Indexed OCR Text

Pages 221-240

قوله تعالى : وإن الله ربي وربكم فاعبدوه . سورة مريم . ٢٢١
أی لا رب للمخلوقات سوى الله و تعالى وذلك يدل على التوحيد، أما قوله ( فاعبدوه ) فقد ثبت
فى أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فههنا الأمر بالعبادة وقع
مرتباً على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما تلزمنا عبادته سبحانه لكونه رباً لنا، وذلك
يدل على أنه تعالى إنما تجب عبادته لكونه منها على الخلائق بأصول النعم وفروعها، ولذلك فان
إبراهيم عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال (لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى
عنك شيئاً ) يعنى أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز عبادتها، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى
لما كان رباً ومربياً لعباده وجبب عبادته، فقد ثبت طرداً وعكسا تعلق العبادة بكون المعبود
منعماً، أما قوله ( هذا صراط مستقيم) يعنى القول بالتوحيد ونفى الولد والصاحبة صراط مستقيم
وأنه سمى هذا القول بالصراط المستقيم تشبيهاً بالطريق لأنه المؤدى إلى الجنة ، أما قوله تعالى:
(فاختلف الأحزاب من بينهم) ففى الأحزاب أفوال (الأول) المراد فرق النصارى على ما بينا
أقسامهم (الثانى) المراد النصارى واليهود فجعله بعضهم ولدا وبعضهم كذابا (الثالث ) المراد
الكفار الداخل فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا فى زمن محمد يتم وإذا قلنا المراد
بقوله ( وإن الله ربی وربكم فاعبدوه) أى قل يا محمد إن الله ربي وربكم، فهذا القول أظهر لأنه
لا تخصيص فيه، وكذا قوله ( فويل الذين كفروا) مؤكد لهذا الإحتمال، وأما قوله (من مشهد
يوم عظيم) فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها ( أما الأول )
فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب، والجزاء فى القيامة أو مكان
الشهود فيه وهو الموقف، أو وقت الشهود، وأما الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة
والأنبياء وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، وأن يكون مكان الشهادة
أو وقتها، وقيل هو ماقالوه وشهدوا به فى عيسى وأمه، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه عظيم
لأنه لاشىء أعظم مما يشاهد فى ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة، ولا شىء من المنافع أعظم مما
هنالك من الثوب ولا بد من المضار أعظم بما هنالك من العقاب، أما قوله تعالى (أسمع بهم
وأبصر يوم يأتوننا ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قالوا التعجب هو استعظام الشىء مع الجهل بسبب عظما، ثم يجوز
استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظم
سبب حصول ، قال الفراء قال سفيان قرأت عند شريح (بل حجبت ويسخرون) فقال إن الله
لا يعجب من شىء إنما يعجب من لايعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعى فقال إن شريحاً شاعر
يعجبه عليه، وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها ( بل حجبت ويسخرون) ومعناه أنه صدر من الله
تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب فى قلوبهم ، وبهذا التأويل يضاف
المكر والاستهزاء الى الله تعالى، وإذا عرفت هذا فنقول: للتعجب صفتان (إحداهما) ما أفعله

٢٢٢
قوله تعالى : وإن الله ربي وربكم فاعبدوه . سورة مريم
(والثانية) أفعل به كقوله تعالى (أسمع بهم وأبصر) والنحويون ذكروا له تأويلات (الأول)
قالوا أكرم بزيد أصله أكرم زيد أى صار ذاكرم كأغد البعير أى صار ذا غدة إلا أنه خرج
على لفظ الأمر ومعناء الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الامر كقوله تعالى (والمطلقات
يتربصن بأنفسهم، والوالدات يرضعن أولادهن، قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مداً )
أى يمد له الرحمن مدا، وكذا قولهم رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والبدء زائدة (الثانى) أن
يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً أى بأن يع فه بالكرم، والباء زائدة مثل قوله
( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ولقد سمعت لبعض الأدباء فيه تأويلا (ثالثا) وهو أن قولك أكرم
يزيد يفيد أن زبداً بلغ فى الكرم إلى حيث كأنه فى ذاته صار كرما حتى لو أردت جعل غيره
كريما فهو الذى يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك، كما أن من قال أكتب بالقلم فمعناه
أن القلم هو الذى يلصقك بمقصودك ويحصل تك غرضك.
المسألة الثانية : قوله (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) فيه ثلاثة أوجه (أحدها ) وهو
المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصر هم والتعجب على الله تعالى محال كما تقدم وإنما المراد
أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صماً وعمياًفى الدنيا ، وقيل معناه
التهديد مما سيسمعون وسييصرون بما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم (وثانيها) قال القاضى ويحتمل
أن يكون المراد أسمع هؤلاء وأبصرهم أى عرفهم حال القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا
(وثالثها) قال الجبائى ويجوز أسمع الناس بهؤلاء وأيصرم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا
عن الإتيان بمثل فعلهم أما قوله (لكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين) ففيه قولان (الأول) لكن
الظالمون اليوم فى ضلال مبين وفى الآخرة يعرفون الحق (والثاني) (لكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين)
وهم فى الآخرة فى ضلال عن الجنة بخلاف المؤمنين، وأما قوله تعالى (وأنذرهم) فلا شبهة فى أنه أمر
لمحمد برقم بأن ينذر من فى زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن قوله فاختلف الأحزاب
أراد به اختلاف جميعهم فى زمن الرسول ويتم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكى يحذروا
من ترك عبادة الله تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة فى أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من
أهل النار وقيل يتحسر أيضا فى الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى الدرجات العالية والأول
هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب، أما قوله تعالى (إذ قضى الأمر) ففيه
وجوه (أحدها) إذ قضى الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب(وثانيها) إذ قضى الأمر
يوم الحسرة بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله (وثم لا يؤمنون) فكأنه تعالى بين
أنه ظهرت الحجيج والبينات وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون (وثالثها) روى أنه سئل النبى صلى الله عليه
وسلم عن قوله قضى الأمر ((فقال حين يجاء بالموت فى صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران
فيزداد أهل الجنة فرخاً على فرح وأهل النار غماً على غم)) واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير

٢٢٣
قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم . سورة مريم .
وَاذْكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبًّا (﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ
◌َِ تَعْبُدُ مَالَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَْئًا (٨﴾ وَأَبَتِ إِى قَدْ جَنِ مِنَ
الْعِ مَالَمْ يَأْتِكَ فَتَّغِيّ أَهْدِكَ صِرَاطَا سَوِيًّا (﴾ يَأْبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلَّهْرَزِ عَصِيًّا ي ◌َأْبَتِ إِنَّ أَخَفُ أَنْ يَمَنَّكَ عَذَابٌ مِّنَ آَّحْمَنِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِبًّا
٤٥
جسما حيوانيا بل المراد أنه لاموت البتة بعد ذلك وأما قوله (وهم فى غفلة) أى عن ذلك اليوم وعن
كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أى بذلك اليوم ثم قال بعده ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها)
أى هذه الأمور تؤول إلى أن لا يملك الضر والنفع إلا اللّه تعالى (وإلينا يرجعون) أى إلى محل حكمنا
وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع اليه وهذا تخويف عظيم وزجر بليغ العصاة .
القصة الثالثة ﴾ قصة ابراهيم عليه السلام
قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب ابراهيم إنه كان صديقاً نبياً. إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا
يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا. يا أبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك
صراطاً سوياً. يا أبت لا تغبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً. يا أبت إنى أخاف أن يمسك
عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا
اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر، والمنكرون للنوحيد هم الذين
أثبتوا معبوداً سوى الله تعالى، وهؤلاء فريقان منهم من أثبت معبوداً غير الله حياً عاقلا فاهما وهم
النصارى، ومنهم من أثبت معبوداً غير الله جماداً ليس بحى ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان
والفريقان وإن اشتركا فى الضلال إلا أن ضلال الفريق الثانى أعظم فلما بين تعالى ضلال الفريق
الأول تكلم فى ضلال الفريق الثانى وهم عبدة الأوثان فقال (واذكر فى الكتاب) والواو فى قوله
واذكر عطف على قوله (ذكررحمة ربك عبده زكريا) كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما
السلام قال قد ذكرت حال زكريا فاذكر حال ابراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان
هو ولا قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فاذا أخبر عن هذه القصة كما كانت
من عير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخباراً عن الغيب ومعجزاً قاهراً دالا على نبوته، وإنما شرع
فى قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه (أحدها) أن ابراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين

٢٢٤
قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم . سورة مريم .
بعلوشأنه وطهارة دينه على ماقال تعالى (ملة أبيكم ابراهيم) وقال تعالى (ومن يرغب عن ملة ابراهيم
إلا من سفه نفسه) فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآ بائكم على ما هو قولكم (إنا وجدنا
آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدراً هو إبراهيم عليه
السلام فقلدوه فى ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا فى هذه الدلائل التى ذكرها
ابراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا ابراهيم إما تقليداً وإما استدلالا
(وثانيها) أن كثيراً من الكفار فى زمن الرسول منّ الله كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا
وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة ابراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل
ورجح متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل
رد على الأب الأشرف الأكبر الذى هو إبرهيم عليه السلام (وثالثها) أن كثيراً من الكفار
كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال الله تعالى ( قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة)
و(قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال
تنبيهاً لهؤلاء على سقوط هذه الطريقة ثم قال تعالى فى وصف إبراهيم عليه السلام (إنه كان صديقاً نبياً)
وفى الصديق قولان (أحدهما) أنه مبالغة فى كونه صادقاً وهو الذى يكون عادته الصدق لان هذا البناء
ينى، عن ذلك يقال رجل خير وسكير للمولع بهذه الأفعال (والثانى) أنه الذى يكون كثير التصديق
بالحق حتى يصير مشهوراً به والأول أولى وذلك لأن المصدق بالشىء لا يوصف بكونه صديقا إلا إذا كان
صادقا فى ذلك التصديق فيعود الأمر إلى الأول فان قيل أليس قد قال تعالى (والذين آمنوا بالله ورسله
أولئك هم الصديقون والشهداء) قلنا المؤمنون بالله ورسله صادقون فى ذلك التصديق وأعلم أن النبى
يجب أن يكون صادقاً فى كل ما أخبر عنه لأن الله تعالى صدقه ومصدق الله صادق وإلا لزم الكذب فى
كلام اللّه تعالى فيلزم من هذا كون الرسول صادقا فى كل ما يقول، ولأن الرسل شهداء اللّه على الناس
على ماقال الله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) والشهيد إنما
يقبل قوله إذا لم يكن كاذباً . فإن قيل فما قولكم فى إبراهيم عليه السلام فى قوله (بل فعله كبيرهم)
و(إنى سقيم) قلنا قد شرحنا فى تأويل هذه الآيات بالدلائل الظاهرة أن شيئا من ذلك ليس بكذب
فلما ثبت أن كل فى يجب أن يكون صديقاً ولا يجب فى كل صديق أن يكون نبياً ظهر بهذا قرب مرتبة
الصديق من مرتبة النبى فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبياً ، وأما النبى فمعناه كونه
رفيع القدر عند الله وعند الناس وأى رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده.
وقوله ( كان صديقاً) قيل إنه صار وقيل إن معناه وجد صديقاً نبياً أى كان من أول وجوده إلى
انتهائه موصوفاً بالصدق والصيانة قال صاحب الكشاف هذه الجملة وقعتُ اعتراضاً بين المبدل منه
وبدله أعنى ابراهيم وإذ قال ونظيره قولك رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ
بكان أو بصديقاً نياً أى كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات

٢٢٥
قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم . سورة مريم .
أما قوله ( يا أبت ) فالتاء عوض من ياء الاضافة ولا يقال ياأبتى لئلا يجمع بين العوض والمعوض
عنه وقد يقال يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء واعلم أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم
مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام (النوع الأول) قوله (لم تعبد مالا يسمع ويبصر ولا يغنى
عنك شيئاً) ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة فى الإلهية وبيان ذلك من
وجوه (أحدها ) أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من له غاية الانعام وهو الإله الذى منه
أصول النعم وفروعها على ماقررناه فى تفسير قوله ( وإن الله ربي ور بكم فاعبدوه) وقال (كيف
تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم) الآية وكما يعلم بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها مالم
تكن منعمة وجب أن لا يجوز الاشتغال بعبادتها ( وثانيها) أنها إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميزمن
يطيعها عمن يعصيها فأى فائدة فى عبادتها ، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن يكون عالما بكل
المعلومات حتى يكون العبد آمناً من وقوع الغلط للمعبود ( وثالثها) أن الدعاء مخ العباد فالوثن إذا لم
يسمع دعاء الداعى فأى منفعة فى عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يتقرب إليها فأى منفعة فى
ذلك التقرب ( ورابعها) أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عارياً عن كل ذلك،
والانسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل عبادة
الأخس ( وخامسها ) إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأى
فائدة فى عبادتها ( وسادسها ) إذا كانت لاتحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ماحكى الله تعالى
عن إبراهيم عليه السلام أنه كسرها وجعلها جذاذاً فأى رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من
ثلاثه أوجه (أحدها ) لا يسمع ( وثانيها) لا يبصر ( وثالثها ) لا يغنى عنك شيئاً كأنه قال له بل
الإلهية ليست إلا لربى فانه يسمع ويجيب دعوة الداعى ويبصرُ، كما قال (إنى معكما أسمع وأرى)
ويقضى الحوائج (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وأعلم أن قوله ههنا (لم تعبد) محمول على نفس العبادة
وأما قوله فى المقام الثالث ( لا تعبد الشيطان ) لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون
الشيطان فوجب حمله على الطاعة ولأما نقول ليس إذا تركنا الظاهر ههنا لدليل وجب ترك الظاهر
فى المقام الأول بغير دليل فان قيل: إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد فى تلك الأوثان أنها آلهة
بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها
تماثيل الكواكب والكواكب هى الآلهة المديرة لهذا العالم، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب
تعظيم الكواكب أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر
فتعظيمها يقتضى كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند الله تعالى أو كان يعتقد أن تلك الأوثان
طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها . وأنها مشفع بها، أو غير
ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان ، فإن كان أبو ابراهيم من القسم الأول كان فى نهاية
الجنون لأن العلم بأن هذا الخشب المنحوت فى هذه الساعة ليس خالقاً السموات والأرض من
الفخر الرازي - ج ٢١ م ١٥

٢٢٦
٠٠٠
قوله تعالى : واذكر في الكتاب . سورة مريم .
أجلى العلوم الضرورية ، فالشاك فيه يكون فاقداً لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنونا والمجنون
لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه، وإن كان من القسم الثانى فهذه الدلائل لا تقدح فى شىء من
ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل باقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على
خلق الأجسام وخلق الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور ههنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه
الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات ، قلنا لانزاع أنه لا يخفى على العاقل أن الخشبة المنحونة
لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه الثانى، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة
عليهم لأنهم كانوا يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعاً إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو
على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر ، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة فى طاعتها ولا مضرة
فى الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها (النوع الثانى) قوله ( يا أبت إنى قد جاءنى من العلم
مالم يأتك فاتبعنى أهدك صراطاً سوياً) ومعناه ظاهر وطمع فى التمسك به أهل التعليم وأهل.
لتقليد - أما أهل التعليم فقالوا إنه أمره بالإتباع فى الدين وما أمره بالتمسك بدليل لا يستفاد
إلا من الإتباع، وأما أهل التقليد فقد تمسكوا به أيضاً من هذا الوجه، ومن الناس من طعن أنه أمره
بالإتباع لتحصل الهداية ، فاذن لا تحصل الهداية إلا باتباعه، ولا تبعية إلا إذا اهتدى لقولنا إنه لابد
من اتباعه فيقع الدور وإنه باطل ( والجواب ) عن الأول أن المراد بالهداية بيان الدليل وشرحه
وإيضاحه، فعند هذا عاد السائل فقال أنا لا أنكر أنه لابد من الدلالة ، ولكنى أفول الوقوف على
تلك الدلالة لا يستفاد إلا ممن له نفس كاملة بعيدة عن النقص والخطأ، وهى نفس النبى المعصوم
أو الإمام المعصوم فإذا سلمت أنه لابد من النبى فى هذا المقصود فقد سلمت حصول الغرض ، أجاب
المجيب وقال أنا ما سلمت أنه لابد فى الوقوف على الدلائل من هداية النبى، ولكى أقول هذا الطريق
أسهل وإن إبراهيم عليه السلام دعاه إلى الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله (فاتبعنى)
ليس أمر إيجاب بل أمر إرشاد ( والنوع الثالث ) قوله ( يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان
للرحمن عصياً) أى لا قطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول منه، لأنه أعظم الخصال
المنفرة، واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه فى الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه
عاصياً لله ولم يذكر معاداته لآدم عليه السلام كأن النظر فى عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان
غمى فكره وأطبق على ذهنه، وأيضاً فان معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأى، ومن كان
كذلك كان حقيقاً أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فان قيل إن هذا القول يتوقف على
إثبات أمور: (أحدها) إثبات الصانع ( وثانيها) إثبات الشيطان ( وثالثها) إثبات أن الشيطان
عاص لله (ورابعها) أنه لما كان عاصياً لم تجز طاعته فى شىء من الأشياء (وخامسها) أن الإعتقاد
الذى كان عليه ذلك الإنسان كان مستفاداً من طاعة الشيطان ، ومن شأن الدلالة التى تورد على
الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومة مسلمة، ولعل أبا ابراهيم كان منازعً فى كل هذه المقدمات،

٢٢٧
قوله تعالى : واذكر في الكتاب سورة مريم .
وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلهاً سوى نمروذ فكيف يسلم وجود إلاله الرحمن وإذا لم يسلم
وجوده، فكيف يمكنه تسليم أن الشيطان كان عاصياً للرحمن ، ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم
الخصم بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان، بل لعله يقلب ذلك على خصمه ، قلنا
الحجة المعول عليها فى إبطال مذهب آزر هو الذى ذكره أولا من قوله ( لم تعبد ما لا يسمع ولا
يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) فأما هذا الكلام فيجرى مجرى التخويف والتحذير الذى يحمله على
النظر فى تلك الدلالة، وعلى هذا التقدير يسقط السؤال (النوع الرابع ) قوله ( يا أبت إنى أخاف
أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً) قال الفراء معنى أخاف أعلم . والأكثرون على
أنه محمول على ظاهره ، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن أباه سيموت
على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه على ظاهره فانه كان يجوز أن يؤمن فيصير من
أهل الثواب ويجوز أن يصرفيموت على الكفر ، فيكون من أهل العقاب ، ومن كان كذلك كان
خائفاً لا قاطعاً، واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فانه لا يسمى خائفاً إلا إذا كان بحيث
يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدى أما قوله (فتكون للشيطان
ولياً) فذكروا فى الولى وجوها (أحدها) أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان فى النار
والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله على الولاية الحقيقية
لقوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) وقال (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم
ببعض ويلعن بعضكم بعضاً) وحكى عن الشيطان أنه يقول لهم (إنى كفرت بما أشر كتمون من قبل)
واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة ، أما إذا كان المراد
منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط ( وثانيها) أن يحمل العذاب على الخذلان أى إنى أخاف أن
يمسك خذلان الله فتصير موالياً للشيطان ويبرأ الله منك على ما قال تعالى (ومن يتخذ الشيطان
ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً) (وثالثها) ولياً أى تالياً للشيطان ، تليه كما يسمى المطر
الذى يأتى تالياً ولياً فان قيل قوله ( أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً)
يقتضى أن تكون ولاية الشيطان أسوأ حالا من العذاب نفسه وأعظم، فما السبب لذلك (والجواب)
أن رضوان الله تعالى أعظم من الثواب على ماقال (ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم)
فوجب أن تكون ولاية الشيطان التى هى فى مقابلة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم.
واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام فى غاية الحسن لأنه نبه أولا على ما يدل على
المنع من عبادة الأوثان ثم أمره باتباعه فى النظر والاستدلال وترك التقليد ثم نبه على أن ...
الشيطان غير جائزة فى العقول ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على مالا ينبغى ثم إنه
عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقروناً باللطف والرفق فان قوله فى مقدمة كل كلام (يا أبت)
دليل على شدة الحب والرغبة فى صونه عن العقاب وإرشاده الى الصواب، وختم الكلام بقوله

٢٢٨
قوله تعالى : قال أراغب أنت عن إلهتي يا إبراهيم . سورة مريم .
قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِ يَبْرَّهِيُ لَبِ لَّْنَتِهِ لَأَرْبُمَنَّكَ وَاهْجُرْبِ مَلِيَّ
٤٦
قَالَ سَمَّ غَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُلَكَ رَبِ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا (﴾ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَتَدْعُونَ
مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا
٤٨
(إنى أخاف) وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه وإنما فعل ذلك لوجوه: (أحدها ) قضاء لحق
الأبوة على ما قال تعالى ( وبالوالدين إحسانا) والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان ، فاذا
انضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ذلك نوراً على نور (وثانيها) أن الهادى إلى الحق لابد وأن
يكون رفيقاً لطيفاً يورد الكلام لا على سبيل العنف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب فى
إعراض المستمع فيكون ذلك فى الحقيقة سعياً فى الإغواء (وثالثها) ماروى أبو هريرة أنه قال عليه
السلام (( أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلى حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل
الأبرار فان كلمتى سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشى وأن أسكنه حظيرة قدسى وأدنيه من
جوارى)) والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ قال أراغب أنت عن آلهتى يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى ملياً . قال سلام
عليك سأستغفر لك ربی إنه كان بی حفياً. وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربى عسى
ألا أكون بدعاء ربى شقياً :
اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوجيد، وذكر الدلالة على فساد عبادة
الأوثان ، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ، وأورد كل ذلك مقروناً باللطف والرفق ، قابله
أبوه بجواب يضاد ذلك، فقابل حجته بالتقليد، فانه لم يذكر فى مقابلة حجته إلا قوله ( أراغب
أنت عن آلهتى يا إبراهيم) فأصير على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليداً وقابل وعظه بالسفاهة حيث
هدده بالضرب والشتم، وقابل رفقه فى قوله ( يا أبت) بالعنف حيث لم يقل له يابنى بل قال
(يا إبراهيم) وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد ◌ِ لَّم ليخفف على قلبه ما كان يصل اليه من أذى المشركين
فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة، أما قوله (أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم)
فان كان ذلك على وجه الإستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه
على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول، وإن كان ذلك على سبيل
التعجب فأى تعجب فى الإعراض عن حجة لافائدة فيها، وإنما التعجب كله من الإقدام على
عبادتها فان الدليل الذى ذكره ابراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب
من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكان أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبنى على الدليل بتعجب

٢٢٩
قوله تعالى : قال أراغب أنت عن الهتي . سورة مريم .
فاسد غير مبنى على دليل وشبهة ، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه، أما قوله ( لئن لم
تأته لأرجمنك واهجر نى ملياً ) ففيه مسائل:
﴿المسألة الأولى﴾ فى الرجم ههنا قولان (الأول) أنه الرجم باللسان، وهو الشتم والذم،
ومنه قوله ( والذين يرمون المحصنات) أى بالشتم، ومنه الرجيم ، أى المرمى باللعن ، قال مجاهد:
الرجم فى القرآن كله بمعنى الشتم ( والثانى) أنه الرجم باليد، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوها:
( أحدها ) لأرجمنك باظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك (وثانيها) لأرجمنك بالحجارة لتقباعد
عنى (وثالثها) عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش (ورابعها) قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه
الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك فى معنى الطرد والإبعاد اتساعا، ويدل على أنه أراد الطرد
قوله تعالى (واهجرنى ملياً) واعلم أن أصل الرجم هو الرمى بالرجام لحمله عليه أولى، فان قيل: أنا
يدل قوله تعالى ( والهجرنى ملياً) على أن المراد به الرجم بالشتم؟ قلنا لا، وذلك لأنه هدده بالرجم
إن بقى على قربه منه وأمره أن يبعد هرباً من ذلك فهو فى معنى قوله ( واهجرنى ملياً).
﴿ المسألة الثانية) فى قوله تعالى (واهجرنى ملياً) قولان (أحدهما) المراد واهجرنى بالقول
( والثانى) بالمفارقة فى الدار والبلد وهى هجرة الرسول والمؤمنين أى تباعد عنى لكى لا أراك
وهذا الثانى أقرب إلى الظاهر.
المسألة الثالثة ﴾ فى قوله (ملياً) قولان (الأول) ملياً أى مدة بعيدة مأخوذ من قولهم
أتى على فلان ملاوة من الدهر أى زمان بعيد ( والثانى) ملياً بالذهاب عنى والهجران قبل أن
أنخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملى بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به .
المسألة الرابعة﴾ عطف اهجرنى على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك, أى
فاحذرنى واهجرنى لئلا أرجمنك، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين
(أحدهما) أنه وعده التباعد منه، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الإنقياد لذلك الأمر
وقوله ( سلام عليك) توادع ومتاركة كقوله تعالى (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم
لانبتغى الجاهلين ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح
إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان ، ويجوز أن يكون قد دعا له
بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار ، ثم إنه لما ودع أباه بقوله (سلام عليك) ضم
الى ذلك مادل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله ( سأستغفر لك ربى )
واحتج بهذه الآية من طعن فى عصمة الأنبياء، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه
استغفر لأ بيهوهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام
فعل ما لا يجوز ، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن ابراهيم (سلام عليك سأستغفر
لك ربى) وقوله ( واغفر لأبى إنه كان من الضالين) وأما أن أباه كان كافراً فذاك بنص القرآن

٢٣٠
قوله تعالى : قال أراغب أنت عن إلهتي يا إبراهيم . سورة مريم .
وبالاجماع، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين (الأول) قوله تعالى ( ما كان النبى
والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين)، (الثانى) قوله فى سورة الممتحنة ( قد كانت لكم أسوة
حسنة فى إبراهيم - إلى قوله - لأستغفرن لك) وأمر الناس إلا فى هذا الفعل فوجب أن يكون
ذلك معصية منه، (والجواب) لا نزاع إلا فى قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فان الكلام عليه من
وجوه (أحدها) أن القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل ابراهيم
عليه السلام لم يجد فى شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر لأبيه ( وثانيها )
أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة ، كما فى قوله ( قل الذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون
أيام الله) والمعنى سأسأل ربى أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حياً بعذاب الدنيا المعجل (وثالثها)
أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الايمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار
ولعل فى شرعه جواز الاستغفار للكافر الذى يرجى منه الايمان، والدليل على وقوع هذا
الاحتمال قوله تعالى ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولی قربى من
بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا
أنهم من أصحاب الجحيم ) ثم قال بعد ذلك ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها
إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه) فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن، فلما لم يؤمن
لم يستغفرله بل تبرأ منه، فان قيل فاذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسى به فى قوله ( قد كانت
لكم أسوة حسنة فى إبراهيم - إلى قوله - إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك) قلنا الآية تدل
على أنه لا يجوز لنا التأسى به فى ذلك لكن المنع من التأسى به فى ذلك لايدل على أن ذلك كان
معصية . فان كثيراً من الأشياء هى من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا
التأسى به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام ( ورابعها) لعل هذا الاستغفار كان من باب
ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين، أما قوله ( إنه كان بى حفياً) أى لطيفاً رفيقاً
يقال أحفى فلان فى المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ فى الرفق، ومنه قوله تعالى (إن يسألكموها
فيحفكم تبخلوا) أى وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بى وإنعامه على عودفى الإجابة
فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران
(الجواب الثانى) من الجوابين قوله ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) الاعتزال للشىء هو
التباعد عنه والمراد أنى أفارقكم فى المكان وأفارقكم فى طريقتكم أيضاً وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة
ربى الذى ينفع ويضر والذى خلقى وأنعم على فانكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك،
فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله (عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقياً) أرجو أن لا أكون كذلك،
وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله (والذى أطمع أن يغفر لى خطيتى يوم الدين) وأما
قوله ( شقياً مع مافيه من التواضع لله فقيه تعريض بشقاوتهم فى دعاءآلهتهم على ماقرره أولا فى

قوله تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله بسورة مريم ٢٣١
فَلَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ وَ إِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ وَكُلَُّ جَعَلْنَا
نَبِيًّ ◌َ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِّن رَّحْمِنَا وَ جَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
قوله ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً).
قوله تعالى: ﴿ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلاجعلنا نبياً،
ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق علياً
اعلم أنه ما خسر على اللّه أحد فان إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم فى دينهم وفى بلدهم واختار
الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره لم يضره ذلك ديناً ودنيا ، بل نفعه فعوضه أولاداً أنبياء ولا حالة فى
الدين والدنيا للبشر أرفع من أن يجعل الله له رسولا إلى خلقه ويلزم الخلق طاعته والإنقياد له مع
ما يحصل فيه من عظيم المنزلة فى الآخرة فصار جعله تعالى إياهم أنبياء من أعظم النعم فى الدنيا
والآخرة ، ثم بين تعالى أنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أى وهب لهم مع النبوة ماوهب ويدخل فيه
المال والجاه والأتباع والفسل الطاهر والذرية الطيبة ثم قال (وجعلنا لهم لسان صدق علياً) ولسان
الصدق الثناء الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يعطى باليد وهو العطية ،
واستجاب الله دعوته فى قوله ( واجعل لى لسان صدق فى الآخرين) فصيره قدوة حتى ادعاه أهل
الأديان كلهم وقال عز وجل (ملة أبيكم إبراهيم ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) قال
بعضهم إن الخليل اعتزل عن الخلق على ما قال ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) فلا جرم
بارك الله فى أولاده فقال ( ووهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبياً) ( وثانيها) أنه تبرأ من أبيه
فى اللّه تعالى على ما قال ( فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) لا جرم أن الله
سماه أباً للمسلمين فقال (ملة أبيكم إبراهيم) (وثالثها) تل ولده للجبين ليذبحه على ماقال ( فلما أسلا
وتله للجبين) لا جرم فداه الله تعالى على ما قال (وفديناه بذيح عظيم) (ورابعها) أسلم نفسه
فقال (أسلمت لرب العالمين) فجعل الله تعالى النار عليه برداً وسلاماً فقال (قلنا يا نار كونى برداً وسلاماً
على ابراهيم) (وخامسها) أشفق على هذه الأمة فقال (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم) لا جرم أشركه
الله تعالى فى الصلوات الخمس ، كما صليتوباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (وسادسها) فى حق
سارة فى قوله (وإبراهيم الذى وفى) لاجرم جعل موطى. قدميه مباركا (واتخذوا من مقام إبراهيم
مصلى)،(وسابعها) عادى كل الخلق فى اللّه فقال (فانهم عدو لى إلا رب العالمين) لا جرم اتخذه الله
خليلا على ما قال ( واتخذ الله إبراهيم خليلا) ليعلم صحة قولنا أنه ماخسر على الله أحد ؛

٢٣٢
قوله تعالى : واذكر في الكتاب موسى . سورة مريم .
وَاذْكُرْ فِىِ الْكِتَبِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّيًّا (﴾ وَنَدَيْنَهُ
مِن جَائِبِ الْطُّورِ الْأَيْنِ وَقَّبَْهُ نِيََّ﴾ وَوَهَبْنَ لَهُ مِن رََّ أَاهُ هَدُرُونَ ◌َّاً،
ـة وَكَانَ يَأْمُرُ
وَأَذْ كُرْ فِى الْكِتَبِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَ كَانَ رَسُولُا نَبِيًّا
﴿القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام}
قوله تعالى : ﴿ واذکر فی الکتاب موسی إنه كان مخلصاً وكان رسولا نبياً . وناديناه من جانب
الطور الأيمن وقربناه نجياً . ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبياً ﴾.
إعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور (أحدها ) أنه كان مخلصاً فإذا قرئ بفتح
اللام فهو من الإصطفاء والإجتباء كأن الله تعالى اصطفاه واستخلصه وإذا قرى بالكسر فمعناه
أخلص لله فى التوحيد فى العبادة والإخلاص هو القصد فى العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده،
ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل واحدة منهما ثابت مقطوع به، جعل الله تعالى من صفة موسى
عليه السلام كلا الأمرين (وثانيها) كونه رسولا نبيا ولا شك أنهما وصفان مختلفان لكن المعتزلة
زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نى وكل نى رسول ومن الناس من أنكر ذلك وقد بينا
الكلام فيه فى سورة الحج فى قوله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى) (وثالثها)
قوله تعالى ( وناديناه من جانب الطور الأيمن ) من اليمين أى من ناحية اليمين والأيمن صفة الطور
أو الجانب (ورابعها) قوله (وقربناه نجياً) ولما ذكر كونه رسولا قال (وقربناه نجياً) وفى قوله (قربناه)
قولان (أحدهما) المراد قرب المكان عن أبى العالية قربه حتى سمع صرير القلم حيث كتبت التوراة
فى الألواح (والثانى) قرب المنزلة أى رفعنا قدره وشرفناه بالمناجاة ، قال القاضى وهذا أقرب لأن
استعمال القرب فى اللّه قد صار بالتعارف لايراد به إلا المنزلة وعلى هذا الوجه يقال فى العبادة
تقرب، ويقال فى الملائكة عليهم السلام إنهم مقربون وأما (نجياً) فقيل فيه أنجيناه من أعدائه وقيل
هو من المناجاة فى المخاطبة وهو أولى (وخامسها) قوله (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبياً) قال
ابن عباس رضى الله عنهما: كان هرون عليه السلام أكبر من موسى عليهما السلام، وإنما وهب الله
له نبوته لاشخصه وأخوته وذلك إجابة لدعائه فى قوله (واجعل لى وزيراً من أهلى هرون أخى أشدد
به أزرى) فأجابه اللّه تعالى إليه بقوله (قد أوتيت سؤلك ياموسى) وقوله (سنشد عضدك بأخيك)
القصة الخامسة قصة إسماعيل عليه السلام ﴾
قوله تعالى ﴿ واذكر فى الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبياً . وكان يأمر

٢٣٣
قوله تعالى : واذكر في الكتاب إسماعيل . سورة مريم .
أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَ كَانَ عِندَ رَبِِّهِ مَرْضِيًّا
أهله بالصلاة والزكاة و کان عند ربه مرضیاً ﴾
إعلم أن إسمعيل هذا هو إسمعيل بن إبراهيم عليهما السلام، واعلم أن الله تعالى وصف إسماعيل
عليه السلام بأشياء (أولها) قوله ( إنه كان صادق الوعد) وهذا الوعد يمكن أن يكون المراد فيما
بينه وبين الله تعالى ويمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الناس (أما الأول) فهو أن يكون المراد
أنه كان لا يخالف شيئاً مما يؤمر به من طاعة ربه وذلك لأن الله تعالى إذا أرسل الملك إلى الأنبياء
وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد منهم يقتضى القيام بذلك ويدل على القيام بسائر
ما يخصه من العبادة ( وأما الثانى ) فهو أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشىء أنجز وعده فالله
تعالى وصفه بهذا الخلق الشريف وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه وعدصاحباً له أن ينتظره
فى مكان فانتظره سنة، وأيضاً وعد من نفسه الصبر على الذيح فوفى به حيث قال ( ستجدفى إن شاء
اللّه من الصابرين) ويروى أن عيسى عليه السلام قال له رجل انتظرفى حتى آتيك فقال عيسى عليه
السلام نعم وانطلق الرجل ونسى الميعاد بنجاء لحاجة الى ذلك المكان وعيسى عليه السلام هنالك
للميعاد، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أنه واعد رجلاونسى ذلك الرجل فانتظره من الضحى
الى قريب من غروب الشمس ، وسئل الشعبى عن الرجل يعد ميعاداً الى أى وقت ينتظره فقال
إن واعده نهاراً فكل النهار وإن واعده ليلا فكل الليل، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك فقال إذا
واعدته فى وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى ( وثانيها) قوله ( وكان رسولا نبياً) وقد
مر تفسيره ( وثالثها ) قوله (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) والأقرب فى الأهل أن المراد به
من يلزمه أن يؤدى إليه الشرع فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه فى جميعهم ما يلزم المرء فى أهله
خاصة ، هذا إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة والزكاة فان حمل على الندب فيهما كان
المراد أنه كما كان يتهجد بالليل يأمر أهله أى من كان فى داره فى ذلك الوقت بذلك وكان نظره لهم
فى الدين يغلب على شفقته عليهم فى الدنيا بخلاف ما عليه أكثر الناس ، وقيل كان يبدأ بأهله
فى الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين)
(وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) وأيضاً فهم أحق أن يتصدق عليهم
فوجب أن يكونوا بالاحسان الدينى أولى، فأما الزكاة فعن ابن عباس رضى الله عنهما أنها طاعة الله
تعالى والاخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل عند ربه والظاهر أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة
أن يراد بها الصدقات الواجبة وكان يعرف من خاصة أهله أن يلزمهم الزكاة فيأمرهم بذلك أو يأمرهم
أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء (ورابعها) قوله (وكان عند ربه مرضياً) وهو فى نهاية المدح لأن
المرضى عند الله هو الفائز فى كل طاعاته بأعلى الدرجات .

٢٣٤
قوله تعالى : واذكر في الكتاب إدريس . سورة مريم .
وَاذْكُرْ فِ الْكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّاً ﴾ وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا(
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمٍ مِنَ النَّبِنَ مِنْ ذُرِيَةٍ ،َادَمَ وَعِمِّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن
ذُرِيَّةٍ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْرَآءِيلَ وَعَمَّنْ هَدَيْنَا وَأَجْتَبَيْنَآ إِذَانُتْلَى ◌َيْهِمْ ءَيَلْتُ الَّحْمَنِّ ◌َرُواْ
مُعْدًا وَبُكِيًّالتّ
القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام
قوله تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً
اعلم أن إدريس عليه السلام هو جد أبى نوح عليه السلام وهو نوح بن لمك بن متوشلخ
ابن أخنوخ قيل سمى إدريس لكثرة دراسته واسمه أخنوخ ووصفه الله تعالى بأمور: (أحدها )
أنه كان صديقاً (وثانيها) أنه كان نبياً وقد تقدم القول فيهما (وثالثها) قوله (ورفعناه مكاناً علياً)
وفيه قولان (أحدهما) أنه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد بمَ ◌ّ (ورفعنا لك ذكرك) فان الله
تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أولى من خط بالقلم ونظر فى علم النجوم والحساب
وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود (الثانى) أن المراد به الرفعة فى المكان إلى
موضع عال وهذا أول، لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة فى المكان لا فى الدرجة ثم
اختلفوا فقال بعضهم إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حى لم يمث، وقال آخرون بل رفع إلى
السماء وقبض روحه سأل ابن عباس رضى الله عنهما كعباً عن قوله ( ورفعناه مكانا علياً ) قال جاءه
خليل له من الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه حمله ذلك الملك بين
جناحيه فصعد به إلى السماء فلما كان فى السماء الرابعة فاذا ملك الموت يقول بعثت وقيل لى اقبض
روح إدريس فى السماء الرابعة، وأنا أقول كيف ذلك وهو فى الأرض فالتفت إدريس فرآه ملك
الموت فقبض روحه هناك. واعلم أن الله تعالى أنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة
أت لايرفع اليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة، ولذلك قال فى حق الملائكة (ومن عنده لا يستكبرون
عن عبادته) وههنا آخر القصص .
قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ومن حملنا مع نوح ومن
ذرية إبراهيم وإسرائيل ومن هدينا واجتبينا، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً
أعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد من تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخرا
فقال (أولئك الذين أنعم الله عليهم) أى بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين

٢٣٥
قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم . سورة مريم .
فى السورة من لدن زكريا إلى إدريس ، ثم جمعهم فى كونهم من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه
من ذرية من حمل مع نوح. والذى يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نه = ٥ إدريس
عليه السلام ، فقد كان سابقاً على نوح على ماثبت فى الأخبار والذين هم من ذرية من حمل مع نوح
هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وإسماعيل وإسحق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم
خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أى يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحي وعيسى من
قبل الأم فرتب الله سبحانه وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب
منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد فى الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم
ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم اختصوا بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم، ولأنه اختارهم
للرسالة ثم قال ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً) تتلى عليهم أى على هؤلاء الأنبياء
فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذى عند تلاوة آيات الله يخرون جداً وبكياً خضوعاً
وخشوعاً وحذراً وخوفاً، والمرادبآيات الله ماخصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم. وقال
أبو مسلم المراد بالآيات التى فيها ذكر العذاب المنزل بالكفاروهو بعيد لأن سائر الآيات التى فيها
ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب حمله على كل آية تتلى ما يتضمن
الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لأن كل ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن
يبكى، واختلفوا فقال بعضهم فى السجود إنه الصلاة وقال بعضهم المراد سجود التلاوة على حسب ما تعبدنا به
وقيل المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضى سجوداً مخصوصاً عند التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد
سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر
السجود فى الآية ، قال الزجاج فى بكياً جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان
فى حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال فى بكياً إنه مصدر فقد
أخطأ لان سجداً جمع ساجد وبكياً معطوف عليه وعن رسول اللّه تَّم ((اتلوا القرآن وابكوا فان
لم تبكوا فتباكوا)) وعن صالح المرى قال: قرأت القرآن عن رسول الله بت لتم فى المنام فقال لى ياصالح
هذه القراءة فأين البكاء؟. وعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا قرأتم سحمدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود
حتى تبكوا فان لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وعن رسول الله يت لقم ((القرآن نزل بحزن فاقرأوه
بحزن)» وعن رسول اللّه ◌َ الله («ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم الله على النار جسدها)» وعن أبى
هريرة رضى الله عنه ((لا يلج النار من بكى من خشية الله)) وقال العلماء يدعو فى سجود التلاوة بما
يليق بها فان قرأ آية تنزيل السجدة قال اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ
بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلنى من البا كين إليك
الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة قال اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك
الباكين عند تلاوة آيات كتابك .

٢٣٦
قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف . سورة مريم .
تَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَتَّبَعُوْلَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِعًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلُونَ
شَيْئًا
قوله تعالى: ﴿يخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً،
إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً
إعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيباً لنا فى التأسى بطريقتهم ذكر
بعدهم من هو بالضد منهم فقال خلف من بعدهم خلف، وظاهر الكلام أن المراد من بعد هؤلاء
الأنبياء خلف من أولادهم يقال خلفه إذا أعقبه ثم قيل فى عقب الخبر خلف بفتح اللام وفى
عقب الشر خلف بالسكون، كما قالوا وعد فى ضمان الخير ووعيد فى ضمان الشر وفى الحديث
((فى الله خلف من كل هالك)) وفى الشعر لليد:
ذهب الذين يعاش فى أكنافهم وبقيت فى خلف جلد الأجرب
ثم وصفهم باضاعة الصلاة واتباع الشهوات فاضاعة الصلاة فى مقابلة قوله (خروا سجداً)
واتباع الشهوات فى مقابلة قوله (وبكياً) لان بكاهم يدل على خوفهم واتباع هؤلاء لشهواتهم يدل
على عدم الخوف لهم وظاهر قوله ( أضاعوا الصلاة) تركوها لكن تركها قد يكون بأن لا تفعل
أصلا وقد يكون بأن لا تفعل فى وقتها وإن كان الأظهر هو الأول وأما اتباع الشهوات فقال
ابن عباس رضى الله عنهما هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت
من الأب واحتج بعضهم بقوله (إلا من تاب وآمن) على أن تارك الصلاة كافر، واحتج أصحابنا
بها فى أن الإيمان غير العمل لأنه تعالى قال ( وآمن وعمل صالحاً) فعطف العمل على الإيمان
والمعطوف غير المعطوف عليه، أجاب الكعبى عنه بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان والتوبة من
الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما، وهذا الجواب ضعيف لأن
عطف الايمان على النوبة يقتضى وقوع المغايرة بينهما لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار
بالله تعالى وهما متغايران، فكذا فى هذه الصورة. ثم بين تعالى أن من هذه صفته ( يلقون غياً)
وذكروا فى الغى وجوهاً (أحدها ) أن كل شر عند العرب غى وكل خير رشاد ، قال الشاعر:
ومن يغو لا يعدم على الغى لاما
فمن بلق خيراً يحمد الناس أمره
(وثانيها) قال الزجاج ( يلقون غياً) أى يلقون جزاء الغى، كقوله تعالى (يلق أثاماً) أى
مجازاة الآثام ( وثالثها ) غياً عن طريق الجنة ( ورابعها) الغى واد فى جهنم يستعيذ منه أوديتها

٢٣٧
قوله تعالى : حنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب . سورة مريم .
جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِ وَعَدَ الْمَنُ عِبَادَهُ، بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ, مَأِْيًّاَ (بَ لَّا يَسْمَعُونَ
فِهَ لَغْوًا إِلَّا سَمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةُ وَعَشِيًّا (﴾ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِنُورِثُ مِنْ
عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا
والوجهان الأولان أقرب فان كان فى جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون
المراد ماقدمنا لأنه المعقول فى اللغة ، ثم بين سبحانه أن هذا الرعيد فيمن لم يتب ، وأما من تاب
وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم، وههنا سؤالان (الأول) الاستثناء دل على أنه
لابد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن كفره ولم
يدخل وقت الصلاة ، أو كانت المرأة حائضاً فانه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضاً غير واجبة،
وكذا الصوم فهنا لو مات فى ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز
توقف الأجر على العمل الصالح، (والجواب) أن هذه الصورة نادرة، والمرادمنه الغالب (السؤال
الثانى) قوله (ولا يظلمون شيئاً) هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقاً على العمل، لأنه لو كان
الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد
(الجواب) أنه لما أشبهه أجرى على حكمه .
قوله تعالى: ﴿جنات عدن التى وعد الرحمن عباده بالعيب إنه كان وعده ماتياً. لا يسمعون
فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً . تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقياً ﴾
إعلم أنه تعالى لما ذكر فى التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور (أحدها ) قوله (جنات
عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب ) والعدن الإقامة وصفها بالدوام على خلاف حال الجنان فى
الدنيا التى لا تدوم ولذلك فان حالها لا يتغير فى مناظرها فليست جنان الدنيا التى حالها يختلف فى
خضرة الورق وظهور النور والثمر وبين تعالى أنها (وعد الرحمن لعباده) وأما قوله (بالغيب) ففيه
وجهان (أحدهما) أنه تعالى وعد [هم إبا] ها وهى غائبة عنهم غير حاضرة أوهم غائبون عنها لا يشاهدونها
(والثانى) أن المراد وعد الرحمن الذين يكونون عباداً بالغيب أى الذين يعبدونه فى السر بخلاف
المنافقين فإنهم يعبدونه فى الظاهر ولا يعبدونه فى السر وهو قول أبى مسلم (والوجه الأول) أقوى
لأنه تعالى بين أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد حاصل ، فلذلك قال بعده
( إنه كان وعده ماتياً) أما قوله (ماتياً) فقيل إنه مفعول بمعنى فاعل والوجه أن الوعد هو الجنة
وهم يأتونها، قال الزجاج كل ما وصل إليك فقدوصلت إليه وما أتاك فقد أتيته والمقصود من قوله
( إنه كان وعده ماتياً) بيان أن الوعد منه تعالي وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد وحاصل

٢٣٨ قوله تعالى : جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب . سورة مريم
والمراد تقرير ذلك فى القلوب (وثانيها) قوله (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) واللغو من الكلام
ما - بيله أن يلغى ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله (لا تسمع فيها لاغية) وفيه تنبيه ظاهر
على وجوب تجنب اللغو حيث نزه اللّه تعالى عنه الدار التى لا تكليف فيها وما أحسن قوله ( وإذا
مروا باللغو مروا كراماً)، (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ويقالٍالا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام
عليكم لا نبتغى الجاهلين ) أما قوله ( إلا سلاماً) ففيه بحثان:
﴿ البحث الأول ) أن فيه إشكالا وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى
السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه ( أحدها ) أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل
الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا مافيه من فائدة
الإكرام (وثانيها) أن يحمل ذلك على الاستثناء المنقطع (وثالثها) أن يكون هذا من جنس قول الشاعر:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
﴿ البحث الثانى) أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من تسليم
الملائكة أو من تسليم اللّه تعالى على ما قال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم
بما صبرتم فنعم عقبى الدار) وقوله ( سلام قولا من رب رحيم) (ورابعها) قوله تعالى ( ولهم
رزقهم فيها بكرة وعشيا) وفيه سؤالان (السؤال الأول) أن المقصود من هذه الآيات وصف
الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة (والجواب)
من وجهين (الأول ) قال الحسن أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه فى الدنيا ولذلك
ذكر أساور من الذهب والفضة ولبس الحرير التى كانت عادة العجم والأرائك التى هى الحجال
المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب فى اليمن ولا شىء كان أحب إلى العرب من
الغداء والعشاء فوعدهم بذلك ( الثانى) أن المراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء
وبكرة وعشياً تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين (السؤال الثانى) قال تعالى (لا يرون فيها
شمساً ولا زمهريراً) وقال عليه السلام ((لاصباح عند ربك ولا مساء)) والبكرة والعشى لا يوجدان
إلا عند وجود الصباح والمساء (والجواب) المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشى إلا أنه
ليس فى الجنة غدوة وعشِى إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة
يعرفون بها مقادير الغداة والعشى ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاؤا كما جرت العادة
فى الغداة والعشى ( وخامسها ) قوله ( تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقياً) وفيه أبحاث:
(الأول) قوله (تلك الجنة) هذه الإشارة إنما صحت لأن الجنة غائبة (وثانيها) ذكروا فى نورث وجوهاً
(الأول) نورث استعارة أى نبقى عليه الجنة كما نبقى على الوارث مال المورث (الثانى) أن المراد أنا
تنقل تلك المنازل ممن لوأطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم جعل هذا النقل إرثاً قاله الحسن
(الثالث) أن الإنقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها باقية وهى الجنة فإذا أدخلهم

٢٣٩
قوله تعالى : وما نتنزل إلا بأمر ربك . سورة مريم .
وَمَا تَتَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُوَ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ
رَبُّكَ فَسِيًّا ( رَّبُّ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدُهُ وَأَصْطَبْ لِعِبَادَتِهِ
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا زه
الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يرث الوارث المال من المتوفى (ورابعها) معنى من كان تقياً من
تمسك باتقاء معاصيه وجعله عادته واتقى ترك الواجبات ، قال القاضى فيه دلالة على أن الجنة يختص
بدخولها من كان متقياً والفاسق المرتكب للكبار لايوصف بذلك (والجواب) الآية تدل على أن
المنقى يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضاً فصاحب الكبيرة متق عن الكفر
ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق لأن المتقى جزء من مفهوم قولنا المتقى
عن الكفر وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق وجب أن يدخل تحته فالآية بأن تمل
على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها .
قوله تعالى: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك
نسياً . رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾
إعلم أن فى الآية إشكالا وهو أن قوله ( تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقياً) كلام
الله وقوله ( وما نتنزل إلا بأمر ربك) كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير
فصل (والجواب) أنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه (إذا قضى أمراً فانما يقول
له كن فيكون) هو كلام الله وقوله ( وإن الله ربي وربكم) كلام غير الله وأحدهما معطوف على
الآخر، واعلم أن ظاهر قوله تعالى ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) خطاب جماعة لواحد وذلك
لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل فى سببه ماروى أن قريشاً بعثت خمسة
رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد برؤ يته وهل يجدونه فى كتابهم فسألوا النصارى فزعموا
أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود نجده فى كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث
فلم يعرف فاسألوه عنهن فان أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه، فاسألوه عن فتية أصحاب الكهف وعن
ذى القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد
ذلك ، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحى عنه أربعين يوماً وقيل خمسة عشر يوماً فشق عليه ذلك
مشقة شديدة وقال المشركون ودعهربه وقلاه، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي مؤتم أبطأت
عنى حتى ساء ظى واشتقت إليك قال إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا
حبست احتبست فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله ( ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً

٢٤٠
قوله تعالى : وما نتنزل إلا بأمر ربك . سورة مريم .
إلا أن يشاء الله) وسورة الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم (له ما بين أيدينا وما خلفنا) أى هو المدير لنا
فى كل الأوقات الماضى والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلا
وماضياً وما بينهما والغرض أن أمرنا موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته
وحكمته لا اعتراض لأحد عليه فيه وقال أبو مسلم قوله (وما نتنزل إلا بأمر ربك) يجوز أن يكون
قول أهل الجنة والمراد وما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك له مابين أيديناأى فى الجنة مستقبلا وماخلفنا
مما كان فى الدنيا وما بين ذلك أى ما بين الوقتين وما كان ربك نسياً لشىء ما خلق فيترك إعادته
لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة وقوله ( وما كان ربك نسياً) ابتداء كلام منه تعالى فى
مخاطبة الرسول مع اليه ويتصل به (رب السموات والأرض) أى بل هو (رب السموات والأرض
وما بينهما فاعبده ) قال القاضى وهذا مخالف للظاهر من وجوه: (أحدها ) أن ظاهر التنزل نزول
الملائكة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله بأمر ربك وظاهر الأمر بحال التكليف أليق
وثانيها أنه خطاب من جماعة لواحد وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض فى الجنة ( وثالثها) أن
ما فى سياقه من قوله ( وما كان ربك نسياً، رب السموات والأرض وما بينهما ) لا يليق إلا بحال
التكليف ولا يوصف به الرسول بولتم فكأنهم قالوا للرسول وما كان ربك يا محمد نسياً يجوز عليه
السهو حتى يضرك إيطاؤنا بالتنزل عليك إلى مثل ذلك ثم ههنا أبحاث:
﴿ البحث الأول ) قال صاحب الكشاف التنزل على معنيين: (أحدهما) النزول على مهل
( والثانى) بمعنى النزول على الإطلاق والدليل عليه أنه مطاوع نزل ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى
التدريج واللائق بمثل هذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا فى الأحايين. وقتاً بعد
وقت ليس إلا بأمر الله تعالى.
﴿البحث الثانى) ذكروا فى قوله ( ما بين أيدينا وما خلفنا ومابين ذلك) وجوها: (أحدها )
له ما قدامنا وما خلفنا من الجهات وما نحن فيه فلا نمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان
إلى مكان إلا بأمره ومشيئته فليس لنا أن تنقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره ( وثانيها ) له
ما بين أيدينا ما سلف من أمر الدنيا وما خلفنا ما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك وما بين
النفختين وهو أربعون سنة ( وثالثها) ما مضى من أعمارنا وما غبر من ذلك والحال التى نحن فيها
(ورابعها) ماقبل وجودنا وما بعد فنائنا (وخامسها) الأرض التى بين أيدينا إذا نزلنا والسبها.
التى وراءنا وما بين السماء والأرض وعلى كل التقديرات فالمقصود أنه المحيط بكل شىء لا تخفى عليه
خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة فكيف نقدم على فعل إلا بأمره وحكمه.
﴿ البحث الثانث ) قوله ( وما كان ربك نسياً) أى تاركا لك کقوله ( ما ودعك ربك وما
قلى) أى ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك،
أما قوله (رب السموات والأرض ومابينهما ) فالمراد أن من يكون رباً لها أجمع لا يجوز عليه
النسيان إذ لابد من أن يمسكها حالا بعد حال وإلا بطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف فيهما ،واحتج