Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ قوله تعالى : قالوا لئن لم تنته بالوط. سورة الشعراء. مِنَ الْمُخْرَجِينَ ﴿﴾ قَالَ إِنِى لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِنَ (٥٨) رَبِّ تَجِى وَأَهْلِ مَّا يَعْمَلُونَ فَجِيْنَهُ وَأَهْلَهُ وَأَجْمَعِيَنَّ ◌َه إِلَّا عَجُوزًا فِ الْغَدِينَ (٥) ثُمَّدَخَّرْنَا ◌ْأَرِينَ ٢٦٩ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةُ وَمَا كَانَ أَكْثُهُ مُؤْمِنِينَ (3) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الَّحِيمُ 9ّ﴾ الذكران من العالمين، ونذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ، قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين ، قال إنى لعملكم من القالين ، رب نجنى وأهلى مما يعملون، فنجيناه وأهله أجمعين ، إلا عجوزاً فى الغابرين، ثم دمرنا الآخرين، وأمطرنا عليهم مطراً فا. مطر المنذرين ، إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم أما قوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين) فيحتمل عوده إلى الآتى: أى أنتم من جملة العالمين صرتم مخصوصين بهذه الصفة، وهى إتيان الذكران ، ويحتمل عوده إلى المأتى، أى أنتم اخترتم الذكران من العالمين . لا الإناث منهم . وأما قوله تعالى ( من أزواجكم) فيصلح أن يكون تبيناً لما خلق وأن يكون للتبعيض، ويراد بما خلق العضو المباح منهن ، وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم . والعادى هو المعتدى فى ظله. ومعناه أتر تكبون هذه المعصية على عظمها (بل أنتم قوم عادون) فى جميع المعاصى. فهذا من جملة ذاك ، أو بل أنتم قوم أحقا بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه الفاحشة. فقالوا له عليه السلام ( لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين) أى لتكونن من جملة من أخرجناه من من بلدنا ، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوإ الأحوال، فقال لهم لوط عليه السلام (إنى لعملكم من القالين ) القلى البغض الشديد، كأنه بغض يقلى الفؤاد والكبد، وقوله ( من القالين) أبلغ من أن يقول إنى لعملكم قال، كما يقال فلان من العلماء فهو أبلغ من قولك فلان عالم، ويجوز أن يراد من الكاماين فى قلا كم. ثم قال تعالى ( فنجيناه وأهله ) والمراد : فنجيناه وأهله من عقوبة عملهم (إلا عجوزاً فى الغابرين) فإن قيل فى الغابرين صفة لها كأنه قيل إلا عجوزاً غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم (جوابه ) معناه إلا عجوزاً مقدراً غبورها. قيل إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة ، قال القاضي عبد الجبار فى تفسيره فى قوله الفخ ١١ ٢٠١ - - ١١٠٢٤ ١٦٢ قوله تعالى كذب اصحاب لئيكه المرسلين. سورة الشعراء. كَذَّبَ أَعْحَبُ لْعَبْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا تَتَّقُونَ (0) إِنِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرٍ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِنَ ١٨٠ الْمُخْسِينَ ﴾ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِ ﴾ وَلَا تَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْتَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٨﴾ وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْخِلَ الْأَوَِّينَ ١٨٤ تعالى ( وتذرون ماخلق لكم ربكم من أزواجكم ) دلالة على بطلان الجبر من جهات (أحدها) أنه لا يقال تذرون إلا مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء لم تذر الصعود إلى السماء؛ كما يقال له لم تذر الدخول والخروج (وثانيها) أنه قال (ماخلق لكم ) ولو كان خلق الفعل لله تعالى لكان الذى خلق لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه ( وثالثها ) قوله تعالى ( بل أنتم قوم عادون) فإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا، وهل يقال للأسود إنك متعد فى لونك ؟ فنقول حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً الأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهى عليه، ولهذه الآية فى هذا المعنى خاصية أزيد ما ورد من الأمر والنهى والمدح والذم فى قصة موسى عليه السلام وإبراهيم ونوح وسائر القصص ، فكيف خص هذه القصة بهذه الوجوه دون سائر القصص ، وإذا ثبت بطلان هذه الوجوه بقى ذلك الوجه المشهور فنحن نجيب عنها بالجوابين المشهورين (الأول ) أن الله تعالى لما علم وقوع هذه الأشياء فعدمها محال لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلا وهو محال والمفضى إلى المحال محال، وإذا كان عدمها محالا كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال (الثانى) أن القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يترجح أحد المقدورين على الآخر إلا لمرجح وهو الداعى أو الإرادة وذلك المرجح محدث فله مؤثر وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل وهو محال وإن كان هو اللّه تعالى فذلك هو الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله والله أعلم القصة السابعة - قصة شعيب عليه السلام ﴾ قوله تعالى: ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين، إذ قال لهم شعيب ألا تتقون، إنى لكم رسول آمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين، أو فوا الكل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ١٦٣ قوله تعالى : قالوا إنما انت من المسحرين. سورة الشعراء. قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ ﴿﴾ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ فَأَسْفِطْ عَلَيْنَا كِسَفَّا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (5﴾ قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الَّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيِ ﴿٨﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ (٨) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (190 تعثوا فى الأرض مفسدين ، واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين. قالوا إنما أنت من المسحرين. وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين، فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين ، قال ربى أعلم بما تعملون، فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ، إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) قرى أصحاب الأيكة بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة وهو والوجه ، ومن قرأ بالنصب وزعم أن أيكة بوزن ليلة اسم بلد يعرف فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة فى هذه السورة وفى سورة ص بغير ألف لكن قد كتبت فى سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن أيكة اسم لا يعرف، روى أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وتلك الشجر هى التى حملها المقل ، فإن قيل هلا قال أخوهم شعيب كما فى سائر المواضع (جوابه) أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة ، وفى الحديث ((إن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة)) ثم إن شعيباً عليه السلام أمرهم بأشياء (أحدها ) قوله (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين) وذلك لأن الكيل على ثلاثة أضرب واف وطفيف وزائد وأمر بالواجب الذى هو الإيفاء بقوله ( أوفوا الكيل ) ونهى عن المحرم الذى هو التطفيف بقوله ( ولا تكونوا من المخسرين) ولم يذكر الزائد لأنه بحيث إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه ، ثم إنه لما أمر بالإيفاء بين أنه كيف يفعل فقال ( وزنوا بالقسطاس المستقيم) قرى" بالقسطاس مضموما ومكسورا وهو الميزان، وقيل القرسطون (وثانيها ) قوله تعالى ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم) يقال بخه حقه إذا نقصه إياه وهذا عام فى كل حق يثبت لأحد أن لا يهضم وفى كل ملك أن لا يغصب مالكه ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفاً شرعياً (وثالثها) قوله تعالى (ولا تعثوا فى الأرض مفسدين) يقال عثا فى الأرض وعلى وعات وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع. وكانوا يفعلون ذلك مع ١٦٤ قوله تعالى : قالوا إنما انت من المسحرين. سورة الشعراء. توليتهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك (ورابعها) قوله تعالى (واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين ) وقرى الجبلة بوزن الأبلة وقرى الجبلة بوزن الخلقة ومعناهن واحد أى ذوى الجبلة، والمراد أنه المتفضل بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين ، فلم يكن للقوم جواب إلا ما لو تركوه لكان أولى بهم وهو من وجهين (الأول) قولهم (إنما أنت من المسحرين. وما أنت إلا بشر مثلنا) فإن قيل: هل اختلف المعنى بادخال الواو ههنا وتركها فى قصة ثمود؟ (جوابه) إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم السحر والبشرية وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحداً وهو كونه مسحراً ثم قرره بكونه بشراً مثلهم (الثانى ) قولهم ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) ومعناه ظاهر ، ثم إن شعيباً عليه السلام كان يتومعدهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب فقالوا (فأسقط علينا كفاً من السماء) قرى كفا بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة وهى القطعة والسماء السحاب أو الظلة ، وهم إنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعنده قال شعيب عليه السلام ( ربى أعلم بما تعملون) فلم يدع عليهم بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى فلما استمروا على التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب ، وإن أرادوا الظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم يروى أنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الرمل فأخذ بأنفاسهم ، لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا، وروى أن شعيباً بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه السلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة ، وههنا آخر الكلام فى هذه القصص السبع التى ذكرها الله تعالى فى هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من الغم الشديد، بقى ههنا سؤالان : ﴿ السؤال الأول) لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم ، بل كان ذلك بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم؟ وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم. ( الثانى) أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم فى مواضع كثيرة وإذا كان كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين (والجواب) أن اللّه تعالى أنزل هذه القصص على محمد عَّ الي تسلية وإزاله للحزن عن قلبه، فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذى أنزل العذاب عليهم، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء على كفرهم، علم محمد مؤلم أن الأمر كذلك، حينئذ يحصل به التسلى والفرح له عليه السلام، واحتج بعض الناس على القدح فى علم الأحكام ١٦٥ قوله تعالى : وإنه لتنزيل رب العالمين. سورة الشعراء. عَلَى قَلْبِكَ وَإِنَّهُ لَتَزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ١٩٣ ٤٠٠٠ بِلِسَانٍ عربي مبينٍ ١٩٥ ١٩٤ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ لا ، وَ إِنَّهُوْ لَفِي زُبُرِ الْأُوَّلِينَ بأن قال المؤثر فى هذه الأشياء ، إما الكواكب أو البروج أو كون الكوكب فى البرج المعين ، والأول باطل، وإلا لحصلت هذه الآثار أين حصل الكوكب والثانى أيضاً باطل ، وإلا لزم دوام الأثر بدوام البرج والثالث أيضاً باطل ، لأن الفلك على قولهم بسيط لامركب فيكون طبع كل برج مساوياً لطبع الج الآخر فى تمام الماهية، فيكون حال الكوكب وهو فى برجه كماله وهو فى برج آخر ، فيلزم أن يدوم ذلك الأثربدوام الكوكب، وللقوم أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون صدور الأثر عن الكوكب المعين موقوفاً على كونه مسامتاً مسامتة مخصوصة لكوكب آخر، فاذا فقدت تلك المسامتة فقد شرط التأثير فلا يحصل التأثير؟ ولهم أن يقولوا هذه الدلالة ، إنما تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب ذواتها وطبائعها ، ولكنها لا تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب جرى العادة ، فإذا أجرى الله تعالى عادته بحصول تأثيرات مخصوصة عقيب اتصالات الكواكب وقراناتها وأدوارها لم يلزم من حصول هذه الآثار القطع بأن الله تعالى إنما خلقها لأجل زجر الكفار بل لعله تعالى خلقها تكريراً لتلك العادات والله أعلم. ﴿القول فيما ذكره الله تعالى من أجوال محمد عليه الصلاة والسلام) قوله تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين, نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين ، وإنه لفى زبر الأولين ﴾. اعلم أن الله تعالى لما ختم ما اقتصه من خبر الأنبياء ذكر بعد ذلك ما يدل على نبوته ميم وهو من وجهين : (الأول) قوله ( وإنه لتنزيل رب العالمين) وذلك لأنه لفصاحته معجز فيكون ذلك من رب العالمين ، أو لأنه إخبار عن القصص الماضية من غير تعليم البتة ، فلا يكون ذلك إلا بوحى من الله تعالى، وقوله بعده ( وإنه لفى زبر الأولين) كأنه مؤكد لهذا الاحتمال، وذلك لأنه عليه السلام لما ذكر هذه القصص السبع على ماهى موجودة فى زبر الأولين من غير تفاوت أصلا مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستعداد ، دل ذلك على أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فهذا هو المقصود من الآية . فأما قوله تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين) فالمراد بالتنزيل المنزل. ثم قد كان يجوز فى القرآن وهذه القصص أن يكون تنزيلا من الله تعالى إلى محمد شريتم بلا واسطة فقال (نزل به الروح الأمين) والباء فى قوله (نزل به الروح) و(نزل به الروح) على القراءتين للتعدية، ومعنى (نزل به الروح) جعل اللّه الروح نازلا به على قلبك أى فهمك إياه وأثبته فى قلبك إثبات مالا ينسى كقوله تعالى (سنقرئك ١٦٦ قوله تعالى : على قلبك لتكون من المنذرين. سورة الشعراء. فلا تنسى) والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه روحاً من حيث خلق من الروح، وقيل لأنه نجاة الخلق فی باب الدین فھو کالروح الذی تثبت معه الحياة ، وقيل لأنه روح كله لا کالناس الذين فى أبدانهم روح وسماه أميناً لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام، وإلى غيرهم. وأما قوله (على قلبك ) ففيه قولان: (الأول) أنه إنما قال (على قلبك) وإن كان إنما أنزله عليه ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن فى قلبه لا يجوز عليه التغيير فيوثق بالإنذار الواقع منه الذى بين اللّه تعالى أنه هو المقصود. ولذلك قال (لتكون من المنذرين) ( الثانى) أن القلب هو الخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختبار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول ، أما القرآن فآيات إحداها قوله تعالى فى سورة البقرة (فإنه نزله على قلبك) وقال ههنا ( نزل به الروح الأمين على قلبك) وقال (إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب )، (وثانيها) أنه ذكر أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما فى القلب من من المساعى فقال ( لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) وقال ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) والتقوى فى القلب لأنه تعالى قال ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) وقال تعالى (وحصل فى الصدور). ( وثالثها) قوله حكاية عن أهل النار (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير ) ومعلوم أن العقل فى القلب والسمع منفذ اليه . وقال (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب ، فكان السؤال عنهما فى الحقيقة سؤالا عن القلب وقال تعالى ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور )، ولم تخن ، الأعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها ( ورابعها) قوله (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) خص هذه الثلاثة بالزام الحجة منها واستدعاء الشكر عليها . وقد قلنا لا طائل فى السمع والأبصار إلا بما يؤديان إلى القلب ليكون القلب هو القاضى فيه والمتحكم عليه، وقال تعالى ( ولقد مكناهم فيما إنمكناكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شىء) جعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجته، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضى فيما يؤدى إليه السمع والبصر (وخامسها) قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمهم وعلى أبصارهم) فجعل العذاب لازماً على هذه الثلاثة وقال ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) وجه الدلالة أنه قصد إلى نفى العلم عنهم رأساً ، فلو ثبت العلم فى غير القلب كثباته فى القلب لم يتم الغرض. فهذه الآيات ومشاكلها ناطقة بأجمعها أن القلب هو المقصود بالزام الحجة ، وقد بينا أن ما قرن بذكره من ذكر السمع والبصر فذلك لأنهما آلتان للقلب فى تأدية صور المحسوسات والمسموعات . وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال سمعته عليه السلام يقول ((ألا وإن في الجسد مضغة .... ١٦٧ قوله تعالى : على قلبك لتكون من المنذرين. سورة الشعراء. إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب)) وأما المعقول فوجوه (أحدها ) أن القلب إذا غشى عليه فلوقطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به وإذا أفاق القلب فانه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن سائر الأعضاء تبع للقلب ولذلك فان القلب إذا فرح أوحزن فانه يتغير حال الأعضاء عند ذلك، وكذا القول فى سائر الأعراض النفسانية (وثانيها) أن القلب منبع المشاق الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشاق مبادى للأفعال ومنبعها هو القلب كان الآمر المطلق هو القلب (وثالثها ) أن معدن العقل هو القلب وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب. ﴿ أما المقدمة الأولى ) ففيها النزاع فان طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ والذى يدل على قولنا وجوه: (الأول) قوله تعالى (أو لم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) وقوله ( لهم قلوب لا يفقهون بها) وقوله ( إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) أى عقل، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه ( الثانى) أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال ( فى قلوبهم مرض)، (ختم الله على قلوبهم) وقولهم ( قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم)، ( يحذر المنافقين أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم)، (يقولون بألسنتهم ماليس فى قلوبهم)، (كلا بل ران على قلوبهم) . (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، (فانها لا نعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هـ القلب. فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضاً هو القلب (الثالث) وهو أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة فى ناحية القلب ، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن فى الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقاً وضجراً حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم (الرابع) وهو أن القلب أول الأعضاء تكوناً، وآخرها موتاً، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن فى الصدر الذى هو أوسط الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا فى وسط المملكة لتكتنفهم الحواشى من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات، واحتج من قال: العقل فى الدماغ بأمور (أحدها) أن الحواس التى هى الآلات للادراك نافذة إلى الدماغ دون القلب ( وثانيها) أن الأعصاب التى هى الآلات فى الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب (وثالثها) أن الآفة إذا حلت فى الدماغ اختل العقل (ورابعها) أن فى العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس (وخامسها ) أن العقل أشرف فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب: فوجب أن يكون محل العقل هو الدماغ ( والجواب عن الأول ) لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدى آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدى تلك الآثار إلى القلب ، فالدماغ آلة قريبة للقلب ١٦٨ قوله تعالى : بلسان عربي مبين. سورة الشعراء . المقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ ، ثم الدماغ يخدم القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلانى يجب فعله أو يجب تركه، فان الأعضاء تتحرك عند ذلك. ونحن نجد التعقلات من جانب القلب لا من جانب الدماغ ( وعن الثانى) أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه، ( وعن الثالث ) لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطاً لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء، ( وعن الرابع ) أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاحه بما يستمد من الدماغ من برودته ، فاذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضاً ، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو النقصان حرارته عن ذلك القدر حينئذ يختل العقل (وعن الخامس) أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله أعلم . ﴿ فرع) اعلم أن المعانى التى بينا كونها مختصة بالقلوب قد تضاف إلى الصدر تارة وإلى الفؤاد أخرى، أما الصدر فلقوله تعالى ( وحصل ما فى الصدور) وقوله (وليبتلى الله ما فى صدوركم) وقوله تعالى ( إنه عليم بذات الصدور)، (وإن تخفوا ما فى صدور كم أو تبدوه) وأما الفؤاد فقوله ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) ومن الناس من فرق بين القلب والفؤاد، فقال: القلب هو العلقة السوداء فى جوف الفؤاد دون ما يكتنفها من اللحم والشحم، ومجموع ذلك هو الفؤاد . ومنهم من قال القلب والفؤاد لفظان مترادفان، وكيف كان فيجب أن يعلم أن من جملة العضو المسمى قلباً وفؤاداً موضعاً هو الموضع فى الحقيقة للعقل والاختيار، وأن معظم جرم هذا العضو مسخر لذلك الموضع، كما أن سائر الأعضاء مسخرة للقلب ، فإن العضو قد تزيد أجزاؤه من غير ازدياد المعانى المنسوبة إليه أعنى العقل والفرح والحزن وقد ينقص من غير نقصان فى تلك المعانى ، فيشبه أن يكون اسم القلب اسما للأجزاء التى تحل فيها هذه المعانى بالحقيقة ، واسم الفؤاد يكون اسما لمجموع العضو ، فهذا هو الكلام فى هذا الباب واللّه الموفق للصواب. وأما قوله تعالى ( لتكون من المنذرين ) فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واجب من علم وعمل والمنع من كل قبيح لأن فى الوجهين جميعاً يدخل الخوف من العقاب. وأما قوله تعالى ( بلسان عربى مبين ) فالباء إما أن تتعلق بالمنذرين فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان. وهم خمسة هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام، وإما أن تتعلق بنزل فيكون المعنى نزله باللسان العربى لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمى لقالوا له مانصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، وفى هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التى هى لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه ويفهمه قومك ، ولو كان أعجمياً لكان نازلا على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها . ١٦٩ قوله تعالى : لو لم يكن لهم آية. سورة الشعراء. وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى ١٩٧ أَوَلَمْ يَكُن ◌َهُمْ ءَايَةٌ أَن يَعْلَمَهُ، عُلَُا بَنِيَ إِسْرَاءِيلَ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَّ ◌َّ فَقَرَأْمُ عَيْهِم مَّا كَانُواْبِهِ مُؤْمِينَ (َ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِى فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قُلُوبِ الْمُجْرِمِنَ ◌ّ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى ◌َوْا ◌َلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( ٢٠٢ وأما قوله تعالى ( وإنه لفى زبر الأولين) فيحتمل هذه الأخبار خاصة، ويحتمل أن يكون المراد صفة القرآن، ويحتمل صفة محمد صلى الله عليه وسلم،. ويحتمل أن يكون المراد وجوه التخويف، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم . قوله تعالى: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل، ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين، كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون اعلم أن قوله تعالى (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل) المراد منه ذكر الحجة الثانية على نبوته عليه السلام وصدقه ، وتقريره أن جماعة من علماء بنى اسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع فى التوراة والإنجيل ذكر فيها الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته ونعته ، وقد كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر ، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نبوته لأن تطابق الكتب الإلهية على نعته ووسفه يدل قطعاً على نبوته ، واعلم أنه قرى. ( يكن ) بالتذكير ، وآية النصب على أنها خبره وأن يعلمه هو الإسم، وقرىء ( تكن ) بالتأنيث وجعلت آية اسما وأن يعلمه خبراً، وليست كالا ولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبراً، ويجوز مع نصب م الآية تأنيث يكن كقوله ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ). وأما قوله ( ولو نزلناه على بعض الأعجمين ) فاعلم أنه تعالى لما بين بالدليلين المذكورين نبوة محمد صَّ اللٍّ وصدق لهجته بين بعد ذلك أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل ولا البراهين ، فقال ( ولو نزلناه على بعض الأعجمين ) يعنى إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربی بلسان عربى مبين ، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته ، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله ، وانضم إلى ذلك بشارة كتب اللّه السالفة به، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعراً تارة وسحراً أخرى ، فلو نزلناه على بعض الأعجمين الذى لا يحسن العربية لكفروا به أيضاً ولتمحلوا لجحودهم عذراً، ثم قال (كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين ) أى مثل هذا السلك سلكناه فى قلوبهم، وهکذا مکناه وقررناه فيها ١٧٠ قوله تعالى : فيقولون هل نحن منظرون. سورة الشعراء. فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴿ أَفَرَّيْتَ إِن ٠٠٠٤ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ٠,٠٠٠٠ مَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ مَتَّعْنَهُمْ سِنِينَ (يْ ثُمَّجَاءَهُم مَّا كَانُوْ يُوعَدُونَ ﴿ ◌ُمَتَّعُونَ (*) وَمَ أَهْلََْا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ لَهَا مُنذِرُونَ (2)ِ ذِكْرَى وَمَا ◌ُّ ظَالِينَ ٢٠٠ وكيفما فعل بهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الججود والإنكار، وهذا أيضاً بما يفيد تسلية الرسول صلّ اله لأنه إذا عرف رسول الله إصرارهم على الكفر، وأنه قد جرى القضاء الأزلى بذلك حصل اليأس ، وفى المثل : اليأس إحدى الراحتين . ﴿ المسألة الرابعة) قوله ( كذلك سلكناه فى قلوب المجرمين) يدل على أن الكل بقضاء الله وخلقه ، قال صاحب الكشاف : أراد به أنه صار ذلك التكذيب متمكناً فى قلوبهم أشد التمكن فصار ذلك كالشىء الجبلى ( والجواب) أنه إما أن يكون قد فعل الله فيهم ما يقتضى رجحان التكذيب على التصديق أو ما فعل ذلك فيهم، فإن كان الأول فقد دللنا فى سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، فإن لم يفعل فيهم ما يقتضى الترجيح البتة ، امتنع قوله ( كذلك سلكناه) كما أن طيران الطائر لما لم يكن له تعلق بكفرهم، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران. ﴿ المسألة الخامسة) قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما موقع لا يؤمنون به من قوله (سلكناه فى قلوب المجرمين )؟ قلت موقعه منه موقع الموضح والمبين، لأنه مسوق لبيانه مؤكد للجحود فى قلوبهم ، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد. قوله تعالى: ﴿ فيقولوا هل نحن منظرون، أفبعذابنا يستعجلون، أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون، ذكرى وما كنا ظالمين أعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى بروا العذاب الأليم ، وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال ( فيقولوا هل نحن منظرون ) كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون فى الآخرة أن لاملجأ، لكنهم يذكرون ذلك استرواجاً. فأما قوله تعالى ( أفبعذابنا يستعجلون ) فالمراد أنه تعالى بين أنهم كانوا فى الدنيا يستعجلون العذاب ، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به ، ثم بين ١٧١ قوله تعالى : وما تنزلت به الشياطين. سورة الشعراء. وَمَا تَتَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (﴿ وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٥) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ () فَلَا تَدْعُ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿ُ تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا فى الدنيا ، إلا أن ذلك جهل، وذلك لأن مدة التمتع فى الدنيا متناهية قليلة . ومدة العذاب الذى يحصل بعد ذلك غير متناهية ، وليس فى العقل ترجيح لذات متناهية قليلة على آلام غير متناهية ، وعن ميمون بن مهران أنه لقى الحسن فى الطواف، فقال له عظنى ، فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت، وقرى. ( يمتعون) بالتخفيف ، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة. أما قوله تعالى (ذكرى) فقال صاحب الكشاف: ذكرى منصوبة بمعنى تذكرة، إما لأن أنذر وذكر متقاربان ، فكأنه قيل مذكرون تذكرة، وإما لأنها حال من الضمير فى منذرون ، أى ينذرونهم ذوى تذكرة، وإما لأنها مفعول له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة، أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى، وجعلوا ذكرى لإمعانهم فى التذكرة وإطنابهم فيها، ووجه آخر وهو أن يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولاله، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية قوم ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بارسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم، (وما كنا ظالمين) فنهلك قوماً غير ظالمين ، وهذا الوجه عليه المعول ، فان قلت كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ، ولم تعزل عنها فى قوله (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)؟ قلت : الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية ، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف . قوله تعالى: ﴿ وما تنزلتّ به الشياطين، وما ينبغى لهم وما يستطيعون، إنهم عن السمع لمعزولون، فلا تدع مع اللّه إلهاً آخر فتكون من المعذبين ﴾. اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد مرّ يكون القرآن تنزيل رب العالمين، وإنما يعرف ذلك لوقوعه من الفصاحة فى النهاية القصوى ، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت ، مع أنه عليه السلام لم يشتغل بالتعلم والاستفادة، فكان الكفار يقولون لم لا يجوز أن يكون هذا من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة؟، فأجاب اللّه تعالى عنه بان ذلك لا يتسهل للشياطين لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء، ولقائل أن يقول العلم بكون الشياطين منوعين عن ذلك لا يحصل إلا بواسطة خبر النبى الصادق ، فإذا أثبتنا كون ١٧٢ قوله تعالى : وانذر عشيرتك الأقربين. سورة الشعراء. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ ﴿٨] وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِلَى بَرِىٌّ مِمَّا تَعْمَلُونَ (١) وَتَوَكَّلْ عَلَى اَلْعَزِيزِ الَّحِيمِ (٦* الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ (٨﴾ وَتَقَلُّبَكَ فِ السَّتِجِدِينَ ٢١٩ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ محمد بدّم صادقاً بفصاحة القرآن وإخباره عن الغيب، ولا يمكن إثبات كون الفصاحة والإخبار عن الغيب معجزاً إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك ، لزم الدور وهو باطل (وجوابه) لا نسلم أن العلم بكون الشياطين منوعين عن ذلك لا يستفاد إلا من قول النبى. وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدو، ونعلم بالضرورة أن محمداً مرَّ كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم، فلو كان هذا الغيب إنما حصل من إلقاء الشياطين، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم، فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى، فلما لم يكن كذلك علمنا أن الشياطين منوعون عن ذلك، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول عَّ اله فقال ( فلا تدع مع الله إلهاً آخر) وذلك فى الحقيقة خطاب لغيره، لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء فى الظاهر، وإن كان المقصود بذلك هم الأتباع ، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك ، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة . قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إنى برىء ما تعملون، وتوكل على العزيز الرحيم، الذى يراك حين تقوم، وتقلبك فى الساجدين ، إنه هو العزيز العليم ﴾ اعلم أنه سبحانه لما بالغ فى تسلية رسوله أولا ، ثم أقام الحجة على نبوته ، ثانياً ثم أورد سؤال المنكرين، وأجاب عنه ثالثاً ، أمره بعد ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو ههنا أمور ثلاثة (الأول) قوله ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع اللّه إلهاً آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولا ، ثم بالأقرب فالأقرب ثانياً ، لم یکن لأحد فیه طعن البتة وكانقولهأنفع وكلامه أنجع، وروى( أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب وقال: يابنى عبد المطلب ، يابنى هاشم ، يابنى عبد مناف ، ياعباس عم محمد ، ياصفية عمة محمد؛ إنى لا أملك لكم من اللّه شيئاً، سلونى من المال ١٧٣ قوله تعالى : وتقلبك في الساجدين. سورة الشعراء ما شئتم)) وروى ((أنه جمع بنى عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا على رجل شاة وقعب من لبن، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس ، فأكلوا وشربوا، ثم قال يا بنى عبد المطلب لو أخبرتكم أن يسفح هذا الجبل خيلا، أكنتم مصدقى ؟ قالوا نعم فقال : إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد )). (الثانى) قوله (واخفض جناحك) واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الإنحطاط مثلا فى التواضع ولين الجانب ، فإن قيل المتبعون للرسول هم المؤمنون وبالعكس فلم قال (لمن اتبعك من المؤمنين)؟ (جوابه) لا نسلم أن المنبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين . فأما قوله ( فإن عصوك فقل إنى برى. بما تعملون) فمعناه ظاهر ؛ قال الجبانى هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئاً من معاصيهم ، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضاً برى. من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفاً لله، كما لو رضى عمن سخط الله عليه لكان كذلك، وإذا كان تعالى بريئاً من عملهم فكيف يكون فاعلا له ومريداً له ؟ (الجواب) أنه تعالى برىء من المعاصى بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها ، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب عليه جهلا وهو محال والمفضى إلى المحال محال، وعلم أن ماهو واجب الوقوع فانه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه ( والثالث ) قوله ( وتوكل ) والتوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره ، وقوله ( على العزيز الرحيم) أى على الذى يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة ، وهو قيامه وتقلبه فى الساجدين وفيه وجوه ( أحدها ) المراد ما كان يفعله فى جوف الليل من قيامه للنهجد وتقلبه فى تصفح أحوال المجتهدين ليطلع على أسرارهم، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لما يسمع منها من دندتهم، بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين (وثانيها) المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة وتقلبه فى الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذكان إماماً لهم ( وثالثها ) أنه لا يخفى عليه حالك كلما فمت وتقلبت مع الساجدين فى كفاية أمور الدين (ورابعها) المراد تقلب بصره فيمن يصلى خلفه من قوله مؤلف ((أنموا الركوع والسجود فوالله إنى لأراكم من خلفى، ثم قال ( إنه هو السميع) أى لما تقوله (العليم) أى بما تنويه وتعمله، وهذا يدل على أن كونه سميعاً أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيداً فائدته. واعلم أنه قرىء ( ونقلبك). وأعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي ◌ُّم كانوا مؤمنين وتمسكوا فى ذلك بهذه الآية ١٧٤ قوله تعالى : هل انبئكم على من تنزل الشياطين. سورة الشعراء. هَلْ أَنَبِئُكُمْ عَلَى مَن تَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ٢٢٢ ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلٍ أَقَّاكِ أَثٍِ. (٢٢١ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَئِذِبُونَ وبالخبر ، أما هذه الآية فقالوا قوله تعالى ( وتقلبك فى الساجدين ) يحتمل الوجوه التى ذكرتم ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن ، وإذا احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان ، وأما الخبر فقوله عليه السلام ((لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)) وكل من كان كافراً فهو نجس لقوله تعالى (إنما المشركون نجس) قالوا: فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) قلنا (الجواب) عنه أن لفظ الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له (نعبد إلهك وإلهه آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق) فسموا إسماعيل أباً له مع أنه كان عماً له ، وقال عليه السلام ((ردوا على أبى)) يعنى العباس، ويحتمل أيضاً أن يكون متخذالأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى ( ومن ذريته داود وسليمان ) إلى قوله ( وعيسى ) جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم . واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى ( لأ بيه آزر) وما ذكروه صرف للفظ عن ظاهره، وأما حمل قوله (وتقلبك فى الساجدين) على جميع الوجوه فغير جائز لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز ، وأما الحديث فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن. قوله تعالى: ﴿هل أتبتكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأ کثرهم كاذبون اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين ( الأول) قوله ( تنزل على كل أفاك أثيم) وذلك هو الذى قررناه فيما تقدم أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان ، ومحمداً عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه ( والثانى) قوله ( يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) والمراد أنهم كانوا يقيسون حال النبى ير يقيم على حال سائر الكهنة فكأنه قيل لهم إن كان الأمر على ماذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول بد لته كذلك أيضاً ، فلما لم يظهر فى إخبار الرسول بَ لقّم عن المغيبات إلا الصدق علينا أن حاله بخلاف حال الكهنة، ثم إن المفسرين ذكروا فى الآية وجوهاً (أحدها ) أنهم الشياطين روى أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرحم يسمعون إلى الملأ الاعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحى به إليهم ، لأنهم يسمعونهم مالم يسمعوا (وثانيها) يلقون إلى أوليائهم السمع أى المسموع من الملائكة (وثالثها) الأفاكون ١٧٥ قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون. سورة الشعراء. ٠١٠١٠٠٠/١ ٢٢٥ وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَلُونَ (9) أَمْ تَرَأَنَّهُمْ فِىِ كُلِّ وَادٍ يَبِمُونَ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَالَا يَفْعَلُونَ (9) إِلَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَكُواْ اللّهَ اكَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَاكُلُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَمُوا أَنَّ مُنْقٍَ بَنْقَلِبُونَ( ٢٢٧ يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم (ورابعها) يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفا كين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا اليهم ، فإن قلت يلقون ما محله؟ قلت يجوز أن يكون فى محل النصب على الحال أى تنزل ملقين السمع ، وفى محل الجرصفة لكل أفاك لأنه فى معنى الجمع، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلا قال: لم نزل على الأفا كين؟ فقيل يفعلون كيت وكيت ، فان قلت كيف قال (وأكثرهم كاذبون) بعد ماقضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفترى عليهم. قوله تعالى: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم ترأنهم فى كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون أعلم أن الكفار لما قالوا : لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة ، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون ، أى الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: (الأول) ( أنهم فى كل واد يهيمون) والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا فى واد وأنت فى واد ، وذلك لأنهم قد يمدحون الشىء بعد أن ذموه وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد بٍِّ ، فإنه من أول أمره إلى آخره بقى على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب فى الآخرة والإعراض عن الدنيا (الثانى) ( أنهم يقولون ما لا يفعلون) وذلك أيضاً من علامات الغواة ، فانهم يرغبون فى الجود ويرغبون عنه ، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون فى الناس بأدنى شىء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. ١٧٦ قوله تعالى : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. سورة الشعراء. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فانه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له ( فلا تدع مع اللّه إلهاً آخر فتكون من المعذبين ) ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال اللّه تعالى له (وأنذر عشيرتك الأقربين) وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء، فقد ظهر بهذا الذى بيناه أن حال محمد ◌ٍ رٍ ما كان يشبه حال الشعراء، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بياناً لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة (أحدها) الإيمان وهو قوله ( إلا الذين آمنوا)، (وثانيها ) العمل الصالح وهو قوله (وعملوا الصالحات)، (وثالثها) أن يكون شعرهم فى التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق، وهو قوله (وذكروا الله كثيراً)، (ورابعها) أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم ، وهو قوله (وانتصروا من بعد ماظلموا) قال الله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقيل المراد بهذا الاستثناء عبد الله بن رواحة وحسان ابن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً، وعن كعب بن مالك ((أن رسول اللّه عَّ اللّه قال له: اجهم، فو الذى نفسى بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل)) وكان يقول لحسان بن ثابت ((قل وروح القدس معك)). فأما قوله تعالى ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فالذى عندى فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر فى هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية ، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين ، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام، ثم ذكر سؤال المشركين فى تسميتهم محمداً صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن، وتارة بالشاعر ، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن ( أولا ) ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ( ثانياً ) ختم السورة بهذا التهديد العظيم، يعنى إن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل فى هذه البينات فانهم (سيعلمون) بعد ذلك (أى منقلب ينقلبون) وقال الجمهور المراد منه الزجر عن الطريقة التى وصف الله بها هؤلاء الشعراء، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها والله أعلم . والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمى وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . ١٧٧ تفسير سورة النمل (٢٧) سُؤْرَة الفَالكِيَّةِ وَآيَاتِهَا ثَلاثٌُ وَتَسْعُونَ بِشـ - طَسْ تِلْكَ ءَايَنْتُ الْقُرَّانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ هُدَى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين، هدى وبشرى للمؤمنين، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ﴾. اعلم أن قوله ( تلك ) إشارة إلى آيات السورة ( والكتاب المبين ) هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن ، فالملائكة الناظرون فيه يبينون الكائنات ، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهماً بالتنكير فيكون أنخم له كقوله ( فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ) وقرأ ابن أبى عبلة (وكتاب مبين) بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين قوله ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين )؟ قلت لافرق لأن واو العطف لا تقتضى الترتيب . أما قوله ( هدى وبشرى للمؤمنين ) فهو فى محل النصب أو الرفع فالنصب على الحال أى هادية ومبشرة، والعامل فيها ما فى تلك من معنى الإشارة ، والرفع على ثلاثة أوجه على معنى هى هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات ، وعلى أن يكون خبراً بعد خبر، أى جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى ، واختلفوا فى وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين (الأول) المراد أنه يهديهم الى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى ( فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما) فلهذا اختص به المؤمنون (الثانى) المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا فى تخصيصه بالمؤمنين وجوهاً (أحدها ) أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى، والبشرى الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٢ ١٧٨ قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بالآخره. سورة النمل. إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَّةَ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. ٤ إنما تكون للمؤمنين ( وثانيها) أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به خصهم بالذكر كقوله ( إنما أنت منذر من يخشاها)، (وثالثها) المراد من كونها (هدى للمؤمنين) أنها زائدة فى هداهم ، قال تعالى ( ويزيد الله الذين هتدوا هدى). أما قوله ( الذين يقيمون الصلاة ) فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضى ذلك، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها، وكذا القول فى الزكاة فإنها هى الواجبة ، وإقامتها وضعها فى حقها . أما قوله ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) ففيه سؤال وهو: أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لابد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة، فما الوجه فى ذكره مرة أخرى؟ (جوابه) من وجهين (الأول ) أن يكون من جملة صلة الموصول ، ثم فيه وجهان: الأول. أن كمال الإنسان فى أن يعرف الحق لذاته، والخبر لأجل العمل به، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذى يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ، ومعرفة المعاد، وأما الخير الذى يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان : الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله ( للمؤمنين ) إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله ( يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال، وقوله ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) إشارة إلى علم المعاد فكانه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولا ، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما (الثانى) أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، منهم من هو جازم بالحشر والنشر، ومنهم من يكون شاكا فيه إلا أنه يأتى بهذه الطاعات للاحتياط ، فيقول إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتنى إلا خيرات قليلة فى هذه المدة اليسيرة، فمن يأتى بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن فى الحقيقة مهتدياً بالقرآن ، أما من كان حازماً بالآخرة كان مهتدياً به ، فلهذا السبب ذكر هذا القيد ( الثانى) أن يجعل قوله (وهم بالآخرة هم يوقنون) جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذى هو (هم) حتى صارمعناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق . قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون، أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الآخرة هم الأخرون قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة. سورة النمل. ١٧٩ أعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار من سوء العذاب، فقال (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زيفالهم أعمالهم)، واختلف الناس فى أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان فى قوله (فزين لهم الشيطان أعمالهم)؟ فأما أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئاً البتة إلا إذا دعاه الداعى إلى الفعل والمعقول من الداعى هو العلم والإعتقاد والظن بكون الفعل مشتملا على منفعة، وهذا الداعى لابد وأن يكون من فعل اللّه تعالى لوجهين (الأول) أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع آخر ويلزم التسلسل وهو محال (الثانى) وهو أن العلم إما أن يكون ضرورياً أو كسبياً ، فان كان ضرورياً فلابد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسباً لأن المكتسب إن كان شاعراً به فهو متصور له . وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن شاعراً به كان غافلا عنه والغافل عن الشئ يمتنع أن يكون طالباً له ، فان قلت هو مشعور به من وجه دون وجه ، قلت فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به. فيعود التقسيم المتقدم فى كل واحد من هذين الوجهين ، وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب البتة والعلم الضرورى هو الذى يكون حضور كل واحد من تصوريه كافياً فى حصول التصديق، فالتصورات غير كسبية وهى مستلزمة للتصديقات ، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة ، ومتى لم تحصل لم يحصل التصديق البتة ، حصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب، ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات النظرية كية، لأن لازم الضرورى ضرورى ، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التى فرضناها علوماً نظرية كذلك بل هى اعتقادات تقليدية، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسينى يفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب. فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية، وثبت أن مبادئ الأفعال هى العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية، والإنسان مضطر فى صورة مختار ، فثبت أن الله تعالى هو الذى زين لكل عامل عمله. والمراد من التزيين هو أنه يخلق فى قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق فى قلبه العلم بما فيه من المضار والآفات ، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها ، أما المعتزلة فانهم ذكروا فى تأويلها وجوهاً (أحدها ) أن المراد بينا لهم أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب. لأن التزيين من اللّه تعالى للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة، وهو المراد من قوله (حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) ومعنى (فهم يعمهون) يدل على ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم (وثانيها ) أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام اللّه تعالى بذلك عليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الإنقياد لما يلزمهم من التكاليف، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم. وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام فى قولهم ( ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) (وثالثها) أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة ١٨٠ قوله تعالى : وإنك لتلقى القرآن. سورة النمل. وَإِنَّكَ لَتُلَقَّ الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيٍ (٤) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنَّ ءَالنَّسْتُ نَارًاسََاتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَتِيكُم ◌ِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (g) فَلَّا جَاءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَتَنَّ اللَِّرَبِّ الْعَلِينَ يَمُوسَّ إِنَّهُمْ أَنَا الَهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ للمزيين فأسند إليه ( والجواب) عن الأول أن قوله تعالى (أعمالهم ) صيغة عموم توجب أن يكون اللّه تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسناً كان العمل أو قبيحاً ومعنى التزيين قد قدمناه، وعن الثانى أن الله تعالى لما مُتعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور أثر فى ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر، فإن كان الأول فقددلنا على أن الترجيح متى حصل فلابد وأن ينتهى إلى حد الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذى ذكروه والله أعلم. أما قوله تعالى ( فهم يعمهون ) فالعمه التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق. أما قوله ( أولئك الذين لهم سوء العذاب ) فيه وجهان (الأول ) أنه القتل والأسريوم بدر ( والثانى) مطلق العذاب سواء كان فى الدنيا أو فى الآخرة والمراد بالسوء شدته وعظمه. وأما قوله ( هم الأخرون) ففيه وجهان (الأول ) أنه لاخسران أعظم من أن يخسر المرء نفسه بأن يسلب عنه الصحة والسلامة فى الدنيا ويسلم فى الآخرة إلى العذاب العظيم (الثانى) المراد أنهم خسروا منازلهم فى الجنة لو أطاعوا، فانه لا مكلف إلا وعين له منزل فى الجنة لو أطاع فاذا عصى عدل به إلى غيره فيكون قد خسر ذلك المنزل . قوله تعالى: ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، إذ قال موسى لأهله إنى آنست ناراً سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون ، فلما جاءها نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين، يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) أما قوله (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) فمعناه لتؤتاه وتلقاه من عند أى حكيم وأى عليم . وهذا معنى مجيتهما نكرتين وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص ، وإذ منصوب بمضمر وهو اذكر. كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى، ويجوز أن ينتصب بعليم ، فان قيل الحكمة إما أن تكون نفس العلم، والعلم إما أن يكون