Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى : ثم انشأنا من بعدهم قرناً آخرين. سورة المؤمنون.
إعلم أنه سبحانه يقص القصص فى القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل
الإجمال كهنا، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.
فأما قوله ( ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ) فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأه
وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم فى عمارة الدنيا .
أما قوله (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) فيحتمل فى هذا الأجل أن يكون المراد
آجال حياتها وتكليفها، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان الأظهر فى الأجل إذا أطلق أن
يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة فى الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر،
منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم، ونظيره قوله تعالى (إن
أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) وههنا مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال أصحابنا: هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل
أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص .
﴿ المسألة الثانية ) قال الكعبى: المراد من قوله ( ما تسبق من أمة) أى لا يتقدمون الوقت
المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه ، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون
الإعناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع فى بقائهم لغيرهم ، ولا ضرر على أحد فى هلاكهم،
وهو كقول نوح عليه السلام (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً).
أما قوله تعالى ( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم
الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تترى منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة
لأنها فعلى من المواترة وهى المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فانه
مأخوذ من الوتر وهو الفرد . قال الواحدى تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال
لأن المعنى متواترة.
أما قوله تعالى ( كلما جاء أمة رسولها كذبوه ) يعنى أنهم سلكوا فى تكذيب أنياتهم مسلك
من تقدم ذكره من أهلكه اللّه بالغرق والصيحة فلذلك قال (فأتبعنا بعضهم بعضاً) أى بالهلاك
[وقوله] (وجعلناهم أحاديث) يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله
تفتح والمعنى أنه سبحانه بلغ فى إهلاكهم مبلغاً صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم
يبق منهم إلا الحديث الذی یذ کر ويعتبر به .
ويمكن أيضاً أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأجوبة ، وهى ما يتحدث به الناس
تلهياً وتعجباً .
ثم قال (فبعداً لقوم لا يؤمنون ) على وجه الدعاء والذم والتوبيخ ، ودل بذلك على أنهم كما
أهلکوا عاجلا فهلا کهم بالتعذيب آجلا على التأبید مترقب وذلك وعيد شديد .

١٠٢
قوله تعالى : ثم ارسلنا موسى وأخاه هرون. سورة المؤمنون.
ثُمَّأَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَذُرُونَ بَِايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلٍَ ◌ِهِ
فَقَالُواْ أَنُؤْمِنْ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا
فَأَسْتَكْبَرُواْ وَ كَأُنُواْ قَوْمًا عَلِينَ
◌َبِدُونَ (٤) فَكَذَّبُهُمَا فَكَانُوْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ (﴾ وَلَقَدْءَاتَّنَا مُوسَى الْكِتَبَ
١٠٠٠٠١٠٠٠
لَعَلَهُمْ يَهْتَدُونَ
٤٩
القصة الرابعة - قصة موسى عليه السلام
-.
قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملائه
فاستكبروا وكانوا قوماً عائين، فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون، فكذبوهما
فكانوا من المهلكين ، ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون ﴾.
اختلفوا فى ( الآيات ) فقال ابن عباس رضى الله عنهما هى الآيات التسع وهى المصا واليد
والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحروالسنون والنقص من الثمرات، وقال الحسن قوله
(بآياتنا) أى بديننا واحتج بأن المراد بالآيات لو كانت من المعجزات والسلطان المبين أيضاً هو
المعجز فيفئذ يلزم عطف الشىء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر فى
الرسل فالمراد منها المعجزات ، وأما الذى احتجوا به (فالجواب) عنه من وجوه (أحدها) أن
المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزانه وهو العصا لأنه قد تعلقت بها معجزات
شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانغلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها
بها وكونها حارساً وشمعة وشجرة مثمرة ودلواً ورشاء، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت
بالذكر كقوله جبريل وميكال (وثانيها) يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات
وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق ، وذلك لأنها وإن شاركت سائر آيات الأنبياء فى كونها
آيات فقد فارقتها فى قوة دلالتها على قوة موسى عليه السلام (وثالثها) أن يكون المراد بالسلطان
المبين استيلاء موسى عليه السلام عليهم فى الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه
ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً .
واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون عليه السلام
أيضاً، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات ، ثم إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه
صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران (أحدهما) الاستكبار والأنفة ( والثانى) أنهم كانوا
قوماً عالين أى رفيعى الحال فى أمور الدنيا، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهى

١٠٣
قوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه. سورة المؤمنون
وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَ وَأَمَّهُ وَءَايَةُ وَءَاوَ يُنَهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
٥٠
قولهم (أنؤمن لبشربن مثلنا وقومهما لنا عابدون) قال صاحب الكشاف لم يقل مثلينا كما قال
(إنكم إذاً مثلهم) ولم يقل أمثالهم وقال (كنتم خير أمة ) ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن الإيجاز
أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين (أحدهما ) كونهما من البشر وقد تقدم
الجواب عنه ( والثانى ) أن قوم موسى وهرون كانوا كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب
تسمى كل من دان لملك عابداً له ويحتمل أن يقال إنه كان يدعى الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن
طاعتهم له عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة بيالهم صرحوا بالتكذيب
وهو المراد من قوله (فكذبوهما )
ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء التعقيب فقال
وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فان حصول الغرق لم يكن حاصلا عقيب التكذيب، إنما
الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك فى الوقت اللائق به.
أما قوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون ) فقال القاضى معناه أنه سبحانه خص
موسى عليه السلام بالكتاب الذى هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكى يهتدوا به فلما أصروا
على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا ، واعترض صاحب الكشاف عليه فقال لا يجوز
أن يرجع الضمير فى لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوقيها به إسرائيل بعد إغراق
فرعون وملائه بدليل قوله تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)
بل المعنى الصحيح: ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى
والمراد آل موسى كما يقال هاشم وثقيف والمراد قومهما.
﴿ القصة الخامسة - قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام
قوله تعالى: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين
اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر وأنطقه فى
المهد فى الصغر وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وأما مريم فقد جعلها الله
تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر. وقال الحسن تكلمت مريم فى صغرها كما تكلم عيسى عليه
السلام وهو قولها ( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ولم تلقم ثدياً قط ، قال
القاضى إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية ، قلنا القاضى إنما قال ذلك
لأن عنده الإرهاص غير جائزو كرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ماقال،
والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً فى
هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذى يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان (أحدهما) أنه تعالى

١٠٤
قوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات. سورة المؤمنون
يَأَيُّهَا الَّسُلُ كُواْ مِنَ الطََّتِ وَأَعْمَلُواْ صَالِحًا إِنِّىِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (﴾ وَإِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَتَّقُونِ يّ فَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُكُلّ
◌ِبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿ فَدَرْهُمْ فِ تَمْرَتِهِمْ خَّى حِينٍ ( أَحْسَبُونَ أَنَّمَا
تُدْهُمْ بِ، مِن مٍَّ وَبَنِينَ (#) نُسَارِعُلَهُمْ فِى الْخَيْرَتِ بَل لَّا يَسْعُرُونَ
٥٦
قال (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) لأن نفس الإعجاز ظهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل
على الآيات التى ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك
أن نطقا فى المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه ( الثانى) أنه تعالى قال آية ولم
يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذى لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة
لا المعجزات التى كان عيسى عليه السلام مستقلا بها.
أما قوله تعالى ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار) أى جعلنا مأواهما الربوة والربوة والرباوة
فى راءيهما الحركات الثلاث وهى الأرض المرتفعة، ثم قال قتادة وأبو العالية هى إيليا. أرض
بيت المقدس، وقال أبو هريرة رضى الله عنه إنها الرملة. وقال الكلبى وابن زيد هى بمصر وقال
الأكثرون إنها دمشق وقال مقاتل والضحاك هى غوطة دمشق، والقرار المستقر من [كل] أرض
مستوية مبسوطة ، وعن قتادة ذات ثمار وما.، يعنى أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء
الظاهر الجارى على وجه الأرض. فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره. ثم فى
المعين قولان: (أحدهما) أنه مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء
والزجاج إن شئت جعلته فعيلا من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول منه قال
أبو على والمعين السهل الذى ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على معطيه، ثم قالوا وسبب
الإيواء أنها فرت يابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنى عشرة سنة، وإنما ذهب بهما ابن عمها
يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم، وههنا آخر القصص والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إنى بما تعملون عليم، وإن هذه
أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون، فذريم
فى غمرتهم حتى حين ، أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون﴾

١٠٥
قوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات. سورة المؤمنون
إعلم أن ظاهر قوله ( يا أيها الرسل ) خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما
أرسلوا متفرقين فى أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم ، فلهذا الإشكال
اختلفوا فى تأويله على وجوه: (أحدها) أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو فى زمانه نودى
بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودى له جميع الرسل ووْصوا به حقيق بأن يؤخذ به
ويعمل عليه ( وثانيها) أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار
الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عنى أذاكم ومثله (الذين قال
قال لهم الناس ) وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لمبا خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين
أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل
ليس عليه فقط ، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام (وثالثها) وهو قول محمد بن جرير أن
المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعد ماذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه
روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية ،
ولأنه روى عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول اللّه ◌ُ ل بقدح من لبن
فى شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول اليها وقال من أين لك هذا؟ فقالت من شاة لى،
ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟ فقالت اشتريتها بمالى فأخذه. ثم إنها جاءته وقالت: يارسول الله
لم رددته؟ فقال عليه السلام بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً .
أما قوله تعالى ( من الطيبات ) ففيه وجهان: ( الأول ) أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال
وصاف وقوام فالحلال الذى لا يعصى الله فيه، والصافى الذى لا يننى الله فيه والقوام ما يمسك
النفس ويحفظ العقل ( والثانى) أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن
نقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح اغيرهم. واعلم
أنه سبحانه كما قال المرسلين ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) فقال للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا
كلوا من طيبات مارزقنا كم)، واعلم أن تقديم قوله ( كلوا من الطيبات) على قوله (واعملوا صالحاً)
كالدلالة على أن العمل الصالح لابد وأن يكون مسبوقا بأكل الحلال. فأما قوله ( إنى بما تعملون
عليم) فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون
تحذيراً لغيرهم أولى .
أما قوله (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) فقد فسرناه فى سورة الأنبياء وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك
هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى. فإن قيل لمما كانت شرائعهم مختلفة
فكيف يكون دينهم واحداً؟ قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى
وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافا فى الدين، فكما يقال فى الحائض والطاهر
٠

١٠٦
٠
قوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات. سورة المؤمنون
من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا، ويدل على ذلك قوله ( وأنا ربكم
فاتقون) فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه
فلا مدخل للشرائع ، وإن اختلفت فى ذلك .
﴿ المسألة الثانية) قرى. وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من
الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها .
أما قوله تعالى ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا
أمرهم بينهم وفى قوله ( فتقطعوا) معنى المبالغة فى شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.
أما قوله (زبراً) فقرى. زبراً جمع زبور أى كتباً مختلفة يعنى جعلوا دينهم أدياناً وزيراً قطعاً
أستعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل فى رسل قال الكلى ومقاتل والضحاك
يعنى مشركى مكة والمجوس واليهود والنصارى .
أما قوله تعالى ( كل حزب بما لديهم فرحون ) فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه
ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى
تفرق هؤلاء فى دينهم أتبعه بالوعيد، وقال ( فذرهم فى غمرتهم) حين حتى الخطاب لنبينا صلى
الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار فى جهلهم. والغمرة الماء الذى بغمر القامة فكان
ماهم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعفولهم، وعن على عليه السلام ( فى غمراتهم حتى
حين) وذكروا فى الحين وجوها (أحدها) إلى حين الموت ( وثانيها ) إلى حين المعاينة (وثالثها)
إلى حين العذاب، والعادة فى ذلك أن يذكر فى الكلام، والمراد به الحالة التى تقترن بها الحسرة
والندامة ، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً
عند المحاسبة فى الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.
ولما كان القوم فى نعم عظيمة فى الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على
أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال (أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع
لهم فى الخيرات) قرى يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفى المعنى وجهان (أحدهما) أن
هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم فى المعاصى، واستجراراً لهم فى زيادة الإثم وهم يحسبونه
مسارعة فى الخيرات وبل للاستدراك لقوله ( أيحسبون) يعنى بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا
شعور حتى يتفكروا فى ذلك، أهو استدراج أم مسارعة فى الخير ، وهذه الآية كقوله ( ولا
تعجبك أموالهم وأولادهم) روى عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء
(( أيفرح عبدى أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له منى، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له
منى)) ثم تلا (أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين) وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى
فأخذه ووضعه فى يد سراقة فبلغ منكبه. فقال عمر اللهم إنى قد علمت أن نبيك عليه الصلاة

١٠٧
قوله تعالى : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. سورة المؤمنون.
إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِهِم مُشْفِقُونَ (﴿ وَالَِّنَ هُم ◌ِعَايَتِ رَبِهِمْ
يُؤْمِنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُم بِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَ اتَوأُ وَقُلُوبُهُمْ
وَِلَةٌ أَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُسْرِعُونَ فِ الْخَيْرَاتِ وَهُمْ نَا
سَبِقُونَ (3)
والسلام، كان يحب أن يصيب مالا لينفقه فى سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً . ثم إن أبا بكر كان
يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر. ثم تلا (أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين)
( الوجه الثانى) وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغى البال ، متمكنين من
الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى،
فلذلك قال ( بل لا يشعرون).
قوله تعالى : ﴿ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون،
والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون،
أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون ﴾
إعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله ( أيخسبون أن مانمدهم به من مال وبنين ، نسارع
لهم فى الخيرات ) ثم قال ( بل لا يشعرون) بين بعده صفات من يسارع فى الخيرات ويشعر
بذلك وهى أربعة :
﴿ الصفة الأولى) قوله (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) والإشفاق يتضمن الخشية
مع زيادة رقة وضعف ، فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب،
والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون، وهو قول الكلى ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق
على أثره وهو الدوام فى الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون فى طاعته ، جادون فى
طلب مرضاته . والتحقيق أن من بلغ فى الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، كان فى نهاية
الخوف من سخط الله عاجلا، ومن عقابه آجلا، فكان فى نهاية الاحتراز عن المعاصى.
﴿ الصفة الثانية) قوله ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) واعلم أن آيات الله تعالى هى
المخلوقات الدالة على وجوده، والإيمان بها هو التصديق بها، والتصديق بها إن كان بوجودها
فذلك معلوم بالضرورة، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح، وإن كان بكونها آيات ودلائل
على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر، وصاحبه لابد وأن يصير عارفاً

١٠٨
قوله تعالى : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. سورة المؤمنون.
١
بوجود الصانع وصفاته ، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الاقرار باللسان ظاهراً وذلك
هو الإيمان.
﴿ الصفة الثالثة) قوله ( والذين هم بربهم لا يشركون) وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد
ونقى الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل فى قوله ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) بل المراد منه
نفى الشرك الخفى، وهو أن يكون مخلصاً فى العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب
رضوانه والله أعلم .
﴿ الصفة الرابعة) قوله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) معناه يعطون ما أعطوا
فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى: كالزكاة والكفارة وغيرهما ،
أو من حقوق الآدميين : كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل، وبين أن ذلك إنما
ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان
أو غيره، فإنه يكون لاجل ذلك الوجل مجتهداً فى أن يوفيها حقها فى الأداء. وسألت عائشة
رضى الله عنها رسول اللّه ◌َ ليتم فقالت (والذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة) أهو الذى يزنى
ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام (( لا يا ابنة
الصديق، ولكن هو الرجل يصلى ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى)).
واعلم أن ترتيب هذه الصفات فى نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف
الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغى .
﴿ والصفة الثانية) دلت على ترك الرياء فى الطاعات.
﴿ والصفة الثالثة) دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتى بالطاعات مع الوجل
والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله سبحانه الوصول إليها، فإن
قيل: أفتقولون إن قوله (وقلوبهم وجلة) يرجع إلى يؤتون، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال؟
قلنا بل الأولى أن يرجع إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال، إذ المراد أن
يؤدى ذلك على وجل من تقصيره، فيكون مبالغاً فى توفيته جقه، فأما إذا قرى ( والذين يأتون
ما أتوا ) فالقول فيه أظهر، إذ المراد بذلك أى شىء أتوه وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على
إيمان وعمل ، فإنهم يقدمون عليه مع الوجل ، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهى علىهم بأنهم
إلى ربهم راجعون، أى للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال، وأن هناك لا تنفع
الندامة ، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك. ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات
للمؤمنين المخلصين قال بعده ( أولئك يسارعون فى الخيرات) وفيه وجهان (أحدُهما ) أن. المراد
يرغبون فى الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام
والثانى) أنهم يتعجلون فى الدنیا أنواع النفع ووجوهالا کرام، كما قال ( فأتاهم الله ثواب الدنيا

١٠٩
قوله تعالى : ولا نكلف نفساً إلا وسعها. سورة المؤمنون
وَلَ نُكَلِفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَيْنَا كِتَبُ يَنِطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَيُطُونَ ◌َ
بَلْ قُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَمَا عَِمِلُونَ
خَّقَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْعَرُونَ ﴿ لَا تَجْثَرُواْ أَلْيَوْمَ
إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنْصَرُونَ
٦٥
وحسن ثواب الآخرة)، (وآتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين) لأنهم إذا سورع
لهم بها فقد سارعوا فى نيلها وتعجلوها ، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات
ما نفى عن الكفار للمؤمنين وقرى. يسرعون فى الخيرات .
:
أما قوله ( وهم لها سابقون) فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو وهم لها
سابقون أى ينالونها قبل الآخرة حيث سجلت لهم فى الدنيا ، ويجوزأن يكون خبراً بعد خبر. والمعنى
وهم لها كما يقال أنت لها وهى لك، ثم قال سابقون أى وهم سابقون.
قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون، بل قلوبهم
فى غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا م
يجأرون، لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون﴾
اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد
(فالأول) قوله ( ولا نكلف نفساً إلا وسعها) وفى الوسع قولان (أحدهما) أنه الطاقة عن
المفضل ( والثانى) أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلى واحتجوا عليه
بأن الوسع إنما سمى وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق، فبين أن أولئك المخلصين لم
يكلفوا أكثر ما عملوا . قال مقاتل من لم يستطع أن يصلى قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع
جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها، واستدلت المعتزلة به فى نفى تكليف مالا يطاق
وقد تقدم القول فيه ( الثانى) قوله ( ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) ونظيره قوله
( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقوله ( لا يغادر صغيره ولا كبيرة إلا أحصاها)
واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه
كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً، فان قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن
یکونوا محیلین الكذب على الله تعالىأو مجوزین ذلك علیه، فان أحالوه عليه فإنهم يصدقونهفى كل
ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه

١١٠
قوله تعالى : ولا نكلف نفساً إلا وسعها. سورة المؤمنون
سبحانه كتب فيه خلاف ماحصل . فعلى التقديرين لافائدة فى ذلك الكتاب ؟ قلنا يفعل الله ما يشاء
وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة .
وأما قوله ( وهم لا يظلمون) فنظيره قوله ( ووجدوا ماعملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً )
فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة فى العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على
مالم يعلم أو بأن يكلفهم مالا يطيقون فتكون الآيه دالة على كون العبد موجداً لفعله . إلا لكان
تعذيبه عليه ظلماً وداله على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق ( الجواب ) أنه لما كلف أبا لهب أن
يؤمن. والايمان يقتضى تصديق الله تعالى فى كل ما أخبر عنه وبما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن
فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكر تموه .
وأما قوله تعالى ( بل قلوبهم فى غمرة من هذا) ففيه قولان (أحدهما) أنه راجع إلى الكفار
وهم الذين يليق بهم قوله ( بل قلوبهم فى غمرة من هذا) ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد فى غمرة
من هذا الذى بناه فى القرآن أو من هذا الكتاب الذى ينطق بالحق أو من هذا الذى هو وصف
المشفقين ولهم أى لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أى أعمال سوى ذلك أى سوى جهلهم
وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم فى الحال، وقال بعضهم بل أراد المستقبل وهذا أقرب لأن
قوله (هم لها عاملون) إلى الاستقبال أقرب وإنما قال (هم لها عاملون) لأنها مثبتة فى علم الله
تعالى وفى حكم الله وفى اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله
من الشقاوة (القول الثانى ) وهو اختيار أبى مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه
سبحانه قال بعد وصفهم (ولا نكلف نفساً إلا وسعها) ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون (ولدينا
كتاب) يحفظ أعمالهم (ينطق بالحق وهم لا يظلمون) بل توفر عليهم ثواب كل أعمالهم (بل قلوبهم
فى غمرة من هذا) هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين
فى جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أى لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر
سوىماهم عليه إما أعمالا قد عملوها فى الماضى أو سيعملونها فى المستقبل، ثم إنه سبحانه رجع بقوله
(حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ) إلى وصف الكفار.
واعلم أن قول أبى مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان
أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصاً، وقد يرغب المرء فى فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة
كما قد يحذر بذلك من الشر، وقد يوصف المرء لشدة فكره فى أمر آخرته بأن قلبه فى غمرة ويراد
أنه قد استونى عليه الفكر فى قبول عمله أورده وفى أنه هل أداء كما يجب أو قصر. فإن قيل فما
المراد بقوله من هذا ، وهو إشارة إلى ماذا ؟ قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم مع أنهما مستوليان
على قلوبهم .
أما قوله تعالى ( حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ) فقال صاحب الكشاف حتى هذه هى التى

قوله تعالى : قد كانت آياتي تتلى عليكم. سورة المؤمنون.
قَدْ كَانَتْ ءَايَى نُثَ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَ أَعْقَبِكُرْ تَنَكِّصُونَ (﴾ مُسْتَكْبِينَ
◌ِهِ سَِراً تَهْجُرُونَ ﴾ أَفَلَمْ يَدَبُّواْ الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّالَمْ يَأْتِ ءَابَةُهُمُ
الْأَوَّلِينَ ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُمُنْكُرُونَ ﴾ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ
جَآءُهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثُهُمْ نِّ كَلِمُونَ (﴾ وَوِ اتَّعَ الْحَقُّ أَهْوَآءُهُمْ لَفَسَدَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِنَّ بَلْ أَيْنَئُهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم
مُعْرِضُونَ ﴿ أَمْ تَسْعَلُهُمْ نَحْجً غَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الَِّقِينَ
٧٢
يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية .
وأعلم أنه لاشبهة [فى] أن الضمير فى مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفارلان العذاب
لا يليق إلا بهم وفى هذا العذاب وجهان (أحدهما) أراد بالعذاب مانزل بهم يوم بدر (والثانى)
أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أى يرتفع صوتهم
بالإستغاثة والضجيج لشدة ماهم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت (لا تجأروا اليوم إنكم منا
لا تنصرون) فلا يدفع عنكم مايريد إنزاله بكم ، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى
هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث لهم فى الدنيا على ترك الكفر والإقدام على
الإيمان والطاعة فإنهم الآن ينتفعون بذلك.
قوله تعالى: ﴿قد كانت آبائى تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكسون، مستكبرين به سامراً
تهجرون، أفلم يدبروا القول أم جاءهم مالم يأت آباء هم الأولين، أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون،
أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت
السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون، أم تسألهم خرجاً
څراج ربك خیر وهو خير الرازقین﴾
أعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك وهى أنه متى تليت
آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة: (أحدها) أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن
تباعد عن الحق كل التباعد وهو قوله (فكنتم على أعقابكم تنكسون) أى تنفرون عن تلك الآيات.
وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه (وثانيها) قوله (مستكبرين به) والهاء

١١٢
قوله تعالى : قد كانت آياتي تتلى عليكم. سورة المؤمنون.
فى به إلى ماذا تعود؟ فيه وجوه: ( أولها ) إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا
أحد لأنا أهل الحرم والذى يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم
مفخرة إلا أهم ولاته والقانمون به ( وثانيها) المراد مستكبرين بهذا التراجع والتباعد ( وثالثها )
أن تتعلق الباء بسامراً أى يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وهذا هو الأمر الثالث الذى
يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم ، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم
ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجرون، والسامر نحو
الحاضر فى الاطلاق على الجمع وقرى. سمراً وسامراً يهجرون من أهجر فى منطقه إذا أخش والهجر
بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذى هو مبالغة فى مجر إذا هذى . ثم إنه سبحانه
لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه الأمور لابد وأن يكون لأحد أمور
أربعة: (أحدها ) أن لا يتأملوا فى دليل ثبوته وهو المراد من قوله ( أفلا يتدبرون القرآن) فبين
أن القول الذى هو القرآن كان معروفاً لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مبايناً لكلام
العرب فى الفصاحة ، ومبرأ عن التناقض فى طول عمره، ومن حيث ينبه على ما يلزمهم من معرفة
الصانع ومعرفة الوحدانية فلم لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق ( وثانيها ) أن
يعتقدوا أن مجىء الرسل أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله (أم جاءهم مالم يأت آباءهم
الأولين) وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات عليها
وكانت الأمم بين مصدق ناج، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أما دعاهم ذلك إلى تصديق
الرسول (وثالثها ) أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من
قوله ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه
الرسالة كونه فى نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف كذبوه
بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين (ورابعها) أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على
ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله (أم يقولون به جنة) وهذا أيضاً ظاهر الفساد لأنهم كانوا
يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، والمجنون كيف يمكنه أن يأتى بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة
والشرائع الكاملة ، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان: (أحدهما)
أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع فى انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه
إلى الجنون لذلك ( والثانى) أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لكن لاينقادوا له فأوردوا ذلك مورد
الاستحقار له. ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال (بل جاءهم بالحق
وأكثرهم للحق كارهون) من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى
الله عليه وسلم لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فان قيل قوله (وأكثرهم) فيه
دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن

١١٣
قوله تعالى: وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم. سورة المؤمنون.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْإِلَى صِرَطِ مُسْتَقِيٍِ ﴾ وَ إِنَّالَّذِينَ لَيُؤْمِنُونَ بِْآَخِرَةِ عَنِ
اَلِصِرْطِ لَكُونَ ﴾ * وَلَوْرَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُِّلَلَجُواْ فِي ◌ُغْيَتِمْ
١٠٠٠
يَعْمَهُونَ (
٧٥
يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكى عن أبى طالب. ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى ،
بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدى إلى
الفساد العظيم فقال ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) وفى
تفسيره وجوه: (الأول) أن القوم كانوا يرون أن الحق فى اتخاذ آلهة مع الله تعالى، لكن لوصح
ذلك لوقع الفساد فى السموات والأرض على ماقررناه فى دليل التمانع فى قوله ( لوكان فيهما آلهة
إلا الله لفسدتا) (والثانى) أن أهواءهم فى عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وهما
منشأ المفسدة ، والحق هو الاسلام. فلو اتبع الاسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا
العالم، وذلك يقتضى تخريب العالم وإفناءه ( والثالث ) أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق
أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال .
أما قوله ( بل أتيناهم بذكرهم) فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وخرهم بالرسول
وكلا القولين متقارب لأن فى مجىء الرسول بيان الأدلة وفى مجىء الأدلة بيان الرسول فأحدهما
مقرون بالآخر ، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير ، وقيل هو الذى كانوا يتمنونه ويقولون (لوأن
عندناذ كراً من الأولين ، لكنا عباد الله المخلصين) وقرىء بذ كراهم. ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة
والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً للنفرة فقال (أم تسألهم خرجاً فراج ربك خير )
وقرى. خراجاً، قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن
الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك
حسنت قراءة من قرأ (خرجاً خراج ربك ) يعنى أم تسألهم على هدايتهم قليلا من عطاء الخلق
فالكثير من عطاء الخلق خير. فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة بعيدة عنه ، فلا يجوز أن ينفروا
عن قبول قوله لأجلها. فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين البتة وأنهم محجوجون
من جميع الوجوه، قال الجبانى ذل قوله تعالى ( وهو خير الرازقين ) على أن أحداً من العباد لا يقدر
على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه فى الإفضال على عباده ودل أيضاً على أن العباد قد يرزق بعضهم
بعضاً ولولا ذلك لما جاز أن يقول (وهو خير الرازقين ).
قوله تعالى: ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط
لناكبون، ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا فى طفيانهم يعمهون﴾.
-
٠

١١٤
قوله تعالى : ولقد اخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم. سورة المؤمنون
وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَمَا أَسْتَكَانُوْ لِرِيِهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٨) حََّ إِذَا فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ بَابًاذَا عَذَابٍ شَدِيٍ إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَشَّأَلَكُمُ اَلَّمْعَ
ج
وَالْأَبْصَدَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّ نَشْكُرُونَ ﴾ وَهُوَ الَّذِى ذَرَأْكُمْ فِ الْأَرْضِ
وَإِلَيْهِ تُخْتَرُونَ ﴾ وَهُوَ الَّذِى يُحِيءٍ وَيُحِيتُ وَلَهُ أَخْتَهُ الَّيْلِ وَالَّهَارِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
٨٠
إعلم أنه سبحانه وتعالى لما زيف طريقة القوم أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول التر فقال
( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) لأن مادل الدليل على صحته فهو فى باب الاستقامة أبلغ من
الطريق المستقيم ( وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) أى لعادلون عن هذا
الطريق ، لأن طريق الإستقامة واحدة وما يخالفه فكثير .
أما قوله تعالى ( ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر) ففيه وجوه ( أحدها) المراد ضرر
الجوع وسائر مضار الدنيا ( وثانيها ) المراد ضرر القتل والسى ( وثالثها) أنه ضرر الآخرة
وعذابها فبين أنهم قد بلغوا فى التمرد والعناد المبلغ الذى لا مرجع فيه إلى دار الدنيا، وأنهم ( لو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) لشدة لجاجهم فيما هم عليه من الكفر،
أما قوله تعالى (للجوا فى طغيانهم يعمهون) فالمعنى تمادوا فى ضلالهم وهم متحيرون .
قوله تعالى : ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون، حتى إذا فتحنا
عليهم باباً ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون، وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة
قليلا ما تشكرون ، وهو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون، وهو الذى يحي ويميت
وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ﴾
اختلفوا فى قوله ( ولقد أخذناهم بالعذاب ) على وجوه: (أحدها) أنه لما أسلم ثمامة بن
أثال الحنفى ولحق باليمامة منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم اللّه بالسنين حتى أكلوا الجلود
والجيف، ف) أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة
العالمين ، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط. فدعا فكشف
عنهم فأنزل الله هذه الآية، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا ( وثانيها) هو الذى نالهم يوم بدر
من القتل والأسر، يعنى أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى الإيمان عن الأصم ( وثالثها) المراد

١١٥
قوله تعالى : ولقد اخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم. سورة المؤمنون
من عذب من الأمم الخوالى (فما استكانوا) أى مشركى العرب لربهم عن الحسن ( ورابعها) أن
شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة
كذلك، وهذا يدل على أنهم (لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).
أما قوله تعالى ( حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد) ففيه وجهان (أحدهما) حتى إذا
فتحنا عليهم باب الجوع الذى هو أشد من القتل والأسر ( والثانى ) إذا عذموا بنار جهنم حينئذ
يلسون كقوله ( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون. لا يفتر عنهم، وهم مبلسون) والإبلاس
اليأس من كل خير ، وقيل السكون مع التحير . وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) ما وزن استكان؟ ( الجواب) استفعل من السكون أى انتقل من كون
إلى كون. كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال، ويجوز أن يكون افتعل من السكون
أشبعت فتحة عينه .
﴿السؤال الثانى) لم جاء (استكانوا) بلفظ الماضى و(يتضرعون) بلفظ المستقبل؟ (الجواب)
لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى
يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرىء فتحنا .
﴿ السؤال الثالث) العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأى مناسبة بين قوله (وهو الذى
أنشأ لكم السمع والأبصار) وبين ماقبله؟ (الجواب) كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار
فى الاعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل فى الحقائق قال للمؤمنين، وهو الذى أعطاكم
هذه الأشياء ووقفكم عليها، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها
كما قال تعالى ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شىء إذ كانوا يححدون بآيات
الله) تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله. واعلم
أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه (أحدها) بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه
الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون ، قال أبو مسلم
وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان
(وثانيها) قوله (وهو الذى ذرأكم فى الأرض) قيل فى التفسير (خلفكم) قال أبو مسلم: ويحتمل
بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى ( ذرية من حملنا مع نوح)
فنقول: هو الذى جعلكم فى الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه،
فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لابمعنى المكان ( وثالثها) قوله (وهو الذى يحمى
ويميت ) أى نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهى منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود
منها الانتقال إلى دار الثواب ( ورابعها) قوله ( وله اختلاف الليل والنهار) ووجه النعمة بذلك
معلوم، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر فى هذه الأمور فقال ( أفلا تعقلون) لأن ذلك دلالة
الزجر والتهديد وقرى. ( أفلا يعقلون) .

١١٦
قوله تعالى : بل قالوا مثل ما قال الألوون. سورة المؤمنون.
بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ آلْأَوَّلُونَ (٨) قَالُواْ أَعِذَا مِتْنَا وَكَانُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَبْعُوتُونَ
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَلِينَ (﴿ قُل
لِمَّنِ اْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَاَ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (﴾ سَقُولُونَ لِلَِّ قُلْ أَفَلاَ تَُّونَ (بَ قُلْ
مَنْ رَّبُّ الَّمَكَوَتِ الَّْ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (8) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ
(ََّقُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُحِيْرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
سَيَقُولُونَ لِلِّ قُلْ فَأَّى تُسْحَرُونَ (8) بَلْ أَتَيِّنَهُم بِالْحَقِّ وَإِنْهُمْ لَكَذِبُونَ
٨٨
قوله تعالى: ﴿بل قالوا مثل ماقال الأولون، قالوا أذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أثنا لمبعوثون،
لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين
إعلم أنه سبحانه لما أوضح القول فى دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد فقال ( بل قالوا مثل
ما قال الأولون) فى إنكار البعث مع وضوح الدلائل ونبه بذلك على أنهم إنما أنكروا ذلك
تقليداً للأولين وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين (أحدهما )
قولهم (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أثنا لمبعوثون ) وهو مشهور (وثانيهما) قولهم ( لقد وعدنا
نحن وآباؤنا هذا من قبل ) كانهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه عليه الصلاة والسلام "فقد وقع
قديما من الأنبياء، ثم لم يوجد مع طول العهد، فظنوا أن الاعادة تكون فى دار الدنيا. ثم قالوا
لما كان كذلك فهو من أساطير الأولين والأساطير جمع أسطار والأسطار جمع سطر أى ما كتبه
الأولون بما لا حقيقة له ، وجمع أسطورة أوفق .
قوله تعالى: ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون،
قل من رب السموات السبع هو رب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده
ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون،
بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون
إعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكرى الإعادة وأن يكون المقصود

١١٧
قوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد. سورة المؤمنون.
مَا أَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُو مِنْ إِلَءٍ إِذَّالَّذَهَبَ. كُلُّ إِلَهِم بِمَا خَلَقَ
وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَ بَعْضِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٦) عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
الرد على عبدة الأوثان، وذلك لأن القوم كانوا مقرين باللّه تعالى فقالوانعبد الأصنام لتقربنا إلى الله
زلفى ، ثم إنه سبحانه احتج عليهم بأمور ثلاثة (أحدها ) قوله ( قل لمن الأرض ومن فيها) ووجه
الاستدلال به على الإعادة أنه تعالى لما كان خالقا للأرض ولمن فيها من الأحياء، وخالقاً لحياتهم
وقدرتهم وغيرها ، فوجب أن يكون قادراً على أن يعيدهم بعد أن أفناهم. ووجه الاستدلال به
على نفى عبادة الأوثان ، من حيث إن عبادة من خلقكم وخلق الأرض وكل ما فيها من النعم هى
الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، وقوله ( أفلا تذكرون ) معناه الترغيب فى التدبر ليعلموا
بطلان ماهم عليه ( وثانيها ) قوله (من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ) ووجه
الاستدلال على الأمرين كما تقدم، وإنما قال (أفلا تتقون) تنبيهاً على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل
إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة ( وثالثها) قوله تعالى (قل من بيده ملكوت
كل شئْ).
إعلم أنه سبحانه لما ذكر الأرض أولا والسماء ثانياً عمم الحكم ههنا، فقال من بيده ملكوت
كل شىء ، ويدخل فى الملكوت الملك والملك على سبيل المبالغة ، وقوله (وهو يجير ولا يجار عليه)
يقال أجرت فلاناً على فلان إذا أغئته منه ومنعته. يعنى وهو يغيث من يشاء من يشاء ، ولا يغيث
أحد منه أحداً .
أما قوله تعالى (فأنى تسحرون ) فالمعنى أنى تخدعون عن توحيده وطاعته، والخادع هو
الشيطان والهوى. ثم بين تعالى بقوله ( بل أتيناهم بالحق ) أنه قد بالغ فى الحجاج عليهم بهذه
الآيات وغيرها وهم مع ذلك كاذبون ، وذلك كالتوعد والتهديد، وقرى أتيتهم ، وأتيتهم بالضم
والفتح وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) قرى" (قل الله) فى الجواب الأول باللام لا غير، وقرى" الله فى
الأخيرين بغير اللام فى مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام. وباللام فى مصاحف أهل البصرة
فما الفرق ؟ ( الجواب) لا فرق فى المعنى ، لأن قولك من ربه ، و لمن هو ؟ فی معنى واحد.
﴿ السؤال الثانى) كيف قال (إن كنتم تعلمون) ثم حكى عنهم سيقولون الله وفيه تناقض؟
( الجواب ) لا تناقض لأن قوله ( إن كنتم تعلمون) لا ينفى عملهم بذلك. وقد يقال مثل ذلك فى
الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعتزافهم بما يورد من ذلك.
قوله تعالى: ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق واعلا

١١٨
قوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد. سورة المؤمنون.
فَتَعَلَى عَمّا يُشِْكُونَ (﴿ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّى مَا يُوعَدُونَ (٢﴾ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى
الْقَوْمِ الَّلِينَ ﴾ وَإِنَّ عَ أَنْ تُرِيَكَ مَا تَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ ﴿ أَدْفَعُ بِلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ السَِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون، قل رب إما
ترينى ما يوعدون، رب فلا تجعلى فى القوم الظالمين، وإنا على أن نريك مانعدهم لقادرون ، ادفع
بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ﴾.
إعلم أنه سبحانه ادعى أمرين (أحدهما) قوله ( ما اتخذ الله من ولد) وهو كالتنبيه على أن
ذلك من قول هؤلاء الكفار، فإن جمعاً منهم كانوا يقولون الملائكة بنات اللّه (والثانى) قوله
( وما كان معه من إله) وهو قولهم باتخاذ الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى
والثنوية، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله ( إذاً لذهب كل إله بما خلق، ولعلا
بعضهم على بعض) والمعنى لا نفرد على [ذلك] كل واحد من الآلهة بخلقه الذى خلقه واستبدبه، ولرأيتم
ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخر ، ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا
مالكهم متميزة وهم متغالبون، وحيث لم تروا أثر التمايز فى المالك والتغالب ، فاعلموا أنه إله واحد
بيده ملكوت كل شىء. فإن قيل (إذا) لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله
لذهب جزاء وجواباً؟ ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ، قلنا الشرط محذوف وتقديره ولو كان
معه آلهة، وإنما حذف لدلالة قوله ( وما كان معه من إله) عليه ، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم
بقوله ( سبحان الله عما يصفون ) من إثبات الولد والشريك .
أما قوله ( عالم الغيب والشهادة ) فقرى" بالجر صفة للّه، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، والمعنى
أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة ، فغيره وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب ، والشهادة
التى يعلمها لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم، فلذلك قال ( فتعالی عما
يشركون ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله (رب إما ترينى مايوعدون، رب فلا
تجعلنى فى القوم الظالمين ) قال صاحب الكشاف: ما والنون مؤكدتان ، أى إن كان ولا بد من
أن ترينى ما تعدهم من العذاب فى الدنيا أو فى الآخرة، فلا تجعلنى قريناً لهم ولا تعذبنى بعذابهم،
فإن قيل كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلنا
يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به بما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية
وتواضعاً لربه. وما أحسن قول الحسن فى قول الصديق: وليتكم ولست بخيركم، مع أنه كان يعلم

١١٩
قوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. سورة المؤمنون
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أن يحضرون (4)
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَاتِ الشَّيَاطِينِ
خََّ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْ جِعُونِ (٤٦) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَالِمًا فِمَا
تَرَكْتُ كَّ إِنَّهَ كِمَةٌ هُوَ قَِّلُهَا وَمِن وَرَآءِهِمْ بَغُّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
أنه خيرهم . ولكن المؤمن يهضم نفسه، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشر طومرة قبل الجزاء
مبالغة فى التضرع.
أما قوله تعالى ( وإنا على أن نريك مانعدهم لقادرون) ففيه قولان : (أحدهما) أنهم كانوا
ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل
عذاباً فى الدنيا مؤخراً عن أيامه عليه السلام ، فلذلك قال بعضهم : هو فى أهل البغى، وبعضهم فى
الكفار الذين قوتلوا بعد الرسول بولقر (والثانى) أن المراد عذاب الآخرة.
أما قوله (ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون) فالمراد منه أن الأولى به عليه السلاء
أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب الأذى ، وأن يدفعه
بالكلام الجميل كالسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام
وأنه سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم ، فينبغى أن يكون هو عليه السلام مواظباً على هذه الطريقة .
قال صاحب الكشاف قوله (ادفع بالتى هى أحسن السيئة) أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما
فيه من التفضيل، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع
الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة . وقيل هذه الآية منسوخة
بآية السيف، وقيل محكمة ، لأن المداراة محمثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة.
قوله تعالى: ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون،
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون، لعلى أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها
ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
إعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله ( ادفع بالتى هى أحسن السيئة) أتبعه بما به يقوى على
ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين (أحدهما) من همزات الشياطين، والهمزات جمع الهمزة،
وهو الدفع والتحريك الشديد، وهو كالهز والأز، ومنه مهماز الرائض، وحمزاته هو
كيده بالوسوسة ، ويكون ذلك منه فى الرسول بوجهين: (أحدهما) بالوسوسة والآخر بأن

١٢٠
قوله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. سورة المؤمنون
يبعث أعداءه على إيذائه، وكذلك القول فى المؤمنين، لأن الشيطان يكيدهم بهذين الوجهين،
ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان، فانه يجب أن يكون متذكراً
متيقظاً فيما يأتى ويذر، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجراً
عن المعصية، قال الحسن كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة ((لا إله إلا الله ثلاثاً، الله أكبر
ثلاثاً ، اللهم انى أعوذبك منهمزات الشياطينهمزهونفثه و نفخه، فقيل يارسول الله وما همزه ؟ قال
الموتة التى تأخذ ابن آدم- أى الجنون الذى يأخذ ابن آدم - قيل فما نفئه؟ قال الشعر قيل فما نفخه؟
قال الكبر ( وثانيها) قوله ( وأعوذ بك رب أن يحضرون) وفيه وجهان (أحدهما) أن يحضرون
عند قراءة القرآن لكى يكون متذكراً فيقل سهوه، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس حضورهم
لأنه الداعی إلی وسوستهم كما يقول المر. أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذبالله منلقائك، وروى
عن رسول اللّه ◌ِ الله وقد اشتكى إليه رجل أرقاً يجده فقال ((إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله
وبكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)).
أما قوله ( حتى إذا جاء أحدهم الموت ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف حتى متعلق بيصفون أى لا يزالون على سوء الذكر
إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للاغضاء عنهم مستعيناً بالله على
الشيطان أن يستزله عن الحلم والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية) اختلفوا فى قوله (حتى إذا جاء أحدهم الموت) فالأكثرون على أنه راجع
إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالساً عند ابن عباس ، فقال من لم يزك ولم يحج سأل الرجعة عند
الموت ، فقال واحد إنما يسأل ذلك الكفار فقال ابن عباس رضى الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآناً
(وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب
فأصدق) قال رسول الله عي الي ((إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شىء كان يمنعه من حقه بين يديه
فعنده يقول رب ارجعون لعلى أعمل صالحاً فيما تركت)) والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن
منزلته فى الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها ، ولولا ذلك لكان أدونهم ثواباً يغتم بفقد ما يفقد
من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضى الله عنهما من قوله (وأنفقوا ما رزقنا كم من قبل أن
يأتى أحدكم الموت) فهو إخبار عن حال الحياة فى الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا.
﴿ المسألة الثالثة ) اختلفوا فى وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل فى حال المعاينة
لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصياً ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن
يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع منه، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك
يسأل الرجعة ، ويقول (رب ارجعون لعلى أعمل صالحاً فيما تركت) وقال آخرون بل يقول ذلك عند
معاينة النار فى الآخرة، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه الآية لما أخبر الله تعالى فى كتابه