، إما لكونه
مستحقاً للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذى اشتراه سواء أطعمه من الجوع أو منعه من الهجوع،
وإما لكونه نافعاً فى الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة، وإما لكونه نافعاً
فى المستقبل كمن يخدم غيره متوقعاً منه أمراً فى المستقبل، وإما لكونه خائفاً منه. فقال إبراهيم
(إنما تعبدون من دون الله أو ثاناً) إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أو اناً لاشرف لها.
قوله تعالى : ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق
واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون
إشارة إلى عدم المنفعة فى الحال وفى المآل، وهذا لأن النفع، إما فى الوجود، وإما فى البقاء
لكن ليس منهم نفع فى الوجود، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها وتنحتونها ، ولا نفع فى البقاء
لأن ذلك بالرزق ، وليس منهم ذلك ، ثم بين أن ذلك كله حاصل من الله فقال ( فابتغوا عند الله
الرزق ) فقوله ( الله) إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته وقوله ( الرزق) إشارة إلى حصول التفع
منه عاجلا وآجلا وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال (لا يملكون لكم رزقاً) نكرة، وقال ( فابتغوا عند الله الرزق)
معرفاً فما الفائدة؟ فنقول قال الزمخشرى قال ( لا يملكون لكم رزقاً) نكرة فى معرض النفى أى
لارزق عندهم أصلا ، وقالمعرفة عند الإثباتعندالله آلی کل الرزق عنده فاطلبوه منه ، و فيه وجه
آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله ( ومامن دابة فى الأرض إلا على اله رزقها) والرزق

٤٦
قوله تعالى : وإن تكذبوا فقد كذب أم . سورة العنكبوت .
وَإِن تُكَذِبُوْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمْ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُسِينُ
أَوَ لَمْ يَرَوْ كَيْفَ يُبْدِىُ اللهُ الْخَلْقَ مُمَّ يُعِدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرُ
١٩
من الأوثان غير معلوم فقال ( لا يملكون لكم رزقاً) لعدم حصول العلم به وقال ( فابتغوا عند الله
الرزق ) الموعود به، ثم قال (فاعبدوه) أى اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته واشكروا له أى
لكونه سابق النعم بالخلق وواصلها بالرزق ( وإليه ترجعون ) أى اعبدوه لكونه مرجعاً منه
يتوقع الخير لا غير .
ثم قال تعالى : ﴿وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾.
لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال (وإن تكذبوا) وفى المخاطب فى هذه الآية
وجهان: (أحدهما ) أنه قوم إبراهيم والآية حكاية عن قوم إبراهيم كأن إبراهيم قال لقومه (إن
تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وأنا أتيت بما على من التبليغ ، فان الرسول ليس عليه إلا
البلاغ والبيان ( والثانى) أنه خطاب مع قوم محمد عليه السلام ووجهه أن الحكايات أكثرها إنما
تكون لمقاصد لكنها تنسى لطيب الحكاية ولهذا كثيراً ما يقول الحاكى لأى شىء حكيت هذه الحكاية
فالنبى عليه السلام كان مقصوده تذكير قومه بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب وير تدعوا
خوفا من التعذيب ، فقال فى أثناء حكايتهم يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام وأهلكوا
فان كذبتم أخاف عليكم ما جاء على غير كم، وعلى الوجه الأول فى الآية مسائل :
﴿ الأولى) أن قوله (فقد كذب أمم) كيف يفهم ، مع أن إبراهيم لم يسبقه إلا قوم نوح
وهم أمة واحدة؟ (والجواب) عنه من وجهين: (أحدهما) أن قبل نوح كان أقوام كقوم إدريس
وقوم شيث وآدم ( والثانى) أن نوحا عاش ألفاً وأكثر وكان القرن يموت ويجىء أولاده والآباء
يوصون الأبناء بالامتناع عن الاتباع فكفى بقوم نوح أماً .
﴿ المسألة الثانية﴾ ما (البلاغ) وما (المبين)؟ فنقول البلاغ هو ذكر المسائل، والإبانة هى إقامة
البرهان عليه .
المسألة الثالثة) الآية تدل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز لأن الرسول إذا
بلغ شيئاً ولم يبينه فإنه لم يأت بالبلاغ المبين، فلا يكون آتياً بما عليه.
ثم قال تعالى: ﴿ أو لم يروا كيف يبدى. الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير﴾.
لما بين الأصل الأول وهو التوحيد، وأشار إلى الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله (وما على

٤٧
قوله تعالى : قل سيروا في الارض . سورة العنكبوت .
قُلْ سِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ اْخَلْقَ ثُمَّ اللّهُ يُشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ
الرسول إلا البلاغ المبين ) شرع فى بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وقد ذكرنا مراراً أن
الأصول الثلاثة لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض فى الذكر الإلهى، فأينما يذكر الله تعالى منها اثنين
يذكر الثالث ، وفى الآية مسائل :
﴿ الأولى} الانسان متى رأى بدء الخلق حتى يقال (أو لم يروا كيف يبدى. اللّه)؟
فنقول المراد العلم الواضح الذى كالرؤية والعاقل يعلم أن البدء من اللّه لأن الخلق الأول لا يكون
من مخلوق وإلا لما كان الخلق الأول خلقاً أول، فهو من اللّه هذا إن قلنا إن المراد إثبات نفس
الخلق ، وإن قلنا إن المراد بالبدء خلق الآدمى أولا وبالاعادة خلقه ثانيا ، فنقول العاقل لا يخفى عليه
أن خالق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد فى الأرحام، ويخلقه من نطفة فى غاية الإتقان
والإحكام ، فذلك الذى خلق أولا معلوم ظاهر أطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية ، وقال (أولم يروا)
أى ألم يعلموا علماً ظاهراً واضحاً ( كيف يبدى. الله الخلق) يخلقه من تراب يجمعه فكذلك يجمع
أجزاءه من التراب ينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسبة اليكم ، فان من نحت حجارات ووضع شيئا
بجنب شىء ففرقه أمر ما فانه يقول وضعه شيئا بجنب شىء فى هذه النوبة أسهل على لأن الحجارات
منحوتة، ومعلوم أن آية واحدة منها تصلح لأن تكون بجنب الأخرى، وعلى هذا المخرج خرج
كلام الله فى قوله (وهو أهون) وإليه الاشارة بقوله ( إن ذلك على الله يسير).
المسألة الثانية﴾ قال (أو لم يروا كيف يبدى. الله الخلق) علق الرؤية بالكيفية لا بالخلق
وما قال: أو لم يروا أن الله خلق، أو بدأ الخلق، والكيفية غير معلومة؟ فنقول هذا القدرمن
الكيفية معلوم، وهو أنه خلقه ولم يك شيئا مذكوراً، وأنه خلقه من نطفة هى من غذاء هو من
ماء وتراب وهذا القدر كاف فى حصول العلم بإمكان الاعادة فان الاعادة مثله .
﴿المسألة الثالثة﴾ لم قال (ثم يعيده أن ذلك على الله يسير) فأبرز اسمه مرة أخرى، ولم
يقل إن ذلك عليه يسير كما قال ثم يعيده من غير ابراز؟ نقول مع إقامة البرهان على أنه يسير فأ كده
باظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة أيضاً بكون ذلك يسيراً ، فان الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه
أنه الحى القادر، بقدرة كاملة ، لا يعجزه شيء ، العالم بعلم مخيط بذرات كل جسم ، نافذ الإرادة لاراد
لما أراده، يقطع بجواز الاعادة.
ثم قال تعالى: ﴿ قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة

٤٨
قوله تعالى : قل سيروا في الارض . سورة العنكبوت .
اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
إن الله علی کل شیء قدیر
الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسى وهو الحاصل من غير طلب فقال (أو لم يروا) على
سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه، وقال فى هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا فى
أقطار الأرض لتعلموا بالعلم الفكرى، وهذا لأن الانسان له مراتب فى الادراك بعضهم يدرك
شيئاً من غير تعليم وإقامة برهان له ، وبعضهم لا يفهم إلا يابانة وبعضهم لا يفهمه أصلا فقال: إن
كنتم لستم من القبيل الأول فيروا فى الأرض، أى سيروا فكركم فى الأرض وأجيلوا ذهنكم
فى الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفى الآية مسائل:
﴿ الأولى ) قال فى الآية الأولى بلفظ الرؤية وفى هذه بلفظ النظر ما الحكمة فيه؟ نقول العلم
الحدسى أتم من العلم الفكرى كما تبين، والرؤية أتم من النظر لأن النظر يفضى إلى الرؤية، يقال
نظرت ورأيت والمفضى إلى الشىء دون ذلك الشئ"، فقال فى الأول أماحصلت لكم الرؤية فانظروا
فى الأرض لتحصل لكم الرؤية ،
المسألة الثانية ) ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفى الآية الأولى بصيغة الاستفهام لأن
العلم الحدسى إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل، وإن لم يحصل فلا يحصل إلا بالطلب لأن
بالطلب يصير الحاصل فكرياً فيكون الأمر به تكليف ما لا يطاق ، وأما العلم الفكرى فهو
مقدور فورد الأمر به .
المسألة الثالثة) أبرز اسم الله فى الآية الأولى عند البدء حيث قال (كيف يبدى الله)
وأضمره عند الاعادة وفى هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه عند الاعادة حيث قال (ثم الله ينشى)
لأن فى الآية الأولى لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البدء فقال ( كيف يبدى" اللّه) ثم قال
(ثم يعيده) كما يقول القائل ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً ولا يحتاج إلى إظهار اسم زيد
اكتفاء بالأول، وفى الآية الثانية كان ذكر البدء مسنداً إلى الله فاكتفى به ولم يبرزه كقول القائل
أما علمت كيف خرج زيد، اسمع منى كيف خرج ، ولا يظهر اسم زيد، وأما إظهاره عندالانشاء ثانياً
حيث قال ( ثم اللّه ينشئ") مع أنه كان يكفى أن يقول: ثم ينتى النشأة الآخرة، فلحكمة بالغة
وهى ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الاعادة أظهراسماً من يفهم المسمى به بصفات كماله
ونعوت جلاله يقطع بجواز الاعادة فقال الله مظهراً مبرزاً ليقع فى ذهن الانسان من اسمه كمال
قدرته وشمول علمه ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته، فان قيل فلم لم يقل ثم الله
يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة؟ نقول لوجهين (أحدهما ) أن الله كان مظهراً مبرزاً
بقرب منه وهو فى قوله ( كيف يبدى. الله الخلق) ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق وأما ههنا فلم يكن

٤٩
قوله تعالى : يعذب من يشاء ويرحم . سورة العنكبوت
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (﴾ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِى
فِ آلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَ لَكُ مِن دُونِ اللّهِ مِن وَلٍ وَلَا نَصِبٍ
مذكوراً عند البدء فأظهره (وثانيهما) أن الدليل ههنا ثم على جواز الاعادة لأن الدلائل منحصرة
فى الآفاق وفى الأنفس ، كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم ) وفى الآية الأولى
أشار إلى الدليل النفسى الحاصل لهذا الانسان من نفسه، وفى الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل
من الآفاق بقوله (قل سيروا فى الأرض) وعندهما تم الدليلان ، فأكده باظهار اسمه، وأما الدليل
الأول فأكده بالدليل الثانى ، فلم يقل ثم الله يعيده.
﴿ المسألة الرابعة) فى الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال (أو لم يروا كيف يبدى")
وههنا قال بلفظ الماضى فقال (فانظروا كيف بدأ) ولم يقل كيف يبدأ، فنقول الدليل الأول هو
الدليل النفسى الموجب للعلم الحدسى وهو فى كل حال يوجب العلم بيد. الخلق ، فقال إن كان ليس
لكم علم بأن الله فى كل حال يبدأ خلقاً فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله بدأ
خلقاً ، ويحصل المطلوب من هذا القدر فانه ينشئ كما بدأ ذلك.
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال فى هذه الآية (إن الله على كل شىء قدير) وقال فى الآية الأولى
(إن ذلك على الله يسير) وفيه فائدتان (احداهما) أن الدليل الأول هو الدليل النفسى، وهو وإن
كان موجبه العلم الحدسى التام ولكن عند انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام ، لأنه بالنظر
فى نفسه علم نفسه وحاجته إلى الله ووجوده منه، وبالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه ووجوده
منه، فتم علمه بأن كل شىء من اللّه فقال عند تمام ذكر الدليلين (إن الله على كل شيء قدير) وقال
عند الدليل الواحد (إن ذلك) وهو إعادته (على اللّه يسير) (الثانية) هى أنا بينا أن العلم الأول أتم
وإن كان الثانى أعم وكون الأمر يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً له بدليل أن القائل يقول
فى حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه، فاذا سئل عن حمله عشرة أمنان
يقول إن ذلك عليه سهل يسير ، فنقول قال الله تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه
الأمور عند الله سهل يسير فيروا فى الأرض لتعلموا أنه مقدور، ونفس كونه مقدوراً كاف فى
إمكان الاعادة .
ثم قال تعالى: ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون، وما أتم بمعجزين فى الأرض
ولا فى السماء وما لكم من دون الله من ولی ولا نصير
لما ذكر النشأة الآخرة ذكر مايكون فيه وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا وحكمة. وإثابة
أهل الانابة فضلا ورحمة، وفى الآية مسائل :
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٤

٥٠
قوله تعالى : وما أنتم بمعجزين . سورة العنكبوت .
المسألة الأولى ﴾ قدم التعذيب فى الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه السلام
حاكياً عنه (سبقت رحمتی غضبى)) فنقول ذلك لوجين (أحدهما) أن السابق ذكر الكفار فذكر
العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، وكما ذكر، بعد إثبات الأصل الأول وهو
التوحيد - التهديد بقوله ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم وأهلكوا بالتكذيب) كذلك ذكر بعد
إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب ، وذكر الرحمة وقع تبعاً لئلا يكون العذاب مذكوراً
وحده وهذا يحقق قوله ( سبقت رحمتی غضبى) وذلك لأن الله حيث كان المقصود ذكر العذاب
لم يمحضه فى الذكر بل ذكر الرحمة معه .
﴿ المسألة الثانية﴾ إذا كان ذكر هذا لتخويف العاصى وتفريح المؤمن فلوقال يعذب الكافر
ويرجم المؤمن لكان أدخل فى تحصيل المقصود وقوله ( يعذب من يشاء) لا يزجر الكافر لجواز
أن يقول لعلى لا أكون ممن يشاء الله عذابه، فنقول: هذا أبلغ فى التخويف، وذلك لأن الله أثبت
بهذا إنفاذ مشيئته إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع، ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد
والإيعاد أنه شاء تعذيب أهل العناد ، فلزم منه الخوف التام بخلاف ما لو قال يعذب العاصى ، فانه
لا يدل على كمال مشيئته، لأنه لا يفيد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه، فإذا لم يفد هذا فيقول،
الكافر إذا لم يحصل مراده فى تلك الصورة يمكن أن يحصل فى صورة أخرى، ولنضرب له مثلا
فنقول: إذا قيل إن الملك يقدر على ضرب كل من فى بلاده وقال من خالفنى أضربه يحصل الخوف
التام لمن يخالفه ، وإذا قيل إنه قادر على ضرب المخالفين ولا يقدر على ضرب المطيعين ، فماذا قال
من خالفنى أضربه يقع فى وهم المخالف أنه لا يقدر على ضرب فلان المطيع، فلا يقدر على أيضاً
لكونى مثله، وفى هذا فائدة أخرى وهو الخوف العام والرجاء العام، لأن الأمن الكلى من الله
يوجب الجراءة فيفضى إلى صيرورة المطيع عاصياً.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال ( ثم إليه تقلبون) مع أن هذه المسألة قد سبق إثباتها وتقريرها فلم
أعادها ؟ فنقول لما ذكر الله التعذيب والرحمة وهما قد يكونان عاجلين، فقال تعالى فان تأخر
عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات ، فان إليه إيابكم وعليه حسابكم وعنده يدخر ثوابكم وعقابكم ، ولهذا
قال بعدها ( وما أنتم بمعجزين) يعنى لا تفوتون الله بل الانقلاب إليه ولا يمكن الإنفلات منه،
وفى تفسير هذه الآية لطائف ( إحداها ) هى إعجاز المعذب عن التعذيب إما بالهرب منه أو الثبات
له والمقاومة معه للدفع، وذكر الله القسمين فقال (وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء)
يعنى بالهرب لو صعد تم إلى محل السماك فى السماء أو هبطتم إلى موضع السموك فى الماء لا تخرجون
من قبضة قدرة الله فلا مطمع فى الإعجاز بالهرب، وأما بالثبات فكذلك لأن الإعجاز إما أن يكون
بالاستناد إلى ركن شديد يشفع ولا يمكن للمعذب مخالفته فيفوته المعذب ويعجز عنه أو بالانتصار
يقوم يقوم معه بالدفع وكلاهما محال ، فانكم مالكم من دون الله ولى يشفع ولا نصير يدفع فلا إجاز

٥١
قوله تعالى: والذين كفروا بآيات الله . سورة العنكبوت .
وَالَّذِينَ كَفَرُواْبِعَايَتِ اللَّهِ وَلِقَابِهِةٍ أَوْلَئِكَ بِيسُواْ مِنْ زََّْى وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمُ ®
لا بالهروب ولا بالثبات (الثانية) قال (وما أنتم بمعجزين) ولم يقل لا تعجزون بصيغة الفعل، وذلك
لأن نفى الفعل لا يدل على نفى الصلاحية ، فإن من قال إن فلاناً لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه
قوله إنه ليس بخياط ( الثالثة) قدم الأرض على السماء، والولى على النصير، لأن هربهم الممكن فى
الأرض ، فإن كان يقع منهم هرب يكون فى الأرض ، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيكون لهم
صعود فى السماء، وأما الدفع فان العاقل ما أمكنه الدفع بأجمل الطرق فلا يرتقى إلى غيره، والشفاعة
أجمل. ولأن ما من أحد فى الشاهد إلا ويكون له شفيع يتكلم فى حقه عند ملك ولا يكون كل
أحد له ناصر يعادى الملك لأجله .
ثم قال تعالى: ﴿والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئوامن رحمتى وأولئك لهم عذاب أليم)
لما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان وهدد من خالفه على سبيل التفصيل
فقال ( والذين كفروا بآيات الله ولقائه) إشارة إلى الكفار بالله، فان الله فى كل شىء آية دالة
على وحدانيته، فاذا أشرك كفر بآيات الله وإشارة إلى المنكر للحشر فإن من أنكره كفر بلقاء
الله فقال (أولئك يئسوا من رحمتی) لما أشركوا أخرجوا أنفسهم عن محل الرحمة. لأن من يكون
له جهة واحدة تدفع حاجته لا غير يرحم ، وإذا كان له جهات متعددة لا يبقى محلا للرحمة ، فإذا جعلوا
لهم آلهة لم يعترفوا بالحاجة إلى طريق متعين فييأسوا من رحمة الله، ولما أنكروا الحشر وقالوا
لا عذاب فناسب تعذيبهم تحقيقاً للأمر عليهم، وهذا كما أن الملك إذا قال أعذب من يخالفنى
فأنكره بعيد عنه وقال هو لا يصل إلى، فإذا أحضر بين يديه يحسن منه أن يعذبه ويقول هل
قدرت وهل عذبت أم لا ، فإذن تبين أن عدم الرحمة يناسب الإشراك، والعذاب الأليم يناسب
إنكار الحشر. ثم إن فى الآية فوائد (إحداها) قوله (أولئك ينسوا) حتى يكون منبئاً عن حصر
الناس فيهم وقال أيضاً (وأولئك لهم عذاب أليم) لذلك، ولو قال: أولئك الذين كفروا بآيات الله
ولقائه يئسوا من رحمتى ولهم عذاب أليم، ما كان يحصل هذه الفائدة فإن قال قائل لو اكتفى بقوله
( أولئك) مرة واحدة كان يكفى فى إفادة ما ذكر، ثم قلنا لا وذلك لأنه لو قال أولئك يئسوا
ولهم عذاب ، كان يذهب وهم أحد إلى أن هذا المجموع منحصر فيهم، فلا يوجد المجموع إلا فيهم
ولكن واحداً منهما وحده يمكن أن يوجد فى غيرهم ، فإذا قال أولئك يئسوا وأولئك لهم عذاب
أفاد أن كل واحد لا يوجد إلا فيهم ( الثانية) عند ذكر الرحمة أضافها إلى نفسه فقال رحمتی وعند
العذاب لم يضفه لسبق رحمته وإعلاماً لعباده بعمومها لهم ولزومها له ( الثالثة ) أضاف اليأس اليهم
١

٥٢
قوله تعالى : فما كان جواب قومه . سورة العنكبوت .
◌َا كَانَ جَابَ قَوْمِهِ إِلَا أَن قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨)
بقوله ( أولئك يئسوا) خرمها عليهم ولو طمعوا لأباحها لهم، فلو قال قائل ما ذكرتٍ من مقابلة
الأمرين وهما اليأس والعذاب بأمرين وهما الكفر بالآيات والكفر باللقاء يقتضى أن لا يكون
العذاب الأليم لمن كفر بالله واعترف بالحشر، أو لا يكون اليأس لمن كفر بالحشر وآمن بالله
فنقول : معنى الآية أنهم يئسوا ولهم عذاب أليم زائد بسبب كفرهم بالحشر ، ولا شك أن التعذيب
بسبب الكفر بالحشر لا يكون إلا للكافر بالحشر، وأما الآخر قالكافر بالحشر لا يكون مؤمناً
بالله ، لأن الإيمان به لا يصح إلا ذا صدقه فيما قاله والحشر من جملة ذلك.
ثم قال ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه اللّه من النار إن فى ذلك
لآيات لقوم يؤمنون﴾ .
لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة وأقام البرهان عليه، بقى الأمر من جانبهم. إما
الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم يأتوا إلا بقولهم (اقتلوه أو حرقوه) وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ كيف سمى قولهم (اقتلوه) جواباً مع أنه ليس بجواب؟ فنقول (الجواب
عنه) من وجهين (أحدهما) أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك الرسول خصمه
جوابكم السيف، مع أن السيف ليس بجواب ، وإنما معناه لا أقابله بالجواب ، وإنما أقابله بالسيف
فكذلك قالوا لا تجيبوا عن براهينه واقتلوه أو حرقوه (الثانى) هو أن اللّه أراد بيان ضلالهم
وهو أنهم ذكروا فى معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب ، فتبين أنهم لم يكن لهم جواب
أصلا وذلك لأن من لا يجيب غيره ويسكت ، لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب لجواز أن يكون
سكوته لعدم الالتفات ، أما إذا أجاب بجواب فاسد، علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.
( المسألة الثانية ) القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه والمأمورون بقولهم اقتلوه أيضاً هم،
فيكون الآمر نفس المأمور؟ فنقول (الجواب عنه) من وجهين (أحدهما) أن كل واحد منهم قال،
لمن عداه اقتلوه، فحصل الأمر من كل واحد وصار المأمور كل واحد ولا اتحاد، لأن كل واحد أمر
غيره (وثانيهما) هو أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر والرؤساء، فاذا قال أعيان بلد كلاما يقال اتفق
أهل البلدة على هذا ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذاله، فكان جواب قومه وهم الرؤساء أن
قالوا لأتباعهم وأعوانهم اقتلوه، لأن الجواب لا يباشره إلا الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع.
﴿ المسألة الثالثة) أو يذكر بين أمرين الثانى منهما ينفك عن الأولى كما يقال زوج أو فرد،
ويقال هذا إنسان أو حيوان، يعنى إن لم يكن إنساناً فهو حيوان ، ولا يصح أن يقال هذا حيوان

:
٥٣
قوله تعالى: فأنجاه الله من النار. سورة العنكبوت .
أو إنسان إذ يفهم منه أنه يقول هو حيوان فان لم يكن حيواناً فهو إنسان وهو محال لكن التحريق
مشتمل على القتل فقوله اقتلوه أو حرقوه كقول القائل حيوان أو إنسان، (الجواب عنه) من وجهين
(أحدهما) أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع ويكون (أو) مستعملا فى موضع بل، كما يقول
القائل أعطيته ديناراً أو دينارين، وكما يقول القائل أعطه ديناراً بل دينارين قال الله تعالى (قم الليل
إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أوزد عليه ) فكذلك ههنا اقتلوه أوزيدوا على القتل وحرقوه
(الجواب الثانى) هو أنا نسلم ما ذكرتم والأمر هنا كذلك، لأن التحريق فعل مفض إلى القتل
وقد يتخلف عنه القتل فان من ألقى غيره فى النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح
أن يقال احترق فلان وأحرقه فلان ومامات ، فكذلك ههنا قالوا اقتلوه أولا تعجلوا قتله وعذبوه
بالنار ، وإن ترك مقالته خلوا سبيله وإن أصر خلوا فى النار مقيله.
ثم قال تعالى ( فأنجاه اللّه من النار) اختلف العقلاء فى كيفية الإنجاء ، بعضهم قال برد النار
وهو الأصح الموافق لقوله تعالى (يا نار كونى بردا) وبعضهم قال خلق فى إبراهيم كيفية استبردمعها
النار وقال بعضهم ترك إبراهيم على ماهو عليه والنار على ما كانت عليه ومنع أذى النارعنه، والكل
يمكن والله قادر عليه، وأنكر بعض الأطباء الكل، أما سلب الحرارة عن النار، قالوا الحرارة
فى النار ذاتية كالزوجية فى الأربعة لا يمكن أن تفارقها، وأما خلق كيفية تستبرد النار فلان
المزاج الإنسانى له طرفا تفريط وإفراط، فلو خرج عنهما لا يقى إنساناً أو لا يعيش. مثلا
المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنساناً فإن صار أحد عشر لا يكون إنساناً
وإن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنساناً فإذا صارت أربعة لا يبقى إنساناً لكن البرودة التى
يستبرد معها النار مزاج السمندل فلو حصل فى الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة
للمزاج ، وأما الثالث فمحال أن تكون القطنة فى النار والنار كما هى ، والفطنة كما هى ولا تحترق،
فنقول الآية رد عليهم والعقل موافق للنقل، أما الأول فلوجهين (أحدهما) أن الحرارة فى النار تقبل
الاشتداد والضعف ، فان النار فى الفحم إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد وإن لم ينفخ لا يشتد
لكن الضعف هو عدم بعض من الحرارة التى كانت فى النار، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم
بعض آخر من ذلك عليها إلى أن ينتهى إلى حد لا يؤذى الانسان ، ولا كذلك الزوجية فانها لا تشتد
ولا تضعف ( والثانى) وهو أن فى أصول الطب ذكر أن النار لها كيمية حارة كما أن الماء له
كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه البرودة وهو ماء فكذلك النارتزول عنها الحرارة وتبقى
ناراً وهو نور غير محرق، وأما الثانى فأيضاً مكن وقولهم مدفوع من وجهين (أحدهما ) منع
أصلهم من كون النفس تابعة للمزاج بل الله قادر على أن يخلق النفس الإنسانية فى المزاج الذى
مثل مزاج الجمد ( وثانيهما ) أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال لأن الكيفية التى ذكر ناها تكون
فى ظاهر الجلد كالأجزاء الرشية عليه ولا يتأدى إلى القلب والأعضاء الرئيسة، ألاترى أن الإنسان

٥٤
قوله تعالى: وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً . سورة العنكبوت .
وَقَالَ إِنََّا اتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللّهِ أَوْتَلْنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِ الْحَوَةِ الْنَا ثُمَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُ بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَنَكُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ
مِنْ تَّصِرِينَ(
٢٥
إذا مس الجمد زماناً ثم مس جمرة نار لا تؤثر النار فى إحراق يده مثل ما تؤثر فى إحراق يد من
أخرج يده من جيبه، ولهذا تحترق يده قبل يد هذا. فإذا جاز وجود كيفية فى ظاهر جلد الانسان
تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زماناً فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية لحظة فلحظة حتى لا تحترق،
(وأما الثالث) فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد ونحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز والمعجز
ينبغى أن يكون خارقا للعادة .
ثم قال تعالى: ﴿إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون) يعنى فى إنجائه من النارلآيات، وهنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى). قال فى إنجاء نوح وأصحاب السفينة (جعلناها آية) وقال ههنا (لآ يات )
بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شىء تتسع له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام الله إياه
بالاتخاذ وقت الحاجة، فانه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما فى الغيب، وبسبب أن اللّه صان
السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة ، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه آيات.
المسألة الثانية﴾ قال هناك (آية للعالمين) وقال ههنا (لقوم يؤمنون) خص الآيات بالمؤمنين
لأن السفينة بقيت أعواماً حتى مر عليها الناس ورأوها حصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار
[فإنه] لم يبق فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الايمان به والتصديق، وفيه لطيفة: وهى أن اللّه لما برد
النار على إبراهيم بسبب اهتدائه فى نفسه وهدايته لأبناء جنسه ، وقدقال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة
حسنة فى إبراهيم، حصل للمؤمنين بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة، فقال إن فى ذلك
التبريد لآيات لقوم يؤمنون .
المسألة الثالثة ﴾ قال هناك (جعلناها) وقال ههنا (جعلناه) لأن السفينة ماصارت آية فى نفسها
ولو لا خلق الله الطوفان لبقى فعل نوح سفها، فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية ، وأما تبريد
النار فهو فى نفسه آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كلق الطوفان حتى يصير آية .
ثم قال تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أو ثاناً مودة بينكم فى الحياة الدنيا ثم يوم
القيامة يكفر بهمنكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين
لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفاروبيان فساد ماهم عليه، وقال إذا بينت لكمفـاد
مذهبكم وما كان لكم جواب ولاترجعون عنه ، فليس هذا إلا تقليداً ، فان بين بعضكم وبعض مودة
:

٥٥
قوله تعالى : وما لكم من ناصرين . سورة العنكبوت .
فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه فى السيرة والطريقة أو بينكم وبين آبائكم مودة فور ثتموهم
وأخذتم مقالتهم ولزمتم ضلالتهم وجهالتهم فقوله ( إنما اتخذتم ... مودة بينكم) يعنى ليس بدليل
أصلاوفيه وجه آخروهو تحقيق دقيق ، وهو أن يقال قوله (إنما إتخذت ... مودة بينكم) أى مودة
بين الأوثان وبين عبدتها، وتلك المودة هى أن الإنسان مشتمل على جسم وعقل، ولجسمه لذات
جسمانية ولعقله لذات عقلية، ثم إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية، ومن غلبت
عليه العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية ، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة من أكل أو شرب
أو إراقة ماء وهو بين قوم من الأكابر فى مجمع يحصل ما فيه لذة جسمه من الأكل وإراقة الماء
وغيرهما ولا يلتفت إلى اللذة العقلية من حسن السيرة وحمدالأوصاف ومكرمة الأخلاق .. والعاقل
يحمل الألم الجسمانى ويحصل اللذة العقلية، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة وخرج منه
ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة ، والألم العقلى. إذا ثبت هذا فهم كانوا قليلى العقل غلبت
الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ولا تحتهم ، ولا يمينهم ولا يسارهم ، ولا قدامهم
ولاوراءهم ، ولا يكون جسما من الأجسام ، ولاشيئاً يدخل فى الأوهام، ورأوا الأجسام المناسبة
للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين الأوثان ، ثم قال تعالى
( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) يعنى يوم يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول
يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودى ، ويقول المعبود ماهؤلاء
عبدقى ويلعن بعضكم بعضاً، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتنى فى العذاب حيث عبدتى، ويقول
ذاك لهذا أنت أوقعتنى فيه حيث أضللتنى بعبادتك ، ويريد كل واحد أن يبعد صاحبه باللعن.
ولا يتباعدون، بل هم مجتمعون فى النار كما كانوا مجتمعين فى هذه الدار كما قال تعالى (ومأواكم النار)
ثم قال تعالى ( وما لكم من ناصرين) يعنى ليس تلك النار مثل ناركم التى أنجى الله منها إبراهيم
ونصره فأنتم فى النار ولا ناصر لكم ، وههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال قبل هذا ( وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير) على لفظ
الواحد، وقال ههنا على لفظ الجمع ( وما لكم من ناصرين) والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق
إبراهيم السلام قالوا نحن ننصر آلهتناكما حكى الله تعالى عنهم (حرقوه وانصروا آلهتكم) فقال
أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فمالكم ولهم، أى للأو ثان وعبدتها من ناصرين، وأما هناك ما سبق
منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله ( ولا نصير).
المسألة الثانية﴾ قال هناك (مالكم من دون الله من ولى ولا نصير) وما ذكر الولى مهنا
فنقول: قد بينا أن المراد بالولى الشفيع يعنى ليس لكم شافع ولا نصير دافع، وههنا لما كان
الخطاب دخل فيه الأوثان أى ما لكم كلكم لم يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم
شافع لأنهم كانوا يدعون أن آلهتهم شفعاء، كما قال تعالى عنهم (هؤلاء شفعاؤنا) والشفيع لا يكون

٥٦
قوله تعالى : فآمن له لوط . سورة العنكبوت .
فَعَامَنَ لَهُوُ لُوٌّ وَقَالَ إِنِّى مُهَابِعُ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
له شفيع، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه لاعترافهم به ، وأما هناك فكان الكلام معهم
وهم كانوا يدعون أن لأنفسهم شفعاء فنفى.
﴿ المسألة الثالثة) قال هناك (مالكم من دون الله) فذكر على معنى الاستثناء فيفهم أن لهم
ناصراً وولياً هو اللّه وليس لهم غيره ولى وناصر وقال ههنا ( ما لكم من ناصرين) من غير استثناء.
فنقول. كان ذلك وارداً على أنهم فى الدنيا فقال لهم فى الدنيا، لا تظنوا أنكم تعجزون الله فما
لكم أحد ينصركم، بل اللّه تعالى ينصر كم إن تتم، فهو ناصر معد لكم متى أردتم استنصر تموه
بالتوبة وهذا يوم القيامة كما قال تعالى ثم يوم القيامة ( يكفر بعضكم ببعض) وعدم الناصر عام
لأن التوبة فى ذلك اليوم لا تقبل فسواء تابوا أولم يتوبوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم الله ولا ناصر لهم
غيره فلا ناصر لهم مطلقاً .
ثم قال تعالى: ﴿ فآمن له لوط وقال إنى ههاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم
يعنى لما رأى لوط معجزته آمن ( وقال) إبراهيم (إنى مهاجر إلى ربى) أى إلى حيث أمر نى
بالتوجه إليه ( إنه هو العزيز الحكيم ) عزيز يمنع أعدائى عن إيذانى بعزته، وحكيم لا يأمر فى إلا بما
يوافق لکال حكمته، وفى الآيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( فآمن له لوط ) أى بعد ما رأى منه المعجز القاهر ودرجة لوط
كانت عالية، وبقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ألا ترى أن أبابكر لما قبل دين محمد حمد الله
وكان نير القلب قبله قبل الكل، من غير سماع تكام الحصى ولا رؤية انشقاق القمر، فنقول إن لوطاً
لما رأى معجزته آمن برسالته ، وإما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن مقالته ، وإليه أشار بقوله
( فآمن له لوط ) وما قال فآمن لوط .
المسألة الثانية) ما تعلق قوله وقال ( إنى مهاجر إلى ربى) بما تقدم؟ فنقول لما بالغ إبراهيم
فى الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلى حيث رأى القوم الآية الكبرى (ولم يؤمنوا)
وجبت المهاجرة، لأن الهادى إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد
كان اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق وهو عبث أو يسكت والسكوت
دليل الرضا فيقال بأنه صار منا ورضى بأفعالنا، وإذا لم يبق للاقامة وجه وجبت المهاجرة .
المسألة الثالثة ﴾ قال ( مهاجر إلى ربى) ولم يقل مهاجر إلى حيث أمر نى ربى مع أن المهاجرة
إلى الرب توهم الجهة، فنقول قوله (مهاجر) إلی حیث أمرنی ربی ليس فى الاخلاص کقوله (إلى
ربى) لأن الملك إذا صدر منه أمر برواح الأجناد إلى الموضع الفلانى، ثم إن واحداً منهم سافر إليه
لغرض [فى] نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصاً لوجهه فقال (مهاجر إلى ربى)
يعنى توجهى إلى الجهة المأمور بالهجرة اليها ليس طلباً للجهة إنما هو طلب لله.
:

٥٧
قوله تعالى : ووهبنا له إسحق ويعقوب . سورة العنكبوت .
وَهَبْنَا لَهُوَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرُهُم
فِ الْبَّ وَإنُّ فِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ (
V
ثم قال تعالى: ﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره فى
فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ﴾ .
قد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى (لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم) أن أثر رحمة الله فى أمرين فى الأمان
من سوء العذاب والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن فى الدار الآخرة قطعاً بحكم وعد الله
تفى العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لا ثباته الواحد، ولكن هذا ليس بواجب الحصول فى
الدنيا ، فان كثيراً ما يكون الكافر فى رغد والمؤمن جائع فى يومه متفكر فى أمر غده لكنهما مطلوبان
فى الدنيا، أما دفع العذاب العاجل فلأنه ورد فى دعاء النبي ◌ِّ، قوله ((وقنا عذاب الفقر والنار))
فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل ، وأما الثواب العاجل ففى قوله ( ربنا آتنا فى الدنيا
حسنة وفى الآخرة حسنة ) إذا علم هذا فنقول إن ابراهيم عليه السلام لما أتى بيان التوحيد
أولا دفع اللّه عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار. ولما أتى به مرة بعد مرة مع إصرار القوم
على التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب ، أعطاه الجزاء الآخر ، وهو الثواب العاجل وعدده عليه
بقوله ( ووهبنا له اسحاق ويعقوب) وفى الآية لطيفة: وهى أن اللّه بدل جميع أحوال إبراهيم فى
الدنيا بأضدادها لما أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيداً فريداً فبدل وحدته بالكثرة حتى
ملأ الدنيا من ذريته، ولما كان أولا قومه وأفاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم آزر، بدل الله
أقار به بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل الله فيهم النبوة والكتاب، وكان أولا لا جاه له
ولا مال وهما غاية اللذة الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه، فكثر ماله حتى كان له من
المواشى ما علم الله عدده، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس بأطواق ذهب ، وأما الجاه
فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة ، فصار معروفاً بشيخ
المرسلين بعد إن كان خاملا. حتى قال قائلهم (سمعنا فتى يذكر هم يقال له ابراهيم) وهذا الكلام لايقال
إلا فى مجهول بين الناس، ثم إن الله تعالى قال ( وإنه فى الآخرة لمن الصالحين) يعنى ليس له هذا
فى الدنيا فحسب كما يكون لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجاً ليكثر من سيئاته بل
هذا له عجالة وله فى الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين ، فان كون العبد صالحاً
أعلى مراتبه، لما ينا أن الصالح هو الباقى على ما ينبغى، يقال الطعام بعدصالح، أى هو باق على ما ينبغى،
ومن بقى على ما ينبغى لا يكون فى عذاب، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفى الآية مسألتان:
﴿ إحداهما) أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين، وكان قد أسلم لأمر الله بالذبح وانقاد

٥٨
قوله تعالی : ولوطاً ان قال لقومه . سورة العنكبوت
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكٌ لَتَأْتُونَ الْفَئِثَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِنَ
أُّكُ لَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيِكُ الْمُنكِّ ◌َمَا كَانَ
٢٨
جَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُواْ آمْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (﴾ قَالَ
رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
٣٠
لحكم الله، فلم لم يذكر؟ فيقال هو مذكور فى قوله (وجعلنا فى ذريته النبوة) ولكن لم يصرح باسمه
لأنه كان غرضه تبين فضله عليه بهية الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو إلأ كبر.
ومن الأحفاد واحداً وهو الأظهر. كما يقول القائل إن السلطان فى خدمته الملوك والأمراء الملك
القلانى والأمير الفلانى ولا يعدد الكل] لأن ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو
ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل بالذكر ، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين.
المسألة الثانية) أن اللّه تعالى جعل فى ذريته النبوة إجابة لدعائه والوالد يستحب منه أن
يسوى بين ولديه، فكيف صارت النبوة فى أولاد اسحاق أكثر من النبوة فى أولاد اسماعيل؟
فنقول: الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس جمعين، فالقسم الأول
من الزمان بعث الله فيه أنبياء فهم فضائل جمة وجاؤًا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين فى عصر
واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام، ثم فى القسم الثانى من الزمان أخرج من ذرية ولده
الآخر وهو إسماعيل واحداً جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه
وسلم وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين أولاد اسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة
فلا يبعد أن يبقى الخلق على دين ذرية اسماعيل مثل ذلك المقدار .
ثم قال تعالى: ﴿ولوطاً إذ قال لقومه أثنكم لتأتون الفاحشة ماسبقكم بها من أحد من
العالمين، أثنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر، فما كان جواب
قومه إلا أن قالوا اثقنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ، قال رب انصرنى على القوم
المفسدين ) .
الإعراب فى لوط، والتفسير كما ذكرنا فى قوله ( وإبراهيم إذ قال لقومه ) وههنا مسائل:
( الأولى) قال إبراهيم لقومه (اعبدوا الله) وقال عن لوط ههنا أنه قال لقومه ( لتأتون
الفاحشة ) فنقول لما ذكر الله لوطاً عند ذكر ابراهيم وكان لوط فى زمان ابراهيم لم يذكر عن
لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن الرسول لابد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها
:
:

٥٩
قوله تعالى : فما كان جواب قومه . سورة العنكبوت .
ههنا ذكرها الله على سبيله الاختصار، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة ، ولم
يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله فى موضع آخر حيث قال (اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره) لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن ابراهيم.
وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصاً بلوط ، فان ابراهيم لم يظهر ذلك [فى زمنه] ولم يمنعهم منه
فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره .
{ المسألةَ الثانية﴾ لم سمى ذلك الفعل فاحشة؟ فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه ، ثم إن
الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله فى الانسان، فمصلحة الشهوة الفرجية
هى بقاء النوع بتوليد الشخص ، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب، فانه
لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضى
إلى بقاء النوع، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضى إلى
وجود الولد ولكن لا يفضى إلى بقاته، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم
بتربيته والانفاق عليه فيضيع ويهلك ، فلا يحصل مصلحة البقاء ، فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن
المصلحة التى لأجلها خلقت ، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة، وإذا كان
الزنا فاحشة مع أنه يفضى إلى وجود الولد ولكن لا يفضى إلى بقائه، فاللواطة التى لا تفضى إلى
وجوده أولى بأن تكون فاحشة .
المسألة الثالثة ) الآية دالة على وجوب الحد فى اللواطة ، لأنها مع الزنا اشتركت فى كونهما
فاحشة حيث قال الله تعالى ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ) واشترا كهما فى الفاحشة يناسب
الزجر عنه، فما شرع زاجراً هناك يشرع زاجراً ههنا ، وهذا وإن كان قياساً إلا أن جامعه مستفاد
من الآية ، ووجه آخر ، وهو أن اللّه جعل عذاب من أنى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم
حجارة عاجلا ، فوجب أن يعذب من أتى به بامطار الحجارة به عاجلا وهو الرجم ، وقوله (ماسبقكم
بها من أحد) يحتمل وجهين (أحدهما) أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر، (والثانى) أن
قبلهم ربما أتى به واحد فى الندرة لكنهم بالغوا فيه، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد، كما يقال إن
فلاناً سبق البخلاء فى البخل ، وسبق اللئام فى اللؤم إذا زاد عليهم، ثم قال تعالى (أثنكم لتأتون
الرجال وتقطعون السبيل ) بياناً لما ذكرنا، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد
مع النساء المشتمل على المصلحة التى هى بقاء النوع، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قيحه مصلحة ،
وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى (أتأتون الرجال شهوة من دون النساء) يعنى إتيان النساء شهوة
قبيحة مستقرة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع
الفاحشة وقوله ( وتأتون فى ناديكم المنكر ) يعنى ما كفا لم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح
الاظهار، وقوله ( فماكان جواب قومه) فى التفسير، كقوله فى قصة إبراهيم (وما كان جواب قومه)
وفى الآية مسائل :

٦٠
قوله تعالى : ولما جاءت رسلنا إبراهيم . سورة العنكبوت .
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ
إِنَّأَهْلَهَا كَانُوْنَظَلِينَ (﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَ لُوطًا قَالُوا تَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيًّا لَنُنََِّنَهُ
وَأَهْلَهُوَ إِلَّا أَمْرَ أَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ (َ)
﴿ الأولى) قال قوم إبراهيم (اقتلوه أو حرقوه) وقال قوم لوط (ائتنا بعذاب الله) وما
هددوه، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطاً كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح
فى دينهم ويشتم آلهتهم بتعديّد صفات نقصهم بقوله: لا يسمع، ولا يبصر ، ولا يغنى . والقدح فى
الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب
المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم
إبراهيم قول إبراهيم، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب،
فإن كنت صادقاً فأتنا بالعذاب ، فان قيل إن الله تعالى قال فى موضع آخر (فما كان جواب قومه
إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم) وقال ههنا (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا)
فكيف الجمع؟ فنقول لوط كان ثابتاً على الارشاد مكرراً عليهم التغيير والنهى والوعيد ، فقالوا
أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب
النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله (فقال رب انصرنى على القوم المفسدين) فإن الله لا يحب
المفسدين ، حتى ينجز النصر .
واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما
قال نوح ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً ) يعنى المصلحة إما فيهم
حالا أو بيهم مآ لا ولا مصلحة فيهم، فإنهم يضلون فى الحال وفى المآل فانهم يوصون الأولاد
من صغرهم بالامتناع من الاتباع. فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون فى الحال واشتغلوا بما
لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد اللّه، بطلت المصلحة حالا ومآ لا، فعدمهم صار خيراً،
فطلب العذاب .
ثم قال تعالى: ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أعلى هذه القرية إن أهلها
كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾
لما دعا لوط على قومه بقوله ( رب انصرنى) استجاب الله دعاءه، وأمر ملائكته باهلاكهم
وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا ( إنا مهلكوا أهل هذه
القرية) يعنى أهل سدوم، وفى الآية لطيفتان: (إحداهما) أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين،