Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً. سورة النور.
﴿ السؤال العاشر) إذا عرض أمر فى دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل
يجب الاستئذان؟ (الجواب) كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام فى الإستئذان، وأما السلام
فهو من سنة المسلمين التى أمروا بها، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف
للحقد والضغينة، عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لما خلق الله تعالى
آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس، فقال الحمد الله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه يرحمك
ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم، فلما فعل ذلك
رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك)) وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ((حق المسلم على المسلم ست؛ يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له
بالغيب، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات)) وعن ابن عمر قال قال
رسول الله عليه الصلاة والسلام ((إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم)).
أما قوله تعالى ( ذلكم خير لكم) فالمعنى فيه ظاهر إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم
من الهجوم بغير إذن (لعلكم تذكرون) أى لكى تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به، ثم قال (فان لم
تجدوا فيها) أى فى البيوت أحداً (فلاتدخلوها) لأن العلة فى الصورتين واحدة وهى جواز أن يكون
هناك أحوال مكتومة يكره اطلاع الداخل عليها، ثم قال ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا)
وذلك لأنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا
جرم كان الأولى والأزكى له أن يرجع إزالة للايحاش والإيذاء، ولما ذكر الله تعالى حكم الدور
المسكونة ذكر بعده حكم الدورالتى هى غير مسكونة، فقال (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير
مسكونة) وذلك لأن المانع من الدخول إلا بإذن زائل عنها واختلف المفسرون فى المراد من قوله
( بيوتاً غير مسكونة) على أقوال: (أحدها) وهو قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات
وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة، كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء
والبيع، يروى أن أبا بكر قال يارسول الله إن الله قد أنزل عليك آية فى الاستئذان وإنا تختلف فى
تجارتنا فننزل هذه الخانات ،أفلا ندخلها إلا باذن؟ فنزلت هذه الآية. (وثانيها) أنها الخربات
يتبرز فيها والمتاع التبرز (وثالثها) الأسواق (ورابعها) أنها الحمامات، والأولى أن يقال إنه
لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية فيحمل على الكل ، والعلة فى ذلك أنها إذا كانت كذلك فهى مأذون
بدخولها من جهة العرف ، فكذلك نقول إنها لو كانت غير مسكونة ولكنها كانت مغصوبة ، فانه
لا يجوز للداخل أن يدخل فيها لكن الظاهر من حال الخانات أنها موضوعة لدخول الداخل .
وأما قوله ( والله يعلم ماتبدون وما تكتمون) فهو وعيد للذين يدخلون الخربات والدور
الخالية من أهل الريبة.
٢٠٢
قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. سورة النور.
قُلِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَعُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (﴾ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْن مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَبَحْنَظَ
فُرُوجَهُنَّ وَلَ بَيْدِينَ زِيَتَهُنَّ إِلَّ مَانَهَرَمِنْهاً وَيَضْرِبْنَ بِخُرِ مِنَّ عَ جُبِنٌّ وَلَا
يُِّدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِنَّ أَوْءَابَآمِنَّ أَوْءَ ابَآءِ بُعُولَئِنَّ أَوْ أَبْنَاءِنَّ أَوْأَبْنَاءِ
بُعُولَتِنَّ أَوْ إِنْحَوَِّنَّ أَوْ بَّ إِنَْئِنَّ أَوْ بَفِّ أَخَوَّتِهِنَّ أَوْنِسَآَ مِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرٍ أَوْلِ الْإِرَبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطّْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى
عَوْرَتِ الْنِسَاءُ وَلَا يَضْرِبْنَ بِرْجُِنَّ ◌ِيُعْلَمَايُحِينَ مِنِ زِيَتِنَّ وَتُوبُوا إِلَى آلِهِ
جَميعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُرْ تُفْلِحُونَ:
﴿ الحكم السابع﴾ حكم النظر قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجهن ولا يبدين زينتهن إلاما ظهر منها ، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا
لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو
بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل
الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله
جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )
اعلم أنه تعالى قال ( قل للمؤمنين ) وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما
لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له، لأن هذه الأحكام كالفروع للاسلام والمؤمنون مأمورون
بها ابتداء، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له، وإن كان حالهم كمال المؤمنين
فى استحقاق العقاب على تركها، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة ، والكافر
لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله ، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له .
٢٠٣
قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. سورة النور.
واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال
وزاد فيهن أن لا يدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين .
أما قوله تعالى ( يغضوا من أبصارهم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال الأكثرون من ههنا للتبعيض والمرادغض البصرعما يحرم والاقتصار
به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة ، ونظيره قوله (ما لكم من إله غيره) (وما منكم
من أحدعنه حاجزين) وأباه سيبويه، فإن قيل كيف دخلت فى غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلنا
دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا
الجوارى المستعرضات، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه
وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ومنهم من قال (يغضوا من أبصارهم) أى ينقصوا من نظر هم فالبصر
إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هى للتبعيض بل هى
من صلة الفض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره .
المسألة الثانية﴾ أعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة
مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن
ينظر إلى جميع بدنه إلاعورته وعورته مابين السرة والركبة ، والسرة والركبة ليستا بعورة، وعند
أبى حنيفة رحمه الله الركبة عورة، وقال مالك الفخذ ليست بعورة، والدليل على أنها عورة ماروى
عن حذيفة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به فى المسجد وهو كاشف عن نفذه فقال عليه السلام
غط نفذك فإنها من العورة)) وقال لعلى رضى الله عنه ((لا تبرز فذك ولا تنظر إلى خذ حى ولا ميت))
فإن كان فى نظره إلى وجهه أوسائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه ، ولا
يجوز للرجل مضاجعة الرجل ، وإن كان كل واحد منهما فى جانب من الفراش ، لما روى أبو سعيد
الخدرى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((لا يفضى الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضى المرأة
إلى المرأة فى ثوب واحد)) وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصالحة لما
روى أنس قال «قال رجل يارسول اللّه الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحنى له؟ قال لا، قال أيلتزمه
ويقبله؟ قال لا، قال أفيأخذ بيده ويصافه؟ قال نعم)) أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل
مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا مابين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز ، ولا
يجوز المضاجعة . والمرأة الذمية هل يجوزلها النظر إلى بدن المسلمة ، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة ،
والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية، فى الدين والله تعالى يقول ( أو نسائهن) وليست الذمية من
نسائنا ، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أوذات رحم محرم ، أومستمتعة،
فان كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة جميع بدنها عورة ، ولا يجوز له أن
ينظر إلى شىء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه فى البيع والشراء، وإلى إخراج
٢٠٤
قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. سورة النور.
الكف للأخذ والعطاء، ونعنى بالكم ظهرها وبطنها إلى الكوعين ، وقيل ظهر الكف عورة .
واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شىء من بدنها ، ويجوزالنظر إلى وجهها و کفها، وفى كل
واحد من القولين استثناء. أما قوله يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه
إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه، وإما أن يكون
فيه فتنة وغرض ( أما القسم الأول ) فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية
لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من
أبصارهم) وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن
يكرر النظر إليها لقوله تعالى ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان مسئولا ) ولقوله عليه
السلام ((ياعلى لا تتبع النظرة النظرة فان لك الأولى وليست لك الآخرة)) وعن جابر قال ((سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمر نى أن أصرف بصرى)) ولأن الغالب أن الاحتراز
عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد ( أما القسم الثانى) وهو أن يكون فيه غرض
ولا فتنة فيه فذاك أمور (أحدها) بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة
رضى الله عنه «أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
انظر إليها فان فى أعين الأنصار شيئاً)) وقال عليه الصلاة والسلام ((إذا خطب أحدكم المرأة فلا
جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة)) وقال المغيرة بن شعبة ((خطبت امرأة
فقال عليه السلام نظرت إليها، فقلت لا، قال فانظر فإنها أحرى أن يدوم بينكما)) فكل ذلك يدل
على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى (لا
تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) ولا يعجبه حسنهن إلا
بعد رؤية وجوههن ( وثانيها) إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها ( وثالثها )
أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملا حتى يعرفها عند الحاجة إليه (ورابعها) ينظر إليها عند
تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به ( أما القسم الثالث) وهو أن ينظر
إليها للشهوة فذاك محظور، قال عليه الصلاة والسلام ((العينان تزنيان)) وعن جابر قال ((سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى)) وقيل: مكتوب فى
التوراة النظرة تزرع فى القلب الشهوة ، ورب شهوة أورثت حزنا طويلا . (أما الكلام الثانى) وهو
أنه لا يجوز للأجنبى النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً (إحداها) يجوز للطبيب
الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة.
(وثانيتها) يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى
٢٠٥
قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. سورة النور.
فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدى المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد
الاصطخرى لا يجوز للرجل أن يقصد النظر فى هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفى
الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة ( وثالثتها ) لو وقعت فى
غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها ، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال بعضهم عورتها مابين
السرة والركبة ، وقال آخرون عورتها ما لا يبين للمهنة فرج منه أن رأسها وساعديها وساقيها ونحرها
وصدرها ليس بعورة ، وفى ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور، ولا يجوز لمسها ولا
لما لمسه محال لالحجامة ولا اكتحال ولا غيره، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس
يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره ، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه
أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة
كعورة الرجل، وقال آخرون بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبى حنيفة رحمه اللّه فأما
سائر التفاصيل فستأتى إن شاء الله تعالى فى تفسير الآية، أما إذا كانت المرأة مستمتعة كالزوجة
والأمة التى يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره
أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه. لأنه يروى أنه يورث الطمس ، وقيل لا يجوز النظر إلى
فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مديرة أو أم ولد أو مرهونة. فان كانت مجوسية أو
مرتدة أو و ثنية أو مشتركة بينه و بين غيره أو متزوجة أو مكاتبة فهی كالأجنبية، روى عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو
أجيره فلا ينظر إلى مادون السرة وفوق الركبة )) وأما عورة الرجل مع المرأة [ففيه] نظر إن كان
أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وقيل جميع بدنه إلا الوجه والكفين کتی معه ،
والأول أصح بخلاف المرأة فى حق الرجل، لأن بدن المرأة فىذانه عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها
مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه ، ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر
إلى وجهه لما روى عن أم سلمة «أنها كانت عند النبى صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ان
أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: احتجبا منه، فقلت يا رسول الله أليس هو
أعمى لا يبصرنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه)) وإن كان محرماً لها
فعورته معها مابين السرة والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذى يحل له وطؤها فلها أن تنظر
إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها ، ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً فى بيت
خال وله مايستر عورته، لأنه روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال («اللّه أحق أن
يستحي منه))، وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((إيا كم والتعرى فان معكم من لايفارقكم
إلا عند الغائط ، وحين يفضى الرجل إلى أهله )) والله أعلم ,
﴿ المسألة الثالثة﴾ سئل الشبلى عن قوله ( يغضوا من أبصارهم) فقال أبصار الرموس عن
عن المحرمات ، وابصار القلوب عما سوي الله تعالى،
٢٠٦
قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن. سورة النور.
وأما قوله تعالى ( ويحفظوا فروجهم) فالمراد به عما لا يحل ، وعن أبى العالية أنه قال : كل
ما فى القرآن من قوله (يحفظوا فروجهم)، ويحفظن فروجهن، من الزنا إلا التى فى النور
( يحفظوا فروجهم ، ويحفظن فروجهن) أن لا ينظر إليها أحد، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من
غير دلالة، والذى يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا
والمس والنظر ، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضاً مرادان بالآية ، إذ هما
أغلظ من النظر ، فلو نص الله تعالى على النظر لكان فى مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوط.
والمس، كما أن قوله تعالى (ولا تقل لهما أف) اقتضى حظر مافوق ذلك من السب والضرب.
أما قوله تعالى ( ذلك أزكى لهم) أى تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر ، لانه من باب ما يزكون
به ويستحقون الثناء والمدح، ويمكن أن يقال إنه تعالى خص فى الخطاب المؤمنين لما أراده
من تزكيتهم بذلك، ولا يليق ذلك بالكافر.
أما قوله تعالى (وقل للمؤمنات بغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) فالقول فيه على
ما تقدم ، فان قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج ، قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد
الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه .
أما قوله تعالى ( ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها ) فمن الأحكام التى تختص بها النساء فى
الأغلب ، وإنما قلنا فى الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدى زينته جلياً ولباساً إلى غير ذلك
للنساء الأجنبيات ، لما فيه من الفتنة وههنا مسائل :
﴿المسألة الأولى) اختلفوا فى المراد بزينتهن، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق
التى خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك، وأنكر
بعضهم وقوع اسم الزينة على الخلقة ، لأنه لايكاد يقال فى الخلقة إنها من زينتها. وإنما يقال ذلك
فيما تكتسبه من كمل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة فى الزينة ، ويدل عليه وجهان
( الأول ) أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة ، فاذا حملناه على الخلقة وفينا
العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً (الثانى) أن قوله ( وليضربن بخمرهن على
جيوبهن) يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن
خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار ، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه
فى أمور ثلاثة (أحدها ) الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة فى حاجبيها والغمرة فى خديها
والحناء فى كفيها وقدميها ( وثانيها) الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والاكليل
والوشاح والقرط ( وثالثها ) الثياب قال الله تعالى ( خذوا زينتكم عند كل مسجد) وأراد الثياب
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى المراد من قوله (إلا ما ظهر منها ) أما الذين حملوا الزينة
على الحلقة ، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الانسان فى العادة الجارية، وذلك فى النساء
الوجه والكفان ، وفى الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأمروا بستر ما لا تؤدى
٢٠٧
قوله تعالى : وليضربن بخمرهن على جيوبهن. سورة النور.
الضرورة إلى كشفه ورخص لهم فى كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت
شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضرورى لا جرم اتفقوا
على أنهما ليسا بعورة، أما القدم فليس ظهوره بضرورى فلا جرم اختلفوا فى أنه هل هو من
العورة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح أنه عورة كظهر القدم، وفى صوتها وجهان أصحهما أنه
ليس بعورة، لأن نساء النبى صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال، وأما الذين حملوا
الزينة على ماعدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لاخلاف أنه يحل النظر إليها حالما
لم تكن متصلة بأعضاء المرأة ، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها يبدن المرأة كان ذلك
مبالغة فى حرمة النظر إلى أعضاء المرأة، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة
والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب ، والسبب فى تجويز النظر إليها أن
تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها فى
الشهادة والمحاكمة والنكاح.
﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفقوا على تخصيص قوله (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) بالحرائر
دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلا بد من الاحتياط فى بيعها وشرائها، وذلك
لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة .
أما قوله تعالى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) فالخمر واحدها خمار، وهى المقانع. قال
المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن ، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان
ينكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن
ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى فى الأذن والنحر وموضع العقدة منها، وفى لفظ
الضرب مبالغة فى الإلقاء، والباء للالصاق، وعن عائشة رضى الله عنها ((مارأيت خيراً من نساء الأنصار،
لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن
على رؤوسهن الغربان)) وقرى" (جيوبهن) بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك ( بيوتاً غير بوتكم).
فأما قوله تعالى ( ولا يبدين زينتهن) فاعلم أنه سبحانه لما تكلم فى مطلق الزينة تكلم بعد ذلك
فى الزينة الخفية التى نها هن عن إبدائها للأجانب ، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن
الكل ، ثم استثنى اثنتى عشرة صورة (أحدها) أزواجهن (وثانيها ) آباؤهن وإن علون من جهة
الذكران والاناث كمآباء الآباء وآباء الأمهات (وثالثها) آباء أزواجهن (ورابعها وخامسها)
أبناؤهن وأبناء بعولتهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبنى البنين
وبنى البنات ( وسادسها) إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما (وسابعها)
بنو إخوانهن ( وثامنها) بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم، وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) أفيحل لذوى المحرم فى المملوكة والكافرة ما لا يحل له فى المؤمنة؟
٢٠٨
قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. سورة النور.
( الجواب) إذا ملك المرأة وهى من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه
الشهوة، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس فى ذلك.
﴿السؤال الثانى) كيف القول فى العم والخال؟ (الجواب) القول الظاهر أنهما كسائر المحارم
فى جواز النظر وهو قول الحسن البصرى، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب
وقال فى سورة الأحزاب ( لا جناح عليهن فى آبائهن ) الآية. ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم
وقد ذكروا ههنا، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة. قال الشعبي: إنما لم يذكر هما الله لئلا يصفهما
العم عند ابنه والخال كذلك، ومعناه أن سائر القرابات تشارك الأب والإبن فى المحرمية إلا
العم والخال وأبناهما ، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها
بالوصف من نظره إليها، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن فى التستر.
﴿ السؤال الثالث) ما السبب فى إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة؟ (الجواب) لأنهم
مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن ، ولما فى الطباع من النفرة
عن مجالسة الغرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب ( وتاسعها) قوله
تعالى (أو نسائهن) وفيه قولان (أحدهما) المراد والنساء اللاتى هن على دينهن، وهذا قول أكثر
السلف. قال ابن عباس رضى الله عنهما: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدى
الكافرة إلا ما تبدى للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى (أو ما ملكت أيمانهن) وكتب
عمر إلى أبى عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات ( وثانيهما ) المراد
بنسائهن جميع النساء، وهذا هو المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى (وعاشرها)
قوله تعالى (أو ما ملكت أيمانهن) وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء، واختلفوا فمنهم من أجرى
الآية على ظاهرها ، وزعم أنه لا بأس عليهن فى أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوى
محارمهن، وهو مروى عن عائشة وأم سلمة رضى اللّه عنهما، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر.
وبما روى أنس ( أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به
رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
مابها، قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك)) وعن مجاهد: كان أمهات المؤمنين
لا يحتجبن عن مكاتبهن مابقى عليه درهم. وعن عائشة رضى الله عنها: أنها قالت لذكوان «إنك إذا
وضعتنى فى القبر وخرجت فأنت حر. وروى أن عائشة رضى الله عنها : كانت تمتشط والعبد ينظر
إليها ، وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضى الله عنهم: إن العبد
لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله، واحتجوا عليه بأمور (أحدها) قولة
عليه الصلاة والسلام (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا
مع ذي محرم)) والعبد ليس بذى محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له النضر بها لم
٢٠٩
قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. سورة النور.
يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبى (وثانيها ) أن ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبل الملك
إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء، فانهم لم يختلفوا فى أنها لا تستبيح بملك العبد منه
شيئاً من التمتع كما يملكه الرجل من الأمة ( وثالثها) أن العبد وإن لم يجز له أن يتزوج بمولاته إلا
أن ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فانه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما لم تكن هذه
الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب. إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من قوله (أوما ملكت
أيمانهن) الإماء فإن قيل الإماء دخلن فى قوله ( نسائهن) فأى فائدة فى الاعادة؟ قلنا الظاهر أنه
عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن من فى صحبتهن من الحرائر والاماء، وبيانه أنه سبحانه ذكر أولا
أحوال الرجال بقوله ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) إلى آخر ما ذكر جاز أن يظن ظان أن
الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوى المحارم أو غير ذات المحارم، ثم عطف على ذلك الاماء
بقوله (أو ما ملكت أيمانهن ) لئلا يظن أن الاباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذكان ظاهر
قوله (أو نسائهن) يقتضى الحرائر دون الاماء كقوله (شهيدين من رجالكم) على الأحرار
لاضافتهم إلينا كذلك قوله (أو نسائهن) على الحرائر، ثم عطف عليهن الاماء فأباح لهن مثل ما أباح
فى الحرائر (وحادى عشرها) قوله تعالى (أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ، ولا حاجة بهم
إلى النساء ، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئاً، أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا
أبصارهم ، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة فى نفس الجماع ويكون له
إربة قوية فيما عداه من التمتع ، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد. فيجب أن يحمل المراد على من
المعلوم منه إنه لا إربة له فى سائر وجوه التمتع، إما لفقد الشهوة ، وإما لفقد المعرفة، وإما للفقر
والمسكنة ، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء. فقال بعضهم هم الفقراء الذين بهم الفاقة ، وقال
بعضهم: المعتوه والأبله والصبى ، وقال بعضهم: الشيخ، وسائر من لاشهوة له، ولا يمتنع دخول
الكل فى ذلك، وروى هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة (( أن التى صلى الله عليه
وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخى أم سلمة فقال ياعبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف
دللتك على بنت غيلان ، فانها تقبل بأربع وتدبر بثمان)) فقال عليه الصلاة والسلام ((لا يدخلن عليكم
هذا)) فأباح النبى عليه الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولى الاربة، فلما
علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة حجبه ، وفى الخصى والمجبوب
ثلاثة أوجه: (أحدها ) استباحة الزينة الباطنة معهما ( والثانى) تحريمها عليهما (والثالثة ) تحريمها
على الخصى دون المجبوب.
﴿ المسألة الثانية) الاربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشى والجلوس والأرب
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ١٤
٢١٠
قوله تعالى : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين. سورة النور.
الحاجة والولوع بالشىء والشهوة له، والإربة الحاجة فى النساء، والإربة العقل ومنه الأريب.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ فى (غير) قراء تان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر غير بالنصب
على الاستثناء أو الحال يعنى أو التابعين عاجزين عنهن والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية (وثانى
عشرها) قوله تعالى ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الطفل اسم للواحد لكنه وضع ههنا موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين
ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى ( ثم نخرجكم طفلا).
المسألة الثانية﴾ الظهور على الشىء على وجهين: ( الأول) العلم به كقوله تعالى (إنهم
إن يظهروا عليكم يرجموكم) أى إن يشعروا بكم ( والثانى) الغلبة له والصولة عليه كقوله (فأصبحوا
ظاهرين) فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا
ما هى من الصغر وهو قول ابن قتيبة ، وعلى الثانى الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء ، وهو
قول الفراء والزجاج.
﴿ المسألة الثالثة﴾ أن الصغير الذى لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا عورة للنساء معه،
وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة مابين سرتها وركبتها ، وفى لزوم ستر ما سواه
وجهان: (أحدهما) لا يلزم لأن القلم غير جار عليه (والثانى) يلزم كالرجل لأنه يشتهى والمرأة
قد تشتهيه وهو معنى قوله ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) واسم الطفل شامل له
إلى أن يحتلم، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم يبق له شهوة ففيه وجهان :
(أحدهما) أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة (والثانى) أن جميع
البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة ، وههنا آخر الصور التى استئناها الله تعالى؛ قال الحسن هؤلاء
وإن اشتركوا فى جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة ، فأولهم الزوج وله حرمة ليست
لغيره يحل له كل شىء منها ، والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد وأبى الزوج وكل ذى محرم
والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك، والحرمة
الثالثة هى للتابعين غير أولى الإربة من الرجال وكذا ملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة
بين يدى هؤلاء فى درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً
والستر فى هذا كله أفضل، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدى الغريب حتى تلبس الجلباب ، فهذا
ضبط هؤلاء المراتب.
أما قوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) فقال ابن عباس وقتادة
كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها، ومعلوم أن الرجل الذى يغلب
عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة فى مشاهدتهن ، وقد علل تعالى
ذلك بأن قال ( ليعلم ما يخفين من زيتهن ) فنبه به على أن الذى لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من
٢١١
قوله تعالى : وانكحوا الأيامى منكم. سورة النور.
ج
وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَ بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِمُ اللهُمِن فَضْلِهِ، وَاللهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾
الحلى وغيره وفى الآية فوائد: (الفائدة الأولى) لما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود
الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينه أولى ( الثانية ) أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام
بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها ، ولذلك كرهوا
أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك ( الثالثة) تدل الآية على حظر
النظر إلى وجهها بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة .
أما قوله سبحانه وتعالى (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى.﴾ فى التوبة و جهان: (أحدهما ) أن تکالیف الله تعالی فی کل باب لا يقدر
العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا ينفك من تقصير يقع منه ، فلذلك وصى
المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار وتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا ( والثانى) قال ابن عباس
رضى الله عنهما توبوامما كنتم تفعلونه فى الجاهلية لعلكم تسعدون فى الدنيا والآخرة ،فإن قيل
قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة؟ قلنا قال بعض العلماء إن
من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يحدد عنه التوبة ، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى
أن يلقى ربه .
﴿ المسألة الثانية) قرى. (أيه المؤمنون) بضم الهاء، ووجه أنها كانت مفتوحة لو هوعها قبل
الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حر كتها حركة ما قبلها والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) تفسير لعل قد تقدم فى سورة البقرة فى قوله ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم
والذين من قبلكم لعلكم تتقون) والله أعلم.
﴿ الحكم الثامن - ما يتعلق بالنكاح) قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين
من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾.
أعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن الذى أمر به
إنما هو فيما لا يحل، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال (وأنكحوا الأيامى منكم) وههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، وقال
النضربن شميل الآيم فی کلام العرب کلذ کر لا أنثى معه وكل أثی لاذ کر معها ،وهو قول ابن عباس
رضى الله عنهما فى رواية الضحاك، تقول: زوجوا أياماكم بعضكم من بعض، وقال الشاعر:
فإن تتكحى انكح وإن تتأيمى وإن كنت أفتى منكموا أتأيم
٢١٢
قوله تعالى : وانكحوا الأيامى منكم. سورة النور.
المسألة الثانية) قوله تعالى (وأنكحوا الأيامى) أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه
مراراً، فيدل على أن الولى يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا
بولى ، إما لأن كل من أوجب ذلك على الولى حكم بأنه لا يصح من المولية، وإمالأن المولية لوفعلت
ذلك لفونت على الولى التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز، وإما لتطابق هذه الآية مع
الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه
تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) قال أبو بكر الرازى هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب
إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الإيجاب ، ويدل عليه أمور (أحدها ) أنه لو كان ذلك واجباً
لورد النقل بفعله من النبى صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه، فلما
وجدنا عصر النبى صلى الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان فى الناس أيامى من الرجال
والنساء، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب (وثانيها) أجمعنا على أن الأيم الثيب
لو أبت التزوج لم يكن للولى إجبارها عليه (وثالثها) اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده
وأمته وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب فى الجميع بل ندب فى الجميع (ورابعها)
أن اسم الايامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو فى الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك
فى النساء ( والجواب) أن جميع ماذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى
حجة ، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولى التزويج وجب ، وحينئذ
ينتظم وجه الكلام .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعى رحمه الله، الآية تقتضى جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها،
لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولى بتزويجها ، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج الثيب
الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها، لعموم الآية. قال أبو بكر الرازى
قوله تعالى ( وأنكحوا الأيامى) لا يختص بالنساء دون الرجال على ما بينا فلما كان الاسم شاملا
للرجال والنساء وقد أضمر فى الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير فى النساء، وأيضاً
فقد أمره النبى صلى الله عليه وسلم باستثمار البكر بقوله ((البكر تستأمر فى نفسها وإذنها صماتها)) وذلك
أمر وإن كان فى صورة الخبر ، فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا باذنها ( والجواب) أما الأول فهو
تخصيص للنص وهو لا يقدح فى كونه حجة والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب
على الولى تعهد أمره بخلاف المرأة ، فان احتياجها إلى من يصلح أمرها فى التزويج أظهر، وأيضاً
فلفظ الأيامى وإن تناول الرجال والنساء، فاذا أطلق لم يتناول إلا النساء، وإنما يتناول الرجال
إذا قيد ( وأما الثانى) ففى تخصيص الآية بخبر الواحد كلام مشهور.
المسألة الرابعة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله العم والأخ يليان تزويج البنت الصغيرة، ووجه
الاستدلال بالآ ية كما تقدم.
٢١٣
قوله تعالى : وانكحوا الأيامى منكم. سورة النور.
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الشافعى رحمه الله، الناس فى النكاح قسمان منهم من تتوق نفسه فى
النكاح فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبة النكاح سواء كان مقبلا على العبادة أولم يكن كذلك،
ولكن لا يجب أن ينكح، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته لما روى عبد الله بن مسعود
رضى الله عنهما قال قال رسول اللّه مَ ليل ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء، أما الذى
لا تتوق نفسه إلى النكاح فان كان ذلك لعلة به من كبر أو مرض أو عجز يكره له أن ينكح، لأنه
يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة وإن لم يكن به عجز وكان
قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى، وقال أبو حنيفة
رحمه الله: النكاح أفضل من التخلى للعبادة، وحجة الشافعى رحمه الله وجوه ( أحدها) قوله تعالى
( وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين ) مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً والحصور الذى
لا يأتى النساء مع القدرة عليهن، ولا يقال هو الذى لا يأتى النساء مع العجز عنهن.، لأن مدح
الإنسان بما يكون عيباً غير جائز، وإذا ثبت أنه مدح فى حق يحيى وجب أن يكون مشروعا
فى حقنا لقوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ولا يجوز حمل الهدى على الأصول
لأن التقليد فيها غير جائز فوجب حمله على الفروع (وثانيها) قوله عليه الصلاة والسلام ((استقيموا
ولن تحصوا واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة)) ويتمسك أيضاً بما روى عنه عليه الصلاة والسلام
أنه قال « أفضل أعمال أمتى قراءة القرآن)) (وثالثها) أن النكاح مباح لقوله عليه الصلاة والسلام
:(( أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح)) ويحمل الأحب على الأصلح فى الدنيا لئلا يقع التناقض
بين كونه أحب وبين كونه مباحا ، والمباح ما استوى طرفاه فى الثواب والعقاب، والمندوب
ما ترجح وجوده على عدمه فتكون العبادة أفضل ( ورابعها ) أن النكاح ليس بعبادة بدليل أنه
يصح من الكافر والعبادة لا تصح منه ، فوجب أن تكون العبادة أفضل منه لقوله تعالى ( وما
خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والاشتغال بالمقصود أولى (وخامسها) أن الله تعالى سوى
بين التسرى والنكاح ثم القسرى مرجوح بالنسبة إلى العبادة ومساوى المرجوح من جوح، فالنكاح
مرجوح، وإنما قلنا إنه سوى بين التسرى والنكاح لقوله تعالى (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة
أو ماملكت أيمانكم) وذكر كلمة أو للتخيير بين الشيئين ، والتخيير بين الشيئين أمارة التساوى،
كقول الطبيب للمريض كل الرمان أو التفاح، وإذا ثبت الاستواء فالتسرى مرجوح، ومساوى
المرجوح مرجوح، فالنكاح يجب أن يكون مرجوحاً (وسادسها) أن النافلة أشق فتكون أكثر ثواباً
بيان أنها أشق أن ميل الطباع إلى النكاح أكثر، ولولاتر غيب الشرع لما رغب أحد فى النوافل، وإذا
ثبت أنها أشق وجب أن تكون أكثر ثواباً لقوله عليه الصلاة والسلام ((أفضل العبادات أحمزها)
وقوله تع لعائشة ((أجرك على قدر نصبك)) (وسابعها) لوكان النكاح مساوياً للنوافل فى الثواب مع
٢١٤
قوله تعالى : وانكحوا الأيامى منكم. سورة النور.
أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة. لأنه إذا حصل طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا
فى الإفضاء إلى المقصود سيين وكان أحدهما شاقاً والآخرسهلا، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك
المقصود بالطريق الشاق مع المكنة من الطريق السهل، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل
(ر ثامنها) لوكان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة والزراعة أولى من النافلة
بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما سباً لبقاء هذا العالم ومحصلا لنظامه (وتاسعها)
أجمعنا على أنه يقدم واجب العبادة على واجب النكاح، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب
( وعاشرها) أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا، والنافلة قطع العلائق
الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر؟ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (( حبب
إلى من دنيا كم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة)) فرجح الصلاة على النكاح،
حجة أبى حنيفة رحمه الله من وجوه (الأول ) أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون
ذلك دفعاً للضرر عن النفس، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع (الثانى) أن
النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام ((لعدل ساعة خير
من عبادة ستين سنة)) (الثالث) النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه الصلاة والسلام ((من رغب
عن سفنى فليس منى)) وقال فى الصلاة وإنها خير موضوع ((فمن شاء فليستكثرومن شاء فليستقلل))
فوجب أن يكون النكاح أفضل .
المسألة السادسة ) قوله تعالى (وأنكحوا الأيامى ) وإن كانت تتناول جميع الأيامى
بحسب الظاهر لكنهم أجمعوا على أنه لابد فيها من شروط، وقد تقدم شرحها فى قوله (وأحل
لكم ما وراء ذلكم).
أما قوله تعالى (منكم) فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم الأحرار لينفصل الحر من
العبد ، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ولاية المأمور من الولد أو القريب، ومنهم
من قال الإضافة تفيد الحرية والإسلام .
أما قوله تعالى ( والصالحين من عبادكم وإمائكم) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ظاهر أنه أيضاً أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين، وأنه
لافرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى فى باب الوجوب، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة
أو ترغيب ، فأما أن يكون واجباً فلا، وفرقوا بينه وبين تزويح الأيامى بأن فى تزويج العبد التزام
مؤنة وتعطيل خدمة ، وذلك ليس بواجب على السيد وفى تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط
نفقة ، وليس ذلك بلازم على المولى .
﴿ المسألة الثانية ﴾ إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه (الأول ) ليحصن دينهم ويحفظ
عليهم صلاحهم (الثانى) لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم [و] ينزلونهم منزلة
٢١٥
قوله تعالى : ان يكونوا فقراء يغنيهم الله. سورة النور.
الأولاد فى المودة، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم، وأما
المفسدون منهم خالهم عند مواليهم على عكس ذلك (الثالث) أن يكون المراد الصلاح لأمر
النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم الزوج (الرابع) أن يكون المراد
الصلاح فى نفس النكاح بأن لا تكون صغيرة فلا تحتاج إلى النكاح .
المسألة الثالثة) ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه، وإنما يجوز أن يتولى
المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، في كون
توليه باذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة فى أن المولى يتولى تزويجهن
خصوصاً على قول من لا يجوز النكاح إلى بولى.
أما قوله تعالى ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ الأصح أن هذا ليس وعداً من اللّه تعالى بإغناء من يتزوج. بل المعنى
لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم أو فقر من تريدون تزويجها فى فضل الله ما يغنيهم، والمال
غاد ورائح، وليس فى الفقر ما يمنع من الرغبة فى النكاح، فهذا معنى صحيح وليس فيه أن الكلام
قصد به وعد الغنى حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف ، وروى عن قدماء الصحابة ما يدل على أنهم
رأوا ذلك وعداً، عن أبى بكر قال: أطيعوا الله فيما أمر كم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من
الغنى، وعن عمر وابن عباس مثله قال ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح، وشكى رجل إلى رسول الله
مَلتم الحاجة فقال (عليك بالباءة) وقال طلحة بن مطرف: تزوجوا فانه أوسع لكم فى رزقكم وأوسع
لكم فى أخلاقكم ويزيد فى مروءتكم ، فان قيل: فنحن نرى من كان غنياً فيتزوج فيصير فقيراً ؟
قلنا الجواب عنه من وجوه (أحدها) أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما فى قوله تعالى ( وإن
خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم) والمطلق محمول على المقيد،
( وثانيها) أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه يكون خاصاً فى بعض المذكورين دون البعض وهو فى
الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون ( وثالثها) أن يكون المراد الغنى بالعفاف
فيكون المعنى وقوع الغنى بملك البضع والاستغناء به عن الوقوع فى الزنا .
المسألة الثانية) من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك
راجع إلى كل من تقدم فتقتضى الآية بيان أن العبد قد يكون فقيراً وقد يكون غنياً، فإن دل ذلك
على الملك ثبت أنهما يملكان، ولكن المفسرون تأولوه على الأحرار خاصة. فكأنهم قالوا هو
راجع إلى الأيامى ، أما إذا فسرنا الغنى بالعفاف فالاستدلال به على ذلك ساقط .
أما قوله (والله واسع عليم ) فالمعنى أنه سبحانه فى الإفضال لا ينتهى إلى حد تنقطع قدرته على
الإفضال دونه، لأنه قادر على المقدورات التى لا نهاية لها، وهو مع ذلك عليم بمقادير ما يصلحهم
من الإفضال والرزق .
٢١٦
قوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا. سورة النور.
وَيَسْتَغْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا خَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،
وَالِّنَ يَتَغُونَ الْكِتَبَ بَِّّ مَلَكَتْ آَ أَدُكُمْ فَكَائِبُهُمْ إِنْ عَلْتُمْ فِهِمْ
خَبْرَّاً وَءَ اتُوهُم مِّنِ مَّالِ اللهِالَّذِيِّ ◌َا تَتِكٌ
قوله تعالى : ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنهم الله من فضله
إعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحراثر والإماء. ذكر جال من يعجز عن ذلك ، فقال:
(وليستعفف) أى وليجتهد فى العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه.
وأما قوله (لا يجدون نكاحاً) فالمعنى لا يتمكنون من الوصول إليه ، يقال لا يجد المرء الشىء
إذا لم يتمكن منه، قال الله تعالى (فمن لم يجد فصيام شهرين ) والمراد به بالإجماع من لم يتمكن ،
ويقال فى أحدنا هو غير واجد للماء وإن كان موجوداً، إذا لم يمكنه أن يشتريه، ويجوز أن يراد
بالنكاح ما ينكح به من المال ، فبين سبحانه وتعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف،
ولينتظر أن يغنيه الله من فضله، ثم يصل إلى بغيته من النكاح، فان قيل أفليس ملك اليمين يقوم
مقام نفس النكاح؟ قلنا لكن من لم يجد المهر والنفقة، فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى والله أعلم.
﴿ الحكم التاسع﴾ فى الكتابة: قوله تعالى ﴿ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت
أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً، وآتوهم من مال الله الذى آتاكم)
إعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإمام مع الرق ، رغبهم فى أن
يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحراراً فيتصرفوا فى أنفسهم كالأحرار ، فقال {والذين يبتغون
الكتاب ) وههنا مسائل :
المسألة الأولى ) قوله (والذين يبتغون) مرفوع على الابتداء، أو منصوب بفعل مضمر
يفسره فكاتبوهم ، كقولك زيداً فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط .
المسألة الثانية ﴾ الكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة ، وفى اشتقاق لفظ الكتابة وجوه
(أحدها) أن أصل الكلمة من الكتب وهو الضم والجمع ومنه الكتيبة سميت بذلك لأنها تضم
النجوم بعضها إلى بعض وتضم ماله إلى ماله (وثانيها) يحتمل أن يكون اللفظ مأخوذاً من الكتاب
ومعناه كتبت لك على نفسى أن تعتق منى إذا وفيت بالمال، وكتبت لى على نفسك أن تفى لى
بذلك، أو كتبت لى كتاباً عليك بالوفاء بالمال وكتبت على العتق، وهذا ما ذكره الأزهرى
( وثالثها) إنما سمى بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا يجوز أن يقع على
مال هو فى يد العبد حين يكاتب ، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه فى حال ما كانت يد السيد غير
٢١٧
قوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب. سورة النور.
مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالا ولكنه يقع مؤجلا ليكون
متمكناً من الإكتساب وغيره حين ما انقبضت يد السيد عنه، ثم من آداب الشريعة أن يكتب
على من عليه المال المؤجل كتاب، فسمى لهذا المعنى هذا العقد كتاباً لما يقع فيه من الأجل، قال
تعالى ( لكل أجل كتاب).
المسألة الثالثة﴾ قال محى السنة: الكتابة أن يقول لمملوكه كاتبتك على كذا ويسمى مالا
معلوماً يؤديه فى نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم وما يؤدى فى كل نجم ، ويقول إذا أديت
ذلك المال فأنت حر ، أو ينوى ذلك بقلبه ويقول العبد قبلت، وفى هذا الضبط أبحاث.
﴿ البحث الأول) قال الشافعى رحمه الله: إن لم يقل بلسانه أو لم ينو بقلبه إذا أديت ذلك المال
فأنت حر لم يعتق، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا حاجة إلى
ذلك، حجة أبى حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى (فكاتبوهم) خال عن هذا الشرط فوجب أن
تصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا ضحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للاجماع. حجة
الشافعى رحمه الله: أن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، لأن ما فى يد العبد فهو ملك السيد
والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بملكه ، بل قوله كاتبتك كتابة فى العتق فلابد من لفظ العتق أو نيته .
﴿ البحث الثانى ) لا تجوز الكتابة الحالة عند الشافعى، وتجوز عند أبى حنيفة، وجه قول
الشافعى رحمه الله أن العبد لا يتصور له ملك يؤديه فى الحال، وإذا عقد حالا توجهت المطالبة
عليه فى الحال ، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل مقصود العقد، كما لو أسلم فى شىء لا يوجد عند المحل
لا يصح بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز، لأنه حين العقد يتصور أن يكون له (لمك فى
الباطن ، فالعجز لا يتحقق عن أدائه، وجه قول أبى حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى ( فكاتبوهم)
مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة ، وأيضاً لما كان مال الكتابة بدلا عن الرقبة كان بمنزلة
أثمان السلع المبيعة فيجوز عاجلا وآجلا ، وأيضاً أجمعوا على جواز العتق معلقاً على مال حال
فوجب أن تكون الكتابة مثله، لأنه بدل عن العتق فى الحالين إلا أن فى أحدهما العتق معلق على
شرط الأداء وفى الآخر معجل ، فوجب أن لا يختلف حكمهما .
﴿ البحث الثالث﴾ قال الشافعى رحمه الله: لا تجوز الكتابة على أقل من تجمين ، يروى ذلك
عن على وعثمان وابن عمر، روى أن عثمان رضى الله عنه غضب على عبده، فقال: لأضيقن الأمر
عليك، ولا كاتبنك على نجمين، ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضيق فيه
أشد، وإنما شرطنا التنجيم لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق التنجيم ليتيسر عليهم الأداء. وقال
أبو حنيفة رحمه الله: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله (فكاتبوهم) ليس فيه تقييد.
المسألة الرابعة ﴾ تجوز كتابة المملوك عبداً كان أو أمة، ويشترط عند الشافعى رحمه الله
أن يكون عاقلا بالغا، فإذا كان صبياً أو مجنوناً لا تصح كتابته، لأن الله تعالى قال ( والذين
٢١٨
قوله تعالى : إن علمتم فيهم خيراً. سورة النور.
يبتغون الكتاب) ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون. وعند أبى حنيفة رحمه الله: تجوز
كتابة الصبى ويقبل عنه المولى .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ يشترط أن يكون المولى مكلفاً مطلقاً، فإن كان صبياً أو مجنوناً أو محجوراً
عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه، ولأن قوله ( فكاتبوهم) خطاب فلا يتناول غير
العاقل، وعند أبى حنيفة رحمه الله تصح كتابة الصبى بإذن الولى.
﴿ المسألة السادسة ﴾ اختلف العلماء فى أن قوله (فكاتبوهم) أمر إيجاب أو أمر استحباب؟
فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر
إذا علم فيه خیراً ، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب
داود بن على ومحمد بن جرير، واحتجوا عليه بالآية والأثر. أما الآية فظاهر قوله تعالى (فكاتبوهم)
لأنه أمر وهو للإنجاب، ويدل عليه أيضاً سبب نزول الآية، فإنها نزلت فى غلام لحويطب
ابن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار
ووهب له منها عشرين ديناراً، وأما الأثر فما روى أن عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد
ابن سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة وضربه وقال (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) وحلف عليه
ليكاتبنه، ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة
نجرى ذلك مجرى الإجماع، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس
والحسن والشعبى وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعى والثورى واحتجوا عليه بقوله عليه
الصلاة والسلام (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه)) وأنه لا فرق أن يطلب
الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه فى الكفارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة
المعاوضات أجمع وههنا سؤالان:
﴿ السؤال الأول ) كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز
کما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤدیه أو يؤدى عنه صار سبباً لعتقه .
﴿السؤال الثانى) هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه؟ لولا الكتابة؟ قلنا نعم لأنه لو
دفع إليه الزكاة ، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها وإذا صار مكاتباً حل له وإذا دفع إلى مولاه حل
له، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق، ويستفيد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد
فى الكسب، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا
كاتبه ففيه ثواب، ويستفيد أيضاً الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولا. وإذا عتق
بالكتابة فالولاء له ، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد.
أما قوله تعالى ( إن علمتم فيهم خيراً ) فذ كروا فى الخير وجوها: (أحدها ) ماروى عن النبى
صلى الله عليه وسلم ((إن علتم لهم حرفة، فلا تدعوهم كلا على الناس)) (وثانيها) قال عطاء الخير
٢١٩
قوله تعالى : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم: سورة النور.
المال وتلا ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ) أى ترك مالا ، قال وبلغنى ذلك عن
ابن عباس ( وثالثها ) عن ابن سيرين قال إذا صلى وقال النخعى وفاء وصدقاً وقال الحسن صلاحا
فى الدين (ورابعها) قال الشافعى رحمه اللّه المراد بالخير الأمانة والقوة على الكسب، لأن مقصود
الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ينبغى أن يكون كوباً يحصل المال ويكون أميناً يصرفه فى
نجومه ولا يضيعه فاذا فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه، والأقرب أنه لا يجوز حمله
على المال لوجهين: (الأول ) أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به
الصلاح فى الدين ولو أراد المال لقال إن علتم لهم خيراً، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال
فيه مال (الثانى) أن العبد لامال له بل المال لسيده، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام ،
وهو الذى ذكره الشافعى رحمه الله وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل
ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ودخل فيه تفسير النبى صلى الله عليه وسلم الخير لأنه عليه الصلاة
والسلام فسره بالكسب وهو داخل فى تفسير الشافعى رحمه الله .
أما قوله ( وآتوهم من مال الله الذى آتاكم) ففيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى المخاطب بقوله ( وآتوهم) على وجوه: (أحدها) أنه هو
المولى يحط عنه جزءاً من مال الكتابه أو يدفع اليه جزءاً مما أخذ منه ، وهؤلاء اختلفوا فى قدره
فمنهم من جعل الخيار له وقال يجب أن يحط قدراً يقع به الاستغناء، وذلك يختلف بكثرة المال
وقلته ومنهم من قال يحط ربع المال ، روى عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً
له فترك له ربع مكاتبته، وقال إن علياً كان يأمرنا بذلك ويقول هو قول الله تعالى (وآتوهم من
مال الله الذى آتا كم) فإن لم يفعل فالسبع، لما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كاتب عبداً له
بخمس وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف، ويروى أن عمر كاتب عبداً له نجاء بنجمه فقال له
اذهب فاستعن به على أداء مال الكتابة ، فقال المكاتب لوتركته إلى آخر نجم؟ فقال إنى أخاف أن
لا أدرك ذلك ثم قرأ هذه الآية، وكان ابن عمر يؤخره إلى آخر النجوم مخافة أن يعجز ( وثانيها )
المراد وآتوهم سهمهم الذى جعله الله لهم من الصدقات فى قوله (وفى الرقاب) وعلى هذا فالخطاب
لغير السادة وهو قول الحسن والنخعى، ورواية عطاء عن ابن عباس، وأجمعوا على أنه لا يجوز
للسيد أن يدفع صدقته المفروضة إلى مكاتب نفسه (وثالثها) أن هذا أمر من الله تعالى للسادة
والناس أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم، وهذا قول الكلبى وعكرمة والمقاتلين والنخعى
وقال عليه الصلاة والسلام (( من أعان مكاتباً على فك رقبته أظله الله تعالیفی ظل عرشه )) ، وروى
أن رجلا قال النبى صلى الله عليه وسلم علمنى عملاً يدخلنى الجنة قال «لئن كنت أقصرت الخطبة
لقد أعظمت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، فقال أليسا واحداً ؟ فقال لا، عتق النسمة أن تنفرد
بعتقها، وفك الرقبة أن تعين فى ثمنها، قالوا ويؤكد هذا القول وجوه: (أحدها) أنه أمر بإعطائه
٢٢٠
قوله تعالى . وآتوهم من مال الله الذي آتاكم. سورة النور.
من مال الله تعالى وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه فى وجوه القرب
(وثانيها) أن قوله (من مال الله الذى آتاكم) هو الذى قد صح ملكه للمالك وأمن بإخراج
بعضه، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح
( وثالثها ) أن ما آتاه الله فهو الذى يحصل فى يده ويمكنه التصرف فيه، وما سقط عقيب العقد لم
يحصل له عليه يد ملك، فلا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذى آتاه ، فان قيل ههنا وجهان يقدحان
فى صحة هذا التأويل (أحدهما) أنه كيف يحل لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ من مال الصدقة
(والثانى) أن قوله (وآتوهم ) معطوف على قوله (فكاتبوهم) فيجب أن يكون المخاطب فى الموضعين
واحداً ، وعلى هذا التأويل يكون المخاطب فى الآية الأولى السادات ، وفى الثانية سائر المسلمين
قلنا: أما الأول بجوابه أن تلك الصدقة تحل لمولاه وكذلك إذا لم تقف الصدقة بجميع النجوم
وعجز عن أداء الباقى كان للمولى ما أخذه لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة ، ولكن بسبب عقد الكتابة
كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها منه. يدل عليه قوله عليه الصلاة السلام فى حديث بريرة
((هو لها صدقة ولنا هدية)) (والجواب) عن الثانى أنه قد يصح الخطاب لقوم ثم يعطف عليه بمثل
لفظه خطاباً لغيرهم، كقوله تعالى (وإذا طلقتم النساء) فالخطاب للأزواج ثم خاطب الأولياء بقوله
( فلا تعضلوهن) وقوله ( مبرءون ما يقولون) والقائلون غير المبرتين فكذا ههذا قال للسادة
(فكاتبوهم) وقال لغيرهم ( وآتوهم ) أو قال لهم ولغيرهم.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الشافعى رحمه اللّه يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءاً
من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً ما أخذ منه ، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه إنه مندوب اليه لكنه
غير واجب، حجة الشافعى رحمه اللّه ظاهر قوله (وآتوهم من مال الله الذى آتاكم) والأمر للوجوب
فقيل عليه إن قوله (فكاتبوهم) وقوله (وآتوهم) أمران وردا فى صورة واحدة فلم جعلت الأولى ندبا
والثانى إيجاباً؟ وأيضاً فقد ثبت أن قوله (وآتوهم) ليس خطاباً مع الموالى بل مع عامة المسلمين. حجة أبى
حنيفة رحمه الله من حيث السنة والقياس، أما السنة فما روى عمروبن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه
الصلاة والسلام قال (أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد)» فلو كان الحط واجبا
لسقط عنه بقدره، وعن عروة عن عائشة رضى الله عنها قالت ((جاء تنى بريرة فقالت ياعائشة إنى قد كاتبت
أهلى على تسع أواق فى كل عام أوقية فأعينى ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً فقالت عائشة رضى الله
عنها ارجعى إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لى فعلت ، فأبوا فذكرت
ذلك للنبي ملتزم فقال لا يمنعك ذلك منها ابتاعى وأعتقى، فانما الولاء لمن أعتق)، وجه الاستدلال أنها
ما قضت من كتابتها شيئاً وأرادت عائشة أن تؤدى عنها كتابتها بالكلية وذكرته لرسول الله مؤلفه
وترك رسول اللّه النكر عليها، ولم يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا. وأما
القياس فمن وجهين (الأول ) لوكان الإيتاء واجباً لكان وجوبه متعلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً