Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيّ الفَخْرِ الزَّزى الصََّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِع الغَيب للإمَام محمّ الَّزى محمر الدين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطِ الرِى نَفَعَ اللّه بالمسيمين ٥٤٤ - ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م الخُالطريق فىاُفْ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيعِو ٢ قوله تعالى : في بيوت أذن الله ان ترفع. سورة النور. بِسُـ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُفَعَ وَوَيُذْكَرَ فِهَا أَثْمُهُ يُسَبِحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَلَأَصَالِ (﴿ رِجَالٌ لَّ ◌ُلْهِمْ تَجَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَآءِ الَّكَوَة ◌َفُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِ الْقُلُبُ وَالْأَبْصَدُ ◌َ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ، وَالله ◌ُرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكرفيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) اعلم أن فى الآية مسائل : المسألة الأولى) قوله تعالى (فى بيوت أذن الله) يقتضى محذوفاً يكون فيها وذكروا فيه وجوه ( أحدها ) أن التقدير كمشكاة فيها مصباح فى بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهانى عليه من وجهين (الأول ) أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح فى بيوت أذن الله لا يزيد فى هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة ( الثانى) أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضى كونه واحداً كقوله (كمشكاة) وقوله ( فيها مصباح) وقوله ( فى زجاجة) وقوله ( كأنها كوكب درى) ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد فى كل البيوت (والجواب) عن الأول أن المصباح الموضوع فى الزجاجة الصافية إذا كان فى المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل ( وعن الثانى ) أنه لما كان القصد بالمثل هو الذى له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح فى زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة فى ذلك أن ضوأها يظهر فى هذه البيوت بالليالى عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، ولو أن رجلا قال الذى يصلح لخدمتى رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته. لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه فى هذه الآية ( وثانيها ) التقدير توقد من شجرة مباركة فى بيوت أذن الله أن ترفع (وثالثها) وهو قول : ٣ قوله تعالى : في بيوت أذن الله ان ترفع. سورة النور. أبى مسلم أنه راجع إلى قوله ( ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) أى ومثلا من الذين خلوا من قبلكم فى بيوت أذن الله أن ترفع، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أما كنهم فسماها محاريب بقوله (إذ تسوروا المحراب) و(كلمادخل عليهازكريا المحراب) فيقول: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين فى بيوت أذن الله أن ترفع (ورابعها) قول الجبانى إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا فى بيوت أذن الله أن ترفع (وخامسها) وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف فى الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح فى بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت. وأما قول أبى مسلم فقد اعترض عليه القاضى من وجهين (الأول ) أن قوله (ومثلا من الذين خلوا من قبلكم) المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعاقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه ( الثانى) أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض) وأما قول الجبائى فقيل الاضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى الأويل الذى ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضاً لأن على قوله يصير المعنى فى بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكراراً من غير فائدة ، فلم قلتم إن تحمل مثل هذه الزيادة أولى من تحمل ذلك النفصان؟ قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى. ﴿ المسألة الثانية ) أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله (فى بيوت) المساجد وعن عكرمة فى بيوت قال هى البيوت كلها والأول أولى لوجهين (الأول) أن فى البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع (الثانى) أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم القائلين بأن المراد هو المساجد قولان (أحدهما) أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ومسجد المدينة بناه النبي ◌ُ ◌ّ ومسجد قباء الذى أسس على التقوى بناه فى. حَ تّ وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل (والثانى) أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلادليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد ، قال ابن عباس رضى الله عنهما المساجد بيوت الله فى الأرض وهى تضىء لأهل السماء كما تضىء النجوم لأهل الأرض. ﴿ المسألة الثالثة) اختلفوا فى المراد من قوله ( أن ترفع) على أقوال (أحدها) المراد من رفعها بناؤها لقوله ( بناها رفع سمكها فسواها) وقوله ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى المساجد أمر الله أن تبنى ( وثانيها) ترفع أى تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج ( وثالثها ) المراد مجموع الأمرين. ٤ قوله تعالى : ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها. سورة النور. ﴿ والقول الثانى) أولى لأن قوله ( فى بيوت أذن الله أن ترفع) ظاهره أنها كانت بيوتاً قبل الرفع فأذن الله أن ترفع. ﴿ المسألة الرابعة) اختلفوا فى المراد من قوله (ويذكر فيها اسمه) فالقول (الأول) أنه عام فى كل ذكر (والثانى ) أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس (والثالث) لا يتكلم فيها بما لا ينبغى والأول أولى لعموم اللفظ . ﴿ المسألة الخامسة) قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يسبح بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتداً إلى آخر الظروف الثلاثة أعنى له فيها بالغدو والآصال، ثم قال الزجاج رجال مرفوع لأنه لما قال يسبح له فيها فكأنه قيل من يسبح؟ فقيل يسبح رجال. ﴿ المسألة السادسة)، اختلفوا فى هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة ، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلانى الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين فى ابتداء الحال ثم زيد فيهما، ومنهم من حمله على التسبيح الذى هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به فى ذاته وفعله ، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر. المسألة السابعة) الآصال جمل أصل والأصل جمع أصيل وهو العشى وإنما وجد الغدو لأنه فى الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع، قال صاحب الكشاف بالغدوأى بأوقات الغد أى بالغدوات وقرىء والإيصال وهو الدخول فى الأصيل يقال آصل كا عتم وأظهر، قال ابن عباس رحمهما الله إن صلاة الضحى فى كتاب الله تعالى مذكورة وتلاهذه الآية وروى أبو هريرة عن الذى يتم أنه قال ((ما من أحد يندو ويروح الى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له فى الجنة)) وفى رواية سهل بن سعد مرفوعا ((من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيراً أو ليتعلمه كان كمثل المجاهد فى سبيل الله يرجع غائماً). المسألة الثامنة﴾ اختلفوا فى قوله تعالى ( لا تلهيهم تجارة) فقال بعضهم نفى كونهم تجاراً وباعة أصلا ، وقال بعضهم بل أثبتهم تجاراً وباعة وبين أنهم مع ذلك لايشغلهم عنها شاغّل من ضروب منافع التجارات، وهذا قول الأكثرين، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون، ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شىء فقاموا بالصلاة والزكاة ، وعن سنالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم (لا تلهيهم تجارة). وعن ابن مسعود مثله، واعلم أن هذا القول أولى من الأول ، لأنه لا يقال إن فلاناً لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر، وإن احتمل الوجه الأول وههنا نؤالات: ﴿ السؤال الأول) لما قال (لا تلهيهم تجارة) دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع؟ قلنا (الجواب ) عنه من وجوه (الأول) أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع إلا أنه ٥ قوله تعالى : يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار. سورة النور. سبحانه خص البيع بالذكر لأنه فى الإلهاء أدخل ، لأن الربح الحاصل فى البيع يقين ناجز، والربح الحاصل فى الشراء شك مستقبل (الثانى) أن البيع يقتضى تبديل العرض بالنقد ، والشراء بالعكس والرغبة فى تحصيل النقد أكثر من العكس (الثالث ) قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، يقال : انجر فلان فى كذا إذا جلبه من غير بلده ، والبيع ما باعه على يديه . ﴿ السؤال الثانى﴾ لم خص الرجال بالذكر؟ (والجواب) لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات، ﴿ المسألة التاسعة) اختلفوا فى المراد بذكر الله تعالى، فقال قوم: المراد الثناء على الله تعالى والدعوات ، وقال آخرون: المراد الصلوات ، فإن قيل فما معنى قوله ( وإقام الصلاة )؟ قلنا عنه جوابان (أحدهما ) قال ابن عباس رضى الله عنهما المراد باقام الصلاة إقامتها لمواقيتها ( والثانى) يجوز أن يكون قوله ( وإقام الصلاة) تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفى الصلاة . ﴿ المسألة العاشرة﴾ قد ذكرنا فى أول تفسير سورة البقرة فى قوله ( ويقيمون الصلاة ) أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها، والوجه فى حذف الهاء ماقاله الزجاج، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً ، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان حذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقى: أقمت الصلاة إقاما ، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة ههنا فى التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال وهذا إجماع من النحويين . ( المسألة الحادية عشرة) اختلفوا فى الصلاة فمنهم من قال هى الفرائض، ومنهم من أدخل فيه النقل على ماحكيناه فى صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول فى الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف فى الشرع المسمى بذلك، وقال ابن عباس رضى الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والاخلاص ، وكذا فى قوله (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) وقوله ( ما زكى منكم من أحد ) وقوله (تطهرهم وتزكيهم بها) وهذا ضعيفٍ لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال. ﴿ المسألة الثانية عشرة) أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فانهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال ( يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ) وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ماعبدوا الله حق عبادته. واختلفوا فى المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال: فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله (وإذزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) (الثانى) أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن الظن إلى اليقين، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله ( وبدا لهم من الله ما لم ٦ قوله تعالى : والذين كفروا اعمالهم كسرابٍ سورة النور. وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلَّمْشَانُ مَآءٍ حَتَّىَ إِذَا جَاءَهُ لَّمْ يكونوا يحتسبون) وقوله ( لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك)، (الثالث ) أن القلوب تتقلب فى ذلك اليوم طمعاً فى النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أى ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟ ومن أى ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، فإنهم قالوا إن أهل النواب لاخوف عليهم البتة فى ذلك اليوم ، وأهل العقاب لايرجون العفو ، لكنا بينا فناد هذا المذهب غير مرة (الرابع) أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار قصير زرقاً ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع فى الحنجرة فهو قوله ( إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين)، (الخامس) قال الجبائى المراد بتقلب القلوب والأبصار تغيرهيئاتهما بسبب ماينالها من العذاب، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم، وهو معنى قوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة). ( المسألة الثالثة عشرة) قوله (ليجزيهم الله أحسن ماعملوا) أى يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا، وفيه وجوه (الأول) المراد بالأحسن الحسنات أجمع، وهى الطاعات فرضها ونفلها، قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوى: أعمالهم بل يغفرها لهم. ( الثانى ) أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ماعملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة (الثالث ) قال القاضى : المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم اللّه تعالى بأحسن الأعمال، وهذا مستقيم على مذهبه فى الإحباط والموازنة. أما قوله تعالى ( ويزيدهم من فضله) فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى فى سائر الآيات من التضعيف ، فان قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً فى استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك، فان عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال (والله يرزق من يشاء بغير حساب) نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه ، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد فى الطاعة، ومع ذلك يكونون فى نهاية الخوف ، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاءاتهم، ويزيدهم الفضل الذى لا حد له فى مقابلة خوفهم . قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده r ٧ قوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب .. سورة النور. يَجِدّهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَوَقَّهُ حِسَابَهُ، وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ أَوْ كَظُلُنَتِ فِي تَجْرٍ أجِيٍ يَغْشَنُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ ، مَوْجٌ مِنْ قَوْقٍ تَبٌ مُمَتْ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضِ إِذَا أَنْرَجَ يَدَهُ لَمْ يُكَدْ بَهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُلَهُ نُورًا قَالَهُ مِنْ نُورٍ (﴾ شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج بده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾. أعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن ، وأنه فى الدنيا يكون فى النور وبسببه يكون متمسكا بالعمل الصالح ، ثم بين أنه فى الآخرة يكون فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم ، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون فى الآخرة فى أشد الخسران ، وفى الدنيا فى أعظم أنواع الظلمات ، وضرب لكل واحد منهما مثلا ، أما المثل الدال على خيبته فى الآخرة فهو قوله ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) قال الأزهرى (السراب ) ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر فى الفلوات شبه الماء الجارى وليس بماء. ولكن الذى ينظر اليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال سرب الماء يسرب سروباً إذا جرى فهو سارب ، أما (الآل) فهو ما يتراءى للعين فى أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيراً ، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد ، وأما (القيمة) فقال الفراء هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوى من الأرض وقال صاحب الكشاف القيمة بمعنى القاع، وقال الزجاج (الظمآن) قد يخفف همزه، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذى يأتى به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً ، مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقاباً مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند اللّه تعالى، فاذا وافى عرصات القيامة، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه ، فيشبه حاله حال الظمآن الذى تشتد حاجته إلى الماء فاذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فاذا جاءه وأيس بما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه . وهذا المثال فى غاية الحسن ، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فان قيل قوله ( حتى إذا جاءه) يدل على كونه شيئاً وقوله (لم يجده شيئاً) مناقض له؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: (الأول ) المراد معناه أنه لم يحده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد (الثانى) ٨ قوله تعالى : ووجد الله عنده فوفاه حسابه. سورة النور. حتى إذا جاءه أى جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه (الثالث) الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء. أما قوله ( ووجد الله عنده فوفاه حسابه) أى وجد عقاب الله الذى توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم ، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم (عاملة ناصبة)، (ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً)، (وقدمنا الى ما عملوا من عمل) وقيل نزلت فى عتبه بن ربيعة بن أمية ، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين فى الجاهلية ثم كفر فى الاسلام. أما قوله ( والله سريع الحساب) فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك، وأما المثل الثانى فهو قوله (أو كظلمات فى بحر لجى) وفى لفظة أو ههنا وجوه: (أحدها) اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهى الظلمات ( وثانيها) تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك فى الآخرة. وإما كظلمات فى بحر وذلك فى الدنيا ( وثالثها) الآية الأولى فى ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شىء، والآية الثانية فى ذكر عقائدهم فانها تشبه الظلمات كما قال (يخرجهم من الظلمات إلى النور ) أى من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) وأما البحر اللجى فهو ذو اللجة التى هى معظم الماء الغمر البعيد القعر، وفى اللجى لغتان كسر اللام وضمها، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجى يكون قدره مظلما جداً بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج إزدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع فى قعر هذا البحر اللجى يكون فى نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة فى اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها . فقال تعالى (لم يكد يراها) وبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر فى اعتقاده وهو ضد المؤمن فى قوله تعالى (نور على نور) وفى قوله ( يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب فى خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفى كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: (أحدها) أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن (وثانيها) شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس (وثالثها) أن الكافر لا يدرى، ولا يدرى أنه لا يدرى، ويعتقد أنه يدرى، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات (ورابها) أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه قوله تعالى : الم تر أن الله يسبح له ما في السموات والأرض. سورة النور. ٩ أَرْ فَأَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّبْرُ صَنَفَّتِ كُلُ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وَلِلَّ مُلْكُ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ وَ إِلَى آلِ الْمَصِبُ ◌ّ الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها (وخامسها) قلب مظلم فى صدر مظلم. أما قوله ( ظلمات بعضها فوق بعض ) فروى عن ابن كثير أنه قرأ سحاب وقرأ ظلمات بالجر على البدل من قوله ( أو كظلمات) وعنه أيضاً أنه قرأ سحاب ظلمات كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين سحاب ظلمات كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله ( سحاب ) ثم ابتدأ (ظلمات) أى ما تقدم ذكره ( ظلمات بعضها فوق بعض ). أما قوله (لم يكد يراها) ففيه قولان: (أحدهما) أن كاد نفيه إثبات وإثباته فى فقوله (وما كادوا يفعلون) نفى فى اللفظ ولكنه اثبات فى المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام («كاد الفقر أن يكون كفراً)) إثبات فى اللفظ لكنه نفى فى المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله (لم يكد يراها) معناه أنه رآها (والثانى) أن كاد معناه المقاربة فقوله (لم يكد يراها ) معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذى لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين (الأول) أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فانه لا يرى فيه شىء فكيف مع هذه الظلمات (الثانى) أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة فى جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية البتة مع هذه الظلمات . أما قوله ( ومن لم يجعل اللّه نوراً فما له من نور) فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها فى نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال ( يهدى الله لنوره من يشاء) ولما وصف ضلالة الكافر بأنها فى نهاية الظلمة عقبها بقوله (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) والمقصود من ذلك أن يعرف الانسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الايمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فان الكل مربوط بخلق اللّه تعالى وهدايته وتكوينه، وقال القاضى المراد بقوله (ومن لم يجعل الله له نوراً) أى فى الدنيا بالألطاف ( فما له من نور ) أى لا يهتدى فيتحير ويحتمل (ومن لم يجعل الله له نوراً) أى مخلصاً فى الآخرة وفوزاً بالثواب (فماله من نور) والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم. قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير أعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد: ﴿ فالنوع الأول ) ما ذكره فى هذه الآية ولا شبهة فى أن المراد ألم تعلم، لأن التسبيح لا ١٠ قوله تعالى : والطير صافات. سورة النور. تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاماً فالمراد التقرير. والبيان، فتبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من فى السموات يسبح له وكذلك من فى الأرض. واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفاً بنعوت الجلال، وإما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به ، وإما أن يكون المراد منه فى حق البعض الدلالة على الت يه وفى حق الباقين النطق باللمان، والقسم الأول أقرب لأن القسم الثانى متعذر ، لأن فى الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار ، أما القسم الثالث وهو أن يقال إن من فى السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان، وأما الذين فى الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضى استعمال اللفظ الواحد فى الحقيقة والمجاز معاً. وهو غير جائز. فلم يبق إلا القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة فى أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك تنزيهاً على وجه التوسع . فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء؟ قلنا لآن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب فى خلقهم أكثر وهى العقل والنطق والفهم . أما قوله تعالى (والطير صافات) فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله؟ (والجواب) أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكرأن الذين استقروا فى الهواء الذى هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون، وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التى بها يقوى على الوقوف فى جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدير سبحانه وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه ، وذلك يؤكد ماذ کرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللسانى . أما قوله ( كل قد علم صلاته وتسبيحه) ففيه ثلاثة أوجه (الأول ) المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه ( والله عليم بما يفغلون) وهو اختيار جمهور المتكلمين (والثانى ) أن يعود الضمير فى الصلاة والتسبيح على لفظ كل أى أنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح ( والثالث ) أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعنى قد علم كل مسبح وكل مصل صلاة اللّه التى كلفه اياها وعلى هذين التقديرين فقوله (والله عليم) استئناف وروى عن أبى ثابت قال كنت جالساً عند محمد بن جعفر الباقر رضى الله عنه فقال لى: أتدرى ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال لا، قال فانهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك ، فانا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصاناً من الصبى الذى ١١ قوله تعالى : کل قد علم صلاته وتسبيحه. سورة النور. لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق ، فثبت أنها لا تسهح اللّه إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره. قال بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه (أحدها) احتيالها فى كيفية الاصطياد فتأمل فى العنكبوت كيف يأتى بالحيل اللطيفة فى اصطياد الذباب، ويقال إن الدب يستلقى فى مر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرنيه ولا يزال ينهش مابين ذراعيه حتى يثخنه، وأنه يرمى بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الانسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه، ويحكى عن الفأرفى سرقته أمور عجيبة (وثانيها) أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت المسدسة التى لا يتمكن من بناتها أفاضل المهندسين (وثالثها) انتقال الكراكى من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخرطلبا لما يوافقها من الأهوية، ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذى قابله وقتاً ما والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها، والفهد إذا سقى أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعرد ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعداً فى كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فلما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منتها ففقدته وأخذت تدور حول منبتها دوراناً متابعاً حتى خر ميتاً فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من السعة ، وتلك البقلة كانت هى الجرجير البرى، وأما ابن عرس فيستظهر فى قتال الحية بأ كل السذاب فان النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضاً داوت جراحها بالصعتر الجبلى ( ورابعها ) القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بانذاره وكان السبب فيه قفذاً فى داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به ، والخطاف صانع جيد فى اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فان أعوزه الطين ابتل وتمرغ فى التراب ليحمل جناحاه قدراً من الطين ، وإذا أفرخ بالغ فى تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن العش ، ثم يعلها إلقاء الذرق نحو طرف العش ، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له ١٢ قوله تعالى : ألم تر أن الله يزجي سحاباً. سورة النور أَرْ تَ أَنَّ اللهَ يُزْجِى سَبًا ◌ُمّ يُؤَلِفُ بَيْنَهُ ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَمَا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ ◌َِلِهِ، وَيُنَّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرَّدٍ فَيُصِيبُ بِهِمَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَابَرْقِهِ، يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ ( يُقَلِّبُ اللهُ الَّيْلَ وَالنَّارَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأَوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذى يعلم أن فيه دوداً ، والغرانيق تصعد فى الجو جداً عند الطيران فان حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعا يلزم به بعضها بعضاً ، فاذا نامت على جبل فانها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فانه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه ، وإذا سمع حرساً صاح، وحال النمل فى الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب، واعلم أن الاستقصاء فى هذا الباب مذكور فى كتاب طبائع الحيوان، والمقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل. فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه، وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التى يعرفها الناس؟ ولله در شهاب الاسلام السمعانى حيث قال: جل جناب الجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال . أما قوله سبحانه (ولله ملك السموات والأرض) وإلى الله المصير فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد، فقوله ( ولله ملك السموات والأرض) تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل فى هذه القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم . وأما قوله ( وإلى الله المصير) فهو عبارة تامة فى معرفة المعاد وهو أنه لابد من مصير الكل إليه سبحانه، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلا إلى الأخس فالآخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقياً إلى الأشرف فالأشرف ، فإنه يكون جسما ثم يصيره موصوفاً بالنباتية ثم الحيوانية ثم الانسانية ثم الملكية ثم ينتهى إلى واجب الوجود لذاته، فالاعتبار الأول هو قوله ( ولله ملك السموات والأرض) والثانى هو قوله (وإلى الله المصير). قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. يقلب الله الليل والنهار إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار﴾ ١٣ قوله تعالى : ألم تر أن الله يزجي سحاباً. سورةُ النور أعلم أن هذا هو النوع الثانى من الدلائل وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله (ألم تر) بعين عقلك والمراد التنبيه والإزجاء السوق قليلا قليلا، ومنه البضاعة المزجاة التى يزجيها كل أحد وإزجاء السير فى الإبل الرفق بها حتى تسير شيئاً فشيئاً ثم يؤلف بينه ، قال الفراء بين لا يصلح إلا مضافاً إلى اسمين فما زاد، وإنما قال بينه لأن السحاب واحد فى اللفظ، ومعناه الجمع والواحد سحابة ، قال الله تعالى ( وينشىء السحاب الثقال ) والتأليف ضم شىء إلى شىء أى يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً ثم يجعله ركاماً أى مجتمعاً، والركم جمعك شيئاً فوق شىء حتى تجعله مر كوماً ، والودق : المطر ، قاله ابن عباس وعن مجاهد: القطر، وعن أبى مسلم الأصفهانى: الماء (من خلاله ) من شقوقه ومخارقه جمع خلل جبال فی جمع جبل، وقرى. من خلله . ﴿ المسألة الثانية) اعلم أن قوله (يزجى سحاباً) يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئاً بعد شىء، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا فى حالة واحدة، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثاً، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه، وعلى الثانى يكون المحدث من قبل اللّه تعالى تلك الصفات التى باعتبارها صارت تلك الأجسام سحاباً ، وفى قوله ( ثم يؤلف بينه ) دلالة على وجودها متقدماً متفرقاً إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين، ثم إنه سبحانه يجعله ركاماً، وذلك بتركب بعضها على البعض ، وهذا ما لابد منه لان السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه واقتداره ، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع فى أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفى الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان فى الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار حينئذ ينحل وينقلب هواء. وأما إن كان البخار كثيراً ولم يكن فى الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ فى صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فان بلغت فاما أن يكون البرد هناك قوياً أولا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد ، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، وأما إن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كباراً أو بعد صيرورتها كذلك، فان كان على الوجه الأول نزل ثلجاً، وإن كان على الوجه الثانى نزل برداً، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهى إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة ، فإن كانت كثيرة فهى قد تنعقد سحاباً ماطراً وقد لا تنعقد، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة (أحدها ) إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة (وثانيها ) أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. (وثالثها) ١٤ قوله تعالى : وينزل من السماء من جبال. سورة النور. أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ (ورابعها) أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد (وخامسها) لشدة برد الهواء القريب من الأرض . وقد نشاهد البخار يصعد فى بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون فى الشمس ، وأما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة . فاذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء محسوساً فنزل نزولا متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شىء يعتد به ، فان لم يحمد كان طلا ، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر ، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عند ما يبرد الهواء وينقبض، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة ( والجواب ) أنا لما دلنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكر تموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذى ذكر تموه، وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة فى ذواتها فلا بد لها من مؤثر. ثم إنها متماثلة ، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لابد له من مخصص، فاذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة فى هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب ، فكان سبحانه هو الذى يزجى سحاباً ، لأنه هو الذى خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت فى صعودها والتصق. بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذى جعلها ركاماً ، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين. أما قوله سبحانه ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) ففيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ فى هذه الآية قولان (أحدهما) أن فى السماء جبالا من برد خلقها الله تعالى كذلك، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر المفسرين، قال مجاهد والكلى: جبال من برد فى السماء ( والقول الثانى) أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمى بذلك لسموه وارتفاعه ، وأنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذى هو سماء البرد وأراد بقوله من جبال السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال، كما يقال فلان يملك جبالا من مال ووصفت بذلك توسعاً وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى فى السحاب ، ثم أنزله إلى الأرض ، وقال بعضهم إنما سمى اللّه ذلك الغيم جبالا، لأنه سبحانه خلقها منالبرد، وكل جسم شديد متحجر فهو من . الجبال، ومنه قوله تعالى (واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين) ومنه فلان مجبول على كذا، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فجعله اسماً للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح أن يكون فى ١٥ قوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء. سورة النور. وَاللَّهُ خَقَ كُلّ دَآَنَّةٍ مِنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِ عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَّن يَّمْشِى السماء جبال من برد، وإذا صح فى القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر . المسألة الثانية ﴾ قال أبو على الفارسى قوله تعالى ( من السماء من جبال فيها من برد ) فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض لان ما ينزله اللّه بعض تلك الجبال التى فى السماء، والثالثة للتبيين لان جنس تلك الجبال چنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة عليه. أما قوله ( فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء ) فالظاهر أنه راجع إلى البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أى يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جارياً مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد . أما قوله تعالى ( يكاد سنا برقه يذهب بالا بصار ) ففيه مسائل: ( المسألة الأولى) قرى (يكاد سنا برقه) على الادغام وقرىء برقه جمع برقة وهى المقدار من البرق وبرقه بضمتين للاتباع كما قيل فى جمع فعلة فعلات كظلمات ، وسناء برقه على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العاوو الارتفاع من قولك سنى للمرتفع و(يذهب بالأبصار) على زيادة الباء کقوله ( ولا تلقوا بأیدیکم إلى التهلكة ) عن أبى جعفر المدنى. المسألة الثانية ) وجه الاستدلال بقوله ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) أن البرق الذى يكون صفته ذلك لابد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضى ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم . المسألة الثالثة) اختلف النحويون فى أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهباً معه إلى الدار . فالمنكرون احتجوا بهذه الآية: أما قوله ( یقلب اللّه الليل والنهار) فقيل فيه وجوه : منها تعاقبهما ومجىء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله (وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة) ومنها ولوج أحدهما فى الآخر ، وأخذ أحدهما من الآخر. ومنها تغير أحوالهما فى البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع فى مثل ذلك أن يريد تعالى معانى الكل لأنه فى الإنعام والاعتبار أولى وأقوى . أما قوله تعالى ﴿ إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار) فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر فى هذه الأمور، ويدل أيضاً على فساد التقليد. قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ١٦ قوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء. سورة النور. عَ رِحْلَيْنٍ وَمِنْهُمْ مَّن يَحْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُ الَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَاَءَ ايَتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللهُيَهْدِى مَن بَشَاءُ إِلَى صِرْطِ مُسْتَقِيٍ ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشاء إن اللّه على كل شىء قدير. لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولا بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات، واعلم أن على هذه الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول ﴾ لم قال الله تعالى ( والله خالق كل دابة من ماء) مع أن كثيراً من الحيوانات غير مخلوقة من الماء؟ أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عدداً وهم مخلوقون من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، وخلق الله آدم من التراب لقوله (خلقه من تراب) وخلق عيسى من الريح لقوله ( فنفخنا فيه من روحنا) وأيضاً نرى أن كثيراً من الحيوانات متولد لا عن النطفة (والجواب) من وجوه: (أحدها) وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله (من ماء) صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق ، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهى مخلوقة لله تعالى (وثانيها) أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى أول ما حلق اللّه تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلفة وكان الأصل الأول هو الماء لاجرم ذكره على هذا الوجه ( وثالثها) أن المراد من الدابة التى تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن ، ولما كان الغالب جداً من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لاجرم أطلق لفظ الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل . . ﴿ السؤال الثانى) لم نكر الماء فى قوله ( من ماء) وجاء معرفاً فى قوله ( وجعلنا من الماء كل شىء حى)؟ (والجواب) إنما جاء ههنا منكراً لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرفاً فى قوله ( وجعلنا من الماء كل شىء حى) لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وعبهنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة . ﴿ السؤال الثالث) قوله (فمنهم) ضمير العقلاء وكذلك قوله ( من ) فلم استعمله فى غير العقلاء؟ (والجواب) أنه تعالى ذكر مالا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب ١٧ قوله تعالى : يخلق الله ما يشاء. سورة النور. الفظ اللائق بمن يعقل ، لأن جعل الشريف أصلا والخسيس تبعاً أولى من العكس ، ويقال فى الكلام : من المقبلان ؟ لرجل وبعير . ﴿ السؤال الرابع﴾ لم سمى الزحف على البطن مشياً؟ ويبين صحة هذا السؤال أن الصى قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشى وإن زحف على حد ما تزحف الحية (والجواب) هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا فى الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، ويقال فلان لا يتمشى له أمرأو على طريق المشاكلة لذلك الزاحف مع الماشين . ﴿السؤال الخامس) أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشى على أكثر من أربع مثل العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذى له أربعة وأربعون رجلا الذى يسمى دخال الأذن ( والجواب) القسم الذى ذكرتم كالنادر فكان ملحقاً بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمنى على أربع ، ولأن قوله تعالى ( يخلق الله مايشاء) كالتنبيه على سائر الأقسام. ﴿ السؤال السادس ) لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟ ( والجواب) قد قدم ما هو أعجب وهو الماشى بغير آله مشى من أرجل أو قوائم ثم الماشى على رجلين ثم الماشى على أربع، واعلم أن قوله ( يخلق الله ما يشاء) تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشى فكذا هى مختلفة بحسب أمور أخر ، فلنذكرههنا بعض التقسيمات : ﴿ التقسيم الأول ) الحيوانات قد تشترك فى أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس فى أن لهما لحماً وعصباً وعظما ، وأما التباين فإما أن يكون فى نفس العضو أو فى صفته ، أما التباين فى نفس العضو فعلى وجهين: (أحدهما ) أن لا يكون العضو حاصلا للآخر ، وإن كانت أجزاؤه حاصلة الثانى كالفرس والإنسان ، فان الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للانسان ( والثانى) أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثانى لابذاته ولا بأجزائه مثل أن السلحفاة صدفاً يحيط به وليس للانسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ شوك وليس شىء منها للانسان وأما التباين فى صفة العضو، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال، أما الذى فى الكم، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذى فى الكيف فكاختلافها فى الألوان والأشكال والصلابة واللين ، والذى فى الوضع فمثل اختلاف وضع ثدى الفيل فإنه يكون قريباً من الصدر وثدى الفرس فانه عند السرة . وأما الذى فى الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحاً للذب مع كونه آلة للسمع وليس كذلك فى الإنسان وكون الفخر الرازي - ج ٢٤ م ٢ ١٨ قوله تعالى : يخلق الله ما يشاء. سورة النور. أنفه آلة للقبض دون أنف غيره . وأما الذى فى الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير فى الضوء و عين الخطاف بخلاف ذلك . ( التقسيم الثانى) الحيوان إما أن يكون مائياً بمعنى أن مسكنه الأصلى هو الماء أو أرضياً أو يكون مائياً ثم يصير أرصياً، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه: (الأول) أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائياً فله بدل التنفس فى الهواء التنشق المائى فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا يعيش إذا فارقه. والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه ماتى ولكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية ، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائى وليس يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها ( الوجه الثانى) الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر (الوجه الثالث) منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية (الوجه الرابع) الحيوان المنتقل فى الماء منه ما يعتمد فى غوصه على رأسه وفى السباحة على أجنحته كالسمك ومنه ما يعتمد فى السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشى فى قعر الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لاجناح له وكالدود، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضاً من وجهين (الأول) أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور والنحل (الثانى) أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتى لها مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه الأرض (الثالث) الحيوان البرى كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشى برجليه ، ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش . وأما الذى جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير (الرابع) الطير يختلف فبعضها يتعايش معاً كالكراكى وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب وجميع الجوارح التى تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه، ومنها ما يتعايش زوجاً ويكون معاً كالقطا، ومنه ماتجتمع تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستائية والانسان من بين الحيوان هو الذى لا يمكنه أن يعيش وحده فان أسباب حياته ومعيشته تلثم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الانسان فى ذلك لكن النحل والكراكى تطيع رئيساً واحداً والنمل له اجتماع ولا رئيس (الخامس) الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فأن غذاءه زهر والعنكبوت فان غذاءه الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم ( أما القسم الثالث ) وهو الحيوان الذى يكون تارة مائياً، وأخرى بريا فيقال إنه حيوان يكون فى البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه . ١٩ قوله تعالى : لقد أنزلنا آيات مبينات. سورة النور. ﴿ التقسيم الثالث) الحيوان منه ما هو إنسى بالطبع كالانسان ومنه ماهو إنسى بالمولد كالهرة والفرس ومنه ماهو إنسى بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنساً كالفيل ومنه ما يبطى. كالا سد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسى وصنف وحشى حتى من الناس . ﴿ التقسيم الرابع) من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لاصوت له وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً إلا الانسان، وأيضاً لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين . ﴿ التقسيم الخامس) بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادىء الطبع قليل الغضب مثل البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البرى وبعضها حليم خدوع كالبعير وبعضها ردى. الحركات مغتال كالحية وبعضها جرى. قوى شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد ومنها قوى مغتال وحشى كالذئب وبعضها محتال مكار ردىء الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار . ﴿ التقسيم السادس) من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيواناً وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دوداً كالنحل والعنكبوت فانها تلد دوداً، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضاً . واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لوكان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لابد وأن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون. وأحسن كلام فى هذا الموضع قوله سبحانه (يخلق الله مايشاء إن الله على كل شىء قدير) لأنه هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأى عقل يقف عليها وأى خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ، بل هو الذى يخلق مايشاء ولا يمنعه منه مانغ ولا دافع . وأما قوله (لقد أنزلنا آيات مبينات) فالاً ولى حمله على كل الأدلة والعبر، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد. أما قوله ( والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) فاستدلال أصحابنا به كما تقدم (والجواب) أجاب القاضى عنه بأن المراد يهدى من بلغه حد التكليف دون غيره، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم فى نظائره، وجوابنا عن هذا الجواب أيضاً كما تقدم فى نظائره والله أعلم . ٢٠ قوله تعالى : ویقولون أمنا بالله وبالرسول. سورة النور. وَيَقُولُونَ ءَامَنَّ ◌ِلّهِ وَ بِالَّسُولِ وَأَعْنَا ثُمَ يَتَوَ فَرِ يَّقُ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أَوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَإِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحٌُْ بَيْنَهُمْ إِذَا فِيٌَّ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (8) وَإِن يَكُن لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ ﴾ أَفِ قُلُوِهِم فَّرَضُّ أَمِ أَرْتَأُوْ أَمْ يَحَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ اَلَّلُونَ قوله تعالى: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم وفيه مسائل : ( المسألة الأولى﴾ قال مقاتل نزلت هذه الآية فى بشر المنافق وكان قـ خاصم بهودياً فى أرض وكان اليهودى يجره إلى رسول اللّه مؤ قّم ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجره إلى كعب ابن الأشرف، ويقول إن محمداً يحيف علينا وقد مضت قصتهما فى سورة النساء، وقال الضحاك نزلت فى المغيرة بن وائل كان بينه وبين على بن أبى طالب أرض فتقاسما فوقع إلى على منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال المغيرة بعنى أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمنيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلى اقبض أرضك فانما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فلا ينالها الماء، فقال على بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله بم يتم فقال المغيرة، أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فانه يبغضنى وأنا أخاف أن يحيف على فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن نزلت هذه الآية فى المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( ويقولون آمنا - إلى قوله - وما أولئك بالمؤمنين ) يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح أن ينفى كونهم مؤمنين، وقد فعلوا ماهو إيمان فى الحقيقة ، فان قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولى