Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ قوله تعالى : لعلكم تصطلون. سورة النمل. داخلا فيها، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم؟ (جوابه) الحكمة هى العلم بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه، لأن العلم قديكون عملياً وقد يكون نظرياً والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية، فذكر الحكمة المشتملة على العلوم العملية ، ثم ذكر العليم وهو البالغ فى كمال العلم وكمال العلم يحصل من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصوناً عن كل التغيرات ، وما حصلت هذه الكالات الثلاثة إلا فى علمه سبحانه وتعالى . واعلم أن الله تعالى ذكر فى هذه السورة أنواعاً من القصص. القصة الأولى - قصة موسى عليه الصلاة والسلام أما قوله ( إذ قال موسى لأهله ) فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام ، وقد كنى اللّه تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله (تصطلون ) أما قوله ( إنى آنست ناراً) فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلا، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفى مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة فى أمر الطريق، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال (إنى آنست ناراً) وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت ، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به ، والأول أقرب، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست بصرى ورأيت بصرى. أما قوله (سآتيكم منها بخبر) فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل ، ثم فى الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال ( سآتيكم منها بخبر ) يعرف به الطريق . أما قوله ( أو آتيكم بشهاب قبس ) فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة . وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبساً وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم ههنا أسئلة : ﴿السؤال الأول﴾ (سآتيكم منها بخبر) و(لعلى آتيكم منها بخبر (٢)) كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ نقول (جوابه) قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة . ٠ ﴿السؤال الثانى) كيف جاء بسين التسويف؟ (جوابه) عدة منه لأهله أبه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . ﴿ السؤال الثالث) لماذا أدخل أو بين الأمرين وهلاجمع بينهما لحاجته إليهما معاً؟ (جوابه) بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة اللّه تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده. ١٨٢ قوله تعالى : إنه انا الله العزيز الحكيم. سورة النمل. وأما قوله تعالى ( لعلكم تصطلون) فالمعنى لكى تصطلون وذلك يدل على حاجة بهم إلى الإصطلاء وحينئذ لا يكون كذلك إلا فى حال برد . أما قوله تعالى (نودى أن بورك من فى النارومن حولها وسبحان الله رب العالمين) ففيه أبحاث : ﴿ البحث الأول﴾ (أن) أن هى المفسرة لأن النداء فيه معنى القول، والمعنى قيل له (بورك) ﴿ البحث الثانى ) اختلفوا فيمن فى النار على وجوه: (أحدها) (أن بورك) بمعنى تبارك (والنار) بمعنى النور والمعنى تبارك من فى النور، وذلك هو الله سبحانه (ومن حولها) يعنى الملائكة وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما وإن كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة (وثانيها) (من فى النار ) هو نور اللّه، ومن حولها الملائكة، وهو مروى عن قتادة والزجاج ( وثالثها ) أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة فى البقعة المباركة فكانت الشجرة محلا للكلام، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة كانت فى النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال ( بورك من فى النار ومن حولها ) وهو قول الجبائى ( ورابعها) من فى النار هو موسى عليه السلام لقربه منها ومن حولها يعنى الملائكة، وهذا أقرب لأن القريب من الشىء قد يقال إنه فيه (وخامسها ) قول صاحب الكشاف ( بورك من فى النار) أى من فى مكان النار ومن حول مكانها هى البقعة التى حصلت فيها وهى البقعة المباركة المذكورة ، فى قوله تعالى ( من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة) ويدل عليه قراءة أبى تباركت الأرض ومن حولها وعنه أيضاً بوركت النار ﴿ البحث الثالث ) السبب الذى لأجله بوركت البقعة، وبورك من فيها وحواليها: حدوث هذا الأمر العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة بال كات فى قوله ( ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) وحقت أن تكون كذلك فهى مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ومهبط الوحى وكفاتهم أحياء وأمواتاً . ﴿ البحث الرابع ) أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام فقوله (بورك من فى النار ومن حولها ) يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر البركة منه فى أرض الشام كلها . وقوله (وسبحان الله رب العالمين) فيه فائدتان: (إحداهما) أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به فى ذاته وحكمته ليكون ذلك مقدمة فى صحة رسالة موسى عليه السلام ( الثانية ) أن يكون ذلك إيذاناً بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيهاً على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الوقائع. أما قوله ( إنه أنا الله العزيز الحكيم) فقال صاحب الكشاف الهاء فى إنه يجوز أن يكون ضمير الشأن (وأنا اللّه) مبتدأ وخبر، و(العزيز الحكيم) صفتان للخبر، وأن يكون راجعاً إلى مادل عليه ما قبله يعنى أن مكلمك (أنا) والله بيان لأنا و(العزيز الحكيم) صفّتان للتعيين وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد أنا القوى القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصاحية، الفاعل ما أفعله بحكمة وتدبير . فإن قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى، فكيف علم موسى ١٨٣ قوله تعالى : والقى عصاك فلما رآها تهتز. سورة النمل ج وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَّا رَءَاهَاتَهْتَرُ كَأنَّهَا جَانٌّ وَلَّ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ (٣٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمْ بَدْلَ حُسْنَا بَعْدَ سَوْءٍ فَإِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨﴾ وَأَدْخِلْ بَدَكَ فِى جَمِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرٍ سُوءٍ فِى تِسْع ◌َتٍ إِلَى فِرْعَونَ وَقَوْمِهِإِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٢﴾ فَلَّا جَاءَتْهُمْ ءَا يَدْتُنَا ٤٠٠٠ وَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمُ ظُلًّا وَعُوا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرُمْبِينَ. ١٣ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103 عليه السلام أنه من الله؟ (جوابه) لأهل السنة فيه طريقان (الأول) أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة اللّه تعالى (الثانى) قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة فنقول إنما عرف أن ذلك من اللّه تعالى لأمور (أحدها ) أن النداء إذا حصل فى النار أو الشجرة علم أنه من قبل اللّه تعالى لأن أحداً منا لا يقدر عليه وهو ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل فى النار والشجرة ثم نادى ( وثانيها ) يجوز فى نفس النداء أن يكون قد بلغ فى العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف لأنا لانعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلاقدر إلا ويجوز صدوره منهم (وثالثها) أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك، فقيل إن النار كانت مشتعلة فى شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز ، وهذا هو الأصح والله أعلم . قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون ، إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فإنى غفور رحيم ، وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فى تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين، فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ٠ اعلم أن أكثر ما فى هذا الآيات قد مر شرحه، ولنذكر ما هو من خواص هذا الموضع يقال علام عطف قوله ( وألق عصاك)؟ (جوابه) على بورك، لأن المعنى نودى أن بورك من فى النار ، وأن ألق عصاك ، كلاهما تفسير لنودى . ١٨٤ قوله تعالى : ولقد آتينا داود وسلیمان. سورة النمل وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنْنَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلِّالَّذِىِ فَضَّلَنَا عَلَى كَثِرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (*) وَوَرِثَ سُلَيْمَئِنُ دَاُودَ وَقَالَ يَأْيُّهَا النَّاسُ مُلْنَا مَنْطِقَ أما قوله (كأنها جان) فالجان الحية الصغيرة سميت جاناً، لأنها تستقر عن الناس ، وقرأ الحسن جان على لغة من يهرب من التقاء السا كنين ، فيقول شابة ودابة . أما قوله (ولم يعقب ) معناه لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا مر بعد الفرار، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه (إنى لا يخاف لدى المرسلون ) وقال بعضهم: المراد إنى إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغى أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة. أما قوله تعالى ( إلا من ظلم ) معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة. قال الحسن رحمه الله: كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطى ثم بدل، فانه عليه السلام ( قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى ) وقرى ألا من ظلم بحرف التنبيه. أما قوله تعالى ( ثم بدل حسناً بعد سوء) فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب ، وعن أبى بكر فى رواية عاصم حسناً. أما قوله (فى تسع آيات) فهو كلام مستأنف ، وحرف الجرفيه يتعلق بمحذوف، والمعنى اذهب فى تسع آيات إلى فرعون ، ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، اثنتان منها اليد والعصا ، والقسع: الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب فى بواديهم والنقصان فى مزارعهم . أما قوله ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ) فقد جعل الإبصار لها، وهو فى الحقيقة لمتأملها، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدى، وقرأ على بن الحسين وقتادة (مبصرة) وهو نحو مجبنة ومبخلة ، أى مكاناً يكثر فيه التبصر. أما قوله ( واستيقنتها أنفسهم ) فالواو فيها واو الحال ، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها فى قلوبهم وضمائرهم، والإستيقان أبلغ من الإيقان. أما قوله ( ظلماً وعلواً) فأى ظلم أخش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً. وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله (فاستكبروا وكانوا قوماً عالين) وقرى عليا وعلياً بالضم والكسر، كما قرىء عتياً والله أعلم. ﴿ القصة الثانية - قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ، وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء إن هذا ١٨٥ قوله تعالى، . وحشر سليمان جنوده من الجن. سورة النمل الطَيْرٍ وَأُوْتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (٦﴾ وَحُثِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ اِنّ وَالْإِنِسِ وَالطَِّ فَهُمْ يُوزَعُونَ (7) حَتَّ إِذَا أَتَوَاْ عَى وَاِدِ النَّهْلِ قَالَتْ لَمْلَةٌ بَأَيُّهَا النَّعْلُ أَدْخُلُواْ مَسَئِكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لَيَسْعُرُونَ (٨) فَتَسَّمَ ضَاحِكًا مِّنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِ أَوْزِعْنِيِّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّى أَنْعَمْتَ ◌َلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَائِمًا تَرْضَئُهُ وَأَدْخِى بِرَتِكَ فِى عِبَادَِ الصَّالِحِينَ (3) لهو الفضل المبين ، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، حتى إذا أتوا على وادى النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين ﴾. أما قوله تعالى ( علماً) فالمراد طائفة من العلم أو علماً سنياً عزيزاً، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر؟ (جوابه) أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقاً بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات . ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقاً بهما فلا جرم صار كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً، فعملا به قلباً وقالباً، وقالا باللسان الحمد لله الذى فعل كذا وكذا. وأما قوله تعالى ( الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) ففيها أبحاث: (أحدها) أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علهما، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير ( وثانيها) فى الآية دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك مالم يؤت غيرهما فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم (وثالثها) أنهم لم يفضلوا أنفسهم على الكل وذلك يدل على حسن التواضع (ورابعها) أن الظاهر يقتضى أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره ، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سبباً لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير العلم بالله وبصفاته جلياً بحيث يصير المرء مستغرقاً ١٨٦ قوله تعالى : وورث سليمان داود. سورة النمل. فيه بحيث لا يخطر بباله شىء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه فى حين من الأحيان ولا ساعة من الساعات . أما قوله تعالى (وورث سليمان داود) فقد اختلفوا فيه ، فقال الحسن المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث ، وقال غيره بل النبوة، وقال آخرون بل الملك والسياسة، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلا، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على شرائط ، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سياً لنبوة الولد فمن هذا الوجه يفترقان، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند موته، كما يرث الولد المال إذا قام به عندموته وبما يبين ما قلناه أنه تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله ( وقال يا أيه الناس علمنا منطق الطير ) معنى، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلا فى جملة ما ورثه، وكذلك قوله تعالى (وأوتينا من كل شىء) لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال لا يجمعه وقوله ( إن هذا لهو الفضل المبين ) لا يليق أيضاً إلا بما ذكرنادون المال الذى قد يحصل للكامل والناقص، وما ذكره الله تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم يرث إلا المال، فأما إذا قيل ورث المال والملك معا فهذا لا يبطل بالوجوه التى ذكرناها ، بل بظاهر قوله عليه السلام (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) فأما قوله ( يا أيها الناس ) فالمقصود منه تشهير نعمة اللّه تعالى والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التى هى علم منطق الطير ، قال صاحب الكشاف المنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، وقد ترجم يعقوب كتابه بإصلاح المنطق وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم ، وقالت العرب نطقت الحمامة فالذى علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه . أما قوله تعالى (وأوتينا من كل شىء) فالمراد كثرة ما أوتى وذلك لأن الكل والبعض الكثير يشتركان فى صفة الكثرة، والمشاركة سبب لجواز الإستعارة فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله ( وأوتيت من كل شىء). أما قوله ( إن هذا لهو الفضل المبين ) فهو تقرير لقوله ( الحمد الله الذى فضلنا) والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام (أنا سيد ولد آدم ولا خر) فإن قيل كيف قال (علمنا وأوتينا) وهو من كلام المتكبرين؟ جوابه من وجهين (الأول) أن يريدنفسه وأباه (والثانى) أن هذه النون يقال لهانون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا، وقد يتعلق بتعظيم الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجباً. ١٨٧ قوله تعالى : وحشر سليمان جنوده. سورة النمل. وأما قوله ( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ) فالحشر هو الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده، ولا يكون كذلك إلا مع العقل الذى يصح معه التكليف، أو يكون بمنزلة المراهق الذى قد قارب حد التكليف . فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الظير فى أيامه مما له عقل ، وليس كذلك حال الطيور فى أيامنا وإن كان فيها ماقد ألهمه اللّه تعالى الدقائق التى خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره. وأما قوله تعالى ( فهم يوزعون ) معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان فى كل قبيل منها وازع، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه ، فالظاهر يشهد بهذا القدر والذى جاء فى الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع . أما قوله تعالى (حتى إذا أتوا على وادى النمل) فقيل هو واد بالشام كثير النمل ، ويقال لم عدى أتوا بعلى؟ نجوابه من وجهين (الأول ) أن إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء ( والثانى) أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشىء إذا بلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادى، وقرى (نملة يا أيها النمل) بضم الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذى عليه الاستعمال تخفيف عنه . أما قوله تعالى ( قالت نملة ) فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضراً وهو غلام حدث فقال سلو، عن نملة سليمان أ كانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه فأفخم ، فقال أبو حنيفة رضى الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟ فقال من كتاب الله تعالى وهو قوله (قالت نملة) ولو كان ذكراً لقال قال نملة ، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة فى وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهى أما قوله تعالى (ادخلوا مساكنكم) فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى (ادخلوا مساكنكم) فان قلت لا يحطمنكم ما هو ؟ قلت يحتمل أن يكون جواباً للأمر وأن يكون نهياً بدلا من الأمر، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة: لا أرينك ههنا. وفى هذه الآية تنبيه على أمور (أحدها) أن من يسير فى الطريق لا يلزمه التحرز، وإنما يلزم من فى الطريق التحرز ( وثانيها ) أن النملة قالت (وهم لا يشعرون) كأنها عرفت أن النبى معصوم فلا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء عليهم السلام ( وثالثها ) ما رأيت فى بعض الكتب أن تلك النملة إنما أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان فى جلالته، فربما وقعت فى كفران نعمة اللّه تعالى وهذا هو المراد بقوله (لا يخطمنكم ١٨٨ قوله تعالى : وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى. سورة النمل. وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالَِ لَا أَرَى الْمُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ اَلْغَآيِينَ ( سليمان ) فأمرتها بالدخول فى مساكنها لئلاترى تلك النعم فلا تقع فى كفران نعمة الله تعالى، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة (ورابعها) قرىء مسكنكم ولا يحطمنكم بتخفيف النون، وقرى. لايحطمنكم بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم. أما قوله تعالى ( فتبسم ضاحكا من قولها) يعنى تبسم شارعا فى الضحك ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وإنما ضحك لأمرين (أحدهما ) إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وعلى شهرة حاله وحالهم فى باب التقوى ، وذلك قولها (وهم لا يشعرون ) والثانى) سروره بما آتاه الله بما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه. أما قوله تعالى ( رب أوزعنى) فقال صاحب الكشاف: حقيقة أو زعنى. اجعلنى أزع شكر نعمتك عندى وأكفه عن أن ينقلب عنى، حتى أكون شاكراً لك أبداً، وهذا يدل على مذهبنا. فان عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث. وأما قوله تعالى ( وعلى والدى ) فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه. ومعنى قوله ( وأن أعمل صالحاً ترضاه) طلب الإعانة فى الشكر وفى العمل الصالح، ثم قال ( وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين ) فلما طلب فى الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل فى الآخرة من الصالحين، وقوله ( برحمتك) يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد ( واعلم) أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولا ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً ، أما وسيلة الثواب فهى أمران (أحدهما) شكر النعمة السالفة (والثانى) الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة، فهى قوله تعالى (رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على) ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الإن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الإبن، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله (وعلى والدى) وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة، فقوله (وأن أعمل صالحاً ترضاه) وأما طلب ثواب الآخرة فقوله ( وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين ) فان قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين ، فما السبب فى أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف ( توفى مسلماً وألحقنى بالصالحين ) وقال سليمان (أدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين)؟ (جوابه) الصالح الكامل هو الذى لا يعصى الله تعالى ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم . قوله تعالى: ﴿وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ، لأعذبنه عذاباً ١٨٩ قوله تعالى: فمكث غير بعيد فقال أحطت. سورة النمل. لَأُعَذِيَنَّهُ, عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَ ذْتَجَنَّهُ ◌ٍ أَوْلَيَأْتِنِّ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٨٦) فَكَثَ غَيْرَ إِیِ وَجَدتُ ٢٢ بَعِدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُطْ بِهِ، وَجِثْتُكَ مِنْ سَم ◌ِبَلِ يَقِينٍ أَمْرَأَةٌ تَخْلِكُهُمْ وَأَوِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَهَا عَرْتُّ عَظِيمٌ (*) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلَّمْسِ مِن دُونِ اللّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ الَّبِيلِ ٢٤ فَهُمْ لَا يَبْتَدُونَ، شديداً أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين ، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون أعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير ، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه (أحدها) قول وهب أنه أخل بالنوبة التى كان ينوبها فلذلك تفقده ( وثانيها ) أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده ( وثالثها ) أنه كان يظله من الشمس ، فلما فقد ذلك تفقده . أما قوله ( فقال ما لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ) فأم هى المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لى لا أراه، على معنى أنه لايراه وهو حاضر لسائر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، ومثله قولهم : إنها لإبل أم شا .. أما قوله (لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين ) فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب ، ثم اختلفوا فى قوله (لأعذبنه) فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء فى الشمس ، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله، وقيل إيداعه القفص، وقيل التفريق بينه وبين إلفه، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد ، وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد، وقيل لألز منه خدمة أقرانه . أما قوله (فمكث ) فقد قرىء بفتح الكاف وضمها ( غير بعيد) كقولك عن قريب، ١٩٠ قوله تعالى : ولها عرش عظيم. سورة النمل. ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخراً له. أما قوله ( أحطت بما لم تحط به ) ففيه تنبيه لسليمان على أن فى أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفاً فى ترك الإعجاب والإحاطة بالشىء علماً أن يعلم من جمع جهاته . أما قوله ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) فاعلم أن سبأ قرى. بالصرف ومنعه، وقد روى بسكون الباء، وعن ابن كثير فى رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدى سبا وهو سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسما للحى أو للأب الأكبر صرف، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام ، والنبأ الخبر الذى لهشأن. وقوله ( من سبأ بنبأ ) من محاسن الكلام الذى يتعلق باللفظ وشرط حسنه صحة المعنى، ولقد جاء ههنا زائداً على الصحة حسن لفظا ومعنى ، ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحاً ، ولكن لفظاً النبأ أولى لما فيه من الزيادة التى يطابقها وصف الحال . أما قوله ( إنى وجدت امرأة تملكهم) فالمرأة بلقيس بنت شراحيل ، وكان أبوها ملك أرض اليمن وكانت هى وقومها مجوساً يعبدون الشمس، والضمير فى تملكهم راجع إلى سبأ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر ، وإن أريدت المدينة فمعناه تملك أهلها . وأما قوله ( وأوتيت من كل شىء) ففيه سؤال وهو أنه كيف قال (وأوتيت من كل شىء) مع قول سليمان ( وأوتينا من كل شىء) فكأن الهدهد سوى بينهما ( جوابه) أن قول سليمان عليه السلام يرجع إلى ما أوتى من النبوة والحكمة، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا، وأما قول الهدهد فلم يكن إلا إلى ما يتعلق بالدنيا . وأما قوله ( ولها عرش عظيم ) ففيه سؤال ، وهو أنه كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ وأيضاً فكيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الله تعالى فى الوصف بالعظيم؟ ( والجواب) عن (الأول) يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش، ويجوز أن لا يكون لسليمان مع جلالته مثله كما قد يتفق لبعض الأمراء شى. لا يكون مثله عند السلطان ، وعن (الثانى) أن صف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض، واعلم أن ههنا بحثين : ﴿ البحث الأول) أن الملاحدة طعنت فى هذه القصة من وجوه: (أحدها) أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة ، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا فى النملة التى نشاهدها فى زمانناهذا ، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول فى القملة والصئبان، ويجوز أن يكون فيهم ١٩١ قوله تعانى : ألا يسجدوالله الذي يخرج الخبء. سورة النمل. أَّا يَسْجُدُ واْلِلّهِ الَّذِى يُحْرِجُ الْحَبْءَ فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُحْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (َّ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (﴾ قَالَ سَنَنظُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَئِذِبِينَ (® أَذْهَب بِكِتَنِى هَذَا فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرُ مَاذَا يَرْجِعُونَ ٢٨ الأنبياء والتكاليف والمعجزات ، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب ( وثانيها) أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد فى تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه؟ (وثالثها) كيف خفى على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا فى طاعة سليمان ، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف، ومع أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام (ورابعها ) من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ (والجواب) عن (الأول) أن ذلك الاحتمال قائم فى أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع ، وعن البواقى أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك. ﴿ البحث الثانى) قالت المعتزلة قوله ( يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم ) يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته اليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا يهتدون (والجواب ) من وجوه: (أحدها) أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة (و ثانيها) أنه متروك الظاهر ، فإنه قال ( فصدهم عن السبيل ) وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدوداً ممنوعا لسقط عنه التكليف، فلم يبق ههنا إلا التمسك بفصل المدح والذم (والجواب) قد تقدم عنه مراراً فلافائدة فى الإعادة والله أعلم . قوله تعالى : ﴿ ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخب. فى السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون ، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ). وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم أن فى قوله تعالى (ألا يسجدوا) قراءات أحدها قراءة من قرأ بالتخفيف ألا للتنبيه ويا حرف النداء ومناداه محذوف، كما حذفه من قال : ألا يا اسلمى يا دار مى على البلى [ولا زال منهلا بجرعائك القطر] ١٩٢ قوله تعالى : الا يسجد والله الذى يخرج الخبء. سورة النمل. (وثانيها) بالتشديد أراد فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، حذف الجار مع أن ويجوز أن تكون لا مزيدة، ويكون المعنى فهم لا يهتدون إلا أن يسجدوا ( وثالثها) وهى حرف عبد الله وقراءة الأعمش هلا بقلب الهمزة هاء، وعن عبد اللّه هلا تسجدون بمعنى ألا تسجدون على الخطاب (ورابعها ) قراءة أبى ( ألا يسجدون لله الذى يخرج الخب. فى السموات والأرض ويعلم سركم وما تعلنون ). المسألة الثانية ﴾ قال أهل التحقيق قوله ( ألا يسجدوا) يجب أن يكون بمعنى الأمر لانه لو كان بمعنى المنع من السجدة لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له وهو كونه قادراً على إخراج الخب. عالما بالأسرار معنى . المسألة الثالثة ) الآية دلت على وصف اللّه تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة فقوله (يخرج الخبء فى السموات والأرض) وسمى المخبوء بالمصدر، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات. وأما العلم فقوله ( ويعلم ما تخفون وما تعلنون) واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة هكذا: الإله يجب أن يكون قادراً على إخراج الخب. وعالما بالخفيات ، والشمس ليست كذلك فهى لا تكون إلهاً وإذا لم تكن إلهاً لم يجز السجود لها ، أما أنه سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادراً عالما على الوجه المذكور ، فلما أنه واجب لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض ، وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه، وكل ما كان متناهياً فى الذات كان متناهياً فى الصفات ، وإذا كان كذلك فيفئذ لا يعلم كونها قادرة على إخراج الخب. عالمة بالخفيات، فاذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره إبراهيم عليه السلام فى قوله ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) وفى قوله (الله الذى يخرج الخب، فى السموات والأرض) وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به ابراهيم عليه السلام فى قوله ( ربى الذى يحيى ويميت) وفى قوله ( إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الذى يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها فى المغرب فهذا هو إخراج الخب. فى السموات وهو المراد من قول ابراهيم عليه السلام ( لا أحب الآفلين) ومن قوله ( فان اللّه يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) ومن قول موسى عليه السلام (رب المشرق والمغرب) وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت تدبير مدر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى، وأما إخراج الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين منه ، فان قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق فان إبراهيم قال (ربى الذى يحي ويميت) ثم قال (فان الله يأتى بالشمس من المشرق) وموسى عليه السلام قال (ربكم ورب آبائكم ١٩٣ قوله تعالى : قالت يا ايها الملأ إنى القى الى كتاب مريم, سورة النمل. قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أَلْفِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمُ ﴾ إِنَّهُ مِنِ سُلَيْمِّئْنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴾ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِينَ (﴾ قَالَتْ بَأَيُهَا الأولين) ثم قال (رب المشرق والمغرب) فلم كان الأمرههنا بالعكس فقدم خبء السموات على خب. الأرض؟ (جوابه) أن إبراهيم وموسى عليهما السلام ناظراً مع من ادعى إلهية البشر ، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشرثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات، وههنا المناظرة مع من أدعى إلهية الشمس لقوله ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ) فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات. أما قوله ( الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) فالمراد منه أنه سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدير ذكر بعد ذلك أن ما هو أعظم الأجسام فهى مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهى فى القدرة والربوبية إلى ما لا مزيد عليه والله أعلم. المسألة الرابعة ﴾ قيل من (أحطت) إلى (العظيم) كلام الهدهد وقيل كلام رب العزة . ﴿ المسألة الخامسة ﴾ الحق أن سجدة التلاوة واجبة فى القراءتين جميعاً وهو قول الشافعى وأبى حنيفة رحمة الله عليهما لأنهم أجمعوا على أن جودات القرآن أربع عشرة سيدة، وهذا واحد منها ولأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها، وإحدى القراء تين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك فثبت أن الذى ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد غير ملتفت إليه . المسألة السادسة م يقال هل يفرق الواقف بين القراءتين؟ (جوابه) نعم إذا خفف وقف على (فهم لا يهتدون) ثم ابتدأ ( بألا يسجدوا) وإن شاء وقف على (ألا يا) ثم ابتدأ (اسودوا) وإذا شدد لم يقف إلا على ( العرش العظيم ). أما قوله (سننظر) فمن النظر الذى هو التأمل، وأراد صدقت أم كذبت إلا أن (أم كنت من الكاذبين) أبلغ، لأنه إذا كان معروفاً بالكذب كان متهماً بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به ، وإنما قال ( فألقه إليهم ) على لفظ الجمع لأنه قال ( وجدتها وقومها يسجدون للشمس ) فقال ( فألقه إليهم ) أی إلی الذین هذا دينهم . أما قوله ( ثم تول عنهم ) أى تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك ويرجعون من قوله تعالى (يرجع بعضهم إلى بعض القول) ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى فى الكوة . قوله تعالى: ﴿قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. سورة النمل الْعَوُاْ أَفْتُونِى فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ فَاطِعَةٌ أَمْرًا حَّى تَتْهَدُونِ (چ﴾ قَالُواأَنَحْنُ أَوْلُوْقُوّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِنَ الرحيم ، ألا تعلوا على وأتونى مسلمين ، قالت يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ، قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين اعلم أن قوله (قالتْ يا أيها الملا إنى ألقى إلى كتاب كريم) بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت ، روى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهى مستلقية، وقيل نقرها فانتبهت فزعة . أما قوله ( كتاب كريم) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) حسن مضمونه وما فيه (وثانيها) وصفه بالكريم لأنه من عند ملك كريم (وثالثها) أن الكتاب كان مختوماً وقال عليه السلام ((كرم الكتاب ختمه)) وكان عليه السلام ((يكتب إلى العجم، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتاباً عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتماً)) . أما قوله ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) ففيه أبحاث : ﴿ البحث الأول ) أنه استئناف وتبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت إنى ألقى كتاب كريم قيل لها من هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت، وقرأ عبد الله ( إنه من سليمان وإنه بسم الله) عطفاً على (إنى) وقرى. (أنه من سليمان وأنه) بالفتح وفيه وجهان(أحدهما) أنه بدل من كتاب كأنه قيل ألقى إلى أنه من سليمان ( وثانيهما) أن يريد أنه من سليمان ولانه بسم الله كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله وقرأ أبى إن من سليمان وإن بسم الله على أن المفسرة، وإن فى أن لا تعلوا مفسرة أيضاً ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك، وقرأ ابن عباس بالغين معجمة من الغلو وهى مجاوزة الحد . ﴿ البحث الثانى) يقال لم قدم سليمان اسمه على قوله ( بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ( جوابه) حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم الله الرحمن الرحيم، وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكمت ما فى الكتاب واللّه تعالى حكى ذلك فالتقديم واقع فى الحكاية . ﴿ البحث الثالث) أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود ، وذلك لأن المطلوب من الخلق ، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله (بسم الله الرحمن الرحيم) مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً. ١٩٥ قوله تعالى : قالت إن الملوك. سورة النمل قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ وَ إِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم ◌ِهَذِيَّةٍ فَنَاظِرَّةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ () فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ الْتُمُّدُونَنِ بِمَالٍ فَأَءَاتَِّءَ اللّهُ خَيْرٌبِمَّءَ اتَّكُم بَلْ أَنتُم بِهَدَِّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴿ أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَلَأْتِنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَنُخْرِ جَنَّهُم مِنْهَا أَذِأَّةُ وَهُمْ صَفِرُونَ وأما قوله ( ألا تعلوا على) فهو نهى عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر. وأما قوله ( وأتونى مسلمين) فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن ، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوى كل ما لابد منه فى الدين والدنيا ، فان قيل النهى عن الاستعلاء والأمر بالإنقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولا حقاً يدل على الإكتفاء بالتقليد ( جوابه ) معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز ، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعى فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر فى الكتاب دليلا آخر. أما قوله ( يا أيها الملاً أفتونى فى أمرى) فالفتوى هى الجواب فى الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى فى السن أى أجيبونى فى الأمر الفتى، وقصدت بالإنقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم ما كنت قاطعة أمراً أى لا أبت أمراً إلا بمحضر كم. أما قوله ( قالوا نحن أولو قوة) فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات والمراد بالبأس النجدة والثبات فى الحرب ، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين (أحدهما ) إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد، والآخر قولهم (والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين ) وفى ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا والله أعلم . قوله تعالى : ﴿ قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آنانى الله خير بما آتا كم بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأ تنينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخر جنهم منها أذلة وهم صاغرون ﴾. ١٩٦ قوله تعالى : قال يا ايها الملأ ايكم يأتيني. سورة النمل قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلَوْأ ◌َبُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِينَ (﴾ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنّ أَنَاْءَاتِكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِنِ مَّقَلِكٌ وَ إِى عَلَيْهِ لَفَوُِّ أَمِنٌ ج قَالَ الَّذِىِ عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَئِ أَنَأْءَاتِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَّ ٣٩ فَلَّا رَءَاهُ مُسْتَفِرًّاً عِندَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَبِيّ ◌َ أَشْكُرُ أُمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ أعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفدوها، أى خربوها وأذلوا أعزتها ، فذكرت لهم عاقبة الحرب. وأما قوله ( وكذلك يفعلون ) فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام اللّه تعالى كالتصويب • لها والأقرب أنه من كلامها، وأنها ذكرته تأ كيداً لما وصفته من حال الملوك. فأما الكلام فى صفة الهدية فالناس أكثروا فيها. لكن لا ذكر لها فى الكتاب وقولها (فناظرة بم يرجع المرسلون) فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين (الأول) قوله ( أتمدونن بمال ) فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال . أما قوله ( بل أنتم به ديتكم تفرحون) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها ) أن الهدية اسم للمهدى ، كما أن العطية اسم للمعطى ، فتضاف إلى المهدى وإلى المهدى له ، والمضاف إليه ههنا هو المهدى إليه، والمعنى أن الله تعالى آثانى الدين الذى هو السعادة القصوى، وآتانى من الدنيا ما لا مزيد عليه ، فكيف يستمال مثلى بمثل هذه الهدية، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم، لكن حالى خلاف حالكم (وثانيها) بل أنتم بهديتكم هذه التى أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها (وثالثها) كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ( الثانى) قوله (ارجع إليهم ) فقيل ارجع خطاب للرسول ، وقيل للهدهد محملا كتاباً آخر. أما قوله تعالى (لا قبل ) أى لا طاقه، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أى لا يقدرون أن يقابلوهم. وقرأ ابن مسعود: لا قبل لهم بهم، والضمير فى منها لسبأ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك، والصغار أن يقعوا فى أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا. قوله تعالى : ﴿قال يا أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين، قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين ، قال الذى عنده علم من الكتاب ١٩٧ قوله تعالى : قال الذي عنده علم. سورة النمل 2 فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىّ كَرِيمٌ ٤٠ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم } أعلم أن فى قوله تعالى (قال يا أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها) دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان ، ودلالة على أن أمر ذلك العرش كان مشهوراً، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها ، واختلفوا فى غرض سليمان عليه السلام من إحضار ذلك العرش على وجوه ( أحدها ) أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام، حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل " التى سلفت (وثانيها) أراد أن يؤتى بذلك العرش فيغير وينكر، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره. والمقصود اختبار عقلها، وقوله تعالى ( قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى) كالدلالة على ذلك ( وثالثها) قال قتادة: أراد أن يأخذه قبل إسلامها، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها (ورابعها) أن العرش سرير المملكة، فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه . أما قوله (قال عفريت من الجن ) فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذى يعفر أقرانه ، ومن الشياطين الخبيث المارد . أما قوله (قبل أن تقوم من مقامك ) فالمعنى من مجلسك ، ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت ، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس ، وقيل الوقت الذى يخطب فيه الناس، وقيل إلى انتصاف النهار . وأما قوله ( لقوى) أى على حمله أمین آتى به كما هو لا أختزل منه شيئاً. أما قوله ( قال الذى عنده علم من الكتاب ) ففيه بحثان : ﴿الاول) اختلفوا فى ذلك الشخص على قولين: قيل كان من الملائكة ، وقيل كان من الإنس، فمن قال بالأول اختلفوا ، قيل هو جبريل عليه السلام، وقيل هو ملك أيد اللّه تعالى به سليمان عليه السلام، ومن قال بالثانى اختلفوا على وجوه ( أحدها) قول ابن مسعود: إنه الخضر عليه السلام (وثانيها) وهو المشهور من قول ابن عباس: إنه آصف بن برخيا وزير سليمان، وكان صديقاً يعلم الإسم الأعظم إذا دعا به أجيب ( وثالثها) قول قتادة: رجل من الإنس كان يعلم إسم الله الأعظم (ورابعها) قول ابن زيد: كان رجلا صالحاً فى جزيرة فى البحر، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان (وخامسها) بل هو سليمان نفسه . والمخاطب هو العفريت الذى كله، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولا ، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت، وهذا القول أقرب لوجوه (أحدها) أن لفظة الذى موضوعة فى ١٩٨ قوله تعالى : انا اتيك به قبل ان يرتد إليك طرفك: سورة النمل اللغة للاشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده على الكتاب هو سليمان عليه السلام، فوجب انصرافه إليه، أقصى ما فى الباب أن يقال ، كان آصف كذلك أيضاً لكنا نقول إن سليمان عليه السلام، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبى، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى (الثانى) أن إحضار العرش فى تلك الساعة اللطيفة درجة عالية ، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام، وأنه غير جائز (الثالث) أن سليمان عليه السلام، لو افتقر فى ذلك إلى آصف لافتضى ذلك قصور حال سليمان فى أعين الخلق ( الرابع ) أن سليمان قال (هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر) وظاهره يقتضى أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان. ﴿ البحث الثانى) اختلفوا فى الكتاب. فقيل اللوح المحفوظ، والذى عنده علم منه جبريل عليه السلام. وقيل كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، ومعلوم فى الجملة أن ذلك مدح، وأن لهذا الوصف تأثيراً فى نقل ذلك العرش ، فلذلك قالوا إنه الإسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من اللّه تعالى فى أسرع الأوقات. أما قوله تعالى ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) ففيه بحثان : ﴿ الأول) آتيك فى الموضعين، يجوز أن يكون فعلا وإسم فاعل. ﴿ الثانى) اختلفوا فى قوله ( قبل أن يرتد إليك طرفك) على وجهين (الأول) أنه أراد المبالغة فى السرعة ، كما تقول لصاحبك افعل ذلك فى لحظة . وهذا قول مجاهد ( الثانى) أن نجريه على ظاهره، والطرف تحريك الأجفان عند النظر، فاذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئى، وإذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف ( وههنا سؤال) وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش فى هذا القدر من الزمان، وهذا يقتضى إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة فى مكانين ( جوابه) أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير. فاذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذى بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلا إمكان وجود هذه الحركة السريعة ، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال، ثم إنه عليه السلام (لما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر) والكلام فى تفسير الابتلاء قد من غير مرة، ثم إنه عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى، أما أنه عائد إلى الشاكر فلوجوه ( أحدها ) أنه يخرح عن عهدة ما وجب عليه من الشكر (وثانيها) أنه يستمد به المزيد على ماقال ( لئن شكرتم لأزيدنكم)، (وثالثها) أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما بينهما كفرق مابين المنعم والنعمة فى الشرف، ثم قال ( ومن كفر فإنّ ١٩٩ قوله تعالى : قالوا نكروا لها عرشها. سورة النَّمْلِ قَالَ نَكِرُواْ لَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَ يَهْتَدُونَ () فَلَمَّا بَآءَتْ قِلَ أَهَكَّدَا عَرْتُكِ قَالَتْ كَانَهُ مُوَ وَأْوِنَا الْعِلمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِنَ ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُ مِن دُونِ اللهِ إنّهَ كَنَتْ مِنْ قَوْرِ كَِّفِرِينَ (٣) ربى غنى كريم ) غنى عن شكره لا يضره كفرانه، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر . قوله تعالى: ﴿ قال نكروا لها عرشها ننظر أنهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون، فلما جاءت قيل أهكذا عرشك ، قالت كأنه هو، وأوتينا العلم من قبلها وكنامسلمين ، وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين أعلم أن قوله ( نكروا ) معناه اجعلوا العرش منكراً مغيراً عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لثلا يعرفوه، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة ، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل ، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكى لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها . أما قوله (ننظر ) فقرى. بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف، واختلفوا فى (أتهتدى) على وجهين (أحدهما ) أتعرف أنه عرشها أم لا؟ كما قدمنا (الثانى) أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال ( أم تكون من الذين لا يهتدون ) وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلا من المكان البعيد إلى هناك ، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام، ويعرف بذلك أيضاً فضل عقلها لأغراض كانت له ، فعند ذلك سألها. أما قوله ( أهكذا عرشك ) فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات ، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة، ولم يقل أهذا عرشك، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً فقالت (كأنه هو ) ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت فى محل التوقف . أما قوله ( وأوتينا العلم من قبلها) ففيه سؤالان ، وهو أن هذا الكلام كلام من؟ وأيضاً فعلى أى شىء عطف هذا الكلام؟ وعنه جوابان (الأول ) أنه كلام سليمان وقومه ، وذلك لأن بلقيس ٢٠٠ ج قوله تعالى : قيل لها ادخلي الصرح. سورة النمل قِلَ لَمَا أَدْخُلِ الصَّرْعَّ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لٌمَّةُ وَكَفَتْ عَنِ سَافَيْهَا قَالَ إِنَّهُ. صَرٌْ ثُمَرَّدٌ مِّنْ قَوَرِيٌّ قَالَتْ رَبٍ إِ ظَْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَِّرَبِّ ٤٤ اَلْعَلَمِينَ لما سئلت عن عرشها، ثم إنها أجابت بقولها (كأنه هو) فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت فی جوابها وهى عاقله لبيبة وقد رزقت الإسلام، ثم عطفوا على ذلك قولهم ( وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى فى أن خصهم بمزية التقدم فى الإسلام ( الثانى) أنه من كلام بلقيس موصولا بقولها (كأنه هو) والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة ، ثم إن قوله ( وصدها ما كانت تعبد من دون الله ) إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة . أما قوله تعالى ( وصدها ما كانت تعبد من دون الله) ففيه وجهان (الأول) المراد : وصدها عبادتها لغير اللّه عن الإيمان ( الثانى) وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل، وقرىء أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صداً وبمعنى لأنها، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصادلها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار ، بل كان يكون الصاد لها عن الا يمان تجدد خلق الله الكفر فيها (والجواب) أما على التأويل الثانى فلا شك فى سقوط الاستدلال، وأما على الأول بجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سبباً لحصول الداعية المستلزمة للكفر، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقاً لقولنا والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح مرد من قوارير ، قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ماصار داعياً لها إلى الإسلام وهو قوله قيل لها ادخلى الصرح، والصرح القصر كقوله ( ياهامان ابن لى صرحاً ) وقيل صحن الدار، وقرأ ابن كثير عن سأقيها بالهمز ووجهه . أنه سمع سؤقاً فأجرى عليه الواحد، والمعرد المماس، روى أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضاً، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره فى صدره نجلس عليه وعكف عليه الانس والجن والطير ، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاماً لأمره وتحققاً لنبوته ، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضى