Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
قوله تعالى : ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم. سورة النمل.
بِلَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوتْ
وجوههم فى النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون
اعلم أنه تعالى لما تكلم فى علامات القيامة شرح بعد ذلك أحوال المكلفين بعد قيام القيامة
والمكلف إما أن يكون مطيعاً أو عاصياً، أما المطيع فهو الذى جاء بالحسنة وله أمران (أحدهما)
أن له ما هو خير منها وذلك هو الثواب، فان قيل الحسنة التى جاء العبد بها يدخل فيها معرفة الله
تعالى والإخلاص فى الطاعات والثواب، إنما هو الأكل والشرب فكيف يجوز أن يقال الأكل
والشرب خير من معرفة الله (جوابه) من وجوه: (أحدها) أن ثواب المعرفة النظرية الحاصلة فى
الدنيا هى المعرفة الضرورية الحاصلة فى الآخرة ، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى. وقد
دلت الدلائل على أن أشرف السعادات هى هذه اللذة ، ولو لم تحمل الآية على ذلك لزم أن يكون
الأكل والشرب خيراً من معرفة الله تعالى وأنه باطل ( وثانيها ) أن الثواب خير من العمل من
حيث إن الثواب دائم والعمل منقضى ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله تعالى (وثالثها )
فله خير منها) أى له خير حاصل من جهتها وهو الجنة .
﴿ السؤال الثانى) الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم بل يكفى فى
تحققها حصول فرد، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً وأعلاها درجة وهو
الإيمان ، فلهذا قال ابن عباس من أفراد الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأن لا يعاقب
أهل الإيمان (وجوابه) ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً ( الأمر الثانى ) للمطيع هو أهم
آمنون من كل فزع، لا كما قال بعضهم إن أهوال القيامة تعم المؤمن والكافر، فإن قيل أليس أنه
تعالى قال فى أول الآية (ففزع من فى السموات ومن فى الأرض) فكيف نفى الفزع ههنا؟ (جوابه)
أن الفزع الأول هو مالا يخلو منه أحد عند الإحساس لشدة تقع وهو يفجأ من رعب وهيبة وإن
كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه كما قيل، يدخل الرجل بصدر هياب وقلب وجاب، وإن
كانت ساعة إعزاز وتكرمة ، وأما الثانى فالخوف من العذاب . أما قراءة من قرأ من فزع بالتنوين
فهى تحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأما ما يلحق الإنسان من الهيبة والرعب
عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد، وفى الأخبار ما يدل عليه، ومن فزع شديد مفرط
الشدة لا يكتنهه الوصف ، وهو خوف النار وأمن يعدى بالجار وبنفسه كقوله تعالى ( أفأمنوا
مكر اللّه فلا يأمن مكر الله) فهذا شرح حال المطبعين، أما شرح حال العصاة فهو قوله ( ومن جاء
بالسيئة ) قيل السيئة الإشراك وقوله ( فكبت وجوههم فى النار ) فاعلم أنه يعبر عن الجملة بالوجه
والرأس والرقبة فكأنه قيل فكبوا فى النار كقوله ( فكبكوا) ويجوز أن يكون ذكر الوجوه
إيذاناً بأنهم يلقون على وجوههم فيها مكبوبين.

٢٢٢
قوله تعالى : إنما امرت ان اعبد رب هذه البلدة. سورة النمل.
با
إِنَّمَاَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِىِ حَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِينَ ﴾ وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَ أَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّا يَهْتَدِى
◌ِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنََّاَ أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِِّ سَيُرِيِكُمْ
ءَايَتِهِ، فَتَعْرِ فُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
أما قوله (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) فيجوز فيه الالتفات ، وحكاية ما يقال لهم عند
الكب باضمار القول .
قوله تعالى : ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء وأمرت أن أكون
من المسلمين ، وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين،
وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون
أعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة
من الثواب والعقاب ، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة
فقال: قل يا محمد إنى أمرت بأشياء (الأول) أتى أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ
له شريكا ، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمداً بأن يقول لهم هذه الدلائل
التى ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لى ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو
أعرضتم عنها ، فإنى مصر عليها غير مرتاب فيها. ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين (أحدهما) أنه رب
هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب يلاده
إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه ،
أما قوله ( الذى حرمها ) فقرى. التى حرمها، وإنما وصفها بالتحريم لوجوه (أحدها) أنه
حرم فيها أشياء على من يحج ( وثانيها) أن اللاجى. إليها آمن (وثالثها) لا ينتهك حرمتها إلا ظالم
ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة
وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه
سبحانه هو المتولى لهذه النعم وجب على أن أخصه بالعبادة ( وثانيها) وصف الله تعالى بقوله (وله
كل شىء) وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة فى هذه السورة على التوحيد من كونه
تعالى خالقاً لجميع النعم فأجمل ههنا تلك المفصلات ، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة
فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس فى طاعته (الثانى) أمر بأن يكون

٢٢٣
قوله تعالى : وما ربك بغافل عما تعملون.
من المسلمين (الثالث) أمر بأن يتلو القرآن عليهم، ولقد قام بكل ذلك صلوت اللّه عليه أتم قيام فمن
اهتدى فى هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهى التوحيد والحشر والنبوة ( فانما يهتدى لنفسه) أى
منفعة اهتدائه راجعة إليه ( ومن ضل ) فلا على وما أنا إلا رسول منذر ، ثم إنه سبحانه ختم هذه
[السورة] بخاتمة فى نهاية الحسن وهى قوله (وقل الحمد لله) على ما أعطانى من نعمة العلم والحكمة
والنبوة أو على ما وفقنى من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار ( سيريكم آياته) القاهرة (فتعرفونها)
لكن حين لا ينفعكم الإيمان (وما ربك بغافل عما تعملون) لأنه من وراء جزاء العاملين، والله أعلم
تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبى الأمى
وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين .
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

٢٢٤
تفسير سورة القصص
(٢٨) سُورَة القِصَصِمَكِنَّةْ
وَآيَاتُها ثَانِ وَمَانُونَ
مكية كلها إلا قوله ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله - لا نبتغى
الجاهلين ) وقيل إلا آية وهى (إن الذى فرض عليك القرآن ) الآية وهى سبع
أو ثمان وثمانون آية
بِشـ
تَثْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَبَإِ مُوسَى
٢
تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ
طسمي
وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًاً
يَسْتَضْعِفُ طَآئِقَةُ مِنْهُمْ يُذَّبِّحُ أَبْنَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَ هُمْ إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
﴿ وَزِيدُ أَنْ تَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أَسْتُضِْفُواْ فِ الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَّةُ وَنَجْعَلَهُمُ
أَلْوَرِئِينَ ﴾ وَتُمكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَزُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا
كَانُواْ يَحْذَرُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
طم، تلك آيات الكتاب المبين ، تتلو عليك من نيا موبى وفرع ن بالحق لقوم يؤمنون،
إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم
إنه كان من المفسدين ، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض وتجعلهم أئمة وتجعلهم
الوارثين ، وتمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ماكانوا يحذرون
اعلم أن قوله تعالى (طسم) كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها (وتلك ) إشارة إلى آيات
السورة ( والكتاب المبين) هو إما اللوح وإما الكتاب الذى وعد الله إنزاله على محمد صلى الله
عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة هى آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه
الحلال والحرام، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام اللّه دون كلام العباد، أو لأنه يبين صدق نبوة
محمّد ◌َ لّ أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال.

٢٢٥
قوله تعالى : يستضعف طائفة منهم. سورة القصص.
أما قوله تعالى ( نتلو عليك) أى على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان يتلو على محمد حتى
يحفظه، وقوله ( من نيا موسى وفرعون ) فهو مفعول (نتلو عليك) أى تتلو عليك بعض خبرهما
بالحق محقين ، كقوله ( تنبت بالدهن) وقوله ( لقوم يؤمنون) فيه وجهان (أحدهما) أنه تعالى
قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضاً لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم قبلوا وانتفعوا فهو كقوله
(هدى للمتقين)، (والثانى) يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح فى تلاوته هو إيمانهم وتكون
إرادته لمن لا يؤمن كالتبع. قوله تعالى (إن فرعون على فى الأرض ) قرىء فرعون بضم الفاء
وكسرها، والكر أحسن وهو كالقطاس والقسطاس (علا ) استكر وتجير وتعظم وبغى،
والمراد به قوة الملك والعلو فى الأرض يعنى أرض مملكته، ثم فصل اللّه تعالى بعض ذلك بقوله
( وجعل أهلها شيعاً) أى فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشبع
بعضهم بعضاً فى استخدامه أو أصنافاً فى استخدامه أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا
له أطوع أو المرادما فسره بقوله (يستضعف طائفة منهم) أى يستخدمهم (ويذبح أبناءهم ويستحي
نساءهم) فهذا هو المراد بالشيع. قوله (يستضعف طائفة منهم ) تلك الطائفة بنو إسرائيل، وفى
سبب ذيح الأبناء وجوه ( أحدها ) أن كاهناً قال له يولد مولود فى بنى اسرائيل فى ليلة كذا يذهب
ملكك على يده ، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاماً فقتلهم، وعند أكثر المفسرين بقى هذا العذاب
فى بنى اسرائيل سنين كثيرة ، قال وهب قتل القبط فى طلب موسى عليه السلام تسعين ألفاً من
بنى اسرائيل . قال بعضهم فى هذا دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائر
وإن كذب فما وجه القتل؟ وهذا السؤال قد يذكر فى تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره
ما يقوله نفاة التكليف إن كان زيد فى علم الله وفى قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة، وإن كان
من الأشقياء فلافائدة فى الطاعة ، وأيضاً فهذا السؤال لوصح لبطل علم التعبير ومنفعته، وأيضاً بجواب
المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وعلى هذا التقدير لا يكون
السعى فى قتله عبئاً .
واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن
الغيب على سبيل التفصيل ، ولو جوزناه لبطلت دلالة الإخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو
بإجماع المسلمين باطل (وثانيها) وهو قول السدى أن فرعون رأى فى منامه أن ناراً أقبلت من بيت
المقدس واشتملت على مصر فأحرقت القبط دون بنى إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا
البلد الذى جاء بنو اسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر، فأمر بقتل الذكور ( وثالثها )
أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد سمع ذلك فلهذا كان
يذبح أبناء بنى إسرائيل، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول، قال صاحب الكشاف: (يستضعف)
حال من الضمير فى وجعل، أو صفة لشيعا، أو كلام مستأنف. او (يذيح) بدل من ( يستضعف)
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى : واوحينا إلى ام موسى. سورة القصص.
وَأَوْ حَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىَ أَنْ أَرْضِعِهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِهِ فِ أَلْيِ وَلَا تَخَافِى
وَلَا تَحْزَنِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) فَالْتَقَطَهُ ◌ِءَالُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّ وًَّا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَدَمَنَ وَيُجُودَ هُمَا كَانُواْ خَِعِينَ (٨) وَقَالَتِ
أَمْرَأْتُ فِرْعَوْنَ ثُرَّتُ مَيْنٍ لِي وَلَكٌّ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىَّ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَِّذَّهُ، وَلَدًا
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
وقوله ( إنه كان من المفسدين ) يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد ، وأنه لا أثر له فى
دفع قضاء الله تعالى.
أما قوله (ونريد أن نمن ) فهو جملة معطوفة على قوله ( إن فرعون علا فى الأرض ) لأنها
نظيرة تلك فى وقوعها تفسيراً لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصاً له ، واللفظ فى قوله
(ونريد) للاستقبال ولكن أريد به حكاية حال ماضية ويجوز أن يكون حالا من (يستضعف) أى
يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم ، فان قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة اللّه تعالى
المن عليهم وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ قلنا لما كان منة الله عليهم بتخليصهم
من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
أما قوله ( ونجعلهم أئمة ) أى متقدمين فى الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة إلى الخير وعن قتادة
ولاة كفوله ( وجعلكم ملوكا)، (ونجعلهم الوارثين) يعنى لملك فرعون وأرضه وما فى يده.
أما قوله ( ونمكن لهم فى الأرض) فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه فوطأه
ومهده، ونظيره أرض له ومعنى التمكين لهم فى الأرض وهى أرض مصر والشام أن ينفذ أمرم
ويطلق أيديهم وقوله ( ونری فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) قرى. (ويرى
فرعون وهامان وجنودهما ) أى يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلا كهم على
يد مولود بنى إسرائيل .
قوله تعالى: ﴿ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا تخافى ولا
تحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً إن
فرعون وهامان وجنودهما كانواخاطئين، وقالت امرأت فرعون قرت عين لى )ولك لا تقتلوه عسى
أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون

٢٢٧
قوله تعالى : واوحينا الى ام موسى. سورة القصص.
اعلم أنه تعالى لما قال (ونريد أن نمن على الذين) ابتدأ بذكر أوائل نعمه فى هذا الباب بقوله
( وأوحينا إلى أم موسى) والكلام فى هذا الوحى ذكرناه فى سورة طه فى قوله (ولقد مننا عليك
مرة أخرى، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) وقوله (أن أرضعيه) كالدلالة على أنها أرضعته وليس
فى القرآن حدذلك، فاذا خفت عليه أن يفطن به جيرانك ويسمعون صوته عند البكاء فألقيه فى اليم
قال ابن جريج: إنه بعد أربعة أشهر صاح فألقى فى اليم والمراد باليم ههنا النيل (ولا تخافى ولا تحزنى)
والخوف غم يحصل بسبب مكروه يتوقع حصوله فى المستقبل، والحزن غم يلحقه بسبب مكروه
حصل فى الماضى، فكأنه قيل ولا تخافى من هلاكه ولا تحزنى بسبب فراقه ف(إنا رادوه إليك)
لتكونى أنت المرضعة له ( وجاعلوه من المرسلين ) إلى أهل مصر والشام وقصة الإلقاء فى اليم قد
تقدمت فى سورة طه . وقال ابن عباس إن أم موسى عليه السلام لما تقارب ولادها كانت قابلة
من القوابل التى وكلهن فرعون بالحبالى مصافية لأم موسى عليه السلام فلما أحست بالطلق أرسلت
إليها وقالت لها قد نزل بى ما نزل ولينفعنى اليوم حبك إياى جلست القابلة فلما وقع موسى عليه
السلام إلى الأرض هالها نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها ، ودخل حب موسى عليه السلام
قلبها فقالت ياهذه ماجئتك إلا لقتل مولودك، ولكنى وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحتفظى
بابنك ، فانه أراه عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل
على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا الحرس فلفته ووضعته فى تنور مسجور فطاش عقلها فلم
تعقل ما تصنع ، فدخلوا فاذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا
لم دخلت القابلة عليك ؟ قالت إنها حبيبة لى دخلت للزيارة. خرجوا من عندها ورجع إليها عقلها
فقالت لأخت موسى أين الصبى؟ قالت لا أدرى فسمعت بكاء فى التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله
النار عليه برداً وسلاماً فأخذته، ثم إن أم موسى عليه السلام لما رأت فرعون جد فى طلب الولدان
خافت على ابنها فقذف الله فى قلبها أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت فى النيل، فذهبت إلى نجار
من أهل مصر فاشترت منه تابوتاً فقال لها ما تصنعين به؟ فقالت ابن لى أخشى عليه كيد فرعون
أخبؤه فيه وما عرفت أنه يفشىّ ذلك الخبر ، فلما انصرفت ذهب النجار ليخبر به الذباحين فلما جاءهم
أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده، فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه فذهب
مرة أخرى ليخبرهم به فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد اللّه نطقه ، فذهب مرة أخرى
ليخبرهم به فضربوه وطردوه فأخذ الله بصره ولسانه، جعل لله تعالى انه إن رد عليه بصره ولسانه
فإنه لا يدلهم عليه فعلم اللّه تعالى منه الصدق فرد عليه بصره ولسانه وانطلقت أم موسى وألقته فى
النيل ، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها وكان
بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة فى أمرها، فقالوا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا
من قبل البحريوجدمنه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك فى يوم

٢٢٨
قوله تعالى : ليكون لهم عدوا وحزنا. سورة القصص.
كذا فى شهر كذا حين تشرق الشمس ، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شئ.
النيل ومعه آسية بنت مزاحم وأقبلت بنت فرعون فى جواريها حتى جلست على الشاطىء إذ أحسن
النيل بتابوت تضربه الأمواج وتعلق بشجرة، فقال فرعون ائتونى به فابتدروه بالسفن من كل
جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا
عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً فى جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته وفتحته، فاذا هى بصبى
صغير فى المهد وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته فى قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه
فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو
الذى نحذر منه ربى فى البحر فرقاً منك فهم فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله .
أما قوله ( فالتقطه آل فرعون) فالالتقاط إصابة الشىء من غير طلب ، والمراد بآل فرعون
جواريه .
أما قوله ( ليكون لهم عدواً وحزناً ) فالمشهور أن هذه اللام يراد بها العاقبة قالوا وإلا نقض
قوله ( وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك) ونقض قوله (وألقيت عليك محبة منى) ونظير
هذه اللام قوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهم) وقول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب
واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذه اللام هى لام التعليل على
على سبيل المجاز، وذلك لأن مقصود الشىء وغرضه يؤول إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما
يؤول إليه الشىء على سبيل التشبيه، كاطلاق لفظ الأسد على الشجاع والبليد على الحمار، قرأ حمزة
والكسائى حزناً بضم الحاء وسكون الزاى والباقون بالفتح وهما لغتان مثل السقم والسقم .
أما قوله ( كانوا خاطئين ) ففيه وجهان (أحدهما) قال الحسن معنى ( كانوا خاطئين )
ليس من الخطيئة بل المعنى وهم لا يشعرون أنه الذى يذهب بملكهم ، وأما جمهور المفسرين فقالوا
معناه كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم ، فعاقبهم اللّه تعالى بأن ربى عدوهم ومن هو
سبب هلاكهم على أيديهم ، وقرى (خاطين) تخفيف خاطئين أى خاطين الصواب إلى الخطأ وبين
تعالى أنها التقطته ليكون قرة عين لها وله جميعاً , قال ابن اسحق إن الله تعالى ألقى محبته فى قلبها
لأنه كان فى وجهه ملاحة كل من رآه أحبه ، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور ، ولأنها لما
فتحت التابوت رأته يمتص إصبعه، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال برصها ويقال
ما كان لها ولد فأحبته ، قال ابن عباس لما قالت (قرة عين لى ولك) فقال فرعون يكون لك وأما أنا
فلا حاجة لى فيه. فقال عليه السلام ((والذى يحلف به لو أقرفرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت
لهداه الله تعالى كما هداها) قال صاحب الكشاف (قرة عين) خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن يجعل
مبتدأ (ولا تقتلوه) خبراً ولو نصب لكان أقوى ، وقراءة ابن مسعود دليل على أنه خبر، قرأ
(لا تقتلوه قرة عين لى ولك)، وذلك لتقديم لاتقتلوه، ثم قالت المرأة (عسى أن ينفعنا) فنصيب

٢٢٩
قوله تعالى : واصبح فؤاد أم موسى. سورة القصص.
٠١١٠٠٠٠٠١٠
مُوسَى فَرِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى
وَأَصْبَحَ فَؤَادَ أَمِ
قَلْبِهَا لِنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُصِِّهِ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن
◌ُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
منه خيراً ( أو نتخذه ولداً) لأنه أهل للتبنى.
أما قوله ( وهم لا يشعرون) فأكثر المفسرين على أنه ابتداء كلام من الله تعالى أى لا يشعرون
أن هلاكهم بسببه وعلى يده ، وهذا قول مجاهد وقنادة والضحاك ومقاتل، وقال ابن عباس يريد
لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى عليه السلام. وقال آخرون هذا من تمام كلام المرأة أى
لا يشعر بنواسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه ، وهذا قول الكلى.
قوله تعالى: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها
لتكون من المؤمنين ، وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون
﴾.
ذكروا فى قوله (فؤاد أم موسى فارغا) وجوهاً (أحدها) قال الحسن فارغا من كل هم إلا من
هم موسى عليه السلام (وثانيها) قال أبو مسلم فراغ الفؤاد هو الخوف والاشفاق كقوله (وأفئدتهم
هواء)، (وثالثها) قال صاحب الكشاف فارغا صفراً من العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه
فى يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف (ورابعها) قال الحسن ومحمد بن اسحق فارغا
من الوحى الذى أوحينا إليها ( أن ألقيه فى اليم ولا تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك ) نجاءها
الشيطان فقال لها كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه، ولما أتاها
خبر موسى عليه السلام أنه وقع فى يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها،
( وخامسها) قال أبو عبيدة: فارغاً من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل اعتماداً على تكفل الله بمصلحته
قال ابن قتيبة . وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغا من الحزن والله تعالى يقول (لولا
أن ربطنا على قلبها) وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع
أنها لشدة ثقتها بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ذلك
الوعد إلا أنه كان فى المعلوم أن الاظهار يضر فربط الله على قلبها، ويحتمل قوله ( إن كادت
لتدى به لولا أن ربطنا على قلبها) بالوحى فأمنت وزال عن قلبها الحزن، فعلى هذا الوجه يصح
أن يتأول على أن قلبها -لم من الحزن على موسى أصلا، وفيه وجه ثالث: وهو أنها سمعت أن
امرأة فرعون عطفت عليه وتبنته ( إن كادت لتبدى به) بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحا
بما سمعت، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج ( لتكون من المؤمنين ) الواثقين

٢٣٠
قوله تعالى : وحرمنا عليه المراضع. سورة القصص.
وَكَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَتْ هَلْ أَدُلْكُمْ عَ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ،
لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَدِصِحُونَ ﴾ فَرَدَدْنَهُ إِلَ أُمِّهِ، كَىْ تَقَرَّ عَيْهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ خٍَّ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (
بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها، وقرى. فرغاً أى خالياً من قولهم أعوذ
بالله من صفر الإناء وفرغ الفناء وفرغا من قولهم:
أى هدر يعنى بطل قلبها من شدة ماورد عليها .
دماؤهم بينهم فرغ
أما قوله (إن كادت لتبدى به ) فاعلم أن على قول من فسر الفراغ بالفراغ من الحزن ، قد
ذكرنا تفسير قوله ( إن كادت لتبدى ) وأما على قول من فسر الفراغ بحصول الخوف فذكروا
وجوهاً (أحدها) قال ابن عباس كادت تخبر بأن الذى وجدتموه ابنى، وقال فى رواية عكرمة
كادت تقول والإبناه من شدة وجدها به وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع، وقال الكلبى ذلك حين
سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون ، وقال السدى لما أخذ ابنها كادت تقول هو ابنى فعصمها الله
تعالى. ثم قال ( لولا أن ربطنا على قلبها ) بإلهام الصبر كما يربط على الشىء المنفلت ليستقر ويطمئن
( لتكون من المؤمنين) من المصدقين بوء- اللّه وهو قوله ( إنا رادوه إليك ).
أما قوله ( وقالت لأخته قصيه) أى اتبعى أثره وانظرى إلى أين وقع وإلى من صار وكانت
أخته لأبيه وأمه واسمها مريم (فبصرت به ) قال ابن عباس رضى الله عنهما أبصرته، قال المبرد:
أبصرته وبصرت به بمعنى واحد وقوله ( عن جنب ) أى عن بعد وقرى عن جانب وعن جنب
والجنب الجانب أى نظرت نظرة مزورة متجانبة ( وهم لا يشعرون) بحالها وغرضها.
قوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم
له ناصحون، فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾
اعلم أن قوله (وحرمنا عليه المراضع من قبل) يقتضى تحريمها من قبله فاذا لم يصح بالتعبد والنهى
لتعذر التميز فلا بد من فعل سواه وذلك الفعل يحتمل أنه تعالى مع حاجته إلى اللبن أحدث فيه
تفار الطبع عن لبن سائر النساء. فلذلك لم يرضع أو أحدث فى لبنهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه
أو وضع فى لبن أمه لذة فلما تعودها لاجرم كان يكره ابن غيرها ، وعن الضحاك كانت أمه قد
أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها ( والمراضع) جمع مرضع، وهى المرأة التى ترضع أو جمع
مرضع وهو موضع الرضاع أى الثدى أو الرضاع وقوله ( من قبل ) أى من قبل أن رددناه إلى
أمه ومن قبل مجىء أخت موسى عليه السلام، ومن قبل ولادته فى حكمنا وقضائنا فعند ذلك قالت

٢٣١
قوله تعالى : ولما بلغ اشده. سورة القصص.
ج
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَأَسْتَوَىّ ءَاتَيْنَهُ حُكَا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ تَحْرِى الْمُحْسِنِينَ (3)
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى ◌ِحِينٍ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْنِلَانِ هَذَا مِنْ شِعَتِهِ
وَذَا مِنْ عَدُوِّهِ، فَاسْتَدْتَهُ الَّذِىِ مِنْ شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَهُ
مُوسَى فَقَضَى عَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنّهُ عَدُوٌّمُضِلُّ مُبِينٌّ ◌َ قَالَ رَبِّ
أخته (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) أى يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه وهم له ناصحون
لا يمنعونه ما ينفعه فى تربيته وإغذائه ، ولا يخونونكم فيه والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد ،
وقال السدى إنها لما قالت ( وهم له ناصحون ) دل ظاهر ذلك على أن أهل البيت يعرفونه فقال لها
هامان قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه ، ولكنى إنما قلت هم للملك ناصحون
ليزول شغل قلبه، وكل ما روى فى هذا الباب يدل على أن فرعون كان بمنزلة آسية فى شدة محبته
لموسى عليه السلام، لاعلى ما قال من زعم أنها كانت مختصة بذلك فقط ثم قال تعالى (فرددناه إلى
أمه ) بهذا الضرب من اللطف (كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ) أى فيما كان
وعدها من أنه يرده اليها، ولقد كانت عالمة بذلك، ولكن ليس الخبر كالعيان . فتحققت بوجود
الموعود ( ولكن أكثرهم لا يعلمون) فيه وجوه أربعة: (أحدها) ولكن أكثر الناس فى ذلك
العهد وبعد لا يعلمون لاعراضهم عن النظر فى آيات الله ( وثانيها) قال الضحاك ومقاتل يعنى أهل
مصر لا يعلمون أن الله وعدها برده إليها ( وثالثها ) هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر
موسى عليه السلام نجزعت وأصبح فؤادها فارغا ( ورابعها ) أن يكون المعنى إنا إنما رددناه اليها
( لتعلم أن وعد الله حق) والمقصود الأصلى من ذلك الرد هذا الغرض الدينى، ولكن الأكثر
لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلى، وأن ما سواه من قرة العين وذهاب الحزن تبع، قال
الضحاك لما قبل ثديها قال هاءان إنك لأمه، قالت لا قال فما بالك قبل ثديك من بين النسوة .
قالت أيها الملك إنى إمرأة طيبة الريح حلوة اللبن ماشم ريحى صبى إلا أقبل على ثدبى، قالوا صدقت.
فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى اليها وأتحفها بالذهب والجواهر .
قوله تعالى: ﴿ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلاً وكذلك نجزى المحسنين، ودخل
المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغائه
الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو

٢٣٢
قوله تعالى : ولما بلغ اشده. سورة القصص.
قَالَ رَبّ ◌ِمَآ
إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِ فَغَفَرَ لَهُّ ◌ِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الَّحِيمُ ()
أَنْعَمْتَ عَلَىَّفَلَنْ أَكُونَ ظهِرٌلِّلِّمُجْرِمِينَ (®)
مضل مبين ، قال رب إنى ظلمت نفسي فاغفرلى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب بما أنعمت
على فلن أكون ظهيراً للمجرمين
اعلم أن فى قوله ( بلغ أشده واستوى ) قولين: (أحدهما ) أنهما بمعنى واحد وهو استكمال
القوة واعتدال المزاج والبنية ( والثانى) وهو الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على جوه
(أحدها) وهو الأقرب أن الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية ، والاستواء عبارة عن
كمال القوة العقلية (وثانيها ) الأشد عبارة عن كمال القوة ، والاستواء عبارة عن كمال البنية والخلقة
( وثالثها ) الأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء عبارة عن كمال الخلقة (ورابعها ) قال ابن عباس
الأشد ما بين الثمانية عشرة سنة إلى الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير
زيادة ولا نقصان، ومن الأربعين يأخذ فى النقصان ، وهذا الذى قاله ابن عباس رضى الله عنهما
حق ، لأن الإنسان يكون فى أول العمر فى النمو والتزايد ثم يبقى من غير زيادة ولا نقصان، ثم يأخذ
فى الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد
قليلا والقوة قوية جداً. ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينقص ومن الأربعين
إلى الستين يأخذ فى الانتقاص الخفي، ومن الستين إلى آخر العمر يأخذ فى الانتقاص البين الظاهر،
ويروى أنه لم يبعث فى إلا على رأس أربعين سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس
الأربعين قواه الجسمانية من الشهوة والغضب والحس قوية مستكملة فيكون الإنسان منجذباً إليها
فإذا انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية فى الانتقاص ، والقوة العقلية فى الازدياد فهناك
يكون الرجل أكمل ما يكون . فلهذا السراختار الله تعالى هذا السن للوحى.
المسألة الثانية) اختلفوا فى واحد الأشد، قال الفراء: الأشد واحدها شدفى القياس ولم يسمع لها
بواحد . وقال أبو الهيثم: واحدة الأشد شدة، كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة القوة والجلادة.
أما قوله ( آتيناه حكماً وعلماً) ففيه وجهان ( الأول ) أنها النبوة وما يقرن بها من العلوم
والأخلاق ، وعلى هذا التقدير ليس فى الآية دليل على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطى أو
بعده، لأن الواو فى قوله (ودخل المدينة) لا تفيد الترتيب (الثانى) آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى
( واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة) وهذا القول أولى لوجوه (أحدها) أن
النبوة أعلى الدرجات البشرية فلا بد وأن تكون مسبوقة بالكمال فى العلم والسيرة المرضية التى هى

٢٣٣
قوله تعالى : فوجد فيها رجلين يقتتلان. سورة القصص
أخلاق الكبراء والحكماء ( وثانيها) أن قوله ( وكذلك نجزى المحسنين.) يدل على أنه إنما أعطاه
الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل ( وثالثها ) أن المراد بالحكم
والعلم لو كان هو النبوة ، لوجب حصول النبوة لكل من كان من المحسنين أوله ( وكذلك نجزى
المحسنين) لأن قوله (وكذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم، ثم بين إنعامه عليه قبل
قتل القبطى. وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى المدينة فالجمهور على أنها هى المدينة التى كان يسكنها فرعون،
وهى قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك : هى عين شمس.
﴿المسألة الثانية) اختلفوا فى معنى قوله (على حين غفلة من أهلها) على أقوال ( فالقول
الأول) أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه الله الحكم والعلم فى دينه ودین آبائه،
علم أن فرعون وقومه على الباطل ، فتكلم بالحق وعاب دينهم ، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى
أن أخافوه وخافهم ، وكان له من بنى إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه، وبلغ فى الخوف
بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفاً ، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها ، ثم الأكثرون
على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ماهم قائلون . وعن ابن عباس يريد بين المغرب
والعشاء والأول أولى، لأنه تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها، وإذا دخل المرء مستتراً لأجل خوف،
لا تضاف الغفلة إلى القوم ( القول الثانى) قال السدى: إن موسى عليه السلام حين كبر كان
يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، ويدعى موسى ابن فرعون ، فركب يوماً فى أثره
فأدركه المقيل فى موضع، فدخلها نصف النهار ، وقد خلت الطرق ، فهو قوله ( على حين غفلة )
(القول الثالث ) قال ابن زيد: ليس المراد من قوله ( على حين غفلة من أهلها) حصول الغفلة فى
تلك الساعة ، بل المراد الغفلة من ذكر موسى وأمره، فإن موسى حين كان صغيراً ضرب رأس
فرعون بالعصا ونتف لحيته، فأراد فرعون قتله ، جىء بحمر فأخذه وطرحه فى فيه ، فمنه عقدة
لسانه، فقال فرعون: لا أقتله، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد، فأخرج ولم يدخل عليهم حتى
كبر، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله ( على حين غفلة) ولا مطمع فى ترجيح بعض هذه
الروايات على بعض، لأنه ليس فى القرآن ما يدل على شىء منها .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال تعالى (فوجد فيها رجلين يقتتلان ، هذا من شيعته وهذا من عدوه)
قال الزجاج : قال: هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية ، أى وجد فيها رجلين يقتتلان، إذا
نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته وهذا من عدوه، ثم اختلفوا . فقال مقاتل: الرجلان كانا
كافرين، إلا أن أحدهما من بنى إسرائيل، والآخر من القبط، واحتج عليه بأن موسى عليه السلام
قال له فى اليوم الثانى (إنك لغوى مبين) والمشهور أن الذى من شيعته كان مسلماً، لأنه لا يقال
فيمن يخالف الرجل فى دينه وطريقه: إنه من شيعته ، وقيل إن القبطى الذى سخر الإسرائيلى كان

٢٣٤
قوله تعالى : رب إنى ظلمت نفسي سورة القصص.
طباخ فرعون، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان: أحدهما السامرى
وهو الذى من شيعته، والآخر طباخ فرعون. والله أعلم بكيفية الحال ، فاستغاثه الذى من شيعته
على الذى من عدوه ، أى سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه. فوكزه موسى عليه السلام، الوكز
الدفع بأطراف الأصابع، وقيل بجمع الكف. وقرأ ابن مسعود: فلكزه موسى، وقال بعضهم:
الوكز فى الصدر واللكز فى الظهر، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين:
فوكزه بعصاه، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا (فقضى عليه) أى أماته وقتله .
( المسألة الرابعة) احتج بهذه الآية من طعن فى عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه
(أحدها ) أن ذلك القبطى إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول
فلم قال (هذا من عمل الشيطان) ولم قال (رب إنى ظلمت نفسي فاغفر لى فغفر له) ولم قال فى سورة
أخرى (فعلتها إذاً وأنا من الضالين)؟ وإن كان الثانى وهو أن ذلك القبطى لم يكن مستحق القتل كان
قتله معصية وذنباً (وثانيها) أن قوله (وهذا من عدوه) يدل على أنه كان كافراً حرباً فكان دمه
مباحاً فلم استغفر عنه، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز، لأنه يوهم فى المباح كونه حراماً ؟
(وثالثها ) أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه؟
(والجواب) عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم .
أما قوله ( هذا من عمل الشيطان ) ففيه وجوه (أحدها ) لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر
إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله ( هذا من
عمل الشيطان ) معناه إقدامى على ترك المندوب من عمل الشيطان (وثانيها) أن قوله هذا إشارة إلى
عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله ( هذا من عمل الشيطان ) أى عمل هذا المقتول من عمل
الشيطان، المراد منه بيان كونه مخالفاً للّه تعالى مستحقاً للقتل ( وثالثها) أن يكون قوله هذا إشارة
إلى المقتول، يعنى أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أى من أحزابه.
أما قوله ( رب إنى ظلمت نفسى فاغفرلى) فعلى نهج قول آدم عليه السلام (ربنا ظلمنا أنفسنا)
والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام
بحقوقه ، وإن لم يكن هناك ذنب قط ، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله (فاغفر لى) أى فاغفرلى ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد
.(رب إنى ظلمت نفسى) حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلنى به (فاغفرلى)
أی فاستره علی ولا توصل خبره إلى فرعون ( فغفر له ) أی ستره عن الوصول إلىفرعون ، ويدل
على هذا التأويل أنه على عقبه قال (رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيراً للمجرمين) ولو
كانت إعانة المؤمن ههنا سبباً للمعصية لما قال ذلك.
وأما قوله ( فعلتها إذا وأنا من الضالين ) فلم يقل إنى صرت بذلك ضالا ، ولكن فرعون لما

قوله تعالى : فأصبح في المدينة خائفاً يترقب. سورة القصص. ٢٣٥
فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَائِهَا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِ خٍُّ قَالَ
ادعى أنه كان كافراً فى حال القتل نفى عن نفسه كونه كافراً فى ذلك الوقت ، واعترف بأنه كان ضالا
أى متحيراًلا يدرى ما يجب عليه أن يفعله وما يدبز به فى ذلك. أما قوله إن كان كافراً حربياً فلم استغفر
عن قتله؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراماً فى ذلك
الوقت ، أو إن كان مباحا لكن الأولى تركه على ما قررنا، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ، قلنا لا نسلم
فلعل الرجل كان ضعيفاً وموسى عليه السلام كان فى نهاية الشدة، فوكزه كان قاتلا قطعاً . ثم إن سلمنا
ذلك ولکن لعله علیه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائیلی من یده بدون ذلك الو کزالذى كان
الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار. على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية
لكنا بينا أنه لا دليل البتة على أنه كان رسولا فى ذلك الوقت فيكون ذلك صادراً منه قبل النبوة.
وذلك لانزاع فيه .
﴿ المسألة الخامسة) قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصى إلى الله
تعالى لأنه عليه السلام قال ( هذا من عمل الشيطان ) فنسب المعصية إلى الشيطان ، فلو كانت بخلق
الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام (من بعد أن نزغ
الشيطان بينى وبين إخوتى) وقول صاحب موسى عليه السلام ( وما أنسانيه إلا الشيطان ) وقوله
تعالى ( لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة).
أما قوله (رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيراً المجرمين) ففيه وجوه (أحدها ) أن ظاهره
يدل على أنه قال إنك لما أنعمت على بهذا الإنعام فإنى لا أكون معاوناً لأحد من المجرمين بل
أكون معاوناً للمسلمين، وهذا يدل على أن ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلى على القبطى كان
طاعة لا معصية ، إذ لو كانت معصية . لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت على بقبول
توبتى عن تلك المعصية فانى أكون مواظباً على مثل تلك المعصية ( وثانيها ) قال القفال: كأنه
أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرماً، والباء للقسم أى بنعمتك على (وثالثها) قال الكسائى
والفراء إنه خبر، ومعناه الدعاء كأنه قال فلا تجعلنى ظهيراً، قال الفراء وفى حرف عبد اللّه (فلا
تجعلنى ظهيراً، واعلم أن فى الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة: وقال ابن عباس:
لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيراً إن شاء الله، فابتلى به فى اليوم الثانى، وهذا ضعيف لأنه فى اليوم
الثانى ترك الإعانة، وإنما خاف منه ذلك العدو فقال (إن تريد إلا أن تكون جباراً فى الأرض)
لا أنه وقع منه .
قوله تعالى: ﴿فأصبح فى المدينة خائفاً يترقب فإذا الذى استنصره بالأمس يستصرخه قال له

٢٣٦
قوله تعالى : فأصبح في المدينة خائفاً يترقب. سورة القصص.
فَلَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوْ لَهُمَا قَالَ
٠٠٤٠١٠٠
لَهُو مُوسَىّ إِنَّكَ لَغَوِىّ مُبِينَ
يَمُوسَى أَثْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِىِ كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا
فِ الْأَرْضِ وَمَا تُِدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا
الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَنُمُوسَىَ إِنَّ الْعَلَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَخْرُجْ إِى لَكَ مِنَ
الَّصِحِينَ (٣٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَبِفًّا يَتَرَفَّبُ قَالَ رَبِّ تَخِى مِنَ الْقَوْمِ الَّلِينَ (٦ّه
موسى إنك لغوى مبين ، فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلنى
كما قتلت نفساً بالأمس أن تزيد إلا أن تكون جباراً فى الأرض وما تريد أن تكون من
المصلحين ، وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ياموسى أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج
إنى لك من الناصحين ، خرج منها خائفاً يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين ﴾
اعلم أن عند موت ذلك الرجل من الوكز أصبح موسى عليه السلام من غد ذلك اليوم خائفاً
من أن يظهر أنه هو القاتل فيطلب به ، وخرج على استنار (فاذا الذى استنصره) وهو الإسرائيلى
(بالأمس يستصرخه) يطلب نصرته بصياح وصراخ، قال له موسى (إنك لغوى مبين) قال أهل اللغة
الغوى يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعل أى إنك لمغو القومى فإنى وقعت بالأمس فيما وقعت فيه
بسبيك، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوى. واحتج به من قدح فى عصمة الأنبياء عليهم السلام ، فقال
كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه ( إنك لغوى مبين )؟
( والجواب) من وجهين (الأول) أن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظاً جفاة ألا ترى إلى
قولهم بعد مشاهدة الآيات ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) فالمراد بالغوى المبين ذلك ( الثانى ) أنه
عليه السلام إنما سماه غراً لأن من تكثر منه المخاصمة على وجه يتعذر عليه دفع خصمه عما
يرومه من ضرره يكون خلاف طريقة الرشد. واختلفوا فى قوله تعالى (قال يا موسى أتريد أن
تقتلنى كما قتلت ) أهو من كلام الإسرائيلى أو القبطى ؟ فقال بعضهم لما خاطب موسى الإسرائيلى
بأنه غوى ورآه على غضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده ، فقال هذا القول، وزعموا أنهلم يعرف
قتله بالأمس للرجل إلا هو ، وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف، وقال آخرون بل هو

٢٣٧
قوله تعالى : ولما توجه تلقاء مدين. سورة القصص.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَآءَ الَّبِيلِ (﴾ وَلَمَّا
وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِمُ أَمْرَ أَتَيْنِ
تَدُودَانِّ قَالَ مَا خَطُكُمَّا قَالَالَ نَسْفِي خَّى يُصْدِرَ الْعَاءُ وَأَبُنَا شَيْخُ كَبِيرٌ.
٢٣
فَسَ لَهُمَاثُمَّ تَوَلَّ إِلَى الظّلّ فَقَالَ رَبٍ إِى لِمَا أَزَّلْتَ إِلَىَ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٨)
فَجَاءَتْهُ إِحْدَثُهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَمَا
قول القبطى. وقد كان عرف القصة من الإسرائيلى، والظاهر هذا الوجه لأنه تعالى قال (فلما أن أراد
يبطش بالذى هو عدو لهما قال ياموسى) فهذا القول إذن منه لا من غيره وأيضاً فقوله ( إن تريد
إلا أن تكون جباراً فى الأرض ) لا يليق إلا بأن يكون قولا للكافر .
واعلم أن الجبار الذى يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر فى العواقب ولا يدفع
بالتى هى أحسن وقيل المتعظم الذى لا يتواضع لأمر أحد، ولما وقعت هذه الواقعة انتشر
الحديث فى المدينة وانتهى إلى فرعون وهموا بقتله.
أما قوله ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ) قال صاحب الكشاف يسعى يجوز ارتفاعه
وصفاً لرجل ، وانتصابه حالا عنه، لأنه قد تخصص بقوله (من أقصى المدينة) والانتمار التشاور
يقال الرجلان يأتمران لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشىء أو يشير عليه بأمر. والمعنى يتشاورون
بسبيك. وأكثر المفسرين على أن هذا الرجل مؤمن آل فرعون ، فعلى وجه الإشفاق أسرع إليه
ليخوفه بأن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك.
أما قوله ( يخرج منها خائفاً يترقب ) أى خائفاً على نفسه من آل فرعون ينتظر هل يلحقه"
طلب فيؤخذ، ثم التجأ إلى الله تعالى لعلمه بأنه لاملجأ سواه فقال ( رب تجنى من القوم الظالمين )
وهذا يدل على أن قتله لذلك القبطى لم يكن ذنباً ، وإلا لكان هو الظالم لهم وما كانوا ظالمين له بسبب
طلبهم إياه ليقتلوه قصاصاً .
قوله تعالى: ﴿ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل، ولما ورد ماءمدين
وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ماخطبكما قالتا لا نسقى
حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إنى لما أنزلت إلى من:
خير فقير ، فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجرما سقيت لنا . فلما
!
جاءه وقص عليه القصص قال لاتخف نجوت من القوم الظالمين ، قالت إحداهما يا أبت استأجره

٢٣٨
قوله تعالى : ولما توجه تلقاء مدين. سورة القصص.
سَقَيْتَ لَنَا فَلَّا جَاءَهُ, وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
الَّلِينَ ﴿﴾ قَالَتْ إِحْدَثُهُمَا يَأْبَتِ أَسْتَصِرَّةً إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَعْجَرْتَ الْقَوِىُّ
الْأَمِنُ ﴾ قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَغَىَّ هَلْتَيْنِ عَ أَن تَأْرَبِى تَمَنِىَ
◌ِجَ فَإِنْ أَتْحَمْتَ عَثْرًا فَنْ عِندِكَ وَمَآ أَرِبِدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكُ سَتَبِدُنِي إِن
شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَبََّ الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا
عُدْوَنَ عَلَّ وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾
إن خير من استأجرت القوى الأمين ، قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن
تأجرنى ثمانى حجج فان أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدفى إن شاء الله
من الصالحين ، قال ذلك بينى وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على والله على مانقول وكيل ﴾
أعلم أن الناس اختلفوا فى قوله ( ولما توجه تلقاء مدين ) فقال بعضهم إنه خرج وما قصدمدين
ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشى من غير معرفة وأ وصله الله تعالى إلى مدين، وهذاقول
ابن عباس ، وقال آخرون لما خرج قصد مدين لأنه وقع فى نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من
ولد مدين بن ابراهيم عليه السلام ، وهو كان من بنى اسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد
على فضل الله تعالى، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق وذكر ابن
جرير عن السدى لما أخذ موسى عليه السلام فى المسير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من
الفرح، فقال لا تفعل واتبعنى. فاتبعه نحو مدين ، واحتج من قال إنه خرج وما قصد مدين بأمرين :
(أحدهما) قوله (ولما توجه تلقاء مدين) ولو كان قاصداً للذهاب إلى مدين لقال، ولما توجه إلى
مدين فلما لم يقل ذلك بل قال (توجه تلقاء مدين) علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن
يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهى ( والثانى) قوله (عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) وهذا
كلام شاك لاعالم والأقرب أن يقال إنه قصد الذهاب إلى مهين وما كان عالماً بالطريق . ثم إنه كان
يسأل الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام فى عقله وذكائه أن لا يسأل، ثم
قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر ، وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له
طعام إلا ورق الشجر

٢٣٩
قوله تعالى . ولما توجه تلقاء مدين. سورة القصص.
أما قوله ( عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام (إنى
ذاهب إلى ربى سيهدين ) وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً فى الاستدلال والجواب والدعاء
والتضرع إلا ماذكره ابراهيم عليه السلام، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم
وعلى جميع الطيبين المطهرين (ولما ورد ماء مدين) وهو الماء الذى يسقون منه وكان بثراً فيما
روى ووروده مجيئه والوصول اليه (وجد عليه) أى فوق شفيره ومستقاه (أمة) جماعة كثيرة العدد
(من الناس) من أناس مختلفين (ووجد من دونهم) فى مكان أسفل من مكانهم (امرأتين تذودان)
والذود الدفع والطرد فقوله تذودان أى تحبسان ثم فيه أقوال: (الأول) تحبسان أغنامهما واختلفوا
فى علة ذلك الحبس على وجوه: (أحدها) قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان
من السقى (وثانيها) كانتا تكرهان المزاحمة على الماء ( وثالثها ) لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم
(ورابعها ) لئلا تختلطا بالرجال ( القول الثانى) كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما
( والقول الثالث ) تذودان الناس عن غنمهما (القول الرابع) قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق
وتتسرب ( قال ما خطبكما) أى ما شأنكا وحقيقته ما مخطوبكما أى مطلوبكما من الذياد فسمى
المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً فى قولك ما شأنك (فقالتا لانسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا
شيخ كبير ) وذلك يدل على ضعفهما عن السقى من وجوه: (أحدها) أن العادة فى السقي للرجال ،
والنساء يضعفن عن ذلك ( وثانيها ) ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير (وثالثها ) قوله)
حتى يصدر الرعاء (ورابعها) انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء (وخامسها) قولهها (وأبونا
شيخ كبير) ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقى، فعند ذلك
سقى لها قبل صدر الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد . قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم
بفتح الياء وضم الدال، وقرأ الباقون بضم الياء، وكسر الدال فالمعنى فى القراءة الأولى حتى ينصرفوا
عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد ، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى فى القراءة حتى يصدر
القوم مواشيهم .
أما قوله ( فسقى لهما) أى -قى غنمهما لأجلهما، وفى كيفية السقى أقوال (أحدها) أنه عليه
السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا (وثانيهما) قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها
إلا عشرة ، وقيل أربعون، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر ( وثالثها ) أن
القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام
رمى ذلك الحجر وسقى لهما . وليس بيان ذلك فى القرآن. والله أعلم بالصحيح منه. لكن المرأة
وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته ، وقال
تعالى ( ثم تولى إلى الظل) وفيه دلالة على أنه سقى لهما فى شمس وحر ، وفيه دلالة أيضاً على كمال
قوة موسى عليه السلام، قال الكلبى: أتى موسى أهل الماء فسألههم دلواً من ماء، فقالوا له إن

٢٤٠
قوله تعالى: فجاءته إحداهما تمشى. سورة القصص.
شئت انت الدلو فاستق لهما قال نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلا حتى يخرجوه من
البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب فى الحوض ودعا بالبركة ثم قرب
غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما . فان قيل كيف ساغ لنبى الله الذى هو شعيب
أن يرضى لابنتيه بسقى الماشية؟ قلنا ليس فى القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيباً والناس
مختلفون فيه ، فقال ابن عباس رضى الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخى شعيبٍ وشعيب مات
بعد ماعمى وهو اختيار أبى عبيد (وقال) الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا وإن
سلمنا أنه كان شعيباً عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه. وأما المروءة فالناس فيها
مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر ، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة.
وأما قوله ( قال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير ) فالمعنى إنى لأى شىء أنزلت إلى من
خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير، وإنما عدى فقيراً باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
(واعلم) أن هذا الكلام يدل على الحاجة، إما إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوه
على الطعام قال ابن عباس يريد طعاماً يأكله، وقال الضحاك مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاماً
إلا بقل الأرض، وروى أن موسى عليه السلام لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك،
فإن قيل إنه عليه السلام لما بقى معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الداو العظيم ، فكيف يليق
بهمته العالية أن يطلب الطعام، أليس أنه عليه السلام قال ((لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى قوة سوى))؟
قلنا أما رفع الصوت بذلك لاسماع المرأتين وطلب الطعام فذاك لا يليق بموسى عليه السلام البتة
فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه السلام قال ذلك فى نفسه مع ربه تعالى، وفى الآية وجه
آخر كأنه قال رب إنى بسبب ما أنزلت إلى من خير الدين صرت فقيراً فى الدنيا لأنه كان عند
فرعون فى ملك وثروة ، فقال ذلك رضى بهذا البدل وفرحا به وشكراً له، وهذا التأويل أليق
بحال موسى عليه السلام ،
أما قوله تعالى ( نجاءته إحداهما تمشى على استحياء) فقوله على ( استحياء) فى موضع الحال
أى مستحيية ، قال عمر بن الخطاب قد استقرت بكم قميصها ، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال
وقال عبد العزيز بن أبى حازم على إجلال له ومنهم من يقف على قوله ( تمشى) ثم يبتدى. فيقول
(على استحياء) قالت ( إن أبى يدعوك) يعنى أنها على الاستحياء قالت هذا القول لأن الكريم
إذا دعاغيره إلى الضيافة يستحيى ، لانسما المرأة وفى ذلك دلالة على أن شعيباً لم يكن له معينسواهما
وروى أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل النّاس ، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاصالحاً رحمنا فسقى
لنا ، فقال لإحداهما اذهبى فادعيه لى، أما الاختلاف فى أن ذلك الشيخ كان شعيباً عليه السلام
أو غيره فقد تقدم، والأكثرون على أنه شعيب. وقال محمد بن اسحاق فى البنتين اسم الكبرى
صفورا، والصغرى ليا، وقال غيره صفرا وصفيرا، وقال الضحاك صافورا والتى جاءت ألى