Indexed OCR Text

Pages 141-160

قوله تعالى : اقترب للناس حسابهم . سورة الأنبياء . ١٤١
فاضلا بل على أن فى الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لاتدل إلا على أن بعض الذكر
محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئاً كما أن قول
القائل الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئاً فظهر أن الذى ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً
ضعيفاً فضلا عن القطع. أما قوله ( إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الانتفاع بما يسمع
لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على
مجرد الاستماع الذى قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذههم بقوله ( لاهية قلوبهم)
واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل، وإنما ذكر اللعب مقدماً على اللهو كما فى قوله تعالى (إنما
الحياة الدنيا لعب ولهو ) تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذى معناه السخرية والاستهزاء معلل
باللهو الذى معناه الذهول والغفلة، فانهم أقدموا على اللعب للهوم وذهولهم عن الحق، واللّه
أعلم بالصواب .
{ المسألة الثانية) قال صاحب الكشاف (وهم يلعبون لاهية قلوبهم) حالان مترادفان أو
متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله (وهم).
أما قوله ( وأسروا النجوى الذين ظلموا) ففيه سؤالان:
﴿ السؤال الأول ) النجوى وهى اسم من التناجى لا تكون إلا خفية فما معنى قوله (وأسروا
النجوى ) (الجواب) معناه بالغوا فى إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم.
﴿ السؤال الثانى) لم قال (وأسروا النجوى الذين ظلموا) (الجواب) أبدل الذين ظلموا
من أسروا إشعاراً بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال أكلونى
البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره (أسروا النجوى ) قدم عليه والمعنى
وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم
أما قوله (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله فى محل النصب بدلا من النجوى
أى وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام.
المسألة الثانية)؛ إنما أسروا هذا الحديث لوجهين (أحدهما) أنه كان ذلك شبهة التشاور
فيما بينهم والتحاور فى طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا فى كتمان سرم
عن أعدائهم ( الثانى) يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان
ما تدعونه حقاً فاخبرونا بما أسروناه.
المسألة الثالثة﴾ أنهم طعنوا فى نبوته بأمرين (أحدهما) أنه بشر مثلهم (والثانى) أن الذى
أتى به سحر، وكلا الطعنين فاسد (أما الأول) فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل

١٤٢
قوله تعالى : قال ربي يعلم القول في السماء . سورة الأنبياء .
قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهَوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ بَلْ قَالُواْ
أَضْغَتُ أَهْلَئِمْ بَلِ أَفْتَنُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِقَالَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (2) مَآءَ
امَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَاَ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (®»
لا على الصور إذ لو بعث الملك اليهم لما علم كونه نبياً لصورته، وانما كان يعلم بالعلم فاذا ظهر
ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً لأن المرء
إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس ( وأما الثانى) وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام
سحر وأنهم يرون كونه سحراً بجهل أيضاً، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال
لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه ، فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالا بعد حال مدة من الزمان
وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وكانوا فى نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور فى إبطال
أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر
الدواعى وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوابها دلنا ذلك على أنه فى نفسه معجزة وأنهم
عرفوا حاله. فكيف يجوز أن يقال إنه سحر والحال على ماذكرناه ، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا
عالمين بصدقه ، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين .
قوله تعالى: ﴿ قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم، بل قالوا أضغاث
أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون. ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها
أفهم يؤمنون ﴾
أما قوله ( قال ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى) قرى (قال ربى ) حكاية لقول رسول الله لتم وهى قراءة حمزة
والكسائى وحفص عن عاصم وقرأ الباقون قل بضم القاف وحذف الألف وسكون اللام .
﴿ المسألة الثانية) أنه تعالى لما أورد هذا الكلام عقيب ماحكى عنهم وجب أن يكون
كالجواب لما قالوه فكأنه قال إنكم وإن أخفيتم قولكم، وطعنكم فإن ربى عالم بذلك وإنه من وراء
عقوبته. فتوعدوا بذلك لكن لا يعودوا إلى مثله.
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف فإن قلت فهلا قيل له يعلم السر لقوله ( وأسروا
النجوى) قلت القول عدم يشمل السر والجهر فكان فى العلم به العلم بالسر وزيادة فكان آكد
فى بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول ( يعلم السر) كما أن قوله تعالى ( يعلم السر) آكد من
أن يقول يعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد فى سورة الفرقان فى قوله (قل أنزله الذى يعلم السر

قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً . سورة الأنبياء . ١٤٣
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّورِحِىَ إِلَيْهِمْ فَسْعَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَ
تَعْلَمُونَ (﴾ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لََّ يَأْكُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِدِينَ (2)
فى السموات والأرض) قلت ليس بواجب أن يجى. بالآ كد فى قوله فى كل موضع ولكن يجى.
بالتوكيد مرة وبالآ كد مرة أخرى ، ثم الفرق أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد
أن يقول إن ربى يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة وثمة قصد وصف ذاته بأن
قال ( أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض) فهو كقوله (علام الغيوب)، (عالم الغيب
لا يعزب عنه مثقال ذرة ).
﴿ المسألة الثالثة) إنما قدم السميع على العليم لأنه لابد من سماع الكلام أولا ثم من
حصول العلم بمعناه ، أما قوله ( بل قالوا أضغاث أحلام، بل افتراه بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما
أرسل الأولون) فاعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم المتصل بقوله (هل هذا إلا بشر مثلكم
أفتأتون السحر ) ثم قال ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراء بل هو شاعر) فحكى عنهم ثم هذه
الأقوال الخمسة فترتيب كلامهم كأنهم قالوا ندعى أن كونه بشراً مانع من كونه رسولا لله تعالى.
سلمنا أنه غير مانع، ولكن لانسلم أن هذا القرآن مجز ، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن
خارجة عن مقدور البشر ، قلنا لم لا يجوز أن يكون ذلك سحراً وإن لم يساعد عليه فإن ادعينا كونه
فى نهاية الركاكة قلنا إنه أضغاث أحلام ، وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة قلنا إنه
افتراه، وإن ادعينا أنه كلام فصيح قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء، وعلى جميع هذه
التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزاً ، ولما فرغوا من تعديد هذه الاحتمالات قالوا (فليأتنا بآية كما
أرسل الأولون) فالمراد أنهم طلبوا آية جلية لا يتطرق إليها شىء من هذه الاحتمالات كالآيات
المنقولة عن موسى وعيسى عليهما السلام، ثم إن الله تعالى بدأ بالجواب عن هذا السؤال الأخير
بقوله ( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أنهم يؤمنون) والمعنى أنهم فى العتو أشد من الذين
اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم
اللّه، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكئاً. قال الحسن رحمه الله تعالى إنهم لم يجابوا لأن
حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى مااقترحه من الآيات فلا بد من أن ينزل به عذاب
الاستئصال وقد مضى حكمه فى أمة محمد رَ ليتم خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم .
قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون،
وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين، ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء

١٤٤
قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم . سورة الأنبياء .
ثُمَّصَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن ◌َّشَآءُ وَأَهْلَْكَا الْمُسْرِفِينَ (ي لَقَدْ أَزَلْنَآَ
إِلَيْكُمْ كِتَبًافِهِ ذِكُ كُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هُ
وأهلكنا المسرفين، لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون
اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم (ما هذا إلا بشرمثلكم) بقوله ( وما أرسلنا
قبلك إلا رجالا نوحى إليهم ) فبين أن هذه عادة اللّه تعالى فى الرسل من قبل محمد مر ◌ّه ولم يمنع
ذلك من كونهم رسلا الآيات التى ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم
فلا مقال عليه فى كونه بشراً فأما قوله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر) فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن
يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً ولم
يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين فى معاداة رسول الله چلتر
قال تعالى ( ولقسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيراً) فان
قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى ، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألؤهم عن الرسل قلنا إذا تواتر
خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر، مثل ما يعمل بخبر
المؤمنين . ومن الناس من قال المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين فى
القرآن وفى الرسول بولقم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية فى أن للعامى أن يرجع إلى فتيا
العلماء وفى أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافة وهى واردة
فى هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين. ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل
قبله جسداً لا يأكلون الطعام وفيه أبحاث:
﴿ البحث الأول) قوله ( لا يأكلون الطعام) صفة جسد والمعنى وما جعلنا الأنبياء ذوى
جسد غير طاعمين .
( البحث الثانى) وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوى ضرب من الأجساد.
﴿ البحث الثالث) أنهم كانوا يقولون ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا
أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) فأجاب الله بقوله (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) فبين تعالى
أن هذه عادة الله فى الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسداً لا ياً كلون بل جسداً يأكلون الطعام ولا
يخلدون فى الدنيا بل يموتون كغيرهم ، ونبه بذلك على أن الذى صاروا به رسلا غير ذلك وهو
ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات القادحة فى التبليغ ، أما قوله تعالى ( ثم صدقناهم
الوعد ) فقال صاحب الكشاف هو مثل قوله (واختار موسى قومه سبعين رجلا) والأصل
فى الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال ( ومن نشاء) هم المؤمنون ، قال المفسرون: المراد منه

قوله تعالى : وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة . سورة الأنبياء . ١٤٥
وَكَرْ قَصَمْنَا مِن قَرْبَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَّأْنَا بَعْدَهَا قَوْمَاءَ أَرِينَ (٨)
فَلََّ أَحَسُواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِنْهَا يَرْكُضُونَ (٨) لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ
أَعْ قْتُمْ فِيهٍ وَمَسَتِكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْعَلُونَ (9﴾ قَالُواْ يَوَ يُلَنَآَ إِنَّا كُا ◌َلِينَ (٨)
◌َا زَالَتْ قِلْكَ دَعْوَنُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ
١٥
أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل
ودون من صدق بهم، وجعل الوفاء بما وعد صدقاً من حيث يكشف عن الصدق ومعنى (وأهلكنا
المسرفين ) أى بعذاب الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم،
ثم بين تعال بقوله ( لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) عظيم نعمته عليهم بالقرآن فى الدين والدنيا
فلذلك قال فيه (ذكركم) وفيه ثلاثة أوجه (أحدها) ذكركم شرفكم وصيتكم، كما قال ( وإنه لذكر
لك ولقومك) (وثانيها) المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما يجب، ويكون
المراد بالذكر الوعد والوعيد، كما قال (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) . ( وثالثها) المراد
ذكر دينكم ما يلزم وما لا يلزم لتفوزُوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل، وقوله ( أفلا
تعقلون ) كالبعث على التدبر فى القرآن لأنهم كانوا غفلاء لأن الخوض من لوازم الغفلة والتدبر
دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل .
قوله تعالى: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ، فلما أحسوا بأسنا
إذا هم منها يركضون، لاتركضوا وارجعوا إلى ما أزفتم فيه ومسا كنكم لعلكم تسألون ، قالوا
ياويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين
إعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة السقوط
لأن شرائط الإعجاز لما تمت فى القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزاً، وعند ذلك ظهر أن
اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب الرياسة فيها فبالغ سبحانه فى
زجرهم عن ذلك فقال (ولم قصمنا من قرية) قال صاحب الكشاف القصم أفظع الكسر وهو
الكسر الذى يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعاً
لدلالة العقل على أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى (وأنشأنا بعدها قوماً آخرين)
فالمعنى أهلكنا قوما وأنشأنا قوماً آخرين وقال ( فلما أحسوا بأسنا - إلی قوله - قالوا ياويلنا
إنا كنا ظالمين) وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه
الفخر الرازى .- - ٢٢-١٠

١٤٦
قوله تعالى : وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة . سورة الأنبياء .
الدلائل لما جاز منه سبحانه ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهماً للكذب، واختلفوا فى هذا الإهلاك
فقال ابن عباس المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهى وسحول قريتان باليمن
ينسب إليهما الثياب، وفى الحديث (( كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثوبين سحوليين))
وروى ((حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت
المقدس فاستأصلهم)) وروى ((أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يالثارات الأنبياء))
فندموا واعترفوا بالخطأ، وقال الحسن: المراد عذاب الاستئصال, واعلم أن هذا أقرب لأن
إضافة ذلك إلى اللّه تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل
فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التى أرادها الله
تعالى بهذه الآية، وأما قوله تعالى ( فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ) فالمعنى لما علموا
شدة عذابنا وبطشنا على حس ومشاهدة ركضوا فى ديارهم، والركض ضرب الدابة بالرجل ، ومنه
قوله تعالى ( اركض برجلك) فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من
قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا فى سرعة عدوهم على أرجلهم بالرا كبين
الراكضين ، أما قوله ( لاتركضوا ) قال صاحب الكشاف القول محذوف، فان قلت من القائل
قلنا يحتمل أن يكون بعض الملائكة ومن ثم من المؤمنين ، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن
لم يقل، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم فى دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثون به
نفوسهم ، أما قوله ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومسا كنكم) أى من العيش والرفاهية والحال
الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهى الترفه، أما قوله تعالى (لعلكم تسألون) فهو تهكم بهم
وتوبيخ ، ثم فيه وجوه (أحدها ) أى ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غداً عما
جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة ( وثانيها) ارجعوا
كما كنتم فى مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم تأمرون وماذا
ترسمون كعادة المخدومين (وثالثها) تسألكم الناس فى أنديتكم لتعاونوهم فى نوازل الخطوب
ويستشيرونكم فى المهمات ويستعينون بآرائكم (ورابعها) يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم
إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك
تهكما إلى تهكم وتوبيخاً إلى توبيخ ، أما قوله تعالى ( فما زالت تلك دعواهم فقال صاحب الكشاف
تلك إشارة إلى ( يا ويلنا ) لأنها دعوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، والدعوى بمعنى
الدعوة قال تعالى (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) فان قلت لم سميت دعوى؟ قلت
لأنهم كانوا دعوا بالويل (فقالوا ياويلنا) أى ياويل احضر فهذا وقتك، وتلك مرفوع أو منصوب
اسما أو خبراً وكذلك (دعواهم) قال المفسرون لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك
كقوله تعالى ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) أما قوله ( حتى جعلناهم حصيداً خامدين)

قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما . سورة الأنبياء . ١٤٧
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَاَلْأَرْضَ وَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ () لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَتَّخِذَ لَهُوًّا
لَ تَخَذْنَهُ مِن ◌َُّنََّ إِن كُنَّ فَِلِينَ ﴾ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (٨)
فالحصيد الزرع المحصود أى جعلناهم مثل الحصيد شبههم به فى استئصالهم ، كما تقول جعلناهم رماداً
أى مثل الرماد فان قيل كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل، قلت حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد
والمعنى جعلناهم جامعين لهذين الوصفين، والمراد أنهم أهلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق لهم حس
ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار .
قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوآً لاتخذناه
من لدنا إن كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ما
تصفون ﴾ إعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان (الأول) أنه تعالى لما بين إهلاك
أهل القرية لأجل تكذيبهم أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا منه ومجازاة على ما فعلوا تقال
( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أى وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد
الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب،
وإنما سويناها لفوائد دينية ودنيوية أما الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما قال تعالى
(ويتفكرون فى خلق السموات والأرض) وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التى لا تعد
ولا تحصى وهذا كقوله ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) وقوله ( ما خلقناهما إلا
بالحق ) (والثانى) أن الغرض منه تقرير نبوة محمد بد لته والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه
فان كان محمد كاذباً كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفى عنه وإن كان صادقاً فهو
المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن.
المسألة الثانية ﴾ قال القاضى عبد الجبار دلت الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى إذ
لو كان كذلك لكان لاعباً فإن اللاعب فى اللغة اسم الفاعل اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل
يقتضى نفى الفعل ( والجواب) يبطل ذلك بمسئلة الداعى على مامر غير مرة أما قوله (لو أردنا
أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) فاعلم أن قوله ( لاتخذناه من لدنا) معناه من جهة
قدرتنا وقيل اللهو الولد بلغة اليمن وقيل المرأة وقيل من لدنا أى من الملائكة لا من الإنس رداً
لمن قال بولادة المسيح وعزير فأما قوله تعالى ( بل نقذف بالحق على الباطل ) فاعلم أن قوله ( بل)

١٤٨
قوله تعالى : وله من في السماء والأرض . سورة الأنبياء .
وَلَهُوَ مَنْ فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا
يَسْتَحْسِرُونَ (3) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
اضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا أن تتخذ اللهو واللعب بل من
عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق ، واستعار لذلك القذف
والدمغ تصويراً لإبطاله بجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو فدمغه ، وأما
قوله تعالى ( ولكم الويل ما تصفون) يعنى من تمسك بتكذيب الرسول عبد الله ونسب القرآن
إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل ، وهو الذى عناه بقوله ( مما تصفون).
قوله تعالى: ﴿وله من فى السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا
يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان (الأول ) أنه تعالى لما نفى اللعب
عن نفسه ونفى اللعب لا يصح إلا بنفى الحاجة ونفى الحاجة لا يصح إلا بالقدرة التامة، لاجرم عقب
تلك الآية بقوله ( وله من فى السموات والأرض) لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة (الثانى)
وهو الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين فى النبوات وأجاب عنها وبين أن غرضهم من تلك
المطاعن التمرد وعدم الإنقياد بين فى هذه الآية أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك لجميع
المحدثات والمخلوقات ، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية
الضعف أولى أن يطيعوه .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( وله من فى السموات والأرض) معناه أن كل المكلفين فى السماء
والأرض فهم عبيده وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف النعم ، فيجب على الكل طاعته
والانقياد لحكمه.
المسألة الثالثة﴾ دلالة قوله ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) على أن الملك أفضل
من البشر من ثلاثة أوجه قد تقدم بيانها فى سورة البقرة .
المسألة الرابعة﴾؛ قوله (ومن عنده) المراد بهم الملائكة باجماع الأمة ولأنه تعالى وصفهم
بانهم (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) وهذا لا يليق بالبشر وهذه العندية عندية الشرف والرتبة
لا عندية المكان والجهة ، فكأنه تعالى قال: الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالتهم لا يستكبرون
عن طاعته فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته .
المسألة الخامسة﴾ قال الزجاج ولا يستحسرون ولا يتعبون ولا يعيون قال صاحب
الكشاف فان قلت الاستحسار مبالغة فى الحسور فكان الأبلغ فى وصفهم أن ينفى عنهم أدنى

قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء . ١٤٩
أَمِ أَّخَذُوَاْءَالِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ لَوْ كَانَ فِهِمَاَءَالِهَةُّ إِلَّ اللهُ
لَفَسَدَتَا فَسُبْحَنَ اللَّهِرَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (﴾ لَا يُسْعَلُ مَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْعَلُونَ (﴿ أَمِ اَحَدُواْ مِن دُونِهِءَالِهَةٍّ ◌ُلْ هَاتُواْبُرْهَتَكُرْ هَذَا ذِكُمَنْ
مََِّ وَذِكُ مَن قَبْلِ بَلْ أَكْثُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَنَّ فَهُم ◌ُعْرِضُونَ ﴾ وَمَآَ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَأَعْبُدُونِ (
الحسور قلت فى الاستحار بيان أن ماهم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه وأنهم أحقاء لتلك
العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما يفعلون أما قوله تعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون )
فالمعنى أن تسبيحهم متصل دائم فى جميع أوقاتهم لا يتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر ، روى عن
عبد الله بن الحرث بن نوفل، قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى ( يسبحون الليل والنهار
لا يفترون) ثم قال (جاعل الملائكة رسلا) أفلا تكون تلك الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح
وأيضاً قال (أولئك عليهم لعنه الله والملائكة والناس أجمعين) فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم
بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من
الكلام فكذا اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. فان قيل هذا القياس غير صحيح لأن
الإشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام، لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما التسبيح واللعن
فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال ( والجواب ) أى استبعاد فى أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة
كثيرة ببعضها يسبحون الله وببعضها يلعنون أعداء الله، أو يقال معنى قوله (لا يفترون) أنهم
لا يفترون عن العزم على أدائه فى أوقاته اللائقة به كما يقال إن إفلانا يواظب على الجماعات لا يفتر
عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها فى أوقاتها.
قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون، لو كان فيهما آلهة إلا اللّه الغدتا
فسبحان الله رب العرش عما يصفون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أم اتخذوا من دونه آلهة قل
هاتوا برهانكم هذا ذكر من معى وذكر من قبلى بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ، وما
أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
اعلم أن الكلام من أول السورة إلى ههنا كان فى النبوات وما يتصل بها من الكلام
سؤالا وجواباً ، وأما هذه الآيات فانها فى بيان التوحيد ونفى الأضداد والأنداد .

١٥٠
قوله تعالى أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
أما قوله تعالى ( أم إنخذوا آلهة من الأرض ثم ينشرون) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف أم ههنا هى المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة
قد أذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر هو اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون
الموتى، ولعمرى إن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات ، فإن قلت كيف أنكر عليهم.
اتخاذ آلهة ينشرون وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا فى نهاية البعد عن هذه الدعوى ، فانهم
كانوا مع اقرارهم بالله وبأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون (من يحيي العظام
وهي رميم) فكيف يدعونه للجماد الذى لا يوصف بالقدرة البتة؟ قلت لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها
ولابد للعبادة من فائدة هى الثواب فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على
الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل ، يعنى إذا كانوا غير
قادرين على أن يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأى عقل يجوز اتخاذهم آلهة .
المسألة الثانية﴾ قوله (من الأرض ) كقولك فلان من مكة أو من المدينة تريد مكى
أو مدنى إذ معنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التى تعبد فى الأرض لأن الآلهة على
ضربين أرضية وسماوية ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض ، لأنها إما أن تكون منحونة من
بعض الحجارة أو معمولة من بعض جواهر الأرض .
المسألة الثالثة﴾ النكتة فى (هم ينشرون) معنى الخصوصية كأنه قيل أم اتخذوا آلهة من
الأرض لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم .
المسألة الرابعة﴾ قرأ الحسن (ينشرون) وهما لغتان أنشر الله الموتى ونشرها.
أما قوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال أهل النحو إلا ههنا بمعنى غير أى لو كان يتولاهما ويدبر أمورهما
شىء غير الواحد الذى هو فاطرهما لفسدتا، ولا يجوز أن يكون بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على
الإستثناء لكان المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه
لو كان فيهما آلهة معهم اللّه أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم يكن
الله معهم أوكان فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن المراد ما ذكرناه.
﴿ المسألة الثانية) قال المتكلمون القول بوجود إلهين يفضى إلى المحال فوجب أن يكون
القول بوجود إلهين محالا ، إنما قلنا إنه يفضى إلى المحال لأنالو فرضنا وجود إلهين فلابد وأن يكون
كل واحد منهما قادراً على كل المقدورات ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادراً على تحريك
زيد وتسكينه فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محال
لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع من وجود مراد كل واحد
منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود مراد ذلك وبالعكس . فلوامتنعا معاً لوجدا

قوله تعالى: أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء . ١٥١
معاً وذلك محال أو يقع مراد أحدهما دون الثانى وذلك محال أيضاً لوجهين: (أحدهما) أنه لوكان
كل واحد منهما قادراً على ما لانهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لابد وأن يستويا
فى القدرة. وإذا استويا فى القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما أولى بالوقوع من مراد الثانى
وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح ( وثانيهما) أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذى
وقع مراده يكون قادراً والذى لم يقع مراده يكون عاجزاً والعجز نقص وهو على اللّه محال . فان
قيل الفساد إنما يلزم عند اختلافهما فى الإرادة وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما فى الارادة
بل أقصى ما تدعونه ان اختلافهما فى الارادة ممكن ، فإذا كان الفساد مبنياً على الإختلاف فى الإرادة
وهذا الإختلاف ممكن والمبنى على الممكن ممكن فكان الفساد ممكناً لا واقعاً فكيف جزم الله
تعالى بوقوع الفساد؟ قلنا ( الجواب) من وجهين: (أحدهما ) لعله سبحانه أجرى الممكن مجرى
الواقع بناء على الظاهر من حيث إن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغائب (والثانى)
وهو الأقوى أن نبین لزوم الفساد لامن الوجه الذی ذکر ناه بل من وجه آخر ، فنقول لو فرضنا
إلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع المقدورات فيفضى إلى وقوع مقدور من قادرين
مستقلين من وجه واحد وهو محال لأن استناد الفعل إلى الفاعل لإمكانه فاذا كان كل واحد منهما
مستقلا بالايجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده إلى هذا لكونه
حاصلامنهما جميعاً فيلزم استغناؤه عنهما معاً واحتياجه اليهما معاً وذلك محال . وهذه حجة تامة فى
مسألة التوحيد، فنقول القول بوجود الإلهين يفضى إلى امتناع وقوع المقدور لواحد منهما وإذا
كان كذلك وجب أن لا يقع البتة وحينئذ يلزم وقوع الفساد قطعاً ، أو نقول لو قدرنا إلهين ، فإما
أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا على الشىء الواحد فذلك الواحد مقدور لها ومراد لهما فيلزم وقوعه
بهما وهو محال وإن اختلفا ، فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو يقع أحدهما دون
الآخر والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات ، فإن قلت لم لا يجوز أن يتفقا على الشى.
الواحد ولا يلزم الفساد لأن الفساد إنما يلزم لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو وهذا
اختلاف، أما إذا أراد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما بعينه فهناك لا يلزم وقوع
مخلوق بين خالقين ، قلت كونه موجداً له، إما أن يكون نفس القدرة والإرادة أو نفس ذلك الأثر
أو أمراً ثالثاً، فإن كان الأول لزم الإشتراك فى القدرة والإرادة والاشتراك فى الموجد، وإن كان
الثانى فليس وقوع ذلك الأثر بقدرة أحدهما وإرادته أولى من وقوعه بقدرة الثانى ، لأن لكل واحد
منهما إرادة مستقلة بالتأثير ، وإن كان الثالث وهو أن يكون الموجد له أمراً ثالثاً فذلك الثالث إن
كان قديماً استحال كونه متعلق الإرادة. وإن كان حادثاً فهو نفس الأثر، ويصير هذا القسم هو
القسم الثانى الذى ذكرناه . واعلم أنك لما وقفت على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع
ما فى هذا العالم العلوى والسفل من المحدثات والمخلوقات فهو دليل وحدانية الله تعالى بل

١٥٢
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
وجود كل واحد من الجواهر والأعراض دليل تام على التوحيد من الوجه الذى بيناه. وهذه
الدلالة قد ذكرها الله تعالى فى مواضع من كتابه، واعلم أن ههنا أدلة أخرى على وحدانية
اللّه تعالى (آحذها) وهو الأقوى أن يقال لو فرضنا موجودين واجبى الوجود لذاتيهما فلا بد
وأن يشتركا فى الوجود ولا بد وأن يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بنفسه وما به المشاركة
غير مابه الممايزة فيكون كل واحد منهما مركباً مما به يشارك الآخر وبما به امتاز عنه ، وكل
مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره
ممكن لذاته ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته . هذا خلف ، فاذن واجب الوجود ليس
إلا الواحد وكل ما عداه فهو ممكن مفتقر اليه وكل مفتقر فى وجوده إلى الغير فهو محدث فكل
ماسوى الله تعالى محدث، ويمكن جعل هذه الدلالة تفسيراً لهذه الآية. لأنا إنما دلنا على أنه
يلزم من فرض موجودين واجبين أن لا يكون شىء منهما واحباً وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد
شىء من هذه الممكنات ، وحينئذ يلزم الفساد فثبت أنه يلزم من وجود إلهين وفوع الفساد فى كل
العالم (وثانيها) أنا لو قدرنا إلهين لوجب أن يكون كل واحد منهما مشاركا للآخر فى الإلهية،
ولا بد وأن يتميز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ما وإلا لما حصل التعدد ، فما به الممايزة
إما أن يكون صفة كال أو لا يكون فان كان صفة كال فالخالى عنه يكون خالياً عن الكمال فيكون
ناقصاً والناقص لا يكون إلهاً ، وإن لم يكن صفة كمال فالموصوف به يكون موصوفا بما لا يكون
صفة كمال فيكون ناقصاً، ويمكن أن يقال: مابه الممايزة إن كان معتبراً فى تحقق الإلهية فالخالى عنه
لا يكون إلهاً وإن لم يكن معتبراً فى الإلهية لم يكن الاتصاف به واجياً. فيفتقر إلى المخصص
فالموصوف به مفتقر ومحتاج ( وثالثها ) أن يقال لو فرضنا إلهين لكان لابد وأن يكونا بحيث
يتمكن الغير من التمييز بينهما، لكن الامتياز فى عقولنا لا يحصل إلا بالتباين فى المكان أو فى الزمان
أو فى الوجوب والإمكان وكل ذلك على الإله محال فيمتنع حصول الإمتياز (ورابعها) أن أحد
الإلهين إما أن يكون كافياً فى تدبير العالم أو لا يكون فان كان كافيا كان الثانى ضائعاً غير محتاج
اليه ، وذلك نقص والناقص لا يكون إلهاً (وخامسها ) أن العقل يقتضى احتياج المحدث إلى الفاعل
ولا امتناع فى كون الفاعل الواحد مديراً لكل العالم. فأما ماوراء ذلك فليس عدد أولى من عدد
فيفضى ذلك إلى وجود أعداد لانهاية لها وذلك محال فالقول بوجود الآلهة محال (وسادسها) أن
أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يخص نفسه بدليل يدل عليه ولا يدل على غيره أو لا يقدر عليه.
والأول محال لأن دليل الصانع ليس إلا بالمحدثات وليس فى حدوث المحدثات ما يدل على تعيين
أحدهما دون الثانى والتالى محال لأنه يفضى إلى كونه عاجزاً عن تعريف نفسه على التعيين والعاجز
لا يكون إلها ( وسابعها) أن أحد الإلهين إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو
لا يقدر، فان قدر لزم أن يكون المستور عنه جاهلا ، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً ( وثامنها ) لو

١٥٣
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
قدرنا إلهين لكان مجموع قدرتيهما بينهما أقوى من قدرة كل واحد منهما وحده ، فيكون كل واحد
من القدرتين متناهياً والمجموع ضعف المتناهى فيكون الكل متناهياً ( وتاسعها ) العدد ناقص
لاحتياجه إلى الواحد، والواحد الذى يوجد من جنسه عدد ناقص ناقص ، لأن العدد أزيدمنه ،
والناقص لا يكون إلهاً فالإله واحد لا محالة ( وعاشرها) أنا لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود ثم
قدرنا الهين فان لم يقدر واحد منهما على ايجاده كان كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً ،
وإن فدر أحدهما دون الآخر فهذا الآخر يكون إلهاً ، وإن قدرا جميعاً فإما أن يوجداه بالتعاون
فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى إعانة الآخر ، وأن قدر كل واحد على إيجاده بالإستقلال فإذا
أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثانى قادراً عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال ، وإن لم يبق
فحينئذ يكون الأول قد أزال قدرة الثانى وعجزه فيكون مقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلها . فان
قيل الواجد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز ، قلنا الواحد إذا أو جده فقد
نفذت قدرته فنفاذ القدرة لا يكون عجزاً، أما الشريك فانه لما نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة البتة
بل زالت قدرته بسبب قدرة الأول فيكون تعجيزاً. (الحادى عشر) أن نقرر هذه الدلالة على وجه
آخر وهو أن نعين جسما وتقول هل يقدر كل واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلا عن السكون
وبالعكس، فان لم يقدر كان عاجزاً وإن قدر فنسوق الدلالة إلى أن نقول إذا خلق أحدهما فيه
حركة امتنع على الثانى خلق السكون فالأول أزال قدرة الثانى وعجزه فلا يكون إلهاً، وهذان.
الوجهان يفيدان العجز نظراً إلى قدرتيهما والدلالة الأولى إنما تفيد العجز بالنظر الى إرادتيهما (وثانى
عشرها ) أنهما لما كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كل واحد منهما متعلقاً بعين معلوم الآخر
فوجب تماثل علميهما والذات القابلة لأحد المثلين قابلة للمثل الآخر ، فاختصاص كل واحد منهما
بتلك الصفة مع جواز اتصافه بصفة الآخر على البدل يستدعى مخصصاً يخصص كل واحد منهما بعله
وقدرته فيكون كل واحد منهما عبداً فقيراً ناقصاً ( وثالث عشرها ) أن الشركة عيب ونقص فى
الشاهد، والفردانية والتوحدصفة كمال، ونرى الملوك يكرهون الشركة فى الملك الحقير المختصر أشد
الكراهية ، ونرى أنه كلما كان الملك أعظم كانت النفرة عن الشركة أشد، فما ظنك بملك الله عز
وجل وملكوته فلوأراد أحدهما استخلاص الملك لنفسه، فان قدر عليه كان المغلوب فقيراً عاجزاً
فلا يكون إلهاً ، وإن لم يقدر عليه كان فى أشد الغم والكراهية فلا يكون إلهاً (ورابع عشرها) أنا لو
قدرنا إلهين لكان إما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر أو يستغنى كل واحد منهما عن الآخر أو
يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغنى عنه، فان كان الأول كان كل واحد منهما ناقصاً لأن المحتاج
ناقص وإن كان الثانى كان كل واحد منهما مستغنياً عنه، والمستغنى عنه ناقص، ألا ترى أن البلد إذا كان
له رئيس والناس يحصلون مصالح البلد من غير رجوع منهم إليه ومن غير التفات منهم إليه عد ذلك
الرئيس ناقصاً فالإله هو الذى يستغنى به ولا يستغنى عنه، وإن احتاج أحدهما إلى الآخرمن غیر عکس

١٥٤
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
كان المحتاج ناقصاً والمحتاج إليه هو الإله. واعلم أن هذه الوجوه ظنية إقناعية والاعتماد على الوجوه
المتقدمة ، أما الدلائل السمعية فمن وجوه: (أحدها) قوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر
والباطن ) فالأول هو الفرد السابق، ولذلك لوقال أول عبد اشتريته فهو حرفلو اشترى أولا عبدين
لم يحنث لأن شرط الأول أن يكون فرداً. وهذا ليس بفرد فلو اشترى بعد ذلك واحداً لم يحنث
أيضاً لأن شرط الفرد أن يكون سابقاً وهذا ليس بسابق. فلما وصف الله تعالى نفسه بكونه أولا
وجب أن يكون فرداً سابقاً فوجب أن لا يكون له شريك (وثانيها) قوله تعالى (وعنده مفاتح الغيب
لا يعلمها إلا هو) فالنص يقتضى أن لا يكون أحد سواه عالما بالغيب ولو كان له شريك لكان عالما
بالغيب وهو خلاف النص ( وثالثها) أن الله تعالى صرح بكلمة (لا إله إلا هو) فى سبعة وثلاثين
موضعاً من كتابه وصرح بالوحدانية فى مواضع نحوقوله (وإلهكم إلهواحد) وقوله (قل هو الله أحد)
وكل ذلك صريح فى الباب (ورابعها) قوله تعالى (كل شىء هالك إلا وجهه) حكم بهلاك كل
ما سواه ، ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديماً، ومن لا يكون قديماً لا يكون إلهاً (وخامسها)
قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا) وهو كقوله (ولعلا بعضهم على بعض) وقوله ( إذاً
لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا) (وسادسها) قوله (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو
وإن يردك بخير فلا راد لفضله) وقال فى آية أخرى ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن
أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن مسكات رحمته) (وسابعها) قوله
تعالى ( قل أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصار كم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به) وهذا.
الحصر يدل على نفى الشريك ( وثامنها) قوله تعالى (ألله خالق كل شىء) فلو وجد الشريك لم يكن
خالقاً فلم يكن فيه فائدة، واعلم أن كل مسألة لا تتوقف معرفه صدق الرسل عليها فانه يمكن إثباتها
بالسمع والوحدانية لا تتوقف معرفة صدق الرسل عليها ، فلا جرم يمكن إثباتها بالدلائل السمعية ،
واعلم أن من طعن فى دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لوكان فى السماء والأرض آلهة تقول
يا لهيتها عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فيلزم فساد العالم قالوا
وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم قوله (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) ثم ذكر الدلالة
على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به وبالله التوفيق.
أما قوله تعالى ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أنه سبحانه لما أقام الدلالة القاطعة على التوحيد قال بعده (فسبحان الله
رب العرش عما يصفون) أى هو منزه لأجل هذه الأدلة عن وصفهم بأن معه إلهاً، وهذا تنبيه
على أن الإشتغال بالتسبيح إنما ينفع بعد إقامة الدلالة على كونه تعالى منزهاً وعلى أن طريقة التقليد
طريقة مهجورة .
﴿ المسألة الثانية» لقائل أن يقول أى قائدة لقوله (فسبحان الله رب العرش عما يصفون)

١٥٥
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
ولم لم يكتف بقوله ( فسبحان الله عما يصفون) وجوابه أن هذه المناظرة إنما وقعت مع عدة
الأصنام، إلا أن الدليل الذى ذكره الله تعالى يعم جميع المخالفين ثم إنه تعالى بعد ذكر الدليل العام
نبه على نكتة خاصة بعبدة الأصنام ، وهى أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذى لا يعقل
ولا يحس شريكا فى الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين ومدبر الخلائق من
النور والظلمة واللوح والقلم والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين .
أماقوله تعالى ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فاعلم أنه مشتمل على بحثين: (أحدهما) أن الله
تعالى لا يسأل عن شىء من أفعاله ولا يقال له لم فعلت (والثانى) أن الخلائق مسؤلون عن أفعالهم ،
أما البحث الأول ففيه مسألتان :
: ﴿المسألة الأولى﴾ وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن عمدة من أثبت لله شريكا ليست إلا
طلب اللمية فى أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تع الى قالوا
رأينا فى العالم خيراً وشراً ولذة وألماً وحياة وموتاً وصحة وسقا وغنى وفقراً، وفاعل الخير خير
وفاعل الشرشرير، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشريراً معاً، فلابد من فاعلين ليكون
أحدهما فاعلا للخير والآخر فاعلاللشر. ويرجع حاصل هذه الشبهة إلى أن مدير العالم لو كان واحداً
لما خص هذا بالحياة والصحة والغنى، وخص ذلك بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصله إلى طلب
اللمية فى أفعال الله تعالى. فلما كان مدار أمر القائلين بالشريك على طلب اللمية لا جرم أنه سبحانه
وتعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ماهو النكتة الأصلية فى الجواب عن شبهة القائلين
بالشريك ، لأن الترتيب الجيد فى المناظرة أن يقع الإبتداء بذكر الدليل المثبت المطلوب، ثم
يذكر بعده ما هو الجواب عن شبهة الخصم .
المسألة الثانية) فى الدلالة على أنه سبحانه (لا يسأل عما يفعل) أما أهل السنة فانهم استدلوا
عليه بوجوه: ( أحدها ) أنه او كان كل شىء معللا بعلة لكانت علية تلك العلة معللة بعلة أخرى
ويلزم التسلسل فلا بد فى قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة وأولى الأشياء بذلك
ذات الله تعالى وصفاته، وكما أن ذاته منزهة عن الإفتقار إلى المؤثر والعلة، وصفاته مبرأة عن
الافتقار إلى المبدع والمخصص فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى الموجب
والمؤثر ( وثانيها ) أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة، إما أن تكون واجبة أو ممكنة
فان كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونه فاعلا ، وحينئذيكون موجباً بالذات لا فاعلا بالاختيار،
وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلا لله تعالى أيضاً فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم
التسلسل وهو محال (وثالثها) أن علة فاعلية اللّه تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم
قديمة فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقر إلى علة أخرى ولزم التسلسل ( ورابعها ) أن من فعل
فعلا لغرض، فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة أولا يكون متمكناً.

١٥٦
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
منه . فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً والعجز على
الله تعالى محال ، أما العجز علينا فغير متنع فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض، وكل ذلك فى حق
اللّه تعالى محال (وخامسها) أنه لو كان فعله معللا بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً
إلى الله تعالى أو إنى العباد والأول محال لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن
الغرض لا بد وأن يكون عائداً إلى العباد ، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذات وعدم حصول
الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير شىء من الوسائط. وإذا كان كذلك استحال
أن يفعل شيئاً لأجل شىء ( وسادسها) هو أنه لو فعل فعلا لغرض لكان وجود ذلك الغرض
وعدمه بالنسبة إليه إما أن يكون على السواء أو لا يكون ، فإن كان على السواء استحال أن يكون
غرضاً ، وإن لم يكن على السواء لزم كونه تعالى ناقصاً بذاته كاملا بغيره وذلك محال ، فان قات
وجود ذلك الغرض وعدمه وإن كان بالنسبة إليه على السواء. أما بالنسبة إلى العباد فالوجود أولى
من العدم. قلنا تحصيل تلك الأولوية للعبد وعدم تحصيلها له إما أن يكون بالنسبة إليه على السوية
أو لا على السوية، ويعود التقسيم الأول (وسابعها) وهو أن الموجود إما هو سبحانه أو ملكه
وملكه ومن تصرف فى ملك نفسه لا يقال له لم فعلت ذلك ( وثامنها) وهو أن من قال لغيره لم
فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يحتمل أن يقدر السائل على منع المسئول منه عن فعله
وذلك من العبد فى حق الله تعالى محال، فانه لو فعل أى فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك؟ إما
بأن يهده بالعقاب والإيلام وذلك على الله تعالى محال، أو بأن يهدده باستحقاق الذم والخروج
عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة وذلك أيضاً محال ، لأن استحقاقه للمدح
واتصافه بصفات الحكمة والجلال أمور ذاتية له، وما ثبت للشىء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل
تبدل الصفات العرضية الخارجية ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله فى أفعاله لم فعلت
هذا الفعل؟ فإن كل شىء صنعه ولا علة لصنعه، وأما المعتزلة فانهم سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله
لم فعلت هذا الفعل ولكنهم بنوا ذلك على أصل آخر، وهو أنه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم
بكونه غنياً عنها ، ومن كان كذلك فانه يستحيل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا إجمالا أن
كل ما يفعله اللّه تعالى فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول الله لم فعلت هذا.
﴿ أما البحث الثانى ) وهو قوله تعالى (وهم يسألون) فهذا يدل على كون المكلفين مسئولين
عن أفعالهم وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ أن الكلام فى هذا السؤال إما فى الإمكان العقلى أو فى الوقوع السمعى،
أما الإمكان العقلى فالخلاف فيه مع منكرى التكاليف، واحتجوا على قولهم بوجوه (أحدها) قالوا
التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما
على الآخر ، والأول محال لأن حال الاستواء يمتنع الترجيح وحال امتناع الترجيح يكون التكليف

١٥٧
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
بالترجيح تكليفاً بالمحال، والثانى محال لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع والمرجوح
يمتنع الوقوع. والتكليف بإيقاع ما يكون واجب الوقوع عبث، وبإيقاع ما هو ممتنع الوقوع
تكليف بما لا يطاق (وثانيها) قالوا كل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فيكون التكليف به
عبثاً ، وكل ما علم اللّه تعالى عدمه كان متنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً بما لا يطاق (وثالثها)
قالوا سؤال العبد ما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فان كان لفائدة فتلك الفائدة إن عادت إلى الله
تعالى كان محتاجاً وهو محال، وإن عادت إلى العبد فهو محال ، لأن سؤاله لما كان سبباً لتوجيه
العقاب عليه ، لم يكن هذا نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرراً عائداً إليه ، وإن لم يكن فى السؤال فائدة
كان عبئاً وهو غير جائز على الحكيم ، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم (والجواب) عنها
من وجهين (الأول ) أن غرضكم من إيراد هذه الشبهة النافية للتكليف أن تلزمونا نفى التكليف
فكأنكم تكلفونا بنفى التكليف وهو متناقض (والثانى) وهو أن مدار كلامكم فى هذه الشبهات على
حرف واحد وهو أن التكاليف كلها تكاليف بما لا يطاق فلا يجوز من الحكيم أن يوجبها على العباد
فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال له تعالى لم كلفت عبادك، إلا أنا قد بينا أنه سبحانه
(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) فظهر بهذا أن قوله (لا يسأل عما يفعل) كالأصل والقاعدة لقوله
(وهم يسألون) فتأمل فى هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن، وأما
الوقوع السمعى فلقائل أن يقول إن قوله ( وهم يسألون) وإن كان متأكداً بقوله ( فوربك
لنسألنهم أجمعين) وبقوله (وقفوهم إنهم مسؤولون ) إلا أنه يناقضه قوله ( فيومئذ لا يسأل عن
ذنبه إنس ولا جان ) ( والجواب ) أن يوم القيامة يوم طويل وفيه مقامات فيصرف كل واحد
من السلب والإيجاب إلى مقام آخر دفعاً للتناقض .
﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة فيه وجوه (أحدما) أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن
والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما حقه الذم ، كما يحمد بما حقه المدح (وثانيها)
أنه كان يجب أن لا يسأل عن الأمور إذا كان لافاعل سواه (وثالثها ) أنه كان لا يجوز أن يسألوا
عن عملهم إذ لاعمل لهم (ورابعها) أن أعمالهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنها من حيث خلقها وأوجدها
فيهم (وخامسها) أنه تعالى صرح فى كثير من المواضع بأنه يقبل حجة العباد عليه كقوله (رسلا
مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ) وهذا يقتضى أن لهم عليه الحجة
قبل بعثة الرسل ، وقال (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا
فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) ونظائر هذه الآيات كثيرة وكلها تدل على أن حجة العبد
متوجهة على اللّه تعالى ( وسادسها) قال ثمامة إذا وقف العبد يوم القيامة فيقول الله تعالى ما حملك
على معصيتى؟ فيقول على مذهب الجبر: يارب إنك خلقتنى كافراً وأمرتنى بما لا أقدر عليه
وحلت بينى وبينه، ولا شك أنه على مذهب الجبر يكون صادقاً، وقال الله تعالى (هذا يوم ينفع

١٥٨
قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة من الأرض . سورة الأنبياء .
الصادقين صدقهم ) فوجب أن ينفعه هذا الكلام فقيل له ، ومن يدعه يقول هذا الكلام
أو يحتج؟ فقال ثمامة: أليس إذا منعه الله الكلام والحجة فقد علم أنه منعه ما لو لم يمنعه منه
لا نقطع فى يده، وهذا نهاية الانقطاع (والجواب) عن هذه الوجوه أنها معارضة بمسألة الداعى
ومسألة العلم ثم بالوجوه الثمانية التى بينا فيها أنه يستحيل طلب لمية أفعال الله تعالى وأحكامه .
وأما قوله تعالى (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم) فاعلم أنه سبحانه كرر قوله (أم اتخذوا
من دونه آلهة) استعظاماً لكفرهم أى وصفتم اللّه بأن له شريكا فهاتوا برهانكم على ذلك، أما من
جهة العقل. أو من جهة النقل فإنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد أولا وقرر الأصل الذى عليه
تخرج شبهات القائلين بالتنيه ثانياً، أخذ يطالبهم بذكر شبهتهم ثالثاً .
أما قوله تعالى (هذا ذكر من معى وذكر من قبلى) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ فى تفسيره وفيه أقوال (أحدها)، ( هذا ذكر من معى ) أى هذا هو
الكتاب المنزل على من معى ( وهذا ذكر من قبلى ) أى الكتاب المنزل على من تقدمنى من
الأنبياء وهو التوراة والإنجيل والزبور والصحف، وليس فى شىء منها أنى أذنت بأن تتخذوا إلهاً
من دونى بل ليس فيها إلا ( أنى أنا الله لا إله إلا أنا ) كما قال بعد هذا ( وما أرسلنا من قبلك من
رسول الا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وهذا قول ابن عباس واختيار القفال والزجاج
( والثانى) وهو قول سعيد ابن جبير وقتادة ومقاتل والسدى أن قوله (وذكر من قبلى) صفة
للقرآن فانه كما يشتمل على أحوال هذه الأمة فكذا يشتمل على أحوال الأمم الماضية ( الثالث )
ما ذكره القفال وهو أن المعنى قل لهم هذا الكتاب الذى جئتكم به قد اشتمل على بيان أحوال
من معى من المخالفين والموافقين وعلى بيان أحوال من قبلى من المخالفين والموافقين فاختاروا
لأنفسكم ، کان الغرض منه التهديد.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قرى. (هذا ذكر من معى وذكر من قبلى) بالتنوين
ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله ( أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما) وهو الأصل والإضافة
من اضافة المصدر إلى المفعول كقوله (غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)
وقرىء: من معى ومن قبلى ، بكسرميم من على ترك الإضافة فى هذه القراءة وإدخال الجار على مع
غريب والعذر فيه أنه اسم هو ظرف نحو قبل وبعد فدخل من عليه كما يدخل على إخواته وقرى .:
ذكر معى وذكر قبلى .
وأما قوله ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) أنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد وطالبهم بالدلالة على ما أدعوه وبين
أنه لا دليل لهم البتة عليه لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم فى هذا
المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه ، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله
وهو عدم العلم ، ثم ترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه .

١٥٩
قوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً . سورة الأنبياء .
لَا يَسْبِقُونَهُ،
وَقَالُواْ أَقَ الْمَنُ وَلَدًّا سُبْحَتَهُ، بَلْ عِبَادُ مَّْمُونَ (٦)
بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمِهِ، يَعْمَلُونَ (﴾ يَعْلَمُ مَبَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْقَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنِ
أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خََْتِهِ، مُشْفِقُونَ (٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذَلِكَ
تَجْزِ يهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ تَخْرِى الَّلِينَ (3
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قرى. ( الحق ) بالرفع على توسط التوكيد بين
السبب والمسبب ، والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.
أما قوله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
فاعلم أن يوحى ونوحى قراء تان مشهور تان، وهذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد.
قوله تعالى : ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم
بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن أرتضى وهم من خشيته
مشفقون ، ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين﴾
أعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزهاً عن الشريك والضد والند أردف
ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد فقال (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) نزلت فى خزاعة حيث قالوا الملائكة
بنات اللّه وأضافوا إلى ذلك أنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال ( وجعلوا بينه
وبين الجنة نسباً) ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله سبحانه لأن الولد لابد وأن يكون
شبيهاً بالوالد فلو كان لله ولدلأشبهه من بعض الوجوه، ثم لابد وأن يخالفه من وجه آخروما به المشاركة
غير مابه الممايزة فيقع التركيب فى ذات الله سبحانه وتعالى وكل من كب ممكن ، فاتخاذه للولد يدل على
كونه ممكناً غير واجب . وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله فى حد العبودية، ولذلكنزه نفسه عنه .
أما قوله ( بل عباد مكرمون ) فاعلم أنه سبحانه لما نزه نفسه عن الولد أخبر عنهم بأنهم عباد
والعبودية تنافى الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد وقرى. (مكرمون، لا يسبقونه) من
سابقته فسبقته أسبقه. والمعنى أنهم يتبعونه فى قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله فلا يسبق قولهم
قوله ، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً كذلك مبنى على أمره لا يعملون عملا مالم يؤمروا به
ثم إنه سبحانه ذكر ما يجرى مجرى السبب لهذه الطاعة فقال ( يعلم ما بين أيديهم وما
خلفهم ) والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً
بظواهرهم هم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية. وذكر

١٦٠
قوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً . سورة الأنبياء .
المفسرون فيه وجوهاً (أحدها ) قال ابن عباس يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم ( وثانيها )
مابين أيديهم الآخرة وما خلفهم الدنيا وقيل على عكس ذلك (وثالثها) قال مقاتل يعلم ما كان قبل
أن يخلقهم وما يكون بعد خلقهم . وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته فى ملكوته وهو محيط
بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة وكيف يتقدمون بين يدى الله تعالى فيشفعون
لمن لم يأذن الله تعالى له. ثم كشف عن هذا المعنى فقال (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أى لمن هو
عند الله مرضى (وهم من خشيته مشفقون) أى من خشيتهم منه ، فأضيف المصدر إلى المفعول
ومشفقون خائفون ولا يأمنون مكره وعن رسول اللّه ◌ُ م ((أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج
ساقطاً كالحلس من خشية الله تعالى)) ونظيره قوله تعالى ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) .
أما قوله تعالى (ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) فالمعنى أن كل من
يقول من الملائكة ذلك القول فانا نجازى ذلك القائل بهذا الجزاء، وهذا لا يدل على أنهم قالوا ذلك
أو ما قالوه وهو قريب من قوله تعالى ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وههنا مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الصفات تدل على العبودية وتنافى الولادة لوجوه (أحدها ) أنهم
لما بالغوا فى الطاعة إلى حيث لا يقولون قولا ولا يعملون عملا إلا بأمره فهذه صفات للعبيد
لا صفات الأولاد ( وثانيها) أنه سبحانه لما كان عالماً بأسرار الملائكة وهم لا يعلمون أسرار
اللّه تعالى وجب أن يكون الإله المستحق للعبادة هو لا هؤلاء الملائكة وهذه الدلالة هى نفس
ما ذكره عيسى عليه السلام فى قوله ( تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك ) ( وثالثها ) أنهم
لا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن يكن إلهاً أو ولداً للاله لا يكون كذلك (ورابعها) أنهم على نهاية
الإشفاق والوجل وذلك ليس إلا من صفات العبيد ( وخامسها ) نبه تعالى بقوله ( ومن يقل منهم
إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم) على أن حالهم خال سائر العبيد المكلفين فى الوعد والوعيد
فكيف يصح كونهم آلهة .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتجت المعتزلة بقوله تعالى (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) على أن
الشفاعة فى الآخرة لا تكون لأهل الكبائر لأنه لا يقال فى أهل الكبائر إن الله يرتضيهم (والجواب)
قال ابن عباس رضى الله عنهما والضحاك (إلا لمنارتضى) أى لمن قال لا إله إلا الله. واعلم أن هذه
الآية من أقوى الدلائل لنا فى إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله
فقد ارتضاه تعالى فى ذلك ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى فى ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه
الله لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه
وجب اندراجه تحت هذه الآية فثبت بالتقرير الذى ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا
على ما قرره ابن عباس رضى الله عنهما .
(المسألة الثالثة) هذه الآية تدل على أمور ثلاثة: (أحدها) تدل على كون الملائكة مكلفين