Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله خير منها . سورة القصص .
مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ قَلَهُ خَيْرٌمِنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَِّّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ
إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ كَرَادُكَ إِلَى
٠٨٤
السِّّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
مَعَادٍ قُل رَّبِ أَعْلَمُ مَن ◌َآءَ بِلْهُدَى وَمَنْ هُوَفِ ضَلَئِلِ مُبِينٍ (*) وَمَا كُنتَ
تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّ رََّةً مِّن رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَِّرِينَ
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُزِلَتْ إِلَيْكٌ وَأَدْعُ إلَى رَبِّكٌ وَلَا
٨٦
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿﴾ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَانَ لَآ إِلَهَ إِلَّ مُوْ كُلْ شَىْءٍ
حَالِكٌ إلَّ وَجْهَةٌ، لَهُ الْحُكُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
عليه السلام : إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك فعله أجود من شراك فعل صاحبه فيدخل تحتها ،
قال صاحب الكشاف: ومن الطماع من يجعل العلولفرعون لقوله (إن فرعون علا فى الأرض)
والفساد لقارون لقوله ( ولا تبغ الفساد فى الأرض ) ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون
فله تلك الدار الآخرة ولا يتدبر قرله ( والعاقبة للمتقين ) كما تدبره على بن أبى طالب عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات
إلا ما كانوا يعملون، إن الذى فرض عليك القرآن الرادك إلى معاد قل ربى أعلم من جاء بالهدى
ومن هو فى ضلال مبين ، وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن
ظهراً للكافرين ، ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن
من المشركين ، ولا تدع مع اللّه إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شىء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه
ترجعون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علواً فى الأرض ولا فساداً ، بل هى
للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال ( من جاء بالحسنة فله خير منها) وفيه وجوه (أحدها)
المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير ( وثانيها ) حصل له شىء هو أفضل من تلك
الحسنة ، ومعناه أنهم يزادون على ثوابهم وقد مرتفسيره فى آخر النمل ، وأما قوله (ومن جاء بالسيئة
فلا يجزي الذين عملوا السيئآت إلا ما كانوا يعملون) فظاهره أن لايزادوا على ما يستحقون.
٢٢
قوله تعالى : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى . سورة القصص .
وإذا صح ذلك فى السيئات دل أن المراد فى الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل
على الثواب، قال صاحب الكشاف تقدير الآية: ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا
يعملون، لكنه كرر ذلك لأن فى إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً فضل تهجين لحالهم وزيادة
تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزى بالسيئة إلا مثلها ، ويجزى
بالحسنة عشر أمثالها ، وههنا سؤالان:
﴿ السؤال الأول) قال تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) كرر ذلك
الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة، وفى هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى
فى ذكر الإحسان بمرة واحدة، فما السبب؟ (الجواب) لأن هذا المقام مقام الترغيب فى الدار .
الآخرة، فكانت المبالغة فى الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب، لأن المبالغة فى الزجر عن المعصية
مبالغة فى الدعوة إلى الآخرة. وأما الآية الآخرى فهى شرح حالهم فكانت المبالغة فى ذكر
محاسنهم أولى .
﴿ السؤال الثانى) كيف قال: لا تجزى السيئة إلا بمثلها؟ مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا
مات فى الحال عذب أبد الآباد (والجواب) لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبداً لقال ذلك فعومل
بمقتضى عزمه . قال الجبائى: وهذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على الله تعالى أن يعذب
الأطفال عذاباً دائماً بغير جرم ، قلنا لا يجوز أن يفعله وليس فى الآية ما يدل عليه، ثم إنه سبحانه
لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى فى ذلك، شرح له ما يتصل بأحواله فقال (إن الذى فرض
عليك القرآن الرادك إلى معاد) قال أبو على: الذى فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد
الموت إلى معاد ، وتنكير المعاد لتعظيمه، كأنه قال إلى معاد وأى معاد ، أى ليس لغيرك من البشر
مثله ، وقيل المراد به مكة ، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح، ووجه تنکیره أنها كانت فى ذلك
اليوم معادً له شأن عظيم الاستيلاء رسول الله ير يقع عليها وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال
حزب الكفر والسورة مكية ، فكان اللّه تعالى وعده وهو بمكة فى أذى وغلبة من أهلها أنه يها جر
منها ويعيده إليها ظاهراً ظافراً. وقال مقاتل: إنه عليه السلام خرج من الغار وسار فى غير الطريق
مخافة الطلب ، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة
واشتاق إليها وذكرمولده ومولد أبيه ، فنزل جبريل عليه السلام وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك،
فقال عليه السلام: نعم ، فقال جبريل عليه السلام: فإن الله تعالى يقول (إن الذى فرض عليك
القرآن لرادك إلى معاد) يعنى إلى مكة ظاهراً عليهم وهذا أقرب، لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه
وفارقه وحصل العود، وذلك لا يليق إلا بمكة ، وإن كان سائر الوجوه محتملا لكن ذلك أقرب.
قال أهل التحقيق: وهذا أحد ما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون
معجزاً، ثم قال ( قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن هو فى ضلال مبين) ووجه تعلقه بما قبله أن
٢٣
قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه . سورة القصص .
الله تعالى لما وعد رسوله الرد إلى معاد، قال(قل) للمشركين (ربى أعلم من جاء بالهدى) يعنى نفسه
وما يستحقه من الثواب فى المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة ( ومن هو فى ضلال مبين) يعنيهم
وما يستحقون من العقاب فى معادهم ، ثم قال لرسوله ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب
إلا رحمة من ربك ) ففى كلمة إلا وجهانٍ (أحدهما) أنها للاستثناء، ثم قال صاحب الكشاف: هذا
كلام محمول على المعنى كأنه قيل (وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) ويمكن أيضاً إجراؤه
على ظاهره، أى وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله برحمته فينعم عليك بذلك، أى ما كنت ترجو
إلا على هذا ( والوجه الثانى) أن إلا بمعنى لكن للاستدراك، أى ولكن رحمة من ربك ألقى
إليك ونظيره قوله (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك) خصصك به ، ثم إنه
كلفه بأمور (أحدها) كلفه بأن لا يكون مظاهراً للكفار فقال ( فلا تكونن ظهيراً للكافرين)
(وثانيها) أن قال ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك) الميل إلى المشركين ، قال
الضحاك وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطراً من مالهم، أى لا تلتفت إلى
هؤلاء ولاتركن إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله (وثالثها ) قوله (وادع إلى ربك) أى
إلى دين ربك، وأراد التشدد فى دعاء الكفار والمشركين، فلذلك قال (ولا تكونن من المشركين)
لأن من رضى بطريقتهم أو مال إليهم كان منهم ( ورابعها) قوله ( ولا تدع مع الله إلهاً آخر)
وهذا وإن كان واجباً على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصاً لأجل التعظيم ، فإن قيل الرسول
كان معلوماً منه أن لا يفعل شيئاً من ذلك البتة فما فائدة هذا النهى؟ قلنا لعل الخطاب معه ولكن
المراد غيره، ويجوز أن یکون المعنی لا تعتمد علی غیے الله ولا تتخذ غيره و کیلا فى(أمورك ، فإن
من وثق بغير الله تعالى فكأنه لم يكمل طريقه فى التوحيد، ثم بين أنه لا إله إلا هو ، أى لا نافع
ولا ضار ولا معطى ولا مانع إلا هو، كقوله (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا)
فلا يجوز اتخاذ إله سواء، ثم قال (كل شىء هالك إلا وجهه) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى قوله ﴿ كل شىء حالك ) فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم،
والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شىء سواه، ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعاً به،
إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء، وإن كانت أجزاؤه باقية ، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا
يريدون به فناء أجزائه، بل خروجه عن كونه منتفعاً به، ومنهم من قال: معنى كونه هالكا كونه
قابلا للهلاك فى ذاته ، فان كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلا
للعدم فكان قابلا للهلاك ، فأطلق عليه اسم الهلاك نظراً إلى هذا الوجه .
واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شىء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك
قالوا: ثبت أن العالم محدث ، وكل ما كان محدثاً فان حقيقته قابلة للعدم والوجود، وكل ما كان
كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبداً، لأن الإمكان من لوازم الماهية، ولازم الماهية
٢٤
قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه . سورة القصص .
لا يزول قط ، إلا أنا لما نظرنا فى هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض، لأنهم إنما أقاموا
الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض ، فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ماسوى الله تعالى
إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم ، إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة
بالمتحيز، فالدليل الذى يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ماسوى الله تعالى
إلا بعدقيام الدلالة على نفى ذلك القسم الثالث، ولهم فى نفى هذا القسم الثالث طريقان (أحدهما)
قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا سقوطها فى الكتب الكلامية ( والثانى)
قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركالله تعالى فى نفى المكان والزمان والإمكان، ولو كان
كذلك لصار مثلالله تعالى وهو ضعيف، لاحتمال أن يقال إنهما وإن اشتركا فى هذا السلب إلا أنه
يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة ، وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلى لا يفى
بإ ثبات أن كل شىء هالك إلا وجهه، والذى يعتمد عليه فى هذا الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم
واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته، وإلا لاشتركا فى الوجوب
وامتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد
منهما مركباً عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل م كب ممكن مفتقر إلى جزئه ، ثم إن الجزأين إن
كانا واجبين كانا مشترکین فی الوجوب ومتمايزین باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضاً
ويلزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يكونا واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون
واجباً ، فثبت أن واجب الوجود واحد وأن كل ماعداہ فهو ممکن و کل یمکن فلا بد له من مرجح،
وافتقاره إلى المرجح، إما حال عدمه أو حلل وجوده ، فإن كان الأول ثبت أنه محدث ، وإن كان
الثانى فافتقار الموجود إلى المؤثر ، إما حال حدوثه أو حال بقائه، والثانى باطل لأنه يلزم إيجاد
الموجود وهو محال . فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث، وثبت أن كل ما سوى الله تعالى
محدث سواء كان متحيزاً أو قائماً بالمتحيز أو لا متحيزاً ولا قائماً بالمتحيز، فإن نقضت هذه الدلالة
بذات الله وصفاته، فاعلم أن هناك فرقا قوياً وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان
محدثاً كان قابلا للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شىء هالك إلا وجهه، بمعنى كونه قابلا للهلاك
والعدم، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى وذلك لأنه سبحانه حكم بكونها مالكه فى
الحال، وعلى ماقلناه فهى هالكة فى الحال، وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة فى الحال ، فكان
قولنا أولى وأيضاً فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقا لا للوجود ولا للعدم من ذاته،
فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته، وأما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب
المستعار له وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذى استعار ثوباً من رجل غنى ، فان الفقير
لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيراً كذا الممكنات عارية عن الوجود من حیث هى هى ، وإنما
الوجود ثوب حصل لها بالعارمة فصح أنها أبداً هالكه من حيث هى هى، أما الذين حملوه على أنها
٠
٢٥
قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه . سورة القصص .
ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا: الهلاك فى اللغة له معنيان (أحدهما ) خروج الشىء عن أن يكون
منتفعاً به (والثانى) الفناء والعدم لا جائز حمل اللفظ على الأول لأن هلا كها بمعنى خروجها عن
حد الانتفاع محال ، لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث
يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة ،
وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة. وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على
الفناء. أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال : هلاك الشىء خروجه عن المنفعة التى يكون الشىء
مطلوباً لأجلها ، فاذا مات الإنسان قيل هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله ، وإذا تمزق الثوب
قيل هلك ، لأن المقصود منه صلاحيته للبس ، فاذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات
والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التى لأجلها كانت منتفعاً بها انتفاعاً خاصاً، فلا جرم صح
إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الإستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة
خاصة بالشمس من حيث هى شمس والقمر من حيث هو قمر ، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها
اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) وهذا صريح
بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما فى هذا الموضع.
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن اللّه تعالى شئ"، قالوا لأنه استثنى من
قوله (كل شىء ) استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصنح دخوله تحت اللفظ، فوجب كونه شيئاً
يؤكده ماذكرناه فى سورة الأنعام ، وهو قوله (قل أى شىء أكبر شهادة قل اللّه) واحتجاجهم على
أنه ليس بشئْ بقوله (ليس كمثله شىء) والكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شىء ومثل
مثل اللّه هو الله فوجب أن لا يكون الله شيئاً، جوابه: أن الكاف صلة زائدة.
.﴿المسألة الثالثة) استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين (الأول)
قالوا الآية صريحة فى إثبات الوجه وذلك يقتضى الجسمية (والثانى) قوله (وإليه ترجعون) وكلمة
إلى لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا فى الأجسام (والجواب ) لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى
جميع أعضائه وأن لا يبقى منه إلا الوجه ، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة . وهو بيان
ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل ، ثم من الناس من قال الوجه هو الوجود والحقيقة يقال وجه
هذا الأمر كذا أى حقيقته، ومنهم من قال الوجه صلة، والمراد كل شىء هالك إلا هو، وأماكلمة
إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون .
المسألة الرابعة) استدلت المعتزلة به على أن الجنة والنار غير مخلوقتين، قالوا لأن الآية
تقتضى فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا، وهذا يناقض قوله تعالى فى صفة الجنة (أكلها دائم )
( والجواب) هذا معارض بقوله تعالى فى صفة الجنة (أعدت للمقين) وفى صفة النار (وقودها
الناس والحجارة أعدت للكافرين) ثم إما أن يحمل قوله ( كل شىء هالك) على الأكثر، كقوله
٢٦
قوله تعالى: ألم أحسب الناس أن يتركوا . سورة العنكبوت .
(٢٩) سُورة الجَنَكُونِكِيَّة
وَآيَاتِهَا ◌ِشْع وَسَتِتِونَ
وقيل مدنية وقيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة وباقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر
العشر بالمدينة وباقيها بمكه بالعكس ، وهى سبعون أو تسع وستون آية
الّمَ ® أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُواْءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُقْتَنُونَ.
(وأوتيت من كل شىء) أو يحمل قوله (أكلها دائم) على أن زمان فنائهما لما كان قليلا بالنسبة
إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قوله ( كل شىء هالك) يدل على أن الذات ذات بالفعل ، لأنه حكم
بالهلاك على الشىء" فدل على أن الشى فى كونه شيئاً قابل للبلاك، فوجب أن لا يكون المعدوم شيئاً
والله أعلم . والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم .
﴿ المّ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ فى تفسير الآية وفيما
يتعلق بالتفسير مسائل :
﴿ المسألة الأولى) فى تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه (الأول) لما قال الله
تعالى قبل هذه السورة ( إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) وكان المراد منه أن يرده
إلى مكة ظاهراً غالباً على الكفار ظافراً طالباً للثأر: وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض
ذلك فقال الله تعالى ( المّ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) ولا يؤمروا بالجهاد (الوجه
الثانى) هو أنه تعالى لما قال فى أواخر السورة المتقدمة (وادع إلى ربك) وكان فى الدعاء إليه
الطعان والحراب والضراب، لأن النبى عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن
الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال (أحسب الناس أن يتركوا) (الوجه الثالث)
هو أنه تعالى لما قال فى آخر السورة المتقدمة (كل شيء هالك إلا وجهه) ذكر بعده ما يبطل قول
المنكرين للحشر فقال ( له الحكم وإليه ترجعون) يعنى ليس كل شىء" مالكا من غير رجوع بل
كل مالك وله رجوع إلى الله. إذا تبين هذا، فاعلم أن منكرى الحشر يقولون لافائدة فى التكاليف
فإنها مشاق فى الحال ولا فائدة لها فى المآل إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة
فيها . فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل حسن التكليف ليثيب
٢٧
قوله تعالى : ألم أحسب الناس أن يتركوا . سورة العنكبوت .
الشكور ويعذب الكفور فقال ( أحسب الناس أن يتركوا) غير مكلفين من غير عمل يرجعون
به إلى ربهم .
﴿ المسألة الثانية) فى حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجى، ولنقدم عليه كلاماً كلياً
فى افتاح السور بالحروف فنقول: الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول
البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل
بقلبه عليه ، ثم يشرع فى المقصود. إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاماً له
معنى مفهوم، كقول القائل اسمع ، واجعل بالك إلى، وكن لى. وقد يكون شيئاً هو فى معنى الكلام
المفهوم كقول القائل أزيد ويازيد وألا يازيد ، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير
مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه ، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان
بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كا) كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على
المقصود أكثر. ولهذا ينادى القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد ، والغافل ينبه
أولا فيقال إلا يازيد. إذا ثبت هذا فنقول إن النى مَ لِّم وإن كان يقظان الجنان لكنه انسان يشغله
شأن عن شأن فمكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هى كالمنبهات ، ثم إن
تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم فى إفادة المقصود الذى هو التنبيه من تقديم
الحروف التى لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك
فاذا كان ذلك المقدم كلا ماً منظوماً وقولامفهوماً فاذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا
كلام له بعد ذلك فيقطع الإلتفات عنه ، أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره
عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود ، فاذن تقديم الحروف التى لامعنى لها فى
الوضع على الكلام المقصود فيه حكمه بالغة ، فإن قال قائل فما الحكمة فى اختصاص بعض السور
بهذه الحروف ؟ فنقول عقل البشرعن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز والله أعلم بجميع
الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة فى أوائلها حروف التهجى فإن فى أوائلها ذكر
الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى (المّ ذلك الكتاب ) (المّ الله لا إله إلا هو الحى
القيوم نزل عليك الكتاب)، (المص" كتاب أنزل إليك)، (يس والقرآن)، (ص والقرآن)
(قَ والقرآن)، (المّ تنزيل الكتاب)، (حمّ تنزيل الكتاب) إلا ثلاثة سور (كهيعصّ)،
(المّ أحسب الناس)، (المّ غلبت الروم) والحكمة فى افتتاح السور التى فيها القرآن أو التنزيل
أو الكتاب بالحروف هى أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عب. كما قال تعالى
( إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا) وكل سورة فى أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه
يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها
ذكر القرآن لفظاً أولم يكن، فكان الواجب أن يكون فى أوائل كل سورة منبه، وأيضاً فقد١٠٠,"،
٢٨
قوله تعالى: ألم أحسب الناس أن يتركوا . سورة العنكبوت .
سور فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى (الحمد لله الذى أنزل على
عبده الكتاب) وقوله ( سورة أنزلناها) وقوله (تبارك الذى نزل الفرقان) وقوله (إنا أنزلناه
فى ليلة القدر ) لأنا نقول جواباً عن الأول لا ريب فى أن كل سورة من القرآن لكن السورة
التى فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى (طه ما أنزلنا
عليك القرآن ) مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك
علی لو که فيه شغلما ، و کتاب آخريرد منه عليه فیه: إنا کتبنا إليك کتیاً إليك کتباً فيها أوامرنا
فامتثلها ، لا شك أن عب الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثانى أن قوله (الحمد لله ،
وتبارك الذى ) تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف
الأوامر والنواهى، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح (وسورة أنزلناما)
قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر انزالها وفى السورة التى ذكر ناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم فى
النفس وأثقل .
وأما قوله تعالى (إنا أنزلناه) فنقول هذا ليس وارداً على مشغول القلب بشى غيره بدليل أنه ذكر
الكتابة فيها وهى ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله (إنا أنزلناه) الهاء راجع إلى معلوم عند الني وزرائه
فكان متنبهاً له فلم ينبه ، واعلم أن التنبيه قد حصل فى القرآن بغير الحروف التى لا يفهم معناها كما
فى قوله تعالى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) وقوله ( ياأيها النبى اتق الله،
ويا أيها التى لم تحرم) لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمرٍ عظيم فقدم عليها النداء
الذى يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهاً، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الإبتداء
بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبته بما فيه من التكاليف والمعانى، وهذه السورة
فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) يعنى لا يتركون
بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذى فى السور التى فيها ذكر القرآن
المشتمل على الأوامر والنواهى فان قيل مثل هذا الكلام، وفى معناه ورد فى سورة التوبة وهو
قوله تعالى؟ (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) ولم يقدم عليه حروف التهجى
فنقول الجواب عنه فى غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال
(أحسب ) وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون فى أول الكلام لا فى
أثنائه، وأما (ألم غلبت الروم) فسيجىء فى موضعه إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام فى الحروف.
﴿ المسألة الثالثة) فى إعراب (ألم) وقد ذكر تمام ذلك فى سورة البقرة مع الوجوه المنقولة
فى تفسيره ونزيد ههنا على ماذكرناه أن الحروف لا إعراب لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة.
﴿ المسألة الرابعة﴾ فى سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال: (الأول ) أنها نزلت فى عمار
ابن ياسر وعياش بن أبى ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة (الثانى)
٢٩
قوله تعالى : ألم أحسب الناس أن يتركوا . سورة العنكبوت .
أنها نزلت فى أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون (الثالث ) أنها
نزلت فى مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر.
﴿ المسألة الخامسة﴾ فى التفسير قوله (أحسب الناس أن يتركوا) يعنى أظنوا أنهم يتركون
بمجرد قولهم (آمنا وهم لا يفتنون) لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية، واختلف أئمة النحو فى
قوله (أن يقولوا) فقال بعضهم: أن يتركوا بأن يقولوا ، وقال بعضهم: أن يتركوا يقولون آمنا ،
ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب
زيد أى تمنع من ذلك، وهذا بعيد فان الله لا يمنع أحداً من أن يقول آمنت، ولكن مراد هذا المفسر
هو أنهم لا يتركون يقولون آمنامن غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم .
﴿ المسألة السادسة ) فى الفوائد المعنوية وهى أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد
الأعلى فى العبادة حصول محبة الله كما ورد فى الخبر (( لا يزال العبد يتقرب إلى بالعبادة حتى أحبه
وكل من كان قلبه أشد امتلا من محبة الله فهو أعظم درجة عند اللّه، لكن للقلب ترجمان وهو
اللسان، وللسان مصدقات هى الأعضاء، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الانسان آمنت باللسان
فقد ادعى محبة الله فى الجنان، فلا بد له من شهود فاذا استعمل الأركان فى الإتيان بما عليه بنيان
الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فاذا بذل فى سبيل الله نفسه وماله، وزكى بترك
ما سواه أعماله، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فيحرر فى جرائد المحبين اسمه ، ويقررفى أقسام
المقربين قسمه، وإليه الإشارة بقوله (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) يعنى أظنوا أن
تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين ، بل لابد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين .
﴿فائدة ثانية) وهى أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلماً فان مادونه دركات الكفر ، فالإسلام
أول درجة تحصل للعبد فأذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه ، لكن المستخدمين عند
الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضاً فى شغله ماضياً فى فعله ، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها
مرتبة، ومنهم من يكون كلاناً متخلفاً فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ، ومنهم من يترك على
شغله من غير تغيير، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم
عابداً مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهى درجة
المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلا بالخلاعة ، فينقل إلى مرتبة دونه وهى مرتبة العصاة
ومنزلة القساة ، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروماً ويلحق بأهل
العناد مرجوماً ، ومنهم من يبقى فى أول درجة الجنة وهم البله، فقال الله بشارة للمطيع الناهض
(أحسب الناس أن يتركوا) يعنى أظنوا أنهم يتركون فى أول المقامات لا ، بل ينقلون إلى أعلى
الدرجات كما قال تعالى ( والذين أوتوا العلم درجات ) (فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة).
وقال بضده للكسلان (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) يعنى إذا قال آمنت ويتخلف
٣٠
قوله تعالى : ولقد فتنا الذين من قبلهم . سورة العنكبوت :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَبَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ (٣)
بالعصيان يترك ويرضى منه ، لابل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصى أو الكافر .
ثم قال تعالى : ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين
ذكر الله ما يوجب تسليتهم فقال كذلك فعل الله بمن قبلكم ولم يتركهم بمجرد قولهم (آمنا)
بل فرض عليهم الطاعات وأوجب عليهم وفى قوله ( فليعلمن الله الذين صدقوا) وجوه: (الأول)
قول مقاتل فليرين اللّه (الثانى) فليظهرن الله (الثالث) فليميزن اللّه، فالحاصل على هذا هو أن
المفسرين ظنوا أن حمل الآية على ظاهرها يوجب تجدد علم الله والله عالم بالصادق والكاذب قبل
الامتحان، فكيف يمكن أن يقال بعلمه عند الامتحان فنقول الآية محمولة على ظاهرها وذلك أن علم
الله صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع، فقبل التكليف كان الله يعلم أن زيداً مثلا سيطيح
وعمراً سيعصى، ثم وقت التكليف والاتيان يعلم أنه مطيع والآخر عاص وبعد الاتيان يعلم أنه
أطاع والآخر عصى ولا يتغير علمه فى شىء من الأحوال، وإنما المتغير المعلوم ونبين هذا بمثال
من الحسيات ولله المثل الأعلى ، وهو أن المرآة الصافية الصقيله إذا علقت من موضع وقوبل بو جهها
جهة ولم تحرك ثم عبر عليها زيد لابساً ثوباً أبيض ظهر فيها زيد فى ثوب أبيض ، وإذا عبر عليها
عمرو فى لباس أصفر يظهر فيها كذلك فهل يقع فى ذهن أحد أن المرآة فى كونها حديداً تغيرت،
أو يقع له أنها فى تدويرها تبدلت ، أو يذهب فهمه إلى أنها فى صقالتها اختلفت أو يخطر بباله أنها
عن سكانها انتقلت، لا يقع لأحد شىء من هذه الأشياء ويقطع بأن المتغير الخارجات، فافهم علم
الله من هذا المثال بل أعلى من هذا المثال، فان المرآة ممكنة التغير وعلم اللّه غير ممكن عليه ذلك
فقوله ( فليعلمن الله الذين صدقوا) يعنى يقع من يعلم الله أن يطيع الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك
العلم ( وليعلمن الكاذبين) يعنى من قال أنا مؤمن وكان صادقاً عند فرض العبادات يظهر منه ذلك
ويعلم ومن قال ذلك وكان منافقاً كذلك يبين، وفى قوله (الذين صدقوا) بصيغة الفعل وقوله
(الكاذبين) باسم الفاعل فائدة مع أن الاختلاف فى اللفظ أدل على الفصاحة ، وهى أن اسم الفاعل
يدل فى كثير من المواضع على ثبوت المصدر فى الفاعل ورسوخه فيه والفعل الماضى لا يدل عليه
كما يقال فلان شرب الخمر وفلان شارب الخمر وفلان نفذ أمره وفلان نافذ الأمر فإنه لايفهم من
صيغة الفعل التكرار والرسوخ ، ومن اسم الفاعل يفهم ذلك إذا ثبت هذا فنقول وقت نزول
الآية كانت الحكاية عن قوم قربى العهد بالاسلام فى أوائل إيجاب التكاليف وعن قوم مستديمين
للكفر مستمرين عليه فقال فى حق المؤمنين ( الذين صدقوا ) بصيغة الفعل أى وجد منهم الصدق
وقال فى حق الكافر ( الكاذبين ) بالصيغة المنبئة عن الثبات والدوام ولهذا قال ( يوم ينفع
الصادقين صدقهم) بلفظ اسم الفاعل، وذلك لأن فى اليوم المذكور الصدق قد يرسخ فى قلب
٣١
قوله تعالى : أم حسب الذين يعملون السيئات . سورة العنكبوت .
أُمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
من
٤
كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ الِّ فَإِنَّ أَجَلَ الَهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
المؤمن وهو اليوم الآخر ولا كذلك فى أوائل الإسلام.
ثم قال تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون
لما بين حسن التكليف بقوله ( أحسب الناس أن يتركوا) بين أن من كلف بشىء ولم يأت
به يعذب وإن لم يعذب فى الحال فسيعذب فى الإستقبال ولا يفوت اللّه شىء فى الحال ولا فى
المآل، وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا
يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ما كان عاجزاً عن العذاب عاجلا فلم كان يؤخر العقاب فقال
تعالى ( لم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) يعنى ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب
ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد، وأما الإمهال فلا يفضى إلى الإهمال
والتعجيل فى جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا الإستعجال .
ثم قال تعالى ( ساء ما يحكمون) يعنى حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون
حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك
فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع حكمه بخلاف ما قالوه، فحكمهم حكم فى غاية السوء والرداءة.
ثم قال ﴿ من كان يرجو لقاء الله فان أجل اللّه لآت وهو السميع العليم)
لما بين بقوله: أحسب الناس أن العبد لا يترك فى الدنيا سدى، وبين فى قوله (أم حسب
الذين يعملون السيئات ) أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين أن يعترف بالآخرة ويعمل لها
لا يضيع عمله ولا يخيب أمله، وفى الآية مسائل :
{ المسألة الأولى﴾ أنا ذكرنا فى مواضع أن الأصول الثلاثة وهى الأول وهو الله تعالى
ووحدانيته والأصل الآخر وهو اليوم الآخر والأصل المتوسط وهو النبى المرسل من الأول
الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل فى الذكر الإلهى بعضها عن بعض، فقوله (أحسب الناس أن
يتركوا أن يقولوا آمنا) فيه إشارة إلى الأصل الأول يعنى أظنوا أنه يكفى الأصل الأول وقوله
( وثم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم ) يعنى بإرسال الرسل وإيضاح السبل فيه إشارة إلى
الأصل الثانى وقوله (أم حسب الذين يعملون السيئات) مع قوله ( من كان يرجو لقاء الله) فيه
إشارة إلى الأصل الثالث وهو الآخر .
﴿ المسألة الثانية﴾. ذكر بعض المفسرين فى تفسير لقاء الله أنه الرؤية وهو ضعيف فان اللقاء
والملاقاة بمعنى وهو فى اللغه بمعنى الوصول حتى أن جمادين إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر.
٣٢
قوله تعالى : ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه . سورة العنكبوت .
وَمَنْ جَهَدَ فَإِنََّا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِةٍ إِنَّالََّ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ (٣)
ج
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف والمعنى من قوله ( من كان
يرجو لقاء الله) من كان يخاف الله وهو أيضاً ضعيف، فان المشهور فى الرجاء هو توقع الخير
لاغير ولأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد بهذا المعنى يقال أرجو فضل الله ولا يفهم منه أخاف فضل
اللّه، وإذا كان وارداً لهذا لا يكون لغيره دفعاً للاشتراك .
﴿ المسألةَ الرابعة﴾ يمكن أن يكون المراد بأجل الله الموت ويمكن أن يكون هو الحياة
الثانية بالخشر ، فان كان هو الموت فهذا ينى عن بقاء النفوس بعد الموت كما وردفى الأخبار وذلك
لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فان السلطان واصل يفهم منه أن متصلا بوصول السلطان
يكون هو الخير حتى أنه لو وصل هو وتأخر الخير يصح أن يقال للقائل، أما قلت ماقلت ووصل
السلطان ولم يظهر الخير، فلولم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا فى المثال ، وإذا
تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء.
﴿ المسألة الخامسة) قوله ( من كان يرجو ) شرط وجزاؤه (فان أجل الله لآت) والمعلق
بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل اللّه آتياً له، وهذا باطل فما
الجواب عنه؟ نقول المراد من ذكر إتيان الأجل وعد المطيع بما بعده من الثواب ، يعنى من كان
يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت ثواب الله يثاب على طاعته عنده ولا شك أن من لا يرجوه
لا یکون أجل الله آتياً على وجه يثاب هو .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال (وهو السميع العليم) ولم يذكر صفة غيرهما كالعزيز الحكيم
وغيرهما ، وذلك لأنه سبق القول فى قوله ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا) وسبق الفعل
بقوله ( وهم لا يفتنون) وبقوله ( فليعلمن الله الذين صدقوا) وبقوله ( أم حسب الذين يعملون
السيئات) ولاشك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما لا يدرك بالبصر ومنه ما يدرك به
كالقصود والعلم يشملهما وهو السميع يسمع ما قالوه وهو العليم يعلم من صدق فيما قال (ممن
كذب ) وأيضاً عليم يعلم ما يعمل فيثيب ويعاقب وههنا لطيفة وهى أن العبد له ثلاثة أمور هى
أصناف حسناته (أحدها ) عمل قلبه وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع، وإنما يعلم وعمل
لسانه وهو يسمع وعمل أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه
ما لا أذن سمعت، والمرئيه ما لا عين رأت، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد، كما وصف فى
"الخبر فى وصف الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين }
لما بين أن التكليف حسن واقع وأن عليه وعداً وإيعاداً ليس لهمادافع، بين أن طلب الله ذلك
٣٣
قوله تعالى : ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه . سورة العنكبوت .
من المكلف نيس لنفع يعود إليه فإنه غنى مطلقاً ليس شيء غيره يتوقف كما له عليه ومثل هذا كثير
فى القرآن كقوله تعالى ( من عمل صالحاً فلنفسه) وقوله تعالى (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم)
وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى) الآية السابقة مع هذه الآية يوجبان إ كثار العبد من العمل الصالح وانقانه
له ، وذلك لأن من يفعل فعلا لأجل ملك ويعلم أن الملك يراه ويبصره يحسن العمل ويتقنه، وإذا
على أن نفعه له ومقدر بقدر عمله يكثر منه ، فإذا قال الله إنه سميع عليم فالعبد يتقن عمله ويخلصه له
وإذا قال بأن جهاده لنفسه يكثر منه .
( المسألة الثانية) لقائل أن يقول هذا يدل على أن الجزاء على العمل لأن الله تعالى لما قال
( من جاهد فانما يجاهد لنفسه) فهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح فنقول هو
كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالإستحقاق ، وبيانه هو أن الله تعالى لما بين أن المكلف إذا جاهد
يثيبه فإذا أتى به هو يكون جهاداً نافعاً له ولانزاع فيه، وإنما النزاع فى أن الله يجب عليه أن يشيب
على العمل لولا الوعد ، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلا بالعمل ولا دلالة للآية عليه.
المسألة الثالثة) قوله ( فانما) يقتضى الحصر فينبغى أن يكون جهاد المرء لنفسه حسب
ولا ينتفع به غيره وليس كذلك فان من جاهد ينتفع به ومن يريدهونفعه ، حتى أن الوالد والولد
ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان فنقول ذلك نفع له فان انتفاع الولد انتفاع للأب والحصر ههنا معناه
أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع ويدل عليه قوله تعالى (إن الله لغنى عن العالمين) وفيه مسائل:
( الأولى ) تدل الآية على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله لأنه بالأصلح لا يستفيد فائدة
وإلا لكان مستكملا بتلك الفائدة وهى غيره وهى من العالم فيكون مستكملا بغيره فيكون محتاجاً
إليه وهو غنى عن العالمين، وأيضاً أفعاله غير معللة لما بينا.
المسألة الثانية) تدل الآية على أنه ليس فى مكان وليس على العرش على الخصوص فإنه
من العالم والله غنى عنه والمستغنى عن المكان لا يمكن دخوله فى مكان لأن الداخل فى المكان
يشار إليه بأنه ههنا أو هناك على سبيل الإستقلال، وما يشار إليه بأنه ههنا أو هناك يستحيل أن
لا يوجد لا ههنا ولا هناك وإلا لجوز العقل إدراك جسم لا فى مكان وإنه محال .
﴿ المسألة الثالثة) لو قال قائل ليست قادريته بقدرة ولاعالميته بعلم وإلا لكان هو فى قادريته
محتاجا إلى قدرة هى غيره وكل ما هو غيره فهو من العالم فيكون محتاجاً وهو غنى ، نقول لم قلتم إن
قدرته من العالم وهذا لأن العالم كل موجودسوى الله بصفاته أى كل موجود هو خارج عن مفهوم
الإله الحى القادر المريد العالم السميع البصير المتكلم والقدرة ليست خارجة عن مفهوم القادر،
والعلم ليس خارجاً عن مفهوم العالم.
﴿ المسألة الرابعة) الآية فيها بشارة وفيها إنذار، أما الإنذار فلان اللّه إذا كان غنياً عن
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٣
٣٤
قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة العنكبوت .
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَنُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَتَّهُمْ أَحْسَنَ
الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٧
العالمين فلو أهلك عباده بعذابه فلاشىء عليه لغناه عنهم وهذا يوجب الخوف العظيم ، وأما البشارة
فلأنه إذا كان غنياً ، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده لاشىء عليه لاستغنائه عنه. وهذا يوجب
الرجاء التام .
ثم قال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أخن
الذين كانوا يعملون
لما بين إجمالا أن من يعمل صالحاً فلنفسه بين مفصلا بعض التفصيل أن جزاء المطيع الصالح
عمله فقال (والذين آمنوا ) وفى الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ أنها تدل على أن الأعمال مغايرة للايمان لأن العطف يوجب التغاير.
﴿ المسألة الثانية﴾ أنها تدل على أن الأعمال داخلة فيما هو المقصود من الإيمان لأن تكفير
السيئات والجزاء بالأحسن معلق عليها وهى ثمرة الايمان، ومثال هذا شجرة مثمرة لاشك فى أن
عروقها وأغصانها منها، والماء الذى يجرى عليها والتراب الذى حواليها غير داخل فيها لكن الثمرة
لا تحصل إلا بذلك الماء والتراب الخارج فكذلك العمل الصالح مع الايمان وأيضاً الشجرة لو
احتفت بها الحشائش المفسدة والأشواك المضرة ينقص ثمرة الشجرة وإن غلبتها عدمت الثمرة
بالكلية وفسدت فكذلك الذنوب تفعل بالايمان :
المسألة الثالثة﴾ الإيمان هو التصديق كما قال (وما أنت بمؤمن لنا) أى بمصدق واختص
فى استعمال الشرع بالتصديق بجميع ما قال اللّه وقال رسول اللّه عَّ له على سبيل التفصيل إنه علم
مفصلا أنه قول الله أو قول الرسول أو على سبيل الإجمال فيما لم يعلم ، والعمل الصالح عندنا كل
ما أمر الله به صار صالحاً بأمره، ولو نهى عنه لما كان صالحاً فليس الصلاح والفساد من لوازم
الفعل فى نفسه، وقالت المعتزلة ذلك من صفات الفعل ويترتب عليه الأمر والنهى ، فالصدق عمل
صالح فى نفسه ويأمر الله به لذلك، فعندنا الصلاح والفساد والحسن والقبح يترتب على الأمر
والنهى، وعندهم الأمر والنهى يترتب على الحسن والقبح والمسألة بطولها فى [ كتب] الأصول.
المسألة الرابعة﴾ العمل الصالح باق لأن الصالح فى مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف،
يقال فسدت الزروع إذا هلكت أو خرجت عن درجة الانتفاع ويقال هى بعد سالحة أى باقية
على ما ينبغى. إذا علم هذا فنقول العمل الصالح لا يبقى بنفسه لأنه عرض، ولا يبقى بالعامل أيضاً.
لأنه هالك كما تعالى (كل شىء هالك) فبقاؤه لابد من أن يكون بش" باق، لكن الباقى هو وجه الله
٣٥
قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة العنكبوت .
لقوله ( كل شىء هالك إلا وجهه) فينبغى أن يكون العمل لوجه الله حتى يبقى فيكون صالحاً، وما
لا يكون: أوجهه لا يبقى لا بنفسه ولا بالعامل ولا بالمعمول له فلا يكون صالحاً ، فالعمل الصالح
هو الذى أتى به المكلف مخلصاً لله .
﴿ المسألة الخامسة﴾ هذا يقتضى أن تكون النية شرطاً فى الصالحات من الأعمال وهى قصد
الإيقاع لله، ويندرج فيها النية فى الصوم خلافاً لزفر، وفى الوضوء خلافاً لأبى حنيفة رحمه الله.
﴿ المسألة السادسة﴾ العمل الصالح مرفوع لقوله تعالى (العمل الصالح يرفعه) لكنه لا يرتفع
إلا بالكلم الطيب فانه يصعد بنفسه كما قال تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب) وهو يرفع العمل فالعمل
من غير المؤمن لا يقبل ، ولهذا قدم الإيمان على العمل، وههنا لطيفة، وهى أن أعمال المكلف ثلاثة
عمل قلبه وهو فكره واعتقاده وتصديقه ، وعمل لسانه وهو ذكره وشهادته، وعمل جوارحه وهو
طاعته وعبادته. فالعبادة البدنية لاترتفع بنفسها وإنما ترتفع بغيرها ، والقول الصادق يرتفع
بنفسه كما بين فى الآية، وعمل القلب وهو الفكر ينزل إليه كما قال النبى صلى الله عليه وسلم «إن الله
ينزل إلى السماء الدنيا ويقول هل من تائب)) والتائب النادم بقلبه، وكذلك قوله عليه السلام
(«يقول الله عز وجل أنا عند المنكسرة قلوبهم)» يعنى بالفكرة فى عجزه وقدرتی وحقارته وعظمتی
ومن حيث العقل من تفكر فى آلاء الله وجد الله وحضر ذهنه، فعلم أن لعمل القلب يأتى الله
وعمل اللسان يذهب إلى اللّه وعمل الأعضاء يوصل إلى الله، وهذا تنبيه على فضل عمل القلب.
المسألة السابعة﴾ ذكر الله من أعمال العبد نوعين: الإيمان والعمل الصالح، وذكر فى
مقابلتهما من أفعال الله أمرين تكفير السيئات والجزاء بالأحسن حيث قال (لنكفرن عنهم
سيئاتهم ولنجزينهم أحسن) فتكفير السيئات فى مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن فى مقابلة
العمل الصالح ، وهذا يقتضى أموراً (الأول) المؤمن لا يخلد فى النار لأن يإيمانه تكفر سيئاته
فلا يخلد فى العذاب (الثانى) الجزاء الأحسن المذكور ههنا غير الجنة، وذلك لأن المؤمن بإيمانه
يدخل الجنة إذ تكمفر سيئاته ومن كفرت سيئاته أدخل الجنة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة
وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية .
( الأمر الثالث) هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب فى الدنيا فيستر الله عيوبه فى الأخرى،
والعمل الصالح يحسن حال الصالخ فى الدنيا فيجزيه الله الجزاء الأحسن فى العقبى، فالإيمان إذن
لا يبطله العصيان بل هو يغلب المعاصى ويسترها ويحمل صاحبها على الندم ، والله أعلم.
﴿ المسألة الثامنة) قوله (لنكفرن عنهم سيئاتهم) يستدعى وجود السيئات حتى تكفر
( والذين آمنوا وعملوا الصالحات) بأسرها من أين يكون لهم سيئة؟ فنقول (الجواب عنه) من
وجهين (أحدهما) أن وعد الجميع بأشياء لا يستدعى وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء،
مثاله: إذا قال الملك لأهل بلد إذا أطعتمونى أكرم آباءكم واحترم أبناءكم وأنعم عليكم وأحسن
٣٦
قوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسناً . سورة العنكبوت .
وَوَصَّيْنَا آلْإِنسَنَ بِوَلِلَيْهِ حُسْنًّاً وَ إِن جَهَدَ الكَّ لِتُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا
خُطِعْهُمَّاً إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَِّئُ كُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
إليكم ، لا يقتضى هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد ، بل مفهومه أنه
يكرم أب من له أب ، ويحترم ابن من له ابن، فكذلك بكفر سيئة من له سيئة ( الجواب الثانى)
ما من مكلف إلا وله سيئة . أما غير الأنبياء فظاهر، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة
من غيرهم، ولهذا قال تعالى ( عفا الله عنك لم أذنت لهم).
﴿ المسألة التاسعة) قوله (ولنجزينهم أحسن) يحتمل وجهين (أحدهما) لنجزينهم بأحسن
أعمالهم ( وثانيهما) لنجزينهم أحسن من أعمالهم. وعلى الوجه الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن
ما تكون ونجزيهم عليها لا أنه يختار منها أحسنها ويجزى عليه ويترك الباقى، وعلى الوجه (الثانى)
معناه قريب من معنى قوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) وقوله ( فله خير منها ).
﴿ المسألةَ العاشرة﴾ ذكر حال المسىء مجملا بقوله ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن
يسبقونا ) إشارة إلى التعذيب بحجملا. وذكر حال المحسن مجملا بقوله ( ومن جاهد فانما يجاهد
لنفسه) ومفصلا بهذه الآية، ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه وفضله أعم من عدله .
قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا
تطعمهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون ﴾ وفى الآية مسائل:
﴿الأولى) ماوجه تعلق الآية بما قبلها؟ نقول: لما بين اللّه حسن التكاليف ووقوعها، وبين
ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها تحريضاً للمكلف على الطاعة ، ذكر المانع ومنعه من
أن يختاراتباعه ، فقال الانسان إن انقاد لأحد ينبغى أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمراه بالمعصية
لا يجوز اتباعهما فضلا عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شىء من طاعة الله ولا يتبعن أحد من يأمر
بمعصية الله.
﴿ المسألة الثانية) فى القراءة قرىً حسناً وإحساناً وحسناً أظهرههنا، ومن قرأ إحساناً فمن
قوله تعالى ( وبالوالدين إحساناً) والتفسير على القراءة المشهورة هو أن الله تعالى وصى الإنسان
بأن يفعل مع والديه حسن التأبى بالفعل والقول، ونكر حسناً ليدل على الكمال ، كما يقال إن
لزيد مالا .
﴿ المسألة الثالثة﴾ فى قوله (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) دليل على أن متابعتهم فى الكفر
لا يجوز، وذلك لأن الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله تعالى فلوترك العبد عبادة اللّه تعالى بقول
الوالدين لترك طاعة الله تعالى فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين ، فاتباع العبد أبويه
٣٧
قوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة العنكبوت
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَنُدْخِلَهُمْ فِى الصَّدِلِينَ
٩
لأجل الإحسان إليهما يفضى إلى ترك الإحسان إليهما ، وما يفضى وجوده إلى عدمه باطل
فالاتباع باطل ، وأما إذا امتنع من الشرّك بقى على الطاعة والإحسان إليهما من الطاعة فيأتى به فترك
هذا الاحسان صورة يفضى إلى الاحسان حقيقة .
المسألة الرابعة﴾ الإحسان بالوالدين مأمور به، لأنهما سبب وجود الولد بالولادة
وسبب بقائه بالتربية المعتادة فهما سبب مجازاً، والله تعالى سبب له فى الحقيقة بالإرادة، وسبب
بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله معه، ثم قال تعالى (وإن جاهداك لقشرك
ب ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) فقوله ( ماليس لك به علم) يعنى التقليد فى الايمان ليس بجيد
فضلا عن التقليد فى الكفر ، فاذا امتنع الانسان من التقليد فيه ولا يطيع بغير العلم لا يطيعهما
أصلا ، لأن العلم بصحة قولها محال الحصول ، فاذا لم يشرك تقليداً ويستحيل الشرك مع العلم،
فالشرك لا يحصل منه قط .
ثم قال تعالى ( إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) يعى عاقبتكم ومآ لكم إلى، وإن كان
اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد والأقارب والعشائر، ولا شك أن من يعلم أن
مجالسته مع واحد خالية منقطعة ، وحضوره بين يدى غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضى من
تدوم معه صحبته لرضا من یترکه فى زمان آخر .
ثم قوله تعالى ( فأنبئكم) فيه لطيفة وهى أن الله تعالى يقول لا نظنوا أنى مائب عنكم
وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين فى الحال اعتماداً على غيتى وعدم على بمخالفتكم إياى
فانى حاضر معكم أعلم ما تفعلون ولا أنسى فأنبئكم بجميعه.
قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم فى الصالحين﴾. وفى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾: ما الفائدة فى إعادة ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) مرة أخرى؟ نقول
الله تعالى ذكر من المكلفين قسمين مهتدياً وضالا بقوله (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)
وذكر حال الضال محملا وحال المهتدى مفصلا بقوله ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن
عنهم سيئاتهم) ولما تم ذلك ذكر قسمين آخرين مادياً ومضلا فقوله ( ووصينا الإنسان بوالديه
حسناً) يقتضى أن يهتدى بهما وقوله ( وإن جاهداك لتشرك ) بيان إضلالهما وقوله ( إلى مرجعكم
فأنبئكم) بطريق الإجمال تهديد المضل وقوله (والذين آمنوا) على سبيل التفصيل وعد الهادى
فذكر (الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) مرة لبيان حال المهتدى، ومرة أخرى لبيان حال الهادى
والذى يدل عليه هو أنه قال (أولا) (لنكفرن عنهم سيئاتهم)، وقال (ثانياً) (لندخلنهم فى
الصالحين) والصالحون هم الهداة لأنه مرتبة الأنبياء ولهذا قال كثير من الأنبياء (ألحقنى بالصالحين)
٣٨
قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله . سورة العنكبوت .
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِالَّهِ فَإِذَا أَوِذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ
اللهِ وَلَيْن ◌ْجَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ الله ◌ِأَعْلَمِّبِمَا فِى
صُدُورِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَيَعْلَنَّ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ (٨)
﴿ المسألة الثانية﴾ قد ذكرنا أن الصالح باق والصالحون باقون وبقاؤهم ليس بأنفسهم بل
بأعمالهم الباقية فأعمالهم باقية. والمعمول له وهو وجه اللّه باق، والعاملون باقون ببقاء أعمالهم وهذا
على خلاف الأمور الدنيوية ، فان فى الدنيا بقاء الفعل بالفاعل وفى الآخرة بقاء الفاعل بالفعل .
المسألة الثالثة) قيل فى معنى قوله ( لندخلنهم فى الصالحين ) لندخلنهم فى مقام الصالحين
أو فى دار الصالحين والأولى أن يقال لاحاجة إلى الاضمار بل يدخلهم فى الصالحين أى يجعلهم منهم
ويدخلهم فى عدادهم كما يقال الفقيه داخل فى العلماء.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الحكماء عالم العناصر عالم الكون والفساد ومافيه يتطرق إليه الفساد فان
الماء يخرج عن كونه ما. ويفسد ويتكون منه هواء، وعالم السموات لا كون فيه ولا فساد بل
يوجد من عدم ولا يعدم ولا يصير الملك تراباً بخلاف الأنسان فانه يصير تراباً أو شيئاً آخر وعلى
هذا فالعالم العلوى ليس بفاسد فهو صالح فقوله ( تعالى لندخلهم فى الصالحين) أى فى المجردين الذين
لا فساد لهم.
ثم قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فاذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب
الله ولتن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين، وليعلمن
الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ﴾
نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده ، وكافر مجاهر بكفره وعناده، ومذبذب
بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر فى فؤاده، والله تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى
(فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) وبين أحوالهم]ً بقوله ( أم حسب الذين يعملون
السيئات ) إلى قوله ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات) بين القسم الثالث وقال (ومن الناس من
يقول آمنا بالله) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ( ومن الناس من يقول آمنا) ولم يقل آمنت مع أنه وحد الأفعال
التی بعده کقوله تعالى ( فاذا أوذی فی الله) وقوله ( جعل فتنة الناس) وذلك لأن المنافق كان يشبه
:
٣٩
قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله . سورة العنكبوت .
نفسه بالمؤمن، ويقول إيمانى كايمانك فقال (آمنا) يعنى أنا والمؤمن حقاً آمنا، إشعاراً بأن
إيمانه كايمانه، وهذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال فى القتال، وهزموا خصومهم
يقول الجبان خرجنا وقاتلناهم وهزمناهم، فيصح من السامع لكلامه أن يقول وماذا كنت أنت
فيهم حتى تقول خرجنا وقاتلنا؟ وهذا الرد يدل على أنه يفهم من كلامه أن خروجه وقتاله كثروجهم
وقتالهم، لأنه لا يصح الإنكار عليه فى دعوى نفس الخروج والقتال، وكذا قول القائل أنا والملك
ألفينا فلاناً واستقبلناه ينكر، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا إظهار كون إيمانهم
كايمان المحقين كان الواحد يقول ( آمنا) أى أنا والمحق.
المسألة الثانية) قوله (فاذا أوذى فى الله) هو فى معنى قوله ( وأخرجوا من ديارهم
وأوذوا فى سبيلى) غير أن المراد بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين والمراد ههنا الذين لم
يصبروا عليها فقال هناك ( وأوذوا فى سبيلى) وقال ههنا ( أوذى فى اللّه) ولم يقل فى سبيل الله
واللطيفة فيه أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر وخسة المنافق الكافر فقال هناك أوذى المؤمن
فى سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه، وأوذى المنافق الكافر فترك الله بنفسه، وكان يمكنه أن يظهر
موافقتهم إن بلغ الايذاء إلى حد الا كراه، ويكون قلبه مطمئناً بالايمان فلا يترك الله، ومع هذا
لم يفعله بل ترك الله بالكلية، والمؤمن أوذى ولم يترك سبيل اللّه بل أظهر كلتى الشهادة وصبر على
الطاعة والعبادة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (جعل فتنة الناس كعذاب الله) قال الزمخشرى جعل فتنة الناس صارفة
عن الايمان كما أن عذاب الله صارف عن الكفر ، وقيل جزءوا من عذاب الناس كما جزعوامن
عذاب الله، وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم
حتى ترددوا فى الأمر ، وقالوا إن آمنا تتعرض للتأذى من الناس وإن تركنا الايمان نتعرض لما
توعدنا به محمد عليه الصلاة والسلام ، واختاروا الاحتراز عن التأذى العاجل ولا يكون التردد إلا
عند التساوى ومن أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون شديداً ، ولا يكون مديداً لأن العذاب إن
كان شديداً كعذاب النار وغيره يموت الانسان فى الحال فلا يدوم التعذيب، وإن كان مديداً
كالحبس والحصر لا يكون شديداً وعذاب الله شديد وزمانه مديد، وأيضاً عذاب الناس له دافع
وعذاب الله ماله من دافع، وأيضاً عذاب الناس عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده عذاب أليم،
والمشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب ولا تعد عذاباً كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذاباً .
المسألة الرابعة﴾ قال (فتنة الناس) ولم يقل عذاب الناس لأن فعل العبد ابتلاء وامتحان من
الله وفتنته تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة الايمان ليؤذيه فتبين منزلته كما جعل التكاليف
ابتلاء وامتحاناً وهذا إشارة إلى أن الصبر على البلية الصادرة ابتلاء وامتحاناً من الانسان كالصبر
على العبادات .
٤٠
قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله . سورة العنكبوت .
المسألة الخامسة﴾ لو قال قائل هذا يقتضى منع المؤمن من إظهار كلمة الكفر بالإ كراه،
لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازاً عن التعذيب العاجل يكون قد جعل فتنة الناس
كعذاب الله، فنقول ليس كذلك، لأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة
الناس كعذاب الله، لأن عذاب الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطناً، وهذا المؤمن
المكره لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهراً وباطنا، بل فى باطنه
الإيمان، ثم قال تعالى ( ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنما كنا معكم) يعنى دأب المنافق أنه إن
رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر وأظهر المعية وادعى التبعية، وفيه فوائد نذكرها فى مسائل:
﴿ الأولى﴾ قال (ولئن جاء نصر من ربك) ولم يقل من اللّه، مع أن ما تقدم كان كله بذكر الله
كقوله (أوذى فى الله) وقوله (كعذاب الله) وذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة
والرحمة ، واللّه اسم مدلوله الهيبة والعظمة، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة والعاطفة،
وعند العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة .
المسألة الثانية) لم يقل ولئن جاءكم أو جاءك بل قال (ولئن جاء نصر من ربك) والنصر
لو جاءهم ما كانوا يقولون (إنا كنا معكم) وهذا يقتضى أن يكونوا قائلين: إنا معكم إذا جاء نصر
سواء جاءهم أو جاء المؤمنين، فنقول هذا الكلام يقتضى أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر،
لكن النصر لا يجىء إلا للمؤمن، كما قال تعالى (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) ولأن غلبة الكافر
على المسلم ليس بنصر، لأن النصر ما يكون عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم فى الحال.
ثم كر المنهزم كرة أخرى وهزموا الغالبين، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة،
فكذلك المسلم وإن كسر فى الحال فالعاقبة للمتقين ، فالنصر لهم فى الحقيقة .
المسألة الثالثة﴾ فى ليقولن قراء تان: (إحداهما) الفتح حملا على قوله (من بقول آمنا) يعنى
من يقول آمنا إذا أوذى يترك ذلك القول ، وإذا جاء النصر يقول إنا كنا معكم (وثانيتهما) الضم على
الجمع إسناداً للقول إلى الجميع الذين دل عليهم المفهوم. فإن المنافقين كانوا جماعة ، ثم بين اللّه تعالى
أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم. لأن التلبيس إنما يكون عند ما يخالف القول القلب،
فالسامع يبنى الأمر على قوله ولا يدرى ما فى قلبه فيلتبس الأمر عليه. وأما الله تعالى فهو عليم
بذات الصدور، وهو أعلم بما فى صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر ، وهذا إشارة
إلى أن الاعتبار بما فى القلب، فالمنافق الذى يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر، والمؤمن المكره
الذى يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن والله أعلم بما فى صدور العالمين، ولما بين أنه أعلم بما فى
قلوب العالمين، بين أنه يعلم المؤمن المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن تكلم فقال ( وليعلمن الله
الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) وقد سبق تفسيره، لكن فيه مسألة واحدة وهى أن الله قال هناك
(فليعلمن الله الذين صدقوا) وقال ههنا (وليعلمن اللّه الذى آمنوا) فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن