Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم. سورة الحج.
هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ قَالَّذِ ينَ كَفَرُوْ قُطِعَتْ لَهُمْ نِبَابٌ مِّنِ نَّارِ
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَيمُ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ، مَنِ بُطُونِمْ وَالْجُلُودُ ﴾
وَلَهُمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ كُّمَ أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمْ أَعِدُواْ فِيهَا
وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيِقِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ جَنَّتٍ
دون كثير منهم فانه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب. ( القول الثانى) فى تفسير
السجود أن كل ماسوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا
عند الإنتهاء إلى الواجب لذاته كما قال (وأن إلى ربك المنتهى) وكما أن الإمكان لازم للممكن حال
حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتى اللازم
الماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار
الذاتى،. قد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتى فانه متنع التغير والتبدل ،
فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أى خاضعة متذلئة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى
تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وهذا قول القفال
رحمه الله (القول الثالث) أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى (يتفيؤ ظلاله عن
اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون) وهو قول مجاهد .
وأما قوله ( كثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ) فقال ابن عباس فى رواية عطاء
و کثیر من الناس يوحده وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده، وروى عنه أيضاً أنه قال وكثير
من الناس فى الجنة. وهذه الرواية تؤكد ماذكرنا أن قوله ( وكثير من الناس ) مبتدأ وخبره
محذوف، وقال آخرون: الوقف على قوله ( وكثير من الناس ) ثم استأنف فقال ( وكثير حق
عليه العذاب ) أى وجب باباته وامتناعه من السجود .
وأما قوله تعالى ( ومن يهن الله فما له من مكرم) فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس
لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم ، ثم بين بقوله ( إن الله يفعل
ما يشاء ) أنه الذى يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب، والله أعلم
قوله تعالى : ﴿ هذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار
يصب من فوق رؤوسهم الحميم . يصهر به ما فى بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد. كلما
أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ، وذوقوا عذاب الحريق، إن الله يدخل الذين آمنوا

٢٢
قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم. سورة الحج.
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِهَا حِيرٌ
وَهُدُوَاْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرِطِ الْحَمِيدِ
٢٣
وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً
ولباسهم فيها حرير . وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
(القراءة): روى عن الكسائى (خصمان) بكسر الخاء، وقرى. (قطعت) بالتخفيف كان الله
يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: (كلما
أرادوا أن يخرجوا منها من غم ردوا فيها) الحسن (يصهر) بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرى. (ولؤلؤاً)
بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلوا بقلب الهمزة الثانية واواً،
وأعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكرههنا
كيفية اختصاصهم، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله ( هذان خصمان اختصموا)،
( والجواب) الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان
يختصمان، فقوله (هذان) لفظ واختصموا للمعنى كقوله(ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا).
المسألة الثانية ﴾ ذكروا فى تفسير الخصمين وجوهاً (أحدها) المراد طائفة المؤمنين
وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون فى ذلك، قال ابن عباس رضى الله
عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة (فى ربهم ) أى فى ذاته وصقاته (وثانيها ) روى أن أهل
الكتاب قالوا نحن أحق باللّه وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله
آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم
به حسداً ، فهذه خصومتهم فى ربهم (وثالثها) روى قيس بن عبادة عن أبى ذر الغفارى رحمه الله أنه
كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت فى ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلى وعبيدة
ابن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، وقال على عليه السلام أنا أول من يحثو
للخصومة بين يدى الله تعالى يوم القيامة. ( ورابعها) قال عكرمة هما الجنة والنار قالت النار
خلقنى الله لعقوبته وقالت الجنة خلقنى اللّه لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه
وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره
1

٢٣
قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم. سورة الحج.
قوله ( هذان) كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة ، وأيضاً ذكر صنفين أهل
لماعته وأهل معصيته من حق عليه العذاب ، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما ، فمن خص به
مشركى العرب أو اليهود من حيث قالوا فى كتابهم ونبيهم ماحكيناه فقد أخطأ ، وهذا هو الذى
يدل عليه قوله ( إن الله يفصل بينهم) أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضى الواقع بعده يكون
حكما فبين اللّه تعالى حكمه فى الكفار، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة (أحدها ) قوله (قطعت
لهم ثياب من نار) والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)
عن أنس ، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى (شرابيلهم من
قطران ) وأخرج الكلام بلفظ الماضی کقوله تعالى ( ونفخ فى الصور)، ( وجاءت كل نفس
معها سائق وشهيد) لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع ( وثانيها) قوله ( يصب من فوق
رءوسهم الحميم ) يصهر به مافى بطونهم والجلود ، الحميم الماء الحار ، قال ابن عباس رضى الله عنهما
لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها ، يصهر أى يذاب أى إذا صب الحميم على رءوسنهم
كان تأثيره فى الباطن نحو تأثيره فى الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ
من قوله (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم) (وثالثها) قوله ( ولهم مقامع من حديد) المقامع السياط
وفى الحديث (لو وضعت مقمعة منها فى الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها) وأما قوله(كلا
أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى
كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم خرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن
النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا فى أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً
وقيل لهم فوقوا عذاب الحريق ، والحريق الغليظ من النار العظيم الاهلاك، ثم إنه سبحانه ذكر
حكمه فى المؤمنين من أربعة أوجه (أحدها) المسكن، وهو قوله (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار)، (وثانيها) الحلية، وهو قوله ( يحلون فيها من أساور من
ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير) فبين تعالى أنه موصلهم فى الآخرة إلى ماحرمه عليهم فى الدنيا
من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحال للنساء فى الدنيا يسير بالإضافة
إلى ما سيحصل لهم فى الآخرة ( وثالثها) الملبوس وهو قوله ( ولباسهم فيها حرير)، (ورابعها)
قوله ( وهدوا إلى الطيب من القول ) وفيه وجوه (أحدها ) أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب
من القول لقوله ( ومثل كلمة طيبة) وقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب وهو صراط الحميد) لقوله
(وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم)، (وثانيها) قال السدى وهدوا إلى الطيب من القول هو القرآن
(وثالثها ) قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذى صدقنا وعده
(ورابعها) أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التى تأتيهم من قبل اللّه تعالى
بدوام النعيم والسرور والسلام، وهو معنى قوله (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم

٢٤
قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله. سورة الحج.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِىِ جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ
سَوَاءُ الْعَلَكِّفُ فِهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِهِ بِالْحَامِ بِظُلٍْ نُذِقُهُ مِنْ عَذّابٍ أَلِيمٍ ﴾
بما صبرتم فنعم عقبى الدار) وعندى فيه وجه ( خامس) وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى
الحجاب للأرواح البشرية فى الاتصال بعالم القدس فاذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت
الأنوار الإلهية، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا
إلى صراط الحميد) والتعبير عنها هو المراد من قوله (وهدوا إلى الطيب من القول).
قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس
سواء العاكف فيه والباد ، ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾
اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت وعظم كفر هؤلاء
فقال (إن الذين كفروا) بما جاء به محمد مهر له (ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام) وذلك بالمنع
من الهجرة والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك. وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو قوله
(ويصدون عن سبيل الله) الماضى وهو قوله (كفروا) (والجواب) عنه من وجهين (الأول)
أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لايراد به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار
وجود الإحسان منه فى جميع أزمنته وأوقاته ، فكانه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن
سبيل الله، ونظيره قوله (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) (وثانيهما) قال أبو على الفارسى
التقدير إن الذين كفروا فيما مضى. وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم يفعلون ذلك فى الحال
والمستقبل ، أما قوله (والمسجد الحرام) يعنى ويصدونهم أيضاً عن المسجد الحرام، قال ابن عباس
رضى الله عنهما نزلت الآية فى أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله مؤلف عام
الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدى فكره رسول الله وبين قتالهم
وكان محرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود فى العام القابل .
أما قوله ( الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال أبو على الفارسى أى جعلناه للناس منسكا ومتعبداً وقوله ( سواء
العاكف فيه والباد ) رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أى العاكف والباد فيه سواء، وتقدير الآية
المسجد الحرام الذى جعلناه للناس منسكا فالعا كف والبادى فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب سواء
بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين والله أعلم.

٢٥
قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله. سورة الحج.
المسألة الثانية ﴾ العاكف المقيم به الحاضر. والبادى الطارى. من البدو وهو النازع إليه
من غربته . وقال بعضهم يدخل فى العاكف القريب إذا جاور ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله .
المسألة الثالثة ﴿ اختلفوا فى أنهما فى أى شىء يستويان قال ابن عباس رضى الله عنهما فى
بعض الروايات إنهما يستويان فى سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمغزل الذى يكون
فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب
هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام واختجوا عليه بالآية والخبر ، أما الآية فهى هذه قالوا إن
أرض مكة لا تملك فانها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادى ، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل
المساجد، وأما الخبر فقوله عليه السلام: ((مكة مباح لمن سبق إليها)) وهذا مذهب ابن عمر وعمر
ابن عبد العزيز ومذهب أبى حنيفة وأسحق الحنظلى رضى الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام
الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى ( سبحان الذى
أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) وههنا قد دل الدليل وهو قوله ( العاكف) لأن المراد منه
المقيم إقامة ، وإقامته لا تكون فى المسجد بل فى المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأرادمكة
(القول الثانى) المراد جعل الله الناس فى العبادة فى المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادى وبالعكس
قال عليه السلام ((يابنى عبد مناف من ولى منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا
البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار) وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة.
وقدجرت مناظرة بين الشافعى واسحق الحنظلى بمكة وكاناسمق لابرخص فی کراء بيوت مكة، واحتج
الشافعى رحمه الله بقوله تعالى (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) فأضيفت الدار إلى مالكها
وإلى غير مالكها ، وقال عليه السلام يوم فتح مكة «من أغلق بابه فهو آمن)» وقال صلى اللّه عليه
وسلم ((هل ترك لنا عقيل من ربع)) وقد اشترى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما دار السجن. أترى
أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها؟ قال اسحق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتنى تركت
قولى. أما الذى قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف، فضعيف لأن العاكف
قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام، أو فى الأكثر فلا يلزم ماذكروه، ويحتمل
أن يراد بالعا كف المجاور للمسجد المتمكن فى كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن
ظاهره مع هذه الاحتمالات .
أما قوله ( ومن يرد فيه بالحاد بظلم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ) قرى" (يرد) بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بالحاد وعن الحسن
ومن يرد إلحاده بظلم ، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه ، فالإضافة صحيحة على الاتساع فى الظرف
كمكر الليل والنهار، ومعناه ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً.

٢٦
قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله. سورة الحج.
المسألة الثانية ﴾ الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر، وذكر المفسرون فى تفسير
الإلحاد وجوها (أحدها) أنه الشريك، يعنى من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه اللّه تعالى، وهو
إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبى رياح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل
( وثانيها) قال ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت فى عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبى صلى الله
عليه وسلم فارتد مشركا، وفى قيس بن ضبابة وقال مقاتل : نزلت فى عبد الله بن خطل حين قتل
الأنصارى وهرب إلى مكة كافراً ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافراً (وثالثها)
قتل مانهى الله تعالى عنه من الصيد (ورابعها) دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم
(وخامسها) أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير (وسادسها) المنع من عمارته (وسابعها) عن
عطاء قول الرجل فى المبايعة لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما
فى الحل والآخر فى الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم فى الحل ، فقيل له فقال: كنا نحدث
أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله (وثامنها) وهو قول المحققين: أن الإلحاد
بظلم عام فى كل المعاصى ، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه فى سائر البقاع حتى قال
ابن مسعود رضى الله عنه: لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً
وقال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات ، فان قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله
( نذقه من عذاب أليم) غير لائق بكل المعاصى قلنا لا نسلم، فان كل عذاب يكون أليماً، إلا أنه
تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية .
١
﴿ المسألة الثالثة﴾ الباء فى قوله (بإلحاد) فيه قولان (أحدهما) وهو الأولى وهو اختيار صاحب
الكشاف أن قوله ( بالحاد بظلم ) حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه
قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلا عن القصد ظالماً نذقه من عذاب أليم، يعنى أن الواجب على من
كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل فى جميع ما يهم به ويقصده ( الثانى) قال
أبو عبيدة : مجازه ومن يرد فيه إلحاداً والباء من حروف الزوائد .
﴿ المسألة الرابعة﴾ لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا
الإلحاد ما يكون ميلا إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو
ظلم ، ولذلك قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم).
أما قوله تعالى ( نذقه من عذاب أليم ) فهو بيان الوعيد وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ من قال الآية نزلت فى ابن خطل قال: المراد بالعذاب أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قتله يوم الفتح، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم ، بل يجب أن يكون المراد
العذاب فى الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به .

٢٧
قوله تعالى: وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت. سورة الحج.
وَإِذْ بَوَّأَنَا لِإِبَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن ◌َّأُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَّهِرْ بَيْتِىَ لِلَِّفِينَ
وَالْقَِّينَ وَالرَُِّّ السُّجُودِ ﴾ وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ
ضَامٍ يَأْتِنَ مِن كُلّ فَجْ عَمِقٍ (٥) لَِّثْهُواْمَنَفِعَ لَهُمْ وَبَذْكُرُواْأَسْمَ اللَّهِ فِى أَبٍَّ
مَّعْلُومَاتٍ عَ مَارَزَقَهُمْ مِنْ بِمَةِ الْأَنْعَنِمِ فَكُواْ مِنْهَ وَأَطْعِمُواْ الْبَايِسَ الْفَقِيرَ
، ثُمَ لَيَقْضُواْ تَفَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيِقِ
٢٨
٢٩
المسألة الثانية) أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بارادته للظلم كما يستحقه
على عمل جوارحه .
المسألة الثالثة ﴾ ذكروا قولين فى خبر إن المذكور فى أول الآية (الأول ) التقدير إن
الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلنا الجملتين (الثانى) أنه
محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام
نذيقهم من عذاب أليم. وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.
قوله تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين
والقائمين والركع السجود. وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج
عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا
منها وأطعموا البائس الفقير، ثم ليقضوا تفتهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق
إعلم أن قوله (وإذ بوأنا) أى واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أى مرجعاً يرجع
إليه العمارة والعبادة، وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله
تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ماحوله فبناه على وضعه الأول ، وقيل أمر
إبراهيم بأن يأتى موضع البيت فيبى ، فانطلق تخفى عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام
فى العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن على قدرى
وحيالى فأخذ فى البناء وذهبت السحابة، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) لا شك أن أن هى المفسرة فكيف يكون النهى عن الشرك، والأمر

٢٨
قوله تعالى : وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت. سورة الحج.
بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة (الجواب) أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم، فكأنه قيل
ما معنى كون البيت مرجعاً له ، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك
والنظير ، وبقالبه مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام.
﴿السؤال الثانى) أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي (الجواب) المعنى
لا تجعل فى العبادة لى شريكا ، ولا تشرك بى غرضاً آخر فى بناء البيت .
﴿السؤال الثالث) البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال وطهر بتى (الجواب ) لعل
ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء البيت فى ذلك المكان
وتطهيره من الأقذار ، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناماً فأمره الله تعالى بتخريب ذلك
البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره
عما لا ينبغى من الشرك وقول الزور .
وأما قوله ( للطائفين والقائمين ) فقال ابن عباس رضى الله عنهما للطائفين بالبيت من غير
أهل مكة (والقائمين) أى المقيمين بها ( والركع السجود) أى من المصلين من الكل ، وقال آخرون
القائمون وهم المصلون، لأن المصلى لابد وأن يكون فى صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود
والله أعلم.
أما قوله تعالى ( وأذن فى الناس بالحج ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن محيصن (وآذن) بمعنى أعلم.
المسألة الثانية ﴾ فى المأمور قولان: (أحدهما) وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه
عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه (وأذن فى الناس بالحج)
قال يارب وما يبلغ صوتى؟ قال عليك الأذان وعلى البلاغ. فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفى
رواية أخرى أبا قبيس ، وفى رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول؟ قال جبريل عليه
السلام: قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى ، وفى رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال: يا أيها
الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بق شىء سمع صوته
إلا أقبل يلبى يقول: لبيك اللهم لبيك، وفى رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام
ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار، فأجابه يومئذ من كان فى أصلاب الرجال وأرحام النساء ،
وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب، قال مجاهد: فما حج إنسان
ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء ، فمن أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب
مرتين أو أكثر. فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال:
لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى، قال
القاضى عبد الجبار، يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج

٢٩
قوله تعالى : وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت. سورة الحج.
دون الجماد ، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع
الموانع ومثل ذلك قد يجوز فى زمان الأنبياء عليهم السلام (القول الثانى) أن المأمور بقوله (وأذن)
هو محمد ◌ّ وهو قول الحسن واحتياراً كثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ماجاء فى القرآن وأمكن
حمله على أن محمداً مَّ الَّم هو المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت)
لا يوجب أن يكون قوله (وأذن) يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله ( وإذ بو أنا) أى واذكر
يا محمد ( إذ بو أنا) فهو فى حكم المذكور، فاذا قال تعالى ( وأذن ) فأليه يرجع الخطاب وعلى هذا
القول ذكروا فى تفسير قوله تعالى (وأذن) وجوها: (أحدها) أن الله تعالى أمر محمداً عَّه بأن
يعلم الناس بالحج ( وثانيها ) قال الجباقى أمره الله تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا
معه قال وفى قوله ( يأتوك) دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدى به ( وثالثها ) أنه ابتداء فرض
الحج من الله تعالى للرسول چلله
أما قوله ( يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرىء رجال بضم الراء
مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضى الله عنهما وقوله (وعلى كل ضامر) أى
ركباناً والضمور الهزال ضمر يضمر ضموراً، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها.
وإنما قال ( يأتين ) أى جماعة الإبل وهى الضوامر لأن قوله ( وعلى كل ضامر) معناه على إبل
ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل ولو قال يأتى على اللفظ صح وقرى. يأتون صفة للرجال والركبان،
والفج الطريق بين الجبلين ، ثم يستعمل فى سائر الطرق اتساعاً، والعميق البعيد قرأ ابن مسعود
معيق يقال بثر بعيدة العمق والمعق .
﴿ المسألة الثانية﴾ المعنى: وأذن، ليأتوك رجالا وعلى كل ضامر، أى وأذن ، ليأتوك على
هاتين الصفتين ، أو يكون المراد : وأذن فانهم يأتوك على هاتين الصفتين .
المسألة الثالثة﴾ بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم. وروى سعيد ابن جبير باسناده عن
النبى مَّ اله أنه قال ((إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشى
سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل يارسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة)).
﴿ المسألة الرابعة) إنما قال ( يأتوك رجالا ) لأنه هو المنادى فمن أتى بمكة حاجا فكأنه
أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه.
أما قوله ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما أمر بالحج فى قوله (وأذن فى الناس بالحج) ذكر حكمة
ذلك الأمر فى قوله ( ليشهدوا منافع لهم) واختلفوا فيها فبعضهم حلها على منافع الدنيا . وهى أن
يتجرو فى أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهى العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه
السلام، وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً، وهو الأولى.

٣٠
قوله تعالى : وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت. سورة الحج.
المسألة الثانية﴾ إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لاتوجد
فى غيرها من العبادات .
﴿ المسألة الثالثة﴾ كنى عن الذيح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون
عن ذكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلى فيما يتقرب به إلى الله تعالى
أن يذكر اسم الله تعالى، وأن يخالف المشركين فى ذلك فانهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان
قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتنستقبل القبلة، وزاد الكلى
فقال إن صلانى ونسكي ومحياى وماتى لله رب العالمين، قال القفال: وكان المتقرب بها وبإراقة
دمائها متصور بصورة من يفدى نفه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلباً لمرضاة
الله تعالى، واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته .
و المسألة الرابعة ﴾ أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات
أيام التشريق ، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس
واختيار الشافعى وأبى حنيفة رحمهم الله، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها
من أجل أن وقت الحج فى آخرها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة. والمشعر
الحرام وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر ، وقال ابن عباس فى رواية عطاء إنها يوم
النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبى مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها وهى
أيام النحر وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله.
أما قوله ( بهيمة الأنعام) فقال صاحب الكشاف: البهمة مبهمة فى كل ذات أربع فى البر
والبحر ، فبينت بالأنعام وهى الإبل والبقر والضأن والمعز.
أما قوله تعالى ( فكلوا منها ) فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا
لا يأكلون منها ترفعاً على الفقراء، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء
واستعمال التواضع، وقال الأكثرون إنه ليس على الوجوب. ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى
فىسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير )
ومنهم من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث ، ومذهب الشافعى رحمه
الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فان أطعم جميعها أجزأه وإن أكل جميعها لم يجزه، هذا
فيما كان تطوعاً، فأما الواجبات كالنذور والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم
التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق فلا يؤكل منها .
أما قوله ( وأطعموا البائس الفقير ) فلا شبهة فى أنه أمر إيجاب ، والبائس الذى أصابه بؤس
أى شدة والفقير الذى أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من فقار الظهر . قال ابن عباس البائس الذى
ظهر بؤسه فى ثيابه وفى وجهه ، والفقير الذى لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غنى

٣١
قوله تعالى: ذلك ومن يعظم حرمات الله. سورة الحج.
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِمْ مُمَتِ الَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُمِلَتْ لَكُمُ الْأَنْعَمُ
إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُ فَاجْتَئِبُواْالرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَئِّبُواْقَوْلَ الزُّورِ يَّ
حُنَفَآءَ لِلَِّ غَيْرَ مُشْرِ كِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَا نَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
أما قوله ( ثم ليقضوا تفتهم) قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير،
وقال المبرد أصل التفت فى كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. والمراد
ههنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، والمراد من القضاء إزالة التفث، وقال
القفال قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ( ثم ليقضوا تفهم)؟ فقال ما أفسر القرآن
ولكنا نقول للرجل ما أتفئك وما أدرنك. ثم قال القفال وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول
قول المثبت لاقول النافى .
أما قوله (وليوفوا نذورهم) فقرى. بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول فى الحج
من أنواع المناسك، ويحتمل أن يكون المراد ما أو جبوه بالنذر الذى هو القول، وهذا القول هو
الأقرب فان الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدى وغيره مالولا إيجابه لم يكن
الحج يقتضيه فأمر الله تعالى بالوفاء بذلك.
أما قوله ( وليطوفوا بالبيت العتيق) فالمراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة ،
أماكون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق ، ثم هو فى يوم النحر أو بعده ففيه
تفصيل، وسمى البيت العتيق لوجوه (أحدها) العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن
( و ثانيها) لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس
وقول ابن الزبير، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قصد أبرهة فعل به ما فعل،
فان قيل فقد تسلط الحجاج عليه (فالجواب ) قلنا ماقصد التسلط على البيت وإنما تحصن به
عبد الله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه ( وثالثها) لم يملك قط عن ابن عيينة (ورابعها) أعتق
من الغرق عن مجاهد ( وخامسها ) بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل ، وأعلم أن اللام فى
ليقضوا وليوفوا وليطوفوا لام الأمر، وفى قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف هذه
اللامات وفى قراءة أبى عمرو تحريكها بالكسر .
قوله تعالى: ﴿ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى
عليكم، فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين ومن يشرك

٣٢
قوله تعالى : ذلك ومن يعظم حرمات الله. سورة الحج.
أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ ◌َِقٍ ﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَبْرَ اللّه ◌َإِنَّهَ مِنْ تَقْوَى
الْقُلُوبِ
باللّه فكا نما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان سحيق. ذلك ومن يعظم شعائر
الله فانها من تقوى القلوب
قال صاحب الكشاف (ذلك) خبر مبتدأ محذوف أى الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة
من كلامه فى بعض المعانى فإذا أراد الخوض فى معنى آخر قال هذا وقد كان كذا ، والحرمة مالا يحل
هتكه وجميع ما كلفه التّه تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً فى جميع
تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس : الكعبة
الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام، وقال المتكلمون ولا
تدخل النوافل فى حرمات الله تعالى (فهو خير له عند ربه) أى فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام
بمراعاتها وحفظها، وقوله ( عند ربه ) يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل
من الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال
( وأحلت لكم الأنعام ) فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنغام
أيضاً تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهى محللة، واستثنى منه مايتلى فى كتاب الله من
المحرمات من النعم وهو المذكور فى سورة المائدة ، وهو قوله تعالى (غير محلى الصيد وأنتم حرم)
وقوله (حرمت عليكم) وقوله ( ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه، ثم إنه سبحانه لما حث
على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور . لأن توحيد
ألله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات، وإنما جمع الشرك وقول الزور فى سلك واحد لأن
الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة
الأوثان التى هى رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئاً لتماديه فى القبح
والسماجة ، وما ظنك بشىء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة، لكن لأن
وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. ثم قال
الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم فى المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل
إنه إنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً وهذا أقرب، وقوله (من الأوثان) بيان للرجس وتمييز
له كقوله عندى عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شىء ، فكانه قال
فاجتنبوا الرجس الذى هو الأوثان، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك، والزور من الزور
والازورار وهو الانحراف، كما أن الأفك من أفكه إذا صرفه، والمفسرون ذكروا فى قول الزور

٣٣
قوله تعالى : ذلك ومن يعظم حرمات الله. سورة الحج.
وجوها (أحدها ) أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من اقترائهم ( وثانيها ) شهادة
الزور عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائماً واستقبل الناس بوجهه
وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله) وتلا هذه الآية (وثائتها) الكذب والبهتان (ورابعها)
قول أهل الجاهلية فى تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ملكه وماملك.
أما قوله تعالى ( حنفاء لله) فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الإستقامة على قول بعضهم والميل
إلى الحق على قول البعض ، والمراد فى هذا الموضع ماقيل من أنه الاخلاص فكأنه قال تمسكوا
بهذه الأمور التى أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به. ولذلك
قال غير مشركين به . وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوى بما يأتيه من العبادة
الاخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما فى بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها .
وهو قوله ( ومن يشرك بالله فكانما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح فى مكان
سحيق) قال صاحب الكشاف إن كان هذا تشبيهاً مركباً فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك
نفسه إهلاكا ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير
فتفرقت أجزاؤه فى حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به فى بعض المهالك البعيدة. وإن كان
تشبيهاً مفرقاً فقد شبه الإيمان فى علوه بالسماء، والذى ترك الايمان وأشرك بالله كالساقط من
السماء والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذى يطرحه فى وادى الضلالة
بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة. وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء
مع كسرهما وهى قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرىء الرياح، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال
ذلك ومن يعظم شعائر الله واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك
فى الحج وقال بعضهم بل المراد الهدى خاصة والأصل فى الشعائر الأعلام التى بها يعرف الشىء فاذا
فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين (أحدهما) أن يختارها عظام الأجسام حساناً جساماً
سماناً غالية الأثمان ويترك المكاس فى شرائها ، فقد كانوا يتغالون فى ثلاثة ويكرهون المكاس
فيهن الهدى والأضحية والرقبة". روى عن ابن عمررضى الله عنهما عن أبيه (أنه أهدى نجيبة طلبت
منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله - له أن يبيعها ويشترى بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك، وقال بل
أهدها)) ((وأهدى رسول اللّه ◌َ ل مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة من ذهب))(والوجه الثانى)
فى تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى فى التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر
عظيم لا بد وأن يحتفل به ويتسارع فيه (فانها من تقوى القلوب) أى فان تعظيمها من أفعال ذوى
تقوى القلوب لخحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لابد من راجع من الجزاء
إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه . ولكن لما كان قلبه
حالياً عنها لا جرم لا يكون مجداً فى أداء الطاعات ، أما المخلص الذى تكون التقوى متمكنة فى قلبه
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ٣

٣٤
قوله تعالى : لكم فيها منافع إلى أجل مسمى. سورة الحج.
لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى تُمَّ مِلُّهَ إلَى الْبَيْتِ الْعَنِقِ ﴾ وَلِكُلّ أُمَّةٍ
جَعَلْنَا مَنْسَكَالِيَذْ كُوْ أَسْمَ الهِ عَ مَارَزَقَهُمْ مِنْ بِمَةِ الْأَنْعَدِّ فَإلَهُكُمْ إِلَهُ
وَإِدٌ فَلَهُ وَ أَسْلِمُواْ وَبَشِيرِ الْمُخْبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَالصَِّينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِمِ الصَّلَوْةِ وَبَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
٢٥
فانه يبالغ فى أداء الطاعات على سبيل الاخلاص، فإن قال قائل: ما الحكمة فى أن اللّه تعالى بالغ
فى تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة ؟ فالجواب.
قوله تعالى: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق، ولكل أمة جعلنا
منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر
المخبتين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمى الصلاة وما
رزقناهم ينفقون }
أعلم أن قوله تعالى ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ) لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدى
الذى فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أى فى التمسك
بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب.
وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها، فأما قوله إلى أجل
مسمى ففيه قولان (أحدهما) أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهديا فاذا
فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال
آخرون لكم فيها أى فى البدن منافع مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها
إذا اضطرر تم إليها إلى أجل مسمى يعنى إلى أن تنحروها هذه هى الرواية الثانية عن ابن عباس
رضى الله عنهما وهو اختيار الشافعى، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال ( لكم فيها منافع) أى فى
الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديا وروى أبو هريرة أنه عليه السلام «مر برجل يسوق
بدنة وهو فی جهد ، فقال علیه السلامار کبها فقال يارسولالله إنها هدی فقال ار کها ويلك)) وروى
جابر عن رسول اللّه مَّ اللّه أنه قال ((اركبوا الهدى بالمعروف حتى تجدوا ظهراً)) واحتج أبو حنيفة
رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك
عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه
الانتفاع بها فكذا ههنا .

٣٥
قوله تعالى: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى. سورة الحج.
أما قوله تعالى ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) فالمعنى أن لكم فى الهدايا منافع كثيرة فى دنياكم
ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أى وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية
إلى البيت ، كقوله (هدياً بالغ الكعبة) وبالجملة فقوله ( محلها ) يعنى حيث يحل نحرها، وأما البيت
العقيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) أى الحرم
كله فالمنحر على هذا القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه
السلام (( كل نجاح مكة منحر وكل نجاح منى منحر)) قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التى بلغت
منى فأما الهدى المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فان محله موضعه .
أما قوله تعالى ( ولكل أمة جلعنا منسكا ليذكروا اسم الله) فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم
السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة فى ذلك أن
يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة
كالذيح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما منسكا بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو
مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.
أما قوله تعالى ( فإلهكم إله واحد) ففى كيفية النظم وجهان (أحدهما) أن الإله واحد وإنما
اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح (الثانى) ( فإلهكم إله واحد)
فلا تذكروا على ذباتحكم غير اسم الله (فله اسلموا) أى اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه
إشراك البتة ، والمراد الانقياد لله تعالى فى جميع تكاليفه، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده
(وبشر المخبتين) والمخبت المتواضع الخاشع. قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار فى خبت من
الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار فى الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأنهم ، والخبت هو المطمئن
من الأرض . وللمفسرين فيه عبارات (أحدها) المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة (وثانيها)
المجتهدين فى العبادة عن الكلبى (وثالثها) المخلصين عن مقاتل (ورابعها) المطمتنين إلى ذكر الله تعالى
والصالحين عن مجاهد (وخامسها) هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.
ثم وصفهم الله تعالى بقوله (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) فيظهر عليهم الخوف من عقاب
اللّه تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران (أحدهما) الصبر على المكاره وذلك
هو المراد بقوله ( والصابرين على ما أصابهم) وعلى ما يكون من قبل اللّه تعالى، لأنه الذى يجب
الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب. فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب
بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة ( والثانى) الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند
الإنسان نفسه وماله. أما الخدمة بالنفس فهى الصلاة، وهو المراد بقوله (والمقيمى الصلاة ) وأما
الخدمة بالمال فهو المراد من قوله ( وما رز قناهم ينفقون ) قرأ الحسن (والمقيمى الصلاة) بالنصب
على تقدير النون ، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.

٣٦
قوله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله. سورة الحج.
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّنِ شَعَبْرِ الَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْ كُرُواْ أَسْمَ اللهِ عَلَيْهَا
صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذِّكَ
◌َرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (28) لَنْ يَلَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُ
الَّقْوَىُ مِنْكُمْ كَذَلِكَ سََّهَا لَكُمْ لِتُكَبِرُواْالَّهَ عَ مَا هَدَنْكُمْ وَبَثِيرِ الْمُحْسِنِينَ
قوله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف،
فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ، لن
ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على
ما هداكم وبشر المحسنين
إعلم أن قوله تعالى( والبدن) فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ البدن جمع بدنة كشب وخشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم أعظم
بدنها وهى الإبل خاصة، ولكن رسول اللّه بر القيم ألحق البقر بالإبل حين قال ((البدنة عن سبعة
والبقرة عن سبعة)) ولأنه قال ( فاذا وجبت جنوبها) وهذا يختص بالإبل فانها تنحر قائمة دون
البقر ، وقال قوم البدن الإبل والبقر التى يتقرب بها إلى الله تعالى فى الحج والعمرة، لأنه إنما
سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه ، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز فى النسك لأنها
صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر فى جمع ثمرة، وابن أبى إسحق بالضمتين
وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرى" بالنصب والرفع كقوله (والقمر قدرناه منازل) والله أعلم
المسألة الثالثة) إذا قال الله على بدنة، هل يجوز له نحرها فى غير مكة؟ قال أبو حنيفة ومحمد
رحمهما الله يجوز، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه
ذبحه بمكة ، ولو قال: لله على جزور، أنه يذبحه حيث شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة
الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدى فانه تعالى قال ( هدياً بالغ الكعبة)
فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدى، واحتج أبويوسف رحمه الله بقوله تعالى ( والبدن جعلناها لكم
من شعائر الله) فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدى، أجاب أبو حنيفة رحمه الله

٣٧
قوله تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله. سورة الحج.
بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهى جائزة فى سائر الأماكن.
أما قوله تعالى (جعلناها لكم) فاعلم أنه سبحانه لما لق البدن وأوجب أن تبدو فى الحج
جاز أن يقول ( جعلناها لكم من شعائر الله) أما قوله (لكم فيها خير ) فالكلام فيه ما تقدم فى قوله
( لكم فيها منافع ) وإذا كان قوله ( لكم فيها خير) كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب فى الآخرة
وما أخلق العاقل بالحرص على شىء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع ، أما قوله (فاذكروا
اسم الله عليها) ففيه حذف أى اذكروا اسم الله على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند
النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك، أما قوله (صواف)، فالمعنى قائمات قد
صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس ، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب
الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرى. ضوافى أى
خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله فى التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشر كون، وعن
عمروبن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الاطلاق عند الوقف ، وعن بعضهم صوافى نحو
قول العرب أعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة فى إصفافها ظهور كثرتها للناظرين
فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير
وأعلاء اسم الله وشعائر دينه، وأماقوله ( فاذا وجبت جنوبها) فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها
على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط ، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت ، والمعنى إذا
سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها (فكلوا منها) وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما
يجوز أكله منها (وأطعموا القانع والمعتر) القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل قال أبو عبيد
هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه ، قال الفراء والمعنى الثانى القانع
هو الذى لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضى بما قسم له وترك السؤال ، أما المعتر
فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهرى قال ابن الاعرابى
يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه ، قال أبو عبيد
والأقرب أن القانع هو الراضى بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذى يتعرض
ويطلب ويعتريهم حالا بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ
الحسن والمعترى وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضى لا غير يقال قنع فهو قنع وقائع.
أما قوله ( كذلك سخر ناها لكم) فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع
علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التى يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك
نعمة عظيمة من اللّه تعالى فى الدين والدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده (لعلكم تشكرون)
والمراد لكى تشكروا. قالت المعتزلة : هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا

٣٨
قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين آمنوا. سورة الحج.
إِنَّ اللَّهَيُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ إِنَّ اللّهَ لَيُحِبُّ كُلّ خَِّنٍ كَفُورٍ (﴾ أَذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَدْتَلُونَ بِأَهُمْ ظُلُواْ وَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ ﴾ الَّذِينَ أُنْرِجُواْ مِن
على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من
المعلوم أنه يطيع ، والكلام عليه قد تقدم غير مرة .
أما قوله تعالى ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ لما كانت عادة الجاهلية على ماروى فى القربان أنهم يلوثون بدمائها
ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال (لن ينال الله لحومها
ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) فبين أن الذى يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع
المهدى من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم، ومعلوم
أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه
قوله ( إليه يصعد الكلم الطيب ) .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور (أحدها ) أن الذى ينتفع به
المره فعله دون الجسم الذى ينتفع بنحره ( وثانيها) أنه سبحانه غنى عن كل ذلك، وإنما المراد
أن يجتهد العبد فى امتثال أوامره (وثالثها) أنه لما لم ينتفع بالأجسام التى هى اللحوم والدماء
وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلا وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم (ورابعها) أنه لما
شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولا وأنه لا ثواب
له ( والجواب) أما الأولان فقان، وأما الثالث فمعارض بالداعى والعلم، وأما الرابع فصاحب
الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب
أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ كلهم قرأوا ( ينال الله) ويناله بالياء إلا يعقوب فانه قرأ بالتاء فى الحرفين
فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل، ثم قال ( كذلك سخرها لكم)
والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على
ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا ، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره (وبشر المحسنين) كما قال
من قبل ( وبشر المخبتين ) والمحسن هو الذى يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً
إلى نفسه بتوفير الثواب عليه .
قوله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون
بأنهم ظلموا، وإن اللّه على نصرهم لقدير؛ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا

٣٩
قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين امنوا. سورة الحج.
دِيَدِهِم بِغَيْ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُوْ رَبْنَ اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِالنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَمْثِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعُ وَ صَلَوَاتٌ وَمَسَتِهُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسُْ اللهِ كَثِرًا وَلَيْنَصُرَنَّ
اللهُ مَن يَنصُهُ: إِنَّ اللّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ الَِّينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَانُواْ الزَّكْوَةَ وَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِّ وَلِّ عَقِبَةُ
٠ ٠٤
٤١
الأمورِ
الله ، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم
الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن اللّه لقوى عزيز، الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ﴾.
إعلم أنه تعالى لما بين مايلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وقد ذكرنا
من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان مايزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال (إن
الله يدافع عن الذين آمنوا) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله (ولولا دفع الله) وقرأ
ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما. وقرأ حمزة والكسائى وعاصم ( إن الله يدافع) بالألف
( ولولا دفع) بغير ألف ، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ فى الدفع عنهم، وقال الخليل يقال دفع الله
المكروه عنك دفعاً ودافع عنك دفاعاً والدفاع أحسنهما .
المسألة الثانية) ذكر ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا) ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أنهم
وأعظم وأعم ، وإن كان فى الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين ، فلذلك قال بعده ( إن الله لا يحب كل
خوان كفور ) فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال مقاتل. إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة، هذا حين
أمر المؤمنين بالكف عن كفارمكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبى مد يتم فى قتلهم سراً قتهاهم
المسألة الرابعة ﴾ هذه الآية بشارة للمؤمنين باعلائهم على الكفار وكف بوائقهم عنهم
وهى كقوله ( لن يضروكم إلا أذى) وقوله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) وقال ( إنهم لهم
المنصورون) (وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب)،
أما قوله تعالى ( إن الله لا يحب كل خوان كفور ) فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة فى أنه يدافع

٤٠
قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين آمنوا. سورة الحج.
عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم، وهو الخوان الكفورأى خوان فى أمانة الله كفور لنعمته
ونظيره قوله ( لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره
فأى خيانة أعظم من هذا ؟
أما قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم فى رواية حفص (أذن) بضم الألف
والباقون بفتحها أى أذن الله لهم فى القتال، وقرأ أهل المدينة وعاصم ( يقاتلون ) بنصب التاء،
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائى (أذن) بنصب الألف (ويقاتلون) بكسر التاء . قال الفراء
والزجاج: يعنى أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين فى المستقبل، ومن قرأ بفتح التاء
فالتقدير أذن للذين يقاتلون فى القتال .
المسألة الثانية ﴾ فى الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون فى القتال -حذف المأذون
فيه لدلالةَ يقاتلون عليه .
أما قوله (بأنهم ظلموا) فالمراد أنهم أذنوا فى القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله
عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإنى لم أومر بقتال
حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهى أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه فى نيه
وسبعين آية، وقيل نزلت فى قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن فى مقاتلتهم .
أما قوله ( وإن الله على نصرهم لقدير) فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن
أطعتنى فأنا قادر على مجازاتك لا يعنى بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك.
أما قوله تعالى ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ) فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا
فى القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن
يقولوا ربنا الله) فبين تعالى ظلهم لهم بهذين الوجهين: (أحدهما) أنهم أخرجوهم من ديارهم
(والثانى) أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا (ربنا الله) وكل واحد من الوجهين عظيم فى
انظلم ، فان قيل كيف استثنى من غير حق قولهم (ربنا الله) وهو من الحق؟ قلنا تقدير الكلام
أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذى ينبغى أن يكون موجب الاقرار والتمكين
لا موجب الاخراج والتسيير ، ومثله ( هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ) ثم بين سبحانه بقوله
( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت) أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر
قرأ نافع ( لهدمت ) بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) ما المراد بهذا الدفاع الذى أضافه إلى نفسه؟ (الجواب) هو إذنه لأهل
دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى: ولو لا دفاع اللّه أهل الشرك بالمؤمنين ، من حيث يأذن
لهم فى جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من