Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله. سورة الحج. للتعلق الذى بينه وبين الثانى كقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها) (يخادعون الله وهو خادعهم) ﴿ السؤال الخامس) أى تعلق لقوله (وإن الله لعفو غفور) بما تقدم؟ (الجواب) فيه وجوه (أحدها ) أن الله تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن الجانى بقوله (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ). ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة، فكأنه سبحانه قال: إنى قد عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها ، فإنى أنا الذى أذنت لك فيه ( وثانيها) أنه سبحانه وإن ضمن له النصر على الباغى ، لكنه عرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو والمغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين ( وثالثها) أنه سبحانه دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. ﴿السؤال السادس) أى تعلق لقوله (ذلك بأن الله يوج الليل فى النهار ويوج النهار فى الليل) بما قبله؟ (والجواب) من وجهين (أحدهما) ذلك أى ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن آيات قدرته البالغة كونه خالقاً الليل والنهار ومتصرفاً فيهما، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجرى فيهما، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر مصيباً فيه (وثانيها ) المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ينعم فى الدنيابما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما فى الآخر. ﴿ السؤال السابع) ما معنى إيلاج الليل فى النهار وإيلاج النهار فى الليل ( الجواب) فيه وجهان ( أحدهما ) يحصل ظلمة هذا فى مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس ، وضياء ذلك فى مكان طلبة هذا بطلوعها ، كما يضىء البيت بالسراج ويظلم بفقده ( وثانيهما ) أنه سبحانه يزيد فى أحدهما ما ينقص من الاخر من الساعات . ﴿ السؤال الثامن﴾ أى تعلق لقوله (وإن الله سميع بصير) بما تقدم؟ (الجواب) المراد أنه كما يقدر على مالا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على مالا يجوز فى المسموع والمبصر . ﴿السؤال التاسع﴾ ما معنى قوله (ذلك بأن الله هو الحق) وأى تعلق له بما تقدم؟ (الجواب) فيه وجهان ( أحدهما ) المراد أن ذلك الوصف الذى تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصلَ لأجل أن الله هو الحق أى هو الموجود الواجب لذاته الذى يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد والوعيد ( ثانيهما ) أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال ( ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة). ﴿ السؤال العاشر) أى تعلق لقوله (وأن الله هو العلى الكبير) بما تقدم؟ (والجواب) معنى العلى القاهر المقتدر الذى لا يغلب فتبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك فى عبادته زاجراً عن عبادة غيره، فأما الكبير فهو العظيم فى قدرته وسلطانه ، وذلك أيضاً يفيد كمال القدرة . ٦٢ قوله تعالى: ألم تر أن الله انزل من السماء ماء. سورة الحج. أَرْ تَ أْنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَيُّ الْحِدُ ﴾ أَلَوْ تَرَ أْنَّ الَّهَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْغُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمِْهِ، وَيْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّ ◌ِذْنِ إِنَّ اللَّ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَهُوَ الَّذِىّ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ ◌ُمِتُكُمْ ثُمْ يُحِكُمْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورُ (9﴾ ٦٥ المسألة الثالثة) قوله (لينصرنه الله) إخبار عن الغيب فانه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الشافعى رحمه الله: من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يقتل بالسيف. واحتج الشافعى رحمه الله بهذه الآية، فان الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر عليه . المسألة الخامسة﴾ قرأ نافع وابن عامر (تدعون) بالتاء ههنا وفى لقمان وفى المؤمنين وفى العنكبوت، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب . قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن اللّه لطيف خبير. له ما فى السموات وما فى الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد، ألم ترأن الله سخرلكم مافى الأرض والفلك تجرى فى البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لر.وف رحيم. وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور أعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل فى النهار ونبه به على نعمه، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهى ستة . ﴿ أولها) قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى قوله (ألم تر) وجوهاً ثلاثة (أحدها) أن المراد هو الرؤية الحقيقية، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئى، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى ( وثانيها ) أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام ٦٣ قوله تعالى : ألم تر أن الله انزل من السماء ماء. سورة الحج. ( وثالثها) المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئى إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . ﴿ المسألة الثانية) قرى. (مخضرة) كمبقلة ومسبعة أى ذات خضرة، وههنا سؤالات: ﴿ السؤال الأول) لم قال (فتصبح) الأرض ولم يقل فأصبحت؟ (الجواب) لنكتة فيه وهى إفادة بفاء أثر المطر زماناً بعد زمان ، كما نقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكراً له، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . ﴿ السؤال الثانى) لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام؟ (والجواب) لو نصب لأعطى عكس ماهو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم ترأنى أنعمت عليك فتشكر. وإن نصبته فأنت نافى لشكره شاك لتفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . ﴿ السؤال الثالث ﴾ لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة، كما قال أبو مسلم. ( الجواب ) يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه . ﴿ السؤال الرابع) ما تعلق قوله (إن الله لطيف خبير) بما تقدم؟ (الجواب) من وجوه (أحدها) أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع. ومعنى (خبير) أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان (وثانيها) قال ابن عباس (لطيف) بأرزاق عباده (خبير) بما فى قلوبهم من القنوط (وثالثها) قال الكلبى (لطيف) فى أفعاله (خبير) بأعمال خلقه ( ورابعها) قال مقاتل (الميف) باستخراج النبت (خبير) بكيفية خلقه. ﴿ الدلالة الثانية) قوله تعالى ( له ما فى السموات وما فى الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد) والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غنى عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضاً لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته غنى عن كل ما عداه فى كل الأمور، ولكنه لما خلق الحيوان فلابد فى الحكمة من قطر ونبات خلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم، لالحاجة به إلى ذلك. وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه فكان مستحقاً للحمد. فكأنه قال إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للاحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً. فلهذا قال ( وإن الله لهو الغنى الحميد). ﴿الدلالة الثالثة) قوله (ألم ترأن الله تخر لكم ما فى الأرض) أى ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله ٦٤ قوله تعالى : ألم تر أن الله انزل من السماء ماء. سورة الحج. تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة . ﴿ الدلالة الرابعة) قوله تعالى (والفلك تجرى فى البحر بأمره) والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث خر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب فنبه تعالى على نعمه بذلك، وبأن خلق ما تعمل منه السفن، وبأن بين كيف تعمل، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعاً، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعله بناء على عادة الملوك فى مثل هذه اللفظة . ﴿الدلالة الخامسة) قوله تعالى (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم) واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلباً . ووجب أن يكون ثقيلا، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام، وقوله تعالى ( أن تقع) قال الكوفيون: كى لا تقع، وقال البصريون كراهية أن تقع، وهذا بناء على مسألة كلامية وهى أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول، والمعنى أنه أمسكها لكى لا تقع فتبطل النعم التى أنعم بها . أما قوله تعالى ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية فى الإحسان والإنعام، فهو إذن رءوف رحيم . ﴿ الدلالة السادسة) قوله ( وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور) والمعنى أن من سخر له هذه الأمور، وأنعم عليه بها فهو الذى أحياه فتبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم. ونبه بالإماتة والإحياء الثانى على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى. يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقى، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به فى باب الدن ولما فصل تعالى هذه النعم قال ( إن الإنسان لکفور) وهذا کما قد يعدد المرء نعمه على ولده، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجراً له عن الكفران وبعثاً له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك فى الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها وفظيره قوله تعالى ( وقليل من عبادي الشكور ) وقال ابن عباس رضى الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر، وقال أيضاً هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبى بن خلف، والأولى تعميمه فى كل المنكرين . ٦٥ قوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا. سورة الحج. ◌ِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنَسَكَّا هُمْ نَسِكُوهُ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِ الْأَمْرِ وَأَدْعُ إلَى رَبٌِّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَى مُسْتَقِيٍِ ﴾ وَإِن جَدَلُكَ فَقُلِ الهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ فِيِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( قوله تعالى: ﴿ لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم، وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رءوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال ( لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ) وفيه مسائل: المسألة الأولى) إنما حذف الواو فى قوله (لكل أمة ) لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف . ﴿ المسألة الثانية) فى المنسك أقوال (أحدها) قال ابن عباس عيد [أ] يذبحون فيه (وثانيها ) قربانا ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد ( وثالثها) مألفاً يألفونه إما مكاناً معيناً أو زماناً معيناً لأداء الطاعات (ورابعها) المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فان قيل هلا حملتموه على الذيح، لأن المنسك فى العرف لا يفهم منه إلا الذبح؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها؟ ( الجواب) عن الأول لانسلم أن المنسك فى العرف مخصوص بالذيح، والدليل عليه أن سائر ما يفعل فى الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام ((خذوا عنى مناسككم )) (وعن الثانى) أن قوله (هم ناسكوه ) أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان. ﴿المسألة الثالثة) زعم قوم أن المراد من قوله (هم ناسكوه) من كان فى زمن الرسول صلى · اللّه عليه وسلم متمسكا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق، لأن قوله (هم ناسكوه ) كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا فى الحال . أما قوله تعالى ( فلا ينازعنك فى الأمر ) فقرى. ( فلا ينزعنك ) أى اثبت فى دينك ثباتاً لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه. وأما قوله ( فلا ينازعنك) ففيه قولان (أحدهما) وهو قول الزجاج: أنه نهى لهم عن منازعتهم، كما تقول لا يضار بنك فلان أى لا تضاربه ( والثانى) أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل الفخر الرازى - جـ ٢٣ م٥ ٦٦ قوله تعالى : ألم تعلم ان الله يعلم ما في السماء والأرض. سورة الحج. أَلَّ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِيَسِرُ جْ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَّ يُغْزِّلْ بِهِ، سُلّطَانًا وَ لَيْسَ لَهُمْ بِهِ، عِلْمّ وَمَا لِلِّينَ مِن نَّصِبٍ ﴾ وَإِذَا تُثَلَى عَلِّمْ ءَايَتْنَا بَيِّنَتِ تَعْرِفُ فِ رُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا قُلْ أَفَأُنَِّئُكُ ◌ِشَِّ مِنِ ذَالِكٌّ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيِنْسَ الْبَصِيرُ ( ٧٢ ماعداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال ( وادع إلى ربك ) أى لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فانك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة المدين وهو أولى. كأنه قال أدعهم إلى هذا الدين فانك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال ( وإن جادلوك) والمعنى فان عدلوا عن النظر فى هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك (فقل الله أعلم بما تعملون) لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذى يجرى مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذى يتردد بين جنة وثواب لمن قبل، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر. فقال (الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم . قوله تعالى: ﴿ ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والأرض إن ذلك فى كتاب إن ذلك على الله يسير. ويعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير، وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ، قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ إعلم أنه تعالى لما قال من قبل (الله يحكم بينكم يوم القيامة) أنبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله ( ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والأرض) وههنا مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (ألم تعلم) هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول ټلتے والوعد له وإیعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى. المسألة الثانية﴾ الخطاب مع الرسول منز له والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت ٦٧ قوله تعالى : ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض. سورة الحج. إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عاماً بذلك. فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير. أماقوله (إن ذلك فى كتاب) ففيه قولان: (أحدهما) وهو قول أبى مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها لحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ مايتعاملون به ، فالمراد من قوله ( إن ذلك فى كتاب ) أنه محفوظ عنده ( والتالى) وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله فى السموات والأرض فقد كتبه فى اللوح المحفوظ. قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف، ومعلوم أن الكتاب هوما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى. فان قيل فقد يوم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأى فائدة فى ذلك الكتاب ( والجواب عن الأول ) أن كتبه تلك الأشياء فى ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غنى فى علمه عن ذلك الكتاب (وعن الثانى) أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة فى الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات . أما قوله ( إن ذلك على الله يسير ) فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال ( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم) فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعى وهو المراد من قوله ( ما لم ينزل به سلطاناً ) ولا عن دليل عقلى وهو المراد من قوله ( وما ليس لهم به علم) وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة، فوجب فى كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً، وإن لم يعلم كونه كافراً، ويدل أيضاً علي فساد التقليد . أما قوله ( وما للظالمين من نصير ) ففيه وجهان: (أحدهما ) أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من اللّه كما قد تتفق النصرة فى الدنيا ( والثانى) ما لهم فى كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فى نفى الشفاعة والكلام عليه معلوم . أما قوله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) يعنى من تقدم ذكره وهذه الآيات هى القرآن، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر فى وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب الكشاف المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم بمعنى الا كرام ٦٨ قوله تعالى يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له. سورة الحج. يَأَيْهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَِّلَنْ يَحْلُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَعُواْلَهُ، وَ إِن يَسْتُمُ الْبَابُ شَيْعًا لَا يَسْتَقِدُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ، مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِةٍ إِنَّ اللَّلَقَرِىُّ عَزِيزٌ ﴾ الطَّالِبُ وَالْمَطُلُوبُ وقرى. تعرف على ما لم يسم فاعله . وللمفسرين فى المنكر عبارات: (أحدها ) قال الكلى تعرف فى وجوههم الكراهية للقرآن ( ثانيها) قال ابن عباس رضى الله عنهما: التجبر والترفع (وثالثها) قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى. أما قوله تعالى ( يكادون يسطون ) فقال الخليل والفراء والزجاج: السطو شدة البطش والوثوب، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيما لإنكار ما خوطبوا، به فكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال ( قل أفأنبئكم بشر من ذاكم النار ) قال صاحب الكشاف قوله (من ذلكم) أى من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو بما أصابكم من الكراهة والصجر بسبب ما تلى عليكم، فقوله (من ذلكم ) فيه وجهان : ( أحدهما) المراد أن الذى ينالكم من النار التى تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم ما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم (والثانى) أن يكون المراد (بشر من ذلكم) ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التى لا فرج لكم عنها ، وأما (النار) فقال صاحب الكشاف قرى. (النار) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا يقول ما شرمن ذلك؟ فقيل النار أى هو النار. وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر. ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير ، قال صاحب الكشاف (وعدها اللّه) استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و (وعدها ) خبراً . قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوى عزيز ﴾. إعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم ، ذكر فى هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم . ٦٩ قوله تعالى . يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له . سوره الحج أما قوله تعالى ( ضرب مثل) فقيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول ) الذى جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟ (والجواب) لما كان المثل فى الأ کثر نکتة عجيبة غريبة جاز أن یسمی کّ ما كان كذلك مثلا . ﴿ السؤال الثانى) قوله (ضرب) يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء؟ ( الجواب) إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم . أما قوله ( فاستمعوا له) أى تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر. واعلم أن الذباب لما كان فى غاية الضعف احتج اللّه تعالى به على إبطال قولهم من وجهين: (الأول) قوله (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له) قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنياً للمفعول (ولن) أصل فى نفى المستقبل إلا أنه بنفيه نفياً مؤكداً فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً، فقوله ( ولو اجتمعوا له ) نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرادهم ( والثانى) أن قوله ( وإن يسليهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ) كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئاً ، فهى لا تقدر على استنقاذ ذلك الشىء من الذباب، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها فى نفى كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفى كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، أو لنفى كونها مستحقة للتعظيم (والأول ) فاسد لأن نفى كونها كذلك معلوم بالضروة، فأى فائدة فى إقامة الدلالة عليه ( وأما الثانى ) فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفى كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة، وأولئك الأنبياء المتقدمين ( والجواب ) أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والإنتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فانها لما لم تنفع نفسها فى هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر فى العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغى أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه فى التعظيم، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . أما قوله تعالى ( ضعف الطالب والمطلوب) ففيه قولان (أحدهما) المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة ٧٠ قوله تعالى : الله يصطفى من الملائكة رسلا . .سورة الحج. اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّ سَمِعٌ بَصِيرٌ (٥ٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ خَلْفَهُمْ وَ إِلَى الَه ◌ُرْجَعُ الْأُمُورُ (﴾ المطلوب ( الثانى) أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفاً، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله ( ضعف ) لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه . أ! قوله (ماقدروا الله حق قدره) أى ماعظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له فى المعبودية، وهذه الكلمة مفسرة فى سورة الأنعام، وهو (قوى ) لا يتعذر عليه فعل شىء و(عزيز) لا يقدر أحد على مغالبته، فأى حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلى فى هذه الآية ونظيرها فى سورة الأنعام: إنها نزلت فى جماعة من اليهود وهم مالك أن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى ( وما مسنا من لغوب). واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال، أعنى الغرض والداعى واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الانصارى رحمه الله، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لاتصوره والأفكار لا تقدره والعقول لاتمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لاتحويه ولا تحده ، صمدى الذات سرمدى الصفات . قوله تعالى: ﴿ اللّه يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور﴾ اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكرههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل: قال الوليد ابن المغيرة: أأنزل عليه الذكر من بيننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وههنا سؤالان: ﴿ السؤال الأول ) كلمة (من) للتبعيض فقوله ( الله يصطفي من الملائكة رسلا) يقتضى أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم، وقوله ( جاعل الملائكة رسلا) يقتضى كون كلهم رسلا فوقع التناقض (والجواب) جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلا إلى بنى آدم ، وهم أكابر الملائكة ٧١ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرٌ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (8) وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ أَجْتَبَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الّيْنِ مِنْ حَِ مِنَّةَ أَبِكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَّكُ الْمُسْلِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الَّسُولُ شَهِدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِلَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ! كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض . ﴿ السؤال الثانى) قال فى سورة الزمر (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى بما يخلق مايشاء) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد ( والجواب) أن قوله ( لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى) يدل على أن كل ولد مصطفى، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً، وفى هذه الآية وجه آخر ، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة، كأنه سبحانه أبطل فى الآية الأولى قول عبدة الأوثان. وفى هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة، فبين أن على درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ماقدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله، ثم بين سبحانه بقوله (إن الله سميع بصير) أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه بقوله ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) فقال بعضهم ما تقدم فى الدنيا وما تأخر، وقال بعضهم ( مابين أيديهم) أمر الآخرة، ( وما خلفهم) أمر الدنيا، ثم أتبعه بقوله ( وإلى اللّه ترجع الأمور) فقوله (يعلم ما بين أيديهم) إشارة إلى العلم التام وقوله ( وإلى الله ترجع الأمور) إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية . قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولا كم فنعم المولى ونعم النصير ﴾ ٧٢ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. اعلم أنه سبحانه لما تكلم فى الإلهيات ثم فى النبوات أتبعه بالكلام فى الشرائع وهو من أربع أوجه ( أولها) تعيين المأمور (وثانيها) أقسام المأمور به ( وثالثها) ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر (ورابعها) تأكيد ذلك التكليف. ﴿ أما النوع الأول ) وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا) وفيه قولان (أحدهما) المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمناً أو كافراً، لأن التكليف بهذه الأشياء عام فى كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك ( والثانى ) أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما (أولا) فلأن اللفظ صريح فيه ، وأما (ثانياً) فلأن قوله بعد ذلك (هو اجتباكم) وقوله (هو سماكم المسلمين) وقوله ( وتكونوا شهداء على الناس ) كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين. أقصى ما فى الباب أن يقال لما كان ذلك واجباً على الكل فأى فائدة فى تخصيص المؤمنين؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفى ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها. ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعال بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريف لهم فى ذلك الإقرار والتخصيص . ﴿ أما النوع الثانى) وهو المأمور به فقد ذكر الله أموراً أربعة (الأول) الصلاة وهو المراد من قوله (اركعوا واسجدوا) وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هى المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جارياً مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضى الله عنهما أن الناس فى أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية (الثانى) قوله (واعبدوا ربكم) وذكروا فيه وجوهاً (أحدها) اعبدوه ولا تعبدوا غيره (وثانيها ) واعبدوا ربكم فى سائر المأمورات والمنهيات (وثالثها) افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفى أن يفعل فانه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع فى باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود ( الثالث) قوله تعالى (وافعلوا الخير) قال ابن عباس رضى الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندى فى هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذى هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الاحسان الذى هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البروالمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكانه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات . أما قوله تعالى ( لعلكم تفلحون) فقيل معناه لتفلحوا، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة، وقال الامام أبو القاسم الأنصارى لعل كلمة للترجية فان الإنسان قلما يخلو فى أداء الفريضة من تقصير ٧٣ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. وليس هو على يقين من أن الذى أتى به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة ((وكل ميسر لما خلق له)) (الرابع) قوله تعالى ( وجاهدوا فى الله حق جهاده) قال صاحب الكشاف ( فى اللّه) أى فى ذات الله، ومن أجله. يقال هو حق عالم وجد عالم أى عالم حقاً وجداً ومنه ( حق جهاده ) وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول ) ماوجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال (وجاهدوا فى الله حق جهاده)؟ (والجواب) الاضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الاضافة إليه . ﴿ السؤال الثانى) ما هذا الجهاد؟ (الجواب) فيه وجوه (أحدها) أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى ( حق جهاده ) أن لا يفعل إلا عبادة لارغبة فى الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة (والثانى) أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولا فقد كان جهادهم فى الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لعيد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ( وجاهدوا فى الله حق جهاده) فى آخر الزمان كما جاهدتموه فى أوله ، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فانما قاله كالتفسير للآية، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ: وجاهدوا فى الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة. فقال عمر من الذى أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت (والثالث) قال ابن عباس: حق جهاده، لا تخافوا فى الله لومة لاثم ( والرابع) قال الضحاك: واعملوا للّه حق عمله ( والخامس) استفرغوا وسعكم فى إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل ( والوجه السادس ) قال عبد الله بن المبارك: حق جهاده، مجاهدة النفس والهوى. ولما رجع رسول الله مَّ اله من غزوة تبوك قال (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد. ( السؤال الثالث ) هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلى أن هذه الآية منسوخة بقوله (فاتقوا الله ما استطعتم) كما أن قوله (اتقوا الله حق تقاته) منسوخ بذلك؟ (الجواب) هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) فكيف يقول الله وجاهدوا فى اللّه على وجه لاتقدرون عليه، وكيف وقد كان الجهاد فى الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة، ثم خففه الله بقوله (الآن خفف الله عنكم) أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ ٧٤ قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. ﴿النوع الثالث) بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة (الأول) قوله (هو اجتباكم) ومعناه أن التكليف تشريف من اللّه تعالى للعبد، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته، فأى رتبة أعلى من هذا، وأى سعادة فوق هذا، ويحتمل فى اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير . أما قوله تعالى ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج) روى أن أبا هريرة رضى الله عنه قال كيف قال الله تعالى ( وما جعل عليكم فى الدين من حرج ) مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضى الله عنهما: بلى ولكن الإصر الذى كان على بنى اسرائيل وضع عنكم، وههنا سؤالات: ﴿ السؤال الأول) ما الحرج فى أصل اللغة؟ (الجواب) روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم؟ قال الضيق، وعن عائشة رضى الله عنها ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق)). ﴿السؤال الثانى) ما المراد من الحرج فى الآية؟ (الجواب) قيل هو الإتيان بالرخص، فمن لم يستطع أن يصلى قائما فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليوم، وأباح للصائم الفطر فى السفر والقصر فيه . وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشىء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة، وعن ابن عمر رضى الله عنهما (( أنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضى بين الناس)) وعن النبى صلى الله عليه وسلم (إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما)، وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهن إلا للأنبياء ((جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم فى الدين من حرج، وقال أدعونى أستجب لكم)) ( السؤال الثالث) استدلت المعتزلة بهذه الآية فى المنع من تكليف مالا يطاق، فقالوا: هذا خلق اللّه الكفر والمعصية فى الكافر والعاصى ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفى بصريح هذا النص (والجواب) لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضى انقلاب علمه جهلا فقد أمر الله المكلف بقلب علم اللّه جهلا وذلك من أعظم الحرج، ولما استوى القدمان زال السؤال. ( الموجب الثانى) لقبول التكليف قوله (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) وفى نصب الملة وجهان (أحدهما) وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ( والثانى) أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أى أعنى بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هى شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. و العرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيرورتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات : ٧٥ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. ﴿ السؤال الأول) لم قال (ملة أبيكم إبراهيم) ولم يدخل فى الخطاب المؤمنون الذين كانوا فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا من ولده؟ (والجواب) من وجهين (أحدهما) لما كان أكثرهم من ولده کالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك (وثانيهما) وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة ابراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده، ومنه قوله تعالى ( النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم) جمل حرمته كرمة الوالد على الولد، وحرمة نسائه كرمة الوالدة على ما قال تعالى ( وأزواجه أمهاتهم). ﴿ السؤال الثانى) هذا يقتضى أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى ( أن اتبع ملة إبراهيم)، (الجواب) هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان، فكأنه تعالى قال: عبادة الله وترك الأوثان هى ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع. ﴿ السؤال الثالث) ما معنى قوله تعالى (هو سماكم المسلمين من قبل)؟ (الجواب ) فيه قولان (أحدهما ) أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، فإن لكل فى دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام (ربنا واجعلنا مسلمينلك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) فاستجاب اللّه تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروى أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين (وانثانى) أن الكناية راجعة إلى الله تعالى فى قوله (هو اجتباكم) فروى عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إن الله سماكم المسلمين من قبل ) أى فى كل الكتب ، وفى هذا أى فى القرآن. وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال ( ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس) فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله، ويدل عليه أيضاً قراءة أبى بن كعب (الله سماكم) والمعنى أنه سبحانه فى سائر الكتب المتقدمة على القرآن، وفى القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسما كم بهذا الإسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة. فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو ( العلة الثالثة ) الموجبة لقبول التكليف، وأما الكلام فى أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم فى سورة البقرة ، وبينا أنه أخذمنه ما يدل على أن الإجماع حجة . ( النوع الرابع) شرح ما يجرى مجرى المؤكد لما مضى، وهو قوله ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هى المعهودة واعتصموا بالله أى بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته، قال ابن عباس ((سلوا الله العصمة عن كل المحرمات)) وقال القفال اجعلوا اللّه عصمة لكم ما تحذرون هو مولاكم وسيدكم والمتصرف فيكم فنعم المولى ونعم النصير ، فكانه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات ٧٦ قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اركعوا. سورة الحج. من وجوه ( أحدها) أن قوله ( لتكونوا شهداء على الناس) يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضياً، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد أن تكونوا جميعاً صالحين عدولا ، وقد علمنا أن منهم فاسقاً ، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلا (وثانيها) قوله (واعتصموا بالله) وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشرلا يوجد إلا منه؟ (وثالثها) قوله ( فنعم المولى) لأنه لو كان كا يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى، بل كان لا يوجد من شرار الموالى أحد إلا وهو شرمنه. فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً (١) فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين . فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى، (ورابعها) أن قوله ( سماكم المسلمين من قبل) يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل اللّه تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. ( والجواب) عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلا ، فتقول : إن كانت إرادة الشىء مستلزمة لإرادة لوازمه فارادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لارادة جهل اللّه تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه، وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام . وأما قوله ( واعتصموا بالله) فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة فى قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهى وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع فى الفجور والضلال، وفى الشاهد كل من فعل ذلك فانه يكون بتس المولى، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية . ثم تفسير سورة الحج، ويتلوه تفسير سورة المؤمنون، والحمد لله رب العالمين (١) كيف هذا مع قوله تعالى فى سورة محمد عليه السلام (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) ولتوجيهه هذا الكلام يقال المولى فى الآيات بمعنى الناصر والمعين. وقد عنى به المصنف السيد والمالك والرب. ٧٧ قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون. الجزء الثامنعشر (٢٣) سُورَة المُؤْمِنُونَ فِكِيَّة وَآيَاتِهابما نِى عَشِرَةُ وَمَّانَبْ بِسْـ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١٤) الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ الَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلَّكَوَةِ فَِلُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ ◌ِفُرُوِجِهِمْ حَفِظُونَ ﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَامَلَكَتْ أَتُهُمْ فَإِنَهُمْ غَبْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَّكَ مُمُ الْعَادُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَتَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَ صَلَوَاتِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ أُوْلَكَ هُمُ الْوَّرِئُونَ ( * الَّذِينَ يَ قُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُ ونَ (3) بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قد أفلح المؤمنون، الذين هم فى صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم الزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ إعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعاً لصفات سبع، وقبل الخوض فى شرح تلك الصفات لا بد من بحثين : ( البحث الأول ) أن (قد) نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولاشك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة، وهى الإخبار بثبات الفلاح لهم خوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه . ٧٨ قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون. (البحث الثانى)) الفلاح الظفر بالمراد وقيل البقاء فى الخير، وأفلح دخل فى الفلاح كا بشر دخل فى البشارة، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول، وعنه أفلحوا على لغة أكلونى البراغيث أو على الإبهام والتفسير . ( الصفة الأولى ) قوله (المؤمنون) وقد تقدم القول فى الإيمان فى سورة البقرة. ﴿ الصفة الثانية) قوله (الذين هم فى صلاتهم خاشعون) واختلفوا فى الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الإلتفات،ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى. فالخاشع فی صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهايه الخضوع والتذلل للمعبود، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شىء سوى التعظيم، وما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده ، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً ولا شمالا، ولكن الخشوع الذى يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فان ما يتعلق بالقلب لا يرى، قال: الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء فى صلاتهم، وكان رسول اللّه ◌ُ لِّم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأً وكان لا يجاوز بصره مصلاه، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب فى الصلاة ؟ قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور: (أحدها) قوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا ) معناه قف على جائبه ومعانيه ( وثانيها) قوله تعالى (وأقم الصلاة لذكرى) وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل فى جميع صلاته كيف يكون مقيما الصلاة لذكره ( وثالثها ) قوله تعالى ( ولا تكن من الغافلين ) وظاهر النهى للتحريم (ورابعها) قوله ( حتى تعلموا ما تقولون) تعليل لنهى السكران وهو مطرد فى الغافل المستغرق المهتم بالدنيا (وخامسها) قوله عليه السلام ((إنما الخشوع لمن تمكن وتواضع)) وكلمة إنما للحصر، وقوله عليه السلام ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً)) وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، وقال عليه السلام (((كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب)) وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضاً ((ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل)) ( وسادسها ) قال الغزالى رحمه الله: المصلى يناجى ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه، وهو كسر الحرص واغناء الفقير.، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر اسطوة الهوى التى هى عدوة الله تعالى. فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الإبتلاء سواء كان القلب حاضراً أو لم يكن. أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود، أما الذكر فانه مناجاة مع الله تعالى. فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات، ٧٩ قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون. ولاشك فى فساد هذا القسم فان تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح. فثبت أن المقصودمنه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبراً عما فى القلب من التضرعات فأى سؤال فى قوله ( إهدنا الصراط المستقيم) وكان القلب غافلا عنه؟ بل أقول لو حلف إنسان، وقال: والله لأشكرن فلاناً وأثنى عليه وأسأله حاجة. ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعانى على لسانه فى اليوم لم يبر فى يمينه ولو جرى على لسانه فى ظلمة الليل وذلك الانسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير باراً فى يمينه ، ولا يكون كلامه خطاباً معه ما لم يكن حاضراً بقلبه، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر فى بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر باراً فى يمينه، ولاشك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى، فاذا كان القلب محجوباً بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال الله وكبريائه، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول. وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم. وان جاز أن يكون تعظيما لله تعالى مع أنه غافل عنه ، لجاز أن يكون تعظيما للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عماداً للدين، وفاصلا بين الكفر والإيمان ، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة، ويجب القتل بيه على الخصوص ، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لابد فيها من الحضور (وسابعها ) أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوى الحضور أو الغيبة والحضور معاً. فإذا احتيج إلى التدبر فى معنى السلام الذى هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر فى معنى التكبير والتسبيح التى هى الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه ( والجواب ) من وجوه ( أحدها ) أن الحضور عندنا ليس شرطاً للاجزاء ، بل شرط للقبول ، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب. والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لاعن حكم الثواب، وغرضنا فى هذا المقام هذا، ومثاله فى الشاهد من استعار منك ثوباً ثم رده على الوجه الأحسن ، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة، ولكنه استحق الذم. كذا من عظم الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقبما للفرض مستحقاً للثواب، ومن استهان بها صار مقيما للفرض ظاهراً لكنه استحق الذم ( وثانيها) أنا تمنع هذا الإجماع، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع، واحتجوا عليه بأن السجود لله تعالى طاعة والصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر فى ذاته ولوازمه، فلا بد من أمر لأجله صار السجود فى إحدى الصورتين طاعة ، ٨٠ قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون. سورة المؤمنون. وفى الأخرى معصية، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال الداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور، فلهذا اتفقوا على أنه لابد من الحضور، أما الفقها. فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله فى تنبيه الغافلين: أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر. وأما الغزالى رحمه اللّه فإنه نقل عن أبى طالب المكى عن بشر الحافى أنه قال: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن رحمه الله: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهى إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو فى الصلاة فلا صلاة له. وروى أيضاً مسنداً قال عليه السلام ((إن العبد ليصلى الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ماعقل منها)) وقال عبد الواحد بن زيد: أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقها. بأسرهم حكموا بالجواز، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة ، فقيل له فى ذلك فقال: أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبنى الشافعى ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاقبنى أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الاختلاف والله أعلم. ﴿ الصفة الثالثة) قوله تعالى ( والذين هم عن اللغو معرضون) وفى اللغو أقوال (أحدها) أنه يدخل فيه كل ما كان حراماً أو مكروها أو كان مباحاً، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة (وثانيها) أنه عبارة عن كل ما كان حراماً فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول (وثالثها) أنه عبارة عن المعصية فى القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثانى (ورابعها) أنه المباح الذى لا حاجة إليه، واحتج هذا القائل بقوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم) فكيف يحمل ذلك على المعاصى التى لابد فيها من المؤاخذة، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمى لغواً بما أنه يلغى وكل ما يقتضى الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو، فوجب أن يكون كل حرام لغواً، ثم اللغو قد يكون كفراً لقوله ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه) وقد يكون كذباً لقوله (لا تسمع فيها لاغية) وقوله ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما) ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه، وعلى هذا الوجه قال تعالى ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع فى الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم. ﴿ الصفة الرابعة) قوله تعالى (والذين هم للزكاة فاعلون) وفى الزكاة قولان (أحدهما) قول أبى مسلم: أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضی، کقوله (قد أفلح من تزكى) وقوله(غلا تزكوا أنفسكم) ومن جملته ما يخرج من حق المال، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله